172 عاماً من معرض «إكسبو الدولي»... تعرّف على الدول التي استضافت الحدث العالمي

24 مدينة و15 دولة فقط فازت بشرف الاستضافة

TT

172 عاماً من معرض «إكسبو الدولي»... تعرّف على الدول التي استضافت الحدث العالمي

تُظهر هذه الصورة شعار «إكسبو الرياض 2030» في قصر المؤتمرات في «إيسي ليه مولينو» بضاحية باريس، في 28 نوفمبر 2023، عقب إعلان الهيئة الملكية السعودية لمدينة الرياض فوزها باستضافة «إكسبو 2030» لعام 2030، الحدث العالمي الذي يُقام كل خمس سنوات (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة شعار «إكسبو الرياض 2030» في قصر المؤتمرات في «إيسي ليه مولينو» بضاحية باريس، في 28 نوفمبر 2023، عقب إعلان الهيئة الملكية السعودية لمدينة الرياض فوزها باستضافة «إكسبو 2030» لعام 2030، الحدث العالمي الذي يُقام كل خمس سنوات (أ.ف.ب)

منذ انطلاقته عام 1851 وحتى يومنا هذا، ساعد «إكسبو» البشرية على رسم مستقبل أكثر تقدماً من خلال جمع الناس والأمم تحت شعار مشترك هو التعليم والابتكار والتعاون. وبوصفها مرايا لعصرها، فقد عكست معارض «إكسبو» أولويات العصر، وتلاقت فيها الأفكار، ورنَت تطلّعات الدول المشاركة فيها، نحو مستقبل يشكّله التقدم التكنولوجي والتعاون الإنساني.

 

انطلاقة «إكسبو»

بدأ مفهوم اجتماع الأشخاص معاً لعرض وبيع ما أنتجوه منذ العصور القديمة. بعد أن كانت المهرجانات الزراعية موجودة لقرون عدة، بدأت مجموعات من الميكانيكيين والحرفيين في تنظيم معارضهم الخاصة في القرن السابع عشر تقريباً، ومع اقتراب القرن التاسع عشر، وتزايد وتيرة التصنيع، ولدت مهرجانات مخصصة لإظهار ما تمكن الأفراد والمجموعات من الميكانيكيين من إنجازه من خلال الابتكارات الجديدة، وفق موقع «هيستوري» المتخصص بالتاريخ العالمي.

صورة نشرتها شركة «الإخوة ديكينسون» تُظهر جانباً من «كريستال بالاس» خلال استضافته «المعرض الكبير» في لندن سنة 1851 (متداولة)

نشأ المعرض العالمي بمعناه الحديث خلال فترة مهد الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر. ففي عام 1851، تغيّر مفهوم المعارض المحلية مع تنظيم «المعرض الكبير لأعمال الصناعة لجميع الأمم» - المعروف باسم «المعرض الكبير» أو «معرض كريستال بالاس»، إذ يعدُّ هذا الحدث الذي أُقيم في حديقة «هايد بارك» في العاصمة البريطانية لندن، المعرض العالمي الأول.

لم يكن هذا المعرض أول مهرجان وطني يحتفل بالتقدم الصناعي فحسب، بل كان أيضاً أول معرض دولي. يقول روبرت ريدل البروفسور في التاريخ من جامعة مونتانا الأميركية: «لقد جمع (المعرض الكبير) في لندن، للمرة الأولى، الأحزاب والحكومات والمصالح الخاصة من جميع أنحاء مناطق المحيط الأطلسي وأوروبا معاً لإظهار ثمار التصنيع». وأضاف: «كان الهدف من المعرض توفير قدر من الاستقرار والثقة في مواجهة القلق المتزايد بشأن مصير التصنيع في بداية الثورة الصناعية وما رافقها من اضطرابات اجتماعية».

صورة تُظهر معرض «إكسبو باريس العالمي» لسنة 1878 (في الوسط)، وفي أعلى الصورة وأسفلها تظهر بعثات دول مشاركة في المعرض الدولي (متداولة)

سعت المعارض المحلية والمعارض الدولية التي جاءت بعد «المعرض الكبير» في لندن 1851، بما في ذلك تلك التي أقيمت في العاصمة الفرنسية باريس (1855 و1867 و1878) ومدينة فيلادلفيا الأميركية (1876)، إلى جعل الجمهور أكثر ارتياحاً لفكرة عصر الصناعة والتصنيع. ولكن بدءاً من المعرض الكولومبي عام 1893 في شيكاغو، اتبعت الشركات نهجاً جديداً: فبدلاً من مجرد السماح لرواد المعرض بمشاهدة أحدث منتجاتها، كانت ستوضح لهم أيضاً كيف يتم تصنيعها.

خريطة تُظهر معرض «الإكسبو الكولومبي العالمي» في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة سنة 1893 (مكتبة الكونغرس)

معارض «إكسبو الدولية»، التي نُظّمت في القرن التاسع عشر، هي «إكسبو»: لندن 1851 (بريطانيا)، باريس 1855 (فرنسا)، لندن 1862، باريس 1867، فيينا 1873 (النمسا)، فيلادلفيا 1876 (الولايات المتحدة)، باريس 1878، ملبورن 1880 (أستراليا)، برشلونة 1888 (إسبانيا)، باريس 1889، شيكاغو 1893 (الولايات المتحدة)، بروكسل 1897 (بلجيكا).

إعلان لمعرض «إكسبو 1905» الدولي في مدينة لييج البلجيكية سنة 1905 بمناسبة الاحتفال بذكرى 75 عاماً على استقلال بلجيكا (متداولة)

 

النصف الأول من القرن العشرين

بشكل عام، جاءت معارض «إكسبو» العالمية التي أُقيمت في النصف الأول من القرن العشرين بمثابة استمرار للمفهوم الأساسي لـ«المركزية التكنولوجية» في القرن التاسع عشر (بشكل خاص تكنولوجيا الصناعة)؛ ومع ذلك، حصلت تحولات مهمّة. لقد حاول المعرض العالمي، الذي وُلد من عالم تقني، أن ينظر إلى أبعد من ذلك في الأفق الواسع أمامه، بأن ينظر إلى ما هو أبعد من التكنولوجيا ويبدأ في إيلاء المزيد من الاهتمام للظروف الإنسانية وللثقافة، وفق موقع «أنسيكلوبيديا» الموسوعي.

صورة عامة من موقع استضافة «إكسبو 1929» الدولي في مدينة برشلونة الإسبانية سنة 1929 (متداولة)

كان للكساد الكبير - منذ 1929 وفي ثلاثينات القرن العشرين - وللحربين العالميتين اللتين وقعتا على التوالي خلال النصف الأول من القرن العشرين، تأثير كبير على معرض «إكسبو الدولي»، حتى أن المعرض توقف تنظيمه لسنوات بفعل تلك الظروف. ومع ذلك، أُعيد تنظيم المعرض، وتطوّر رغم الظروف المعاكسة.

روزالي فيربانكس، وهي مرشدة لمعرض «إكسبو نيويورك العالمي 1939»، تشير إلى البناءين «Trylon and Perisphere» (في وسط الصورة باللون الأبيض) اللذين تحوّلا إلى رمز لـ«إكسبو نيويورك 1939»، في نيويورك في 22 فبراير 1939، بعد الكشف عنهما للمرة الأولى (أ.ب - أرشيفية)

معارض «إكسبو الدولية»، التي أُقيمت في النصف الأول من القرن العشرين هي «إكسبو»: باريس 1900، سانت لويس 1904 (الولايات المتحدة)، لييج 1905 (بلجيكا)، ميلان 1906 (إيطاليا)، بروكسل 1910، غانت 1913 (بلجيكا)، سان فرانسيسكو 1915 (الولايات المتحدة)، برشلونة 1929، شيكاغو 1933، بروكسل 1935، باريس 1937، نيويورك 1939 (الولايات المتحدة)، بورت أو برانس 1949 (هايتي).

صورة جوية لمعرض «إكسبو نيويورك العالمي 1939» في الولايات المتحدة سنة 1939 (أرشيف مكتبة نيويورك العامة)

النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم

بعد الحرب العالمية الثانية، نشأت في الـ«إكسبو» منصات للمناقشة وعرض الأفكار، وأصبح معرض «إكسبو» منصة عالمية أيضاً لتبادل الأفكار والمناقشة. وأظهرت الموضوعات المتطورة لمعارض «إكسبو» منذ خمسينات القرن الماضي، هذا التحول، مع «إكسبو 1958» في بروكسل الذي حمل عنوان «رؤية للعالم: أنسنة جديدة»، أو إكسبو «الإنسان وعالمه» في «إكسبو 1967» في مونتريال.

صورة أرشيفية من حفل افتتاح «إكسبو 1958» الدولي في العاصمة البلجيكية بروكسل، في 17 أبريل 1958 (وكالة «بلجا» البلجيكية)

وأدت عملية إنهاء الاستعمار في النصف الثاني من القرن الماضي، إلى زيادة عدد الدول المستقلة، وبالتالي زيادة مستمرّة في عدد المشاركين في معارض «إكسبو». فارتفع عدد الدول المشاركة في المعرض، من 39 دولة شاركت في «إكسبو 1958»، ليصل إلى 192 دولة مشاركة في «إكسبو دبي 2020» في دولة الإمارات العربية، حسب الموقع الرسمي لـ«إكسبو دبي»، وهو معرض دولي افتُتح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 واستمر حتى 31 مارس (آذار) 2022 (لم يُفتتح سنة 2020 بسبب الإغلاق إبان جائحة كورونا العالمية).

منظر عام لمعرض «إكسبو 2020» الدولي في دبي، الإمارات العربية المتحدة، 16 يناير 2022 (رويترز)

وارتبط التحدي العالمي لتغير المناخ كذلك بمعارض «إكسبو» عندما اعتمد المكتب الدولي للمعارض - المشْرف والمنظِم للحدث العالمي - في عام 1994 قراراً يضمن أن جميع معارض «إكسبو» لديها «التزام بالأهمية القصوى للإنسانية المتمثلة في الاحترام الواجب للطبيعة والبيئة».

صورة أرشيفية من معرض «إكسبو 67» الدولي في مدينة مونتريال الكندية سنة 1967 (وكالة الأنباء الكندية)

مبدأ احترام الطبيعة والبيئة، تم التركيز عليه في معرض «إكسبو 2000» هانوفر (ألمانيا) من خلال العنوان الذي حمله «الإنسان، الطبيعة، التكنولوجيا». وأصبح مبدأ الطبيعة والبيئة من المحاور الأساسية في معارض «إكسبو»، لمعالجة التحديات العالمية من خلال عدسة التنمية المستدامة.

صورة عامة من «إكسبو 1992» الدولي في مدينة إشبيلية الإسبانية سنة 1992 (متداولة)

في القرن الحادي والعشرين، تم توسيع المشاركة في المعارض لتشمل المجتمع المدني والمدن والمناطق والمنظمات الدولية. ومن خلال توفير مساحة فريدة للتعاون بين الثقافات، تعمل معارض «إكسبو» اليوم كأدوات للتقدم في جميع مجالات الحياة البشرية.

فنانون يؤدون خلال حفل افتتاح معرض «إكسبو 2020» الدولي في دبي بالإمارات العربية المتحدة، 30 سبتمبر 2021 (رويترز)

معارض «إكسبو الدولية» التي أُقيمت منذ منتصف القرن الماضي حتى يومنا هذا، هي «إكسبو»: بروكسل 1958، سياتل 1962 (الولايات المتحدة)، مونتريال 1967 (كندا)، أوساكا 1970 (اليابان)، إشبيلية 1992 (إسبانيا)، هانوفر 2000 (ألمانيا)، آيشي 2005 (اليابان)، شانغهاي 2010 (الصين)، ميلان 2015، دبي 2020 (الإمارات العربية المتحدة).

ومن المُرتقب تنظيم «إكسبو أوساكا 2025» في اليابان، و«إكسبو الرياض 2030» في المملكة العربية السعودية.

منذ انطلاقة «إكسبو الدولي» في عام 1851 وحتى تاريخ عام 2030 المُرتقب، 24 مدينة في 15 دولة، هي فقط تلك التي استضافت (أو ستستضيف) هذا المعرض العالمي.

 

ملتقى التبادل الثقافي والتكنولوجي

أثبتت معارض «إكسبو» عبر تاريخها، شعبيّتها بتثقيف الجمهور وتشجيع التبادل وعرض الأفكار والمنتجات الجديدة. واعتُبرت إقامة المعارض الدولية، أهم أحداث التبادل الثقافي، وتجمعات دبلوماسية واقتصادية كبرى. وقد أدى الاعتراف المتزايد بالمعارض وأهميتها إلى التطور المزدهر للمؤتمرات والاتفاقيات الدولية، مما أدى إلى تعاون أقوى عبر الحدود في مجالات متنوعة مثل الملكية الفكرية، وحقوق العمل، والرياضة، والتعليم، وفق الموقع الرسمي ﻟ«المكتب الدولي للمعارض»، الهيئة الدولية المعنية بالإشراف على معارض «إكسبو» العالمية.

أصبحت معارض «إكسبو» منذ تأسيسها في العصر الحديث، أهم الأحداث العالمية لعرض التقنيات والاختراعات الجديدة، وتحقيق الإنجازات المعمارية والتقنية. كما باتت مواقع عرض الـ«إكسبو»، بمثابة الأماكن المثالية لعرض العلامات التجارية الوطنية، ومنح المعرض جميع البلدان المشاركة فيه، الفرصة لإبراز إنجازاتها الفنية والثقافية والهندسية.


مقالات ذات صلة

وفد صربي للمشاركة في اجتماع الرياض المقبل بشأن «إكسبو 2030»

خاص صورة افتراضية لموقع انعقاد معرض «إكسبو 2030 الرياض»

وفد صربي للمشاركة في اجتماع الرياض المقبل بشأن «إكسبو 2030»

أكد السفير الصربي لدى السعودية، د. دراغان بيزينيتش في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن صربيا أكدت رسمياً مشاركتها في «إكسبو 2030» الذي تستضيفه الرياض.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد من مراسم توقيع عقد مشاركة عُمان في معرض «إكسبو 2030 الرياض» (واس)

عُمان توقّع عقد مشاركتها في «إكسبو 2030 الرياض»

وقّعت سلطنة عُمان عقد مشاركتها في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يتيح لها المضي قدماً في استعداداتها وتحضيراتها، واستكمال مختلف الجوانب التنظيمية والتشغيلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يُمثّل توقيع عقد مشاركة البحرين محطة مهمة في مسار استعداداتها لـ«إكسبو 2030 الرياض» (واس)

البحرين توقّع عقد مشاركتها في «إكسبو 2030 الرياض»

وقّعت البحرين عقد مشاركتها بمعرض «إكسبو 2030 الرياض»، ليمهّد لبدء مرحلة جديدة من استعداداتها وتحضيراتها للحدث الدولي الذي تستضيفه العاصمة السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «إكسبو 2030 الرياض» (الموقع الإلكتروني)

الرياض تحتضن أول اجتماع للمشاركين الدوليين في «إكسبو 2030» نوفمبر المقبل

تحتضن العاصمة السعودية الرياض، يومي 3 و4 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، اجتماعاً للمشاركين الدوليين في معرض «إكسبو 2030 الرياض».

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق توقيع عقد مشاركة فرنسا في «إكسبو 2030 الرياض» بحضور الأمير فيصل بن فرحان (واس)

فرنسا أول دولة مشارِكة في «إكسبو 2030 الرياض»

وقَّعت فرنسا عقد مشاركتها رسمياً في «إكسبو 2030 الرياض» لتكون أول دولة تستكمل هذه الخطوة، ما يمثل محطة مهمة في رحلة التحضيرات والاستعدادات للمعرض الدولي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».