انطلاق حملة انتخابات الرئاسة في روسيا... وبوتين «قد يخلف نفسه»

شخصيات هامشية «تنافس» الزعيم الأقوى... بينها متهم بجرائم حرب في أوكرانيا 

دمية ماتريوشكا التقليدية الروسية في أحد محلات بيع الهدايا (أ.ب.إ)
دمية ماتريوشكا التقليدية الروسية في أحد محلات بيع الهدايا (أ.ب.إ)
TT

انطلاق حملة انتخابات الرئاسة في روسيا... وبوتين «قد يخلف نفسه»

دمية ماتريوشكا التقليدية الروسية في أحد محلات بيع الهدايا (أ.ب.إ)
دمية ماتريوشكا التقليدية الروسية في أحد محلات بيع الهدايا (أ.ب.إ)

أطلقت لجنة الانتخابات المركزية في روسيا، الخميس، صافرة الانطلاق لحملة انتخابات الرئاسة المقبلة في البلاد، بعد أن أقر مجلس الاتحاد (الشيوخ) موعد الاستحقاق في 17 مارس (آذار) المقبل.

واتجهت الأنظار إلى الرئيس فلاديمير بوتين الذي لم يعلن بعد رسمياً نيّته خوض المنافسة للفوز بولاية جديدة، وسط اقتناع سائد في الأوساط السياسية والبرلمانية، وعلى مستوى الشارع الروسي، بأنه «المرشح الفعلي» الوحيد للمنصب، على الرغم من إعلان عدد من الشخصيات الهامشية على المستوى السياسي والاجتماعي خوض المنافسة.

انطلاق الحملة الرئاسية

نشر مجلس الاتحاد (الشيوخ)، وهو الجهة المخولة إعلان موعد انتخابات الرئاسة وفقاً للدستور الروسي، نص قرار تم إقراره الخميس بإجماع الأصوات، وحدد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية. ما وفر أساساً قانونياً للجنة الانتخابات لإعلان انطلاق الحملة الرئاسية بشكل رسمي. وأعلنت رئيسة المجلس، فالنتينا ماتفيينكو، أن قرار المجلس «يمثل رسمياً بداية الحملة الانتخابية». وأكدت أن الانتخابات المقبلة هي «الحدث السياسي الأكثر أهمية، الذي سيحدد إلى حد كبير اتجاه التنمية في روسيا».

بدورها، شكرت رئيسة لجنة الانتخابات المركزية، إيلا بامفيلوفا، أعضاء مجلس الشيوخ على قرارهم. وقالت خلال الاجتماع: «شكراً لكم على توفير الإطار التشريعي اللازم لإجراء الانتخابات بكرامة. وستضمن الانتخابات المقبلة إلى حد كبير تعزيز تنمية روسيا وانتصارها في هذه المعركة الجيوسياسية القاسية». وأضافت رئيسة اللجنة أنه يجري النظر في إمكانية إجراء عمليات التصويت لمدة 3 أيام بدلاً من تقليد «اليوم الواحد للتصويت»، الذي كان معمولاً به سابقاً.

إيلا بامفيلوفا رئيسة لجنة الانتخابات المركزية الروسية خلال اجتماع مجلس الاتحاد (الشيوخ) (أ.ف.ب)

وينتظر وفقاً لرئيسة لجنة الانتخابات المركزية إجراء الاستحقاق الانتخابي في التوقيت نفسه في «المناطق الجديدة»، في إشارة إلى المقاطعات الأوكرانية التي ضمّتها روسيا العام الماضي، بشكل أحادي. لكنها قالت إن هذه العملية تتطلب التنسيق مع هيئة الأمن الفيدرالي ووزارة الدفاع ورؤساء المجالس المحلية في تلك الأقاليم. وقالت بامفيلوفا للصحافيين إن «النظام الانتخابي في روسيا الاتحادية يتمتع بهامش من الأمان، أريد أن أؤكد لكم أن النظام الانتخابي في بلادنا لديه احتياطي قوي من القوة من أجل تنظيم وإجراء الانتخابات المقبلة تماماً كما يطلبها ويتوقعها شعبنا، لأن الشعب بالنسبة لنا هو القاضي الرئيسي والممتحن الرئيسي». وذكّرت بأنه «لأول مرة في تاريخ روسيا الجديدة، ستُعقد الانتخابات الرئاسية في مثل هذا الجو الجيوسياسي السام، عندما تم إسقاط جميع الأقنعة، عندما انهارت بقايا الزخارف الديمقراطية البالية، وسعت أطراف لتدمير رموزنا الثقافية وتقاليدنا الوطنية واستقلال الدولة».

من يخلف بوتين؟

إلى ذلك، اتّجهت الأنظار فور الإعلان عن تحديد موعد الانتخابات إلى طبيعة الحملات الانتخابية وهويات الأشخاص المشاركين فيها. علماً بأن الرئيس الروسي تجنب خلال الفترة الماضية الرد على أسئلة الصحافيين حول نيته الترشح لولاية جديدة، برغم القناعة أنه سيقدم على ذلك «في الوقت المناسب»، وفقاً للناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف.

بوتين لدى إلقائه خطاباً في الكرملين في 4 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا تستبعد أوساط الكرملين أن يقدم بوتين على إعلان ترشحه رسمياً خلال مؤتمره الصحافي السنوي الشامل الذي ينعقد في 14 من الشهر الحالي. وكان بيسكوف قال، قبل يومين، إن «الرئيس المقبل بعد فلاديمير بوتين يجب أن يكون هو نفسه». وخلال لقاء مع منصة إخبارية شبابية، سُئل بيسكوف عن «شخصية الرئيس الذي يجب أن يأتي بعد انتهاء عهد بوتين»، فأجاب: «يجب أن يكون نفس الشخص، أو شخصاً آخر يحمل نفس المواصفات».

ورداً على سؤال توضيحي حول ما إذا كان الرئيس القادم سيكون قادراً على الحفاظ على إنجازات بوتين، قال بيسكوف: «من الصعب القول. لم يعلن بوتين بعد عن نيته الترشح لمنصب الرئاسة. لكنني أريد بصدق أن أصدق أنه سوف يفعل ذلك. ليس لدي شك في أنه سيفوز في الانتخابات، وليس لدي شك في أنه سيستمر في كونه رئيسنا».

ويتربع بوتين على عرش الكرملين منذ عام 2000، وكان من المنتظر أن ينهي رسمياً ولايته الأخيرة في ربيع العام المقبل. لكن تعديلاً دستورياً أقرّ في منتصف عام 2020 منحه الفرصة للترشح لولايتين إضافيتين، ما يعني أنه نظرياً على الأقل يمكنه أن يبقى على سدة الرئاسة حتى عام 2036.

«تصفير العداد»

وأقرّ مجلس النواب الروسي (الدوما) في 2020 وثيقة التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس فلاديمير بوتين، بعد إدخال بند عليها يمنح الرئيس الحق في الترشح مجدداً لولايتين رئاسيتين جديدتين. وطرحت النائبة في مجلس الدوما فالنتينا تيريشيكوفا، رائدة الفضاء السوفياتية الشهيرة، التعديل بشكل «مفاجئ» في أثناء مناقشة وثيقة التعديلات الدستورية، وتضمن اقتراحها إضافة مادة في مشروع التعديلات ينص على أنه «بعد دخول الدستور المحدث حيز التنفيذ، يتمتع الرئيس الحالي، مثل أي مواطن آخر، بالحق في الترشح مجدداً لمنصب رئيس الدولة».

ويعني هذا النص «تصفير العداد» أمام رئاسة بوتين الذي كان يجب أن تنتهي ولايته الأخيرة في 2024، وفتح المجال لترشيح نفسه مجدداً. وبدا أن هذا السيناريو كان معداً مسبقاً، إذ سرعان ما ظهر بوتين في المجلس بعد دقائق من إعلان الاقتراح، وألقى خطاباً أعلن فيه الموافقة على اقتراح تيريشيكوفا مشترطاً أن توافق عليه المحكمة الدستورية، وهو أمر بدا محسوماً.

منافسون «هامشيون»

في مقابل بوتين الذي تصفه وسائل الاعلام بأنه «زعيم الأمة» ويعد الرجل الأقوى في البلاد، يبدو موقف «المنافسين» الذين أعلنوا حتى الآن نيتهم خوض السباق هشاً للغاية. ووصفتهم وسائل إعلام بأنهم «مجرد شخصيات هامشية لا حضور أو تأثير لها».

بين أبرز المرشحين لـ«منافسة» بوتين؛ إيغور ستريلكوف الذي شغل منصب «وزير الدفاع» السابق في «جمهورية دونيتسك» بعد إعلان انفصال الإقليم عن أوكرانيا، واشتعال الحرب فيه. وهو ضابط سابق برتبة عقيد في هيئة الأمن الفيدرالي الروسي. ويعد ستيرلكوف أبرز المطلوبين لمحكمة لاهاي، واسمه مدرج على لوائح المطلوبين الدوليين، بعد إدانته من جانب المحكمة في حادثة تحطم طائرة «بوينغ» الماليزية في سماء دونباس عام 2014. وقد حكم عليه غيابياً في أوكرانيا بالسجن مدى الحياة، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب في دونيتسك.

بوتين يوقع على رسالة بمعرض دولي في موسكو، 4 ديسمبر (إ.ب.أ)

واللافت أن الرجل الذي قضى أخيراً بضعة أشهر في سجن روسي بسبب دعواته للعنف، غدا خلالها مرشحاً رئاسياً عن «الجبهة اليسارية». وهو تجمع يضم «القوى الوطنية واليسارية الروسية» وفقاً لإعلان منسق الجبهة سيرغي أودالتسوف، الذي قال إن التجمع اتفق على «مرشح واحد يمثله لخوض الاستحقاق الانتخابي».

إلى جانب ستيرلكوف، المشهور باسم حركي خلال نشاطه الانفصالي في أوكرانيا هو «جيركين»، يخوض المنافسة على منصب الرئاسة الروسية كل من يكاترينا دونتسوفا، وهي صحافية ونائبة سابقة في المجلس المحلي لمدينة يكاتينبورغ (وسط روسيا)، فضلاً عن بوريس ناديجدين، وهو نائب سابق في مجلس الدوما. بالإضافة إلى ذلك، أعلن سيرغي ليباتوف، وهو رئيس جمعية المعاشات التقاعدية الوطنية، والنائب السابق لرئيس فرع العاصمة لحزب «يابلوكو» اليميني، أناتولي رابينوفيتش، عن نيتهما خوض السباق الرئاسي، لكنهما لم يقدما بعد ملفي الترشيح إلى لجنة الانتخابات.


مقالات ذات صلة

بوادر اتفاق كردي على رئاسة العراق

المشرق العربي رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية-روداو)

بوادر اتفاق كردي على رئاسة العراق

يقترب الحزبان الرئيسان في إقليم كردستان، «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني»، من التوصل إلى تفاهم أولي بشأن مرشح واحد لرئاسة الجمهورية بالعراق.

فاضل النشمي (بغداد)
آسيا رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي (أ.ف.ب)

اليابان: حزب رئيسة الوزراء تاكايتشي يحقق غالبية ساحقة في الانتخابات

أظهرت النتائج الرسمية فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان الذي تنتمي إليه رئيسة الوزراء تاكايتشي بـ315 مقعدا من أصل 465 في الانتخابات التشريعية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
أوروبا زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غلاسغو داعياً رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة (أ.ف.ب) p-circle

زعيم حزب العمال في اسكتلندا يدعو ستارمر إلى الاستقالة

دعا زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس سروار، الاثنين، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة من منصبه، وذلك مع استمرار تداعيات قضية إبستين.

«الشرق الأوسط» (ادنبره)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

كيف يمكن استبدال ستارمر في رئاسة حكومة بريطانيا؟

يواجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، معركة للبقاء في منصبه، بعد تعرّضه لانتقادات حادة، بسبب قراره عام 2024 تعيين سياسي متهم بقضية إبستين في منصب سفير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي (أ.ف.ب)

اليابان: الائتلاف الحاكم يفوز بأغلبية الثلثين في انتخابات البرلمان

أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية، الأحد، بأن الائتلاف الحاكم فاز بأغلبية الثلثين في انتخابات البرلمان.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

تحفظات في المفوضية الأوروبية على خطوة إسبانيا نحو تسوية وضعية نصف مليون مهاجر

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
TT

تحفظات في المفوضية الأوروبية على خطوة إسبانيا نحو تسوية وضعية نصف مليون مهاجر

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)

أبدى مسؤولون داخل المفوضية الأوروبية تحفظات على قرار الحكومة الإسبانية تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي في خطوة لتعزيز «النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي».

ونقلت شبكة «يورو نيوز» الأوروبية عن مسؤولين في بروكسل قولهم إن قرار مدريد لا يتوافق مع المعايير الجديدة التي صادق عليها الاتحاد الأوروبي اليوم فيما يرتبط بالهجرة واللجوء.

وقال مسؤول للشبكة: «لا يتماشى هذا مع روح الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة»، بينما ذكر مسؤول آخر أن «تسوية أوضاع المهاجرين على نطاق واسع قد يبعث برسالة مختلفة عن تلك التي يريد الاتحاد الأوروبي توجيهها للحد من الهجرة غير النظامية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويشمل قرار الحكومة الإسبانية الذي أعلنت عنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، الأشخاص الذين دخلوا البلاد قبل 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025 وأقاموا في إسبانيا لمدة خمسة أشهر على الأقل، أو أن يكونوا قد تقدّموا بطلب لجوء قبل نهاية عام 2025.

ويتيح القرار للمستفيدين في مرحلة أولى الحصول على تصريح إقامة لمدة عام واحد وحق العمل في أي قطاع في جميع أنحاء إسبانيا.

ويخشى المسؤولون في المفوضية الأوروبية من أن يدفع هذا القرار المهاجرين الذين جرى تسوية وضعياتهم، إلى محاولة الانتقال لدول أخرى داخل الاتحاد للاستقرار بها دون تصاريح.

وتأتي التحفظات الأوروبية في وقت صادق فيه البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، على خطة لتسريع عمليات الترحيل للاجئين الذين رُفضت طلباتهم إلى «دول المنشأ الآمنة»، وهو التصنيف الذي أقرته الدول الأعضاء اليوم ويشمل تونس ومصر والمغرب وكوسوفو وبنغلاديش وكولومبيا والهند وألبانيا وتركيا.


اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
TT

اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)

اشتبك متظاهرون مناهضون للحكومة، مساء اليوم الثلاثاء، مع ​الشرطة في العاصمة الألبانية تيرانا، حيث تجمع الآلاف للمطالبة باستقالة نائبة رئيس الوزراء بسبب مزاعم بالفساد.

ووفقاً لـ«رويترز»، ألقى المتظاهرون زجاجات مولوتوف على مبنى حكومي وردت الشرطة باستخدام خراطيم ‌المياه في ‌أحدث سلسلة ‌من ⁠الاحتجاجات ​العنيفة ‌التي تشكل تهديداً لسلطة رئيس الوزراء إدي راما الذي يتولى المنصب منذ 2013.

وتصاعد التوتر السياسي منذ ديسمبر (كانون الأول) بعد أن وجه الادعاء العام ⁠اتهامات إلى نائبة رئيس الوزراء ‌بليندا بالوكو بتهمة التدخل ‍في المناقصات ‍العامة لمشاريع البنية التحتية ‍الكبرى، وتفضيل شركات معينة، وهي اتهامات تنفيها بالوكو.

وحمل آلاف المحتجين في ميدان رئيسي في ​تيرانا أعلاماً ولافتات، ورددوا هتافات: «راما ارحل، هذه الحكومة ⁠الفاسدة يجب أن تستقيل».

وطلب الادعاء من البرلمان رفع الحصانة عن بالوكو هذا الأسبوع حتى يتسنى للسلطات القبض عليها.

وليس من الواضح ما إذا كان البرلمان، حيث يتمتع حزب راما الحاكم بالأغلبية، سيصوت على القرار وموعد ‌ذلك التصويت.


ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
TT

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

يواجه التحالف عبر الأطلسي أزمة حقيقية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت القوة الأميركية توحيد أوروبا وتكاملها، وهو ما يعدّ، بلا شك، أعظم إنجازات واشنطن في السياسة الخارجية. إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوضحت جلياً أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بدور الضامن لأمن أوروبا. فقد هددت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف الناتو، وخفّضت دعمها العسكري لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى «مقاومة المسار الحالي لأوروبا».

مصافحة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته في كييف الثلاثاء (أ.ف.ب)

أوروبا وحيدة

الرسالة واضحة لا لبس فيها؛ لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها. ولأول مرة منذ 8 عقود، تقف أوروبا وحيدة في مواجهة المخاطر.

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قال المحلل السياسي ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الدول الأوروبية تجد نفسها الآن عرضة للعدوان الروسي. وينبغي لهذا الخطر أن يحفز القادة الأوروبيين على تبني مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم، لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية أي ثورة من هذا القبيل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي قبل اجتماع وزراء خارجيته بمقره في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

فرغم اتفاق دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لن يكفي الإنفاق وحده لتحقيق الأمن. فالمشكلة هيكلية، وليست مالية. فالجيوش الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة.

ويدرك القادة الأوروبيون تماماً اعتمادهم على واشنطن في حماية بلادهم، لكنهم ينكرون ما يجب عليهم فعله للخروج من هذه الحالة. وتكمن العقبة الكبرى في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية، وليست أوروبية. فالحكومات الأوروبية ترغب في الحفاظ على سيادتها على جيوشها، وقد ترددت في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي. لكن هذا التركيز على السيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق، وهي أن الدول الأوروبية ليست، ولم تكن، ذات سيادة في مجال الدفاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد اعتمدت على الولايات المتحدة، وهي قوة أجنبية، لحمايتها.

الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع

والآن، مع تخلي هذه القوة الأجنبية عنها، فإن أفضل وسيلة للدول الأوروبية للدفاع عن نفسها دون دعم واشنطن هي دمج جهودها الدفاعية. وعليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى، وهو تفعيل الاتحاد الأوروبي. لقد حان الوقت لأن يصبح الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع الأوروبية.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت واشنطن نفسها في مأزق، حيث كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأميركية إلى أراضيها، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفياتي شديداً للغاية بحيث لا يمكن للأميركيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي.

لم يكن حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تم تشكيله هو المفضل لواشنطن حيث اعتبره المسؤولون الأميركيون، وفقاً للمؤرخ ستين رينينج، «إجراء مؤقتاً ريثما تتحسن أوضاع أوروبا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة عالميين خلال قمة «ناتو» في لاهاي (أ.ب)

فقد كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح «قوة ثالثة» قادرة على مواجهة الاتحاد السوفياتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة. وعندما نشبت الحرب في شبه الجزيرة الكورية في يونيو (حزيران) 1950، وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة منخرطة في تلك الحرب. ومع تشتت القوات الأميركية، أصبح احتمال حدوث غزو سوفياتي لأوروبا واقعاً ملموساً.

اتفاقية 1952 حبر على ورق

لذلك، ولتسريع توحيد أوروبا، اقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفان إنشاء جيش أوروبي موحد. وكانت الحجة أنه إذا كانت أوروبا الغربية قوية بما يكفي لردع الاتحاد السوفياتي، فسيتيح ذلك للولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري من القارة. وبدعم قوي من إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، والجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو آنذاك، وقّعت 6 دول من أوروبا الغربية، وهي بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا، معاهدة في مايو (أيار) 1952 لإنشاء جيش مشترك بميزانية ومجلس حاكم وجمعية استشارية ومحكمة مشتركة. إلا أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ أبداً.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، ومع وجود الناتو، لم تشعر أوروبا بالحاجة إلى توحيد صفوفها عسكرياً، حيث منح الحلف الدول الأوروبية الشعور الكاذب بالسيادة على الدفاع الوطني. فمن الناحية الرسمية، لكل دولة في الناتو رأي متساوٍ في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات للحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة. لكن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة القرار النهائي. فإذا ما اندلعت حرب، كان كل قادة أوروبا يدركون أن أميركا هي من ستقود الحرب.

تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصحافة خلال إعلان رسمي أثناء زيارته مصنع قطع غيار سيارات في وودبريدج في شهر فبراير (أ.ب)

وفي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينات، حيث تواجه روسيا العدوانية، بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب من القارة الأوروبية. وبات لزاماً على أوروبا الآن افتراض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أميركي. وبالطبع يمكن لأوروبا التغلب على هذا التحدي، لكنها تحتاج أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع، التي تضم نحو 30 جيشاً مختلفاً، بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معاً.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مشاركتهما في المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس (أ.ب)

وفي حين يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات من الناحية النظرية، فإنه من دون الولايات المتحدة سيكون مجرد هيكل فارغ. فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأميركية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. كما أن جيوش أوروبا تفتقر إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جواً، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فقد صممت الجيوش الأوروبية لتكون بمثابة قوات مساعدة في جهد حربي تقوده الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو.

إن تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضاً أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن مثل هذه السياسات غالباً ما تكون غير شعبية محلياً.

في الوقت نفسه، لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفاعلية لأي عدوان روسي بمفردها. ففرنسا وبريطانيا تعانيان من عجز كبير في الميزانية، ما يحدّ من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدّت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، إذ يصعب على بريطانيا اليوم نشر 25 ألف جندي في شرق أوروبا.

ألمانيا العمود الفقري العسكري لأوروبا

أطماع ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

في المقابل، بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضخّ تمويلات ضخمة في الدفاع، وتملك برلين القدرة على أن تكون بمثابة العمود الفقري العسكري لأوروبا، لكن تاريخ البلاد ما بعد الحرب من نزعة سلمية ونفور من القوة العسكرية يجعل الاعتماد على نهضة عسكرية ألمانية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

وفي حين يمتلك الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 450 مليون نسمة واقتصاداً بحجم اقتصاد الصين تقريباً من الثروة والقدرات المادية، ما يكفي للدفاع عن نفسه، فإنه يقصر في استغلال تلك المزايا. ويحتاج الأوروبيون إلى التخلي عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودهم في كيان عسكري موحد يتولى الدفاع عن الأمن الأوروبي كله، في إطار الاتحاد الأوروبي نفسه. فعلى عكس حكومات الدول الفردية، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من المصالح الوطنية فقط.

جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدية» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز في بولندا 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

في الوقت نفسه، يريد المواطنون الأوروبيون قيام الاتحاد الأوروبي بالدور الدفاعي وعدم الاقتصار على الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي، كما هو الحال الآن. فالاتحاد هو المؤسسة الحاكمة الأكثر ثقة في القارة، أكثر من أي دولة عضو أخرى.

ووفقاً لاستطلاع «يورو باروميتر» لعام 2025، يشعر نحو 80 في المائة من الأوروبيين بالقلق بشأن أمن الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة، ويؤيدون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة. كما أيّد حزب الشعب الأوروبي، المنتمي ليمين الوسط وأكبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2024

وقال روب جيتن، رئيس الوزراء الهولندي المنتخب، خلال حملته الانتخابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنه يريد منح «الاتحاد الأوروبي القوة والموارد اللازمة للقيام بما يطالب به المواطنون في جميع أنحاء أوروبا؛ الدفاع عن أراضينا ضد عدوان بوتين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

نهاية الناتو!

إن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لن يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية. وسينصبّ تركيز الاتحاد الأوروبي على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية، أي العمل كمركز قيادة أوروبي. ستدمج بروكسل العديد من وظائف مكاتب المشتريات الوطنية، وتدير عمليات الاستحواذ الكبرى، بالإضافة إلى دمج وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء الـ27.

من الناحية المثالية، سيظل حلف الناتو القيادة القتالية لأوروبا، منسقاً ومنفذاً للمهام. ومع ذلك، ينبغي تعزيز الطابع الأوروبي للحلف، خاصة مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحلف، وينبغي على الأوروبيين اقتراح تولي المناصب العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلف، الذي شغله أغلب الوقت أميركي. ستظل الجيوش الوطنية، وخاصة جيوش دول المواجهة والقوى العسكرية التقليدية، بمثابة حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي. لكن هذه القوات ستخضع لعملية تعزيز أوروبية من قبل الاتحاد الأوروبي.

جنود أميركيون من «المارينز» يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز)

أخيراً، يجدر بالأوروبيين أن يتذكروا سبب انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي في المقام الأول. فرغم تردد الدول الأوروبية الصغيرة في التخلي عن سيادتها لصالح سلطة اتحادية أوروبية، أدركت أنها لن تستطيع البقاء بمفردها، وأنها أصبحت أقوى عندما تجمعت معها. ولاحظ المؤرخ آلان ميلوارد، أن المجموعة الأوروبية، بدلاً من أن تقضي على كل دولة، كانت «دعامة لها، وجزءاً لا غنى عنه من إعادة بناء الدولة القومية بعد الحرب». ومع تراجع الولايات المتحدة، أصبحت الدول القومية الأوروبية مهددة، لكنها تستطيع تأمين مستقبلها من خلال تفعيل ما أنشئ المشروع الأوروبي من أجله، وهو بناء قوة القارة.