الطائرات الكهربائية... من أحلام الماضي إلى تصاميم المستقبل

اختبارات نماذج منها لرحلات قصيرة المدى

الطائرات الكهربائية... من أحلام الماضي إلى تصاميم المستقبل
TT

الطائرات الكهربائية... من أحلام الماضي إلى تصاميم المستقبل

الطائرات الكهربائية... من أحلام الماضي إلى تصاميم المستقبل

في بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقف كريس كابوتو على مدرج مطار برلنغتون الدولي في ولاية فيرمونت الأميركية، ونظر إلى الغيوم البعيدة.

حلّق كابوتو بطائرات عسكرية ومدنية طوال حياته المهنية، ممضياً آلاف الساعات في الجوّ، ولكنّ الرحلة التي كان على وشك الانطلاق بها كانت مختلفةً جداً. وهذا لأنّ الطائرة التي كان سيقودها كابوتو هذه المرّة تعمل بالبطاريات. وهكذا، فقد حلّق مع زملائه لمدّة 16 يوماً بطائرة «CX300» التي طورتها شركة «بيتا تكنولوجيز» في منطقة الساحل الشرقي. وتوقّف الفريق نحو 20 مرّة للاستراحة وشحن الطائرة، وحلّقوا في مساحات جوية مزدحمة فوق بوسطن، ونيويورك، وواشنطن، ومدن أخرى. عندما انتهت رحلتهم في فلوريدا، سلّمت «بيتا» الطائرة للقوّات الجوية الأميركية التي تعتزم اختبارها في الأشهر القليلة المقبلة. قدّمت هذه الرحلة رؤيةً عن شكل الطيران في السنوات المقبلة التي ستمتلئ خلالها السماء بطائرات لا تنتج غازات الدفيئة التي تزيد تسخين الأرض. وعلق كابوتو: «إننا نقوم بعملٍ مهمّ جداً لولايتنا وبلدنا وكوكبنا. من الصعب جداً ألا ترغب في أن تكون جزءاً منه».

موجة نشاطات جديدة

لم تتعدَّ الطائرة الكهربائية الأفكار الخيالية فيما مضى من تاريخ الطيران، ولكن التطوّر التقني، خصوصاً في مجال البطاريات واستثمار مليارات الدولارات، ساعدا ويساعدان على تحويل الطيران الجوي الكهربائي قصير المدى إلى فكرة مجدية، يأمل داعموها في أن تكون صالحة للطيران التجاري (المدني).

جمعت «بيتا»، ذات الملكية الخاصة، أكثر من 800 مليون دولار من المستثمرين كـ«فيدليتي»، وصندوق «كلايمت بليدج» التابع لـ«أمازون»، وشركة «تي بي جي كابيتال». انتهت الشركة التي بلغ عدد موظفيها 600 شخص، ومعظمهم يعيش في فيرمونت، أخيراً من بناء مصنعٍ في برلنغتون لتصنيع طائراتها الكهربائية (التي لم تحصل إلى اليوم على ترخيص إدارة الطيران الفدرالي) على نطاق تجاري.

أولى هذه الطائرات هي «CX300» التي تتميّز بتصميم طويل ومستقبلي ومسافة 15 متراً فاصلة بين الجناحين، ونوافذ كبيرة مقوّسة، ومروحة خلفية. صُممت هذه الطائرة لحمل 600 كيلوغرام. وبعد فترة قصيرة، ستليها «A250» التي تشاركها نحو 80 في المائة من تصميمها، تُضاف إليه دوّارات رفع لتقلع وتهبط مثل الطوافة. وتقول الشركة التي تسوّق للطائرتين باسم «آليا (Alia)»، إنّهما أخيراً ستُستخدمان لنقل الركّاب.

طائرات عمودية

«بيتا» هي واحدة من شركات كثيرة تعمل في مجال الطيران الكهربائي. ففي كاليفورنيا، تعكف شركتا «جوبي أفييشن»، و«آرتشر أفييشن» على تطوير طائرة عاملة بالبطارية قادرة على التحليق عمودياً، لتقلّ لاحقاً عدداً قليلاً من الركّاب لمسافات قصيرة. تحظى هذه الشركات بدعم أسماء كبيرة كـ«تويوتا»، و«ستيّانتيس»، و«يونايتد إيرلاينز»، و«دلتا إيرلاينز»، بالإضافة إلى شركات استثمارية كبرى. وتعمل شركات صناعة الطائرات العالمية كـ«إيرباص»، و«بوينغ»، و«إمبراير» على تطوير طائراتها الكهربائية الخاصة أيضاً.

بدورها، لم تقف الحكومة الأميركية مكتوفة اليدين، إذ تخطط إدارة الطيران الفدرالية لدعم تشغيل الطائرات التي تستخدم وسائل دفع جديدة، بدءاً من عام 2028. وتَلزم القوّات الجوية عقود، وتعتزم اختبار طائرات كهربائية، كـ«CX300» وأخرى من تطوير شركة «جوبي»، في قاعدة إدواردز الجوية في كاليفورنيا، في سبتمبر (أيلول) المقبل.

تصميم خفيف مريح

قد لا تكون طائرة «بيتا» كبيرة وقوية مثل الطائرات التي حلّق بها كابوتو لصالح القوّات الجويّة الأميركية، والحرس الجوي الوطني، أو شركة «دلتا»، إلّا أنّ خفّتها، على حدّ تعبيره، وهدوءها واستجابتها المذهلة تجعل قيادتها ممتعة.

وقال كابوتو: «تشعر كأنّك والطائرة شيء واحد. يمكنك سماع تدفق الهواء والشعور به وهو يحوم حول أسطح التحكّم. حالياً، نرتدي الخوذ؛ لأنّنا لا نزال في المرحلة التجريبية، والسلامة ضرورية جداً، ولكن يمكننا نزع هذه الخوذ داخلها والتحدّث بعضنا إلى بعض بكلّ بساطة».

وأضاف الطيّار المخضرم أنّ «CX300» وغيرها من الطائرات الكهربائية قد تفتح الباب لفرصٍ جديدة، كتحسين الاتصال مع المناطق النائية التي تقلّ أو تنعدم فيها خدمات النقل الجوي.

حلّقت طائرة «بيتا» مسافة 621 كيلومتراً حتّى اليوم بشحنة واحدة، ولكنّ الشركة تتوقّع من زبائنها استخدام هذه الطائرة في رحلات تتراوح مسافتها بين 160 و241 كيلومتراً. وتجدر الإشارة إلى أنّ «CX300» حصلت على إذن بالتحليق فوق فلوريدا تحت سلطة محدودة من إدارة الطيران الفدرالية.

صُمّمت الطائرات الكهربائية التي لا تنتج انبعاثات مضرّة، لتكون سهلة التشغيل والإدارة أكثر من الطائرات والطوافات التقليدية. ومع ذلك، لا أحد يتوقّع أن تصل هذه الطائرات بأعدادٍ كبيرة إلى السماء قبل سنوات، على أن تكون رحلاتها الأولى قصيرة، من مانهاتن إلى مطار كينيدي الدولي في نيويورك مثلاً.

وتستطيع البطاريات العصرية دعم نطاق ووزن محدودين، وبالنتيجة، ستستطيع الطائرة العاملة بها حمل عددٍ قليلٍ من الركّاب أو ما يعادله من الحمولة.

بداية عصر جديد

في البداية، من المتوقع أن تتنافس الطائرات الكهربائية مع الطوافات والسيارات والشاحنات؛ لأنّ تكاثر الرحلات فوق المدن لن يكون ممكناً من دون توسيع البنية التحتية وتزويدها بمواقع للإقلاع والهبوط العمودي والدعم العام. إضافة إلى ذلك، ستكون تكلفة تطوير هذا النوع من الطائرات مرتفعة في البداية، ما سيحدّ من استخدامها إلّا في حالات الخدمات الحيوية كالإخلاءات الطبية.

يرى كيفن مايكلز، مدير شركة «أييرو دايناميك أدفايزوري» المتخصصة في استشارات النقل الجوي، أنّ التحدّي والوعد الذي يواجهُه الطيران الكهربائي اليوم يشبه ذلك الذي واجهته العربات في القرن العشرين.

ويضيف أنّ «مئات الجهات المصنِّعة حول العالم كانت في ذلك الوقت تملك مقارباتها الخاصة لصناعة هذه الآلات في غياب الطرقات وإشارات المرور وخدمات التأمين، إلّا أنّ الصناعة استطاعت تحقيق ذاتها أخيراً. وبعد 20 عاماً، استقرّت الأمور وانخفضت التكاليف وبرز الرابحون، وتغيّرت أمورٌ كثيرة، ومنها طريقة حياة الناس».

* خدمة «نيويورك تايمز»



«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».