علييف يتهم فرنسا بالتمهيد لإشعال حرب جديدة جنوب القوقاز

يريفان تعزز الوجود الأوروبي على حدودها مع أذربيجان

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال عرض عسكري في 8 نوفمبر الحالي في عاصمة إقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أ.ف.ب)
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال عرض عسكري في 8 نوفمبر الحالي في عاصمة إقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أ.ف.ب)
TT

علييف يتهم فرنسا بالتمهيد لإشعال حرب جديدة جنوب القوقاز

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال عرض عسكري في 8 نوفمبر الحالي في عاصمة إقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أ.ف.ب)
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال عرض عسكري في 8 نوفمبر الحالي في عاصمة إقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أ.ف.ب)

شن الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، الثلاثاء، هجوماً عنيفاً على فرنسا، واتهمها بالعمل على تمهيد الوضع لتفجير حرب جديدة في منطقة جنوب القوقاز، بعدما أعلنت أخيراً أنها ستقدم دعماً عسكرياً إلى أرمينيا مع التأكيد على أنها «لن تسمح» بتعريض أمنها للخطر. في المقابل، خطت يريفان خطوة أخرى تعكس تحدياً لموسكو وباكو معاً، من خلال توقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تسمح بتعزيز حضور قوات فصل تابعة للاتحاد، في المنطقة الحدودية الفاصلة بين أرمينيا وأذربيجان.

واتهم علييف الفرنسيين، خلال مؤتمر دولي في باكو، عاصمة أذربيجان، بـ«تسليح» أرمينيا و«تمهيد الأرضية» لحرب جديدة في منطقة القوقاز بعد حربين خاضتهما باكو ويريفان خلال العقود الماضية. وقال إن باريس «تتبع سياسة ذات نزعة عسكرية من خلال تسليح أرمينيا، وتشجيع القوى الانتقامية في أرمينيا، وتمهيد الأرضية لإثارة حروب جديدة في منطقتنا».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرحب برئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في الإليزيه في 9 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

وتعمد علييف، خلال مداخلته أمام المؤتمر المخصص لمناقشة قضايا إلغاء الاستعمار، التذكير بـ«الماضي الاستعماري لفرنسا»، وقال إن باريس مسؤولة عن «معظم الجرائم الدموية في التاريخ الاستعماري للإنسانية»، مشيراً إلى أن «فرنسا احتلت عشرات البلدان في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا ومنطقة المحيطات الهادئ والأطلسي والهندي وأميركا اللاتينية، ونهبت ثرواتها واستعبدت شعوبها لسنوات طويلة، كما ارتكبت العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في هذه الأراضي، وارتكبت القوات الفرنسية إبادة جماعية ضد مئات الآلاف من المدنيين بسبب عرقهم ودينهم». وذكر أن «فرنسا شاركت بنشاط في تجارة الرقيق، وهي واحدة من أكثر الصفحات المخزية للإنسانية، عندما أصبح ملايين الأفارقة ضحايا لسياسات العبيد الفرنسية».

وقال علييف: «أنا بصفتي رئيساً لحركة عدم الانحياز ذكرت أكثر من مرة على أساس الوقائع الملموسة الجرائم العديدة ضد الإنسانية والجرائم الوحشية التي ارتكبتها فرنسا في الدول المحتلة. وقتلت فرنسا عدة ملايين من الأشخاص الأبرياء بمن فيهم النساء والأطفال في كل من الجزائر والمغرب وتونس ومالي وجيبوتي ونيجيريا وتشاد والسنغال وبنين وكوت ديفوار وجمهورية أفريقيا الوسطى والغابون وتوغو والكاميرون وفيتنام واتحاد جزر القمر وهايتي ودول أخرى. كما أن فرنسا مسؤولة إلى حد كبير عن مقتل أكثر من 800 ألف من أفراد شعب التوتسي في رواندا عام 1994».

وعكست العبارات الحادة للرئيس الأذري مستوى تفاقم التوتر مع فرنسا، والاتحاد الأوروبي بشكل عام، على خلفية تزايد نشاط الأوروبيين الموجه لدعم أرمينيا خلال الأشهر الماضية.

عرض عسكري أذربيجاني في 8 نوفمبر الحالي في العاصمة السابقة لإقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أ.ف.ب)

وكان علييف قال خلال محادثة هاتفية مع رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشيل، في وقت سابق، إنه في حالة ظهور أي صراعات جديدة في جنوب القوقاز، فإن «فرنسا ستكون الجاني».

في السياق ذاته، قال حكمت حاجييف، مستشار رئيس أذربيجان، الثلاثاء، إن باكو ترغب في إجراء محادثات سلام ثنائية مع أرمينيا، وتثق بأنهما سيتمكنان من التوصل إلى اتفاق بسرعة من دون الحاجة إلى وساطة غربية. وأضاف: «إبرام اتفاقية سلام ليس أمراً بالغ الصعوبة. إذا حسُنت النوايا يمكن وضع المبادئ الأساسية لاتفاق سلام في وقت قصير».

ورد حاجييف على موضوع التدخل الغربي قائلاً: «نحتاج إلى سلام في منطقتنا، ليس في واشنطن أو باريس أو بروكسل». وزاد أن الولايات المتحدة أظهرت «ازدواجية في المعايير وموقفاً غير بنّاء»، كما انتقد فرنسا بشدة، على خلفية تصريحات صدرت عن باريس، الشهر الماضي، حول الموافقة على إبرام عقود جديدة لتزويد أرمينيا بمعدات عسكرية.

نقطة تفتيش أذرية في عاصمة إقليم كاراباخ الذي استعادته أذربيجان بهجوم خاطف مطلع هذا العام (أرشيفية: رويترز)

وخاضت أذربيجان وأرمينيا حربين خلال العقود الثلاثة الماضية للسيطرة على أراضي كاراباخ، وهي منطقة معترف بها دولياً على أنها جزء من أذربيجان لكن انفصلت عنها أغلبية من السكان الأرمن وأقاموا دولة مستقلة عنها بحكم الأمر الواقع في التسعينات. واستعادت أذربيجان المنطقة في سبتمبر (أيلول)، ما أدى إلى نزوح جماعي لجميع الأرمن المقيمين في الإقليم تقريباً، والذين يقدر عددهم بنحو 120 ألف نسمة. وبعد ذلك، نشط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحركاتهما لدعم أرمينيا.

وأعلنت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، الشهر الماضي، أنه سيكون هناك «رد قوي» على أي محاولات لانتهاك سلامة أراضي أرمينيا. وقالت خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرها الأرميني أرارات ميرزويان في يريفان: «أود أن يوجه الاتحاد الأوروبي وكافة الدول الأعضاء فيه ابتداء من هذه اللحظة، مثل ما نقوم به نحن، إشارة واضحة لجميع من قد يحاولون انتهاك سلامة أراضي أرمينيا». وأشارت إلى أنها تعول على دعم الشركاء في هذه المسألة، وخصوصاً الولايات المتحدة. وأكدت كولونا كذلك موافقة فرنسا على توقيع اتفاق مع أرمينيا، سيسمح بتوريد معدات عسكرية ليريفان.

بدوره، كرر نيكول باشينيان، رئيس وزراء أرمينيا، التأكيد أكثر من مرة على توجه بلاده لتعزيز التعاون مع الغرب. وشدد على أهمية الدور الأوروبي في التوصل إلى أي اتفاق سلام مستقبلي مع أذربيجان. وقال قبل أيام إن «الفضل سوف يعود إلى الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تيسير التوصل إلى اتفاقية سلام»، لكنه قال إن الجانبين (أرمينيا وأذربيجان) ما زالا «يتحدثان لغات دبلوماسية مختلفة».

في غضون ذلك، أفادت وكالة «أرمن برس» الأرمينية، الثلاثاء، بأن يريفان وبروكسل وقعتا اتفاقية حول وضع بعثة المراقبة المدنية للاتحاد الأوروبي، التي تراقب الوضع على الحدود الأرمنية الأذرية.

وتم توقيع الاتفاقية من قبل نائب وزير الخارجية الأرميني باروير أوفانيسيان، ورئيس البعثة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي في أرمينيا فاسيليس ماراغوس.

وقال ماراغوس: «لقد قدمت هذه البعثة الكثير لأرمينيا من حيث الاستقرار والأمن. واتفاقية الوضع التي وقعناها اليوم ستساعد في تحقيق قدر أكبر من اليقين القانوني عندما يدور الحديث عن تنظيم الحقوق والمسؤوليات المختلفة لوجود البعثة في البلاد». وأضاف أن مسألة توسيع البعثة تم حلها منذ عدة أيام في بروكسل، حيث وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على الاقتراح بشأن توسيع بعثة مراقبي الاتحاد في أرمينيا.

وبدأت البعثة المدنية للاتحاد الأوروبي عملها في أرمينيا في فبراير (شباط) الماضي، ويراقب المراقبون في إطارها الجانب الأرميني من الحدود الأذرية الأرمينية. بينما تنظر موسكو وباكو بريبة إلى الوجود الأوروبي في المنطقة.



تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...