السعودية ضمن أسرع أسواق المعارض والمؤتمرات نموّاً في «مجموعة العشرين»

الرشيد لـ«الشرق الأوسط»: عدد شركات القطاع حقق قفزة بنسبة 330 % منذ 2018

رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)
رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية ضمن أسرع أسواق المعارض والمؤتمرات نموّاً في «مجموعة العشرين»

رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)
رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)

تستعد السعودية لمرحلة توصف بأنها «العقد الذهبي لفعاليات الأعمال»، مدفوعة بنمو غير مسبوق في قطاع المعارض والمؤتمرات، وتوسّعٍ قياسي في الطاقة الاستيعابية التي قفزت بنسبة 32 في المائة خلال عام واحد، عبر 923 موقعاً معتمداً.

وتتزامن هذه القفزة مع رؤية أوسع تقودها «الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات» نحو إعادة تعريف دور الفعاليات، ليس بوصفها مساحات للعرض والاجتماع فحسب، بل منصات لحل المشكلات وصياغة السياسات وبناء التحالفات العابرة للقطاعات، وهي رؤية عبَّر عنها رئيس مجلس إدارة الهيئة، فهد الرشيد، بقوله إن المملكة «تستعد لعقد ذهبي من الفعاليات الكبرى»، يتصدّرها «إكسبو 2030» و«كأس العالم 2034».

ويأتي هذا الزخم بالتزامن مع احتضان الرياض النسخة الثانية من «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات»، التي تجمع أكثر من 2000 من قادة الصناعة عالمياً، في وقت تسعى فيه المملكة لترسيخ مكانتها بوصفها أسرع أسواق فعاليات الأعمال نموّاً في «مجموعة العشرين».

نمو القطاع والشركات

وأشار الرشيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن القطاع يُسجل اليوم «واحداً من أسرع وتائر النمو بين دول مجموعة العشرين»، بنمو سنوي يلامس 10 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، وبمساهمة اقتصادية مباشرة تُقدر بنحو 10 مليارات ريال (2.7 مليار دولار) في الناتج المحلي.

وقال إن صناعة الفعاليات العالمية تتجاوز قيمتها التريليون دولار حالياً، ومن المتوقع أن تتضاعف خلال العقد المقبل، لتصبح واحدة من أكبر محركات النمو الاقتصادي عالمياً.

وأضاف أن عدد الشركات العاملة في السعودية قفز من 400 شركة فقط في عام 2018 إلى 17 ألف شركة اليوم، أي نمو بنسبة 330 في المائة، في تحول وصفه بـ«الهائل»، ويعكس حجم التطور الكبير في الصناعة.

وكشف الرشيد عن أن القمة ستشهد الإعلان عن 5 شركات عالمية جديدة في تنظيم المعارض والمؤتمرات، تؤسس مقارها في السعودية، لترتفع بذلك الشركات العالمية الكبرى العاملة في السوق المحلية إلى 13 من أصل أكبر 20 شركة عالمية، أي ما يُعادل 70 في المائة من الشركات الدولية الرائدة في هذا القطاع.

رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)

توسع الطاقة الاستيعابية

ويواكب هذا النمو توسّع لافت في البنية التحتية لقطاع الفعاليات؛ حيث ارتفعت الطاقة الاستيعابية بنسبة 32 في المائة خلال عام واحد، عبر شبكة تضم 923 موقعاً معتمداً في مختلف مناطق المملكة. كما قفزت المساحات المخصّصة للمعارض منذ عام 2018 بنسبة 320 في المائة، لتصل اليوم إلى 300520 متراً مربعاً.

وتتركز 90 في المائة من القدرة الاستيعابية في 3 مناطق رئيسية هي الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، عبر منشآت كبرى تضم: «مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات» في ملهم، بمساحة 78 ألف متر مربع، و«جدة سوبردوم» بمساحة 34 ألف متر مربع، و«الظهران إكسبو» بمساحة 25600 متر مربع.

كما شهدت مناطق أخرى توسعاً نوعياً بإضافة مراكز جديدة، مثل «مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات» في المدينة المنورة، وقاعة «مرايا» في العلا، و«مركز جامعة الملك خالد» في عسير، و«مركز الأمير مشعل للمؤتمرات والفعاليات» في نجران.

قبة تستضيف أهم الأحداث الترفيهية والثقافية والرياضية بالإضافة للمعارض بمختلف تنوعاتها والمؤتمرات الدولية وغيرها (جدة سوبردوم)

إعادة تعريف دور الفعاليات

ولا يقتصر الزخم الذي يشهده القطاع على النمو الكمي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تعريف جوهر الفعاليات ودورها الاقتصادي والمعرفي، فحسب الرؤية التي تقودها «الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات» لم تعد الفعاليات مجرد مساحات للعرض والاجتماع، بل أصبحت منصات لصياغة السياسات، وحل المشكلات، وبناء التحالفات العابرة للقطاعات، وفق رئيس مجلس الإدارة.

ويرى الرشيد أن المملكة تتجه لتكون «مركزاً عالمياً يتقاطع فيه صانعو القرار مع قادة الصناعة»، مؤكداً أن الطموح «ليس استضافة مزيد من الفعاليات بقدر ما هو الإسهام في إيجاد حلول وإطلاق مبادرات تعود بالنفع على القطاعات العالمية».

جانب من الحضور المشارك في القمة (الشرق الأوسط)

القمة الدولية

ويأتي هذا النمو المتسارع في وقت تحتضن فيه الرياض النسخة الثانية من القمة الدولية لصناعة المعارض خلال يومي 26 و27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بمشاركة أكثر من 2000 من قادة الصناعة عالمياً.

وأكد الرشيد أن القمة تُمثل فرصة ذهبية لربط صناع القرار المحليين مع القادة العالميين، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030» في قطاع السياحة وصناعة الفعاليات، الذي يسعى لاستقبال 150 مليون زائر بحلول عام 2030، بعد أن تجاوز عدد الزوار بالفعل 60.9 مليون زائر خلال النصف الأول من 2025، مع إنفاق سياحي إجمالي بلغ 161.4 مليار ريال (43 مليار دولار).

ويعكس هذا التوسع والنمو غير المسبوق في القطاع تحول المملكة إلى مركز عالمي للفعاليات والأعمال؛ حيث لا تقتصر الفعاليات على كونها مجرد منصات للعرض والاجتماع، بل أصبحت محركات للنمو الاقتصادي، ومسرعات للابتكار، وأدوات لبناء التحالفات الاستراتيجية.

ومع استمرار استضافة الفعاليات الكبرى، وازدياد الاستثمارات في البنية التحتية وتدريب الكوادر الوطنية، تؤكد السعودية مكانتها بصفتها وجهة أساسية للمستثمرين والشركات العالمية، وتفتح صفحة جديدة من الفرص لتشكيل مستقبل قطاع الفعاليات على مستوى العالم.


مقالات ذات صلة

فرنسا أول دولة مشارِكة في «إكسبو 2030 الرياض»

يوميات الشرق توقيع عقد مشاركة فرنسا في «إكسبو 2030 الرياض» بحضور الأمير فيصل بن فرحان (واس)

فرنسا أول دولة مشارِكة في «إكسبو 2030 الرياض»

وقَّعت فرنسا عقد مشاركتها رسمياً في «إكسبو 2030 الرياض» لتكون أول دولة تستكمل هذه الخطوة، ما يمثل محطة مهمة في رحلة التحضيرات والاستعدادات للمعرض الدولي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الاتفاقية على هامش زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا (واس)

السعودية تُوقِّع «اتفاقية الامتيازات والمزايا للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030»

أبرمت السعودية والمكتب الدولي للمعارض «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين»، لترسيخ الإطار القانوني والإداري المُنظم لـ«إكسبو 2030 الرياض».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد جناح السعودية في معرض «إكسبو دبي» (واس)

تعاون دولي بين الرياض وبلغراد لتطوير جاهزية الحدث العالمي الأبرز «إكسبو»

أعلن «إكسبو 2030 الرياض» و«إكسبو 2027 بلغراد» توقيع اتفاقية تعاون لتبادل الخبرات ونقل المعرفة بين الجهتين المنظمتين للمعرض الدولي في البلدين...

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
يوميات الشرق تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المُخطَّط الرئيسي لمعرض «إكسبو 2030» (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

ترسية عقدين جديدين للبنية التحتية في «إكسبو 2030 الرياض»

أعلنت «إكسبو 2030 الرياض» ترسية عقدين جديدين لأعمال البنية التحتية والمرافق الأساسية على شركة «اليمامة»، وذلك استمراراً للتقدم في موقع المشروع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

النفط يتجاوز 91 دولاراً مع عودة مخاطر الإمدادات من الشرق الأوسط

طيور تجثم بالقرب من مجموعة خزانات نفط على طول بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)
طيور تجثم بالقرب من مجموعة خزانات نفط على طول بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)
TT

النفط يتجاوز 91 دولاراً مع عودة مخاطر الإمدادات من الشرق الأوسط

طيور تجثم بالقرب من مجموعة خزانات نفط على طول بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)
طيور تجثم بالقرب من مجموعة خزانات نفط على طول بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)

ارتفعت أسعار النفط بنحو دولار في التعاملات الآسيوية الثلاثاء، مع تجدد المخاوف من اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط، بعد استئناف المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وصعد خام برنت 1.05 دولار، أو 1.2 في المائة، إلى 91.54 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط 1.27 دولار، أو 1.5 في المائة، إلى 87.03 دولار. وكانت الأسعار قد قفزت في الجلسة السابقة بنحو 2.7 في المائة لـ«برنت»، و2.8 في المائة للخام الأميركي.

وتجددت المخاوف من تعرّض البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج لأضرار، فضلاً عن احتمال زيادة اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز الذي كانت تمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن عدد سفن البضائع الظاهرة التي عبرت المضيق، الاثنين، بلغ خمس سفن يومياً، مقابل متوسط 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، ولم تكن أي منها ناقلة نفط.

وقالت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة أبلغت عن تعرضها لثلاثة مقذوفات في أثناء مغادرتها مضيق هرمز، من دون تسجيل إصابات أو أضرار بيئية.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع مخزونات الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي بنحو 3.1 مليون برميل الأسبوع الماضي إلى 286.6 مليون برميل، ما يقلّص أحد هوامش الأمان التي تعتمد عليها سوق النفط العالمية.

ويرى محللو «إيه إن زد» أن تدفقات النفط عبر «هرمز»، رغم استمرارها، لا تزال دون مستويات ما قبل الصراع، فيما بدأت المخزونات العالمية التي دعّمت السوق خلال الفترة الماضية في التراجع.

وحسب استطلاع أجرته «رويترز» في أغسطس (آب)، يتوقع محللون بقاء أسعار النفط فوق مستوى 80 دولاراً للبرميل خلال 2026، مع استمرار اضطرابات الشحن.


الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

حضر العامل الاقتصادي في كثير من الصراعات بين الدول على مرّ التاريخ. فمن الحصار التجاري إلى التحكم بطرق التجارة والموارد، استخدمت القوى المتنافسة إمكاناتها الاقتصادية للضغط على خصومها وتعزيز موقعها. لكن تشابك الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة زاد من فاعلية الأدوات الاقتصادية وتنوّعها في هذه الصراعات، من العقوبات المالية والرسوم الجمركية إلى قيود التكنولوجيا والطاقة والمواد الحيوية وسلاسل الإمداد.

وتكشف الصراعات الدولية الراهنة عن اتساع توظيف الأدوات الاقتصادية في صراعات النفوذ بين الدول. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يستخدمان العقوبات والقيود التجارية ضد خصومهما، فيما تستفيد الصين من ثقلها التجاري والصناعي لتعزيز موقعها في المنافسة الاقتصادية مع القوى الأخرى، وتحتفظ الدول المنتجة للطاقة بأوراق قوة نابعة من الموارد التي تسيطر عليها. وهكذا يصبح حجم الاقتصاد وموقع الدولة داخل النظام التجاري والمالي العالمي جزءاً من قدرتها على التأثير في سلوك الآخرين.

العقوبات في خدمة الأهداف السياسية

تُعد العقوبات من أكثر صور توظيف الاقتصاد وضوحاً في صراعات النفوذ. ومن خلال العقوبات، تستطيع دولة أو مجموعة دول حرمان دولة خصم من مصادر التمويل أو الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، بهدف زيادة التكلفة الاقتصادية المترتبة على مواقفها وقراراتها السياسية، والضغط عليها لتغيير هذه السياسات.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، وهو مركز أبحاث أميركي متخصص في القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية، إلى أن أدوات الحرب الاقتصادية تشمل -إضافة إلى العقوبات المالية- سياسات تجارية وصناعية وتنظيمية يمكن من خلالها التأثير في قدرة الخصم على تحويل موارده الاقتصادية إلى قوة.

وتقدّم روسيا منذ غزوها أوكرانيا مثالاً بارزاً على استخدام العقوبات الاقتصادية للضغط على دولة بهدف التأثير في سياساتها. فقد استهدفت العقوبات الغربية قطاعات مالية وصناعية وتكنولوجية روسية، إلى جانب محاولات تقليص عائدات موسكو من الطاقة، في إطار الضغط عليها بسبب استمرار الحرب. وسَعَت روسيا إلى الحد من تأثير هذه الإجراءات عبر إعادة توجيه جزء من تجارتها نحو أسواق أخرى والبحث عن قنوات بديلة للحصول على السلع والتمويل، بما يساعدها على تحمل تكلفة العقوبات ومواصلة حربها.

ورغم أن العقوبات لم تدفع موسكو إلى تغيير سياستها تجاه أوكرانيا، فإنها أرخت بظلالها على الاقتصاد الروسي، من خلال تقييد الوصول إلى بعض التقنيات والاستثمارات والأسواق الغربية، وزيادة تكلفة بعض الواردات والمعاملات التجارية، فضلاً عن الضغوط التي تعرّضت لها قطاعات تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية. وهنا يظهر أحد حدود فاعلية العقوبات السياسية: فقد تُلحق العقوبات تكلفة اقتصادية ملموسة بالدولة المستهدَفة، من دون أن تكون هذه التكلفة كافية بالضرورة لدفع قيادتها إلى تغيير السياسة التي فُرضت العقوبات بسببها.

ناقلة نفط تابعة لمجموعة «سوفكومفلوت» الروسية تعبر مضيق البوسفور في تركيا (رويترز)

التجارة أداة للضغط الاقتصادي

تؤدي التجارة دوراً أكثر تعقيداً في صراعات النفوذ، لأن العلاقة التجارية التي تحقق مكاسب للدولتين في الظروف الطبيعية قد تتحوّل إلى مصدر قوة لإحداهما عند وقوع خلاف بينهما. وكلما زاد اعتماد دولة على سوق الدولة الأخرى أو على منتجات يصعب استبدالها، ازدادت قدرة الأخيرة على توظيف هذا الاعتماد لتحقيق أهداف سياسية.

ويبرز ذلك خصوصاً في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية وقيود التصدير والسياسات الصناعية في سياق التنافس بين البلدين على موقعيهما في الاقتصاد العالمي، وعلى الصناعات والتقنيات التي يُتوقع أن تؤثر في موازين القوة مستقبلاً.

ويظهر ذلك بوضوح في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية. فالسيطرة على التكنولوجيا أو على المواد الضرورية لإنتاجها تمنح الدول أدوات ضغط تضاف إلى أهميتها التجارية. وفي المقابل، تدفع هذه المخاطر الحكومات والشركات إلى نقل بعض مراحل الإنتاج إلى الداخل أو إلى دول أخرى وتنويع مصادر الاستيراد، حتى عندما تكون التكلفة الاقتصادية أعلى. وتبرز فيتنام والمكسيك، على سبيل المثال، بين الدول التي استقطبت استثمارات وتصنيعاً كان يتركز جزء منه في الصين، مع سعي الشركات الأميركية إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص مخاطر الاعتماد الكبير على السوق الصينية.

رقاقة إلكترونية وسط علمَي الولايات المتحدة والصين (رويترز)

إيران تحت وطأة العقوبات

تمثل إيران حالة بارزة لاستخدام القوة الاقتصادية في ممارسة الضغط السياسي. فقد استهدفت العقوبات الأميركية على مدى سنوات مصادر رئيسية للإيرادات الإيرانية، وفي مقدّمتها صادرات النفط، إلى جانب القطاع المالي، كما شملت بعض الإجراءات شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع طهران. وهدفت واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى زيادة التكلفة الاقتصادية على إيران والضغط عليها في ملفات مرتبطة ببرنامجها النووي وسياساتها الإقليمية.

وأشارت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والدولية إلى أن سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني. وأدت القيود المفروضة على النفط والقطاع المالي والتعاملات الخارجية إلى تضييق قدرة طهران على الاستفادة من مواردها الاقتصادية والوصول إلى النظام المالي الدولي، وإن لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى تحقيق جميع الأهداف السياسية التي وضعتها واشنطن.

وتظهر التجربة الإيرانية حجم التأثير الذي تستطيع الولايات المتحدة ممارسته من خلال موقعها في النظام المالي والاقتصادي العالمي، إذ تؤثر العقوبات الأميركية أيضاً في قرارات الشركات والمؤسسات الأجنبية التي تخشى التعرّض لإجراءات عقابية عند التعامل مع طهران. وبذلك تستخدم واشنطن ثقلها الاقتصادي لتوسيع نطاق الضغط على إيران وزيادة التكلفة الاقتصادية التي تواجهها في ظل المواجهة بين البلدين.

العلم الإيراني أمام منشأة نفطية (رويترز)

الطاقة مورد اقتصادي وورقة استراتيجية

وتبقى الطاقة في قلب صراعات النفوذ بسبب ارتباطها المباشر بالصناعة والنقل والأسعار والنمو الاقتصادي. فامتلاك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز يمنح الدول المنتجة ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً في علاقاتها الدولية، وقدرة كبرى على التأثير في الدول المستوردة، التي يمكن أن تتأثر اقتصاداتها بتراجع الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة.

وقد أعادت حرب أوكرانيا إبراز دور الطاقة في صراعات النفوذ، إذ استخدمت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا ورقة للضغط في خضم المواجهة مع الغرب، من خلال خفض الإمدادات إلى عدد من الدول الأوروبية، مستفيدةً من الاعتماد الكبير لعدد من هذه الدول على الغاز الروسي. ودفع ذلك أوروبا إلى تسريع جهودها لتقليص هذا الاعتماد وتنويع مصادرها من الطاقة.

وتبرز أهمية الطاقة أيضاً في التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، نظراً إلى الدور الحيوي للمضيق في إمدادات النفط والغاز وتأثير أي اضطراب في حركة الملاحة عبره على الاقتصاد العالمي.

ومع التحوّل نحو الطاقة النظيفة، تبرز موارد أخرى تمنح الدول ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً. فالنفط والغاز يحتفظان بأهميتهما، فيما تزداد قيمة الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة والبطاريات، مع تنامي الحاجة إليها في الصناعات الجديدة. وهذا الاعتماد يمنح الدول التي تملك هذه الموارد أو تسيطر على إنتاجها أوراق قوة جديدة في علاقاتها مع الدول الأخرى.

منجم للعناصر الأرضية النادرة في كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الاقتصاد في موازين القوة

تكمن قوة الأدوات الاقتصادية في أنّ الدول يحتاج بعضها إلى بعض. فالعقوبات تكون مؤثرة لأن الدولة المستهدَفة تحتاج إلى الأسواق والتمويل، وقيود التصدير تكون مؤلمة عندما يصعب العثور على التكنولوجيا البديلة، والطاقة تصبح ورقة ضغط عندما يعتمد المستورد على عدد محدود من الموردين.

لكن توظيف الاعتماد الاقتصادي وسيلةً للضغط يدفع الدول أيضاً إلى محاولة تقليل اعتمادها على الدول الأخرى، عبر تنويع الموردين، وزيادة الإنتاج المحلي، وتخزين المواد الحيوية وإعادة رسم سلاسل الإمداد. ومن هنا تتسع سياسات «خفض المخاطر»، التي تقوم على تقليل الاعتماد المفرط على دولة أو مصدر واحد في القطاعات الحيوية، فيما يحظى الأمن الاقتصادي باهتمام متزايد في سياسات عديد من الدول.

وهكذا تشكّل المنافسة الاقتصادية جزءاً من صراع أوسع على القدرة على التأثير: مَن يملك السوق التي يصعب الاستغناء عنها؟ ومَن يتحكّم بالموارد والتكنولوجيا؟ ومَن يستطيع فرض تكلفة اقتصادية على خصمه من دون أن يتحمّل تكلفة مماثلة؟

وفي عالم شديد الترابط اقتصادياً، تشكّل القدرة على التحكم بالأسواق والموارد والتكنولوجيا والتمويل عنصراً مهماً من عناصر القوة بين الدول. فكلّما امتلكت دولة أوراقاً اقتصادية يصعب على خصومها الاستغناء عنها، ازدادت قدرتها على استخدام هذه الأوراق للضغط وتعزيز موقعها في صراعات النفوذ.


«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
TT

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)

تدخل «لوسيد موتورز» الأميركية مرحلة جديدة تركز على تحسين السيولة وخفض التكاليف وتعزيز الانضباط التشغيلي، مستهدفةً تحقيق وفورات بقيمة 1.4 مليار دولار، بالتزامن مع إطلاق منتجات جديدة وتوسيع عملياتها في السعودية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، سيلفيو نابولي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن أولويات الشركة تشمل تحسين التدفقات النقدية، وتطوير برنامج سيارات الأجرة ذاتية القيادة، واستكمال انتقال مصنع «AMP-2» إلى التصنيع المتكامل، إلى جانب تطوير المركبات متوسطة الحجم تمهيداً لإطلاقها.

وأكد نابولي أن استراتيجية «لوسيد» في المملكة تتجاوز التصنيع، لتشمل بناء منظومة متقدمة للمركبات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها، بما يدعم مكانة السعودية في مستقبل قطاع التنقل.