قصص منسوجة بالضوء تسطع في سماء الرياض

ضمن مهرجان «نور الرياض» الذي تستضيفه العاصمة السعودية نهاية الشهر

عمل للفنانة عهد العمودي (الفنان - نور الرياض)
عمل للفنانة عهد العمودي (الفنان - نور الرياض)
TT

قصص منسوجة بالضوء تسطع في سماء الرياض

عمل للفنانة عهد العمودي (الفنان - نور الرياض)
عمل للفنانة عهد العمودي (الفنان - نور الرياض)

بعنوان نابع من قلب الصحراء وقلب مدينة الرياض وهو «قمر على رمال الصحراء» يعود الاحتفال الفني «نور الرياض» للعاصمة السعودية، حاملاً معه إبداعات مجموعة ضخمة من الفنانين من السعودية والعالم، ليست عادية، ولا تقليدية، ولكنها تستخدم الضياء والأنوار للتعبير الفني لتلفت أنظار سكان العاصمة عبر الرسم بالضوء على الجدران والمباني والوديان. العنوان في حد ذاته يحمل وعوداً بجمال يضاهي أشعة القمر المكتمل على رمال الصحراء، ويا لها من صورة قريبة إلى النفس والخاطر.

المهرجان في نسخته الثالثة يستند إلى نجاح قوي صاحب العرضين الأول والثاني، وليس أمامنا الآن إلا الانتظار حتى 30 من الشهر الحالي لنرى ما يمكن أن تقدمه النسخة الثالثة. تأتي عروض المهرجان محملة بتصورات فريق من القيمين العالميين والمحليين برئاسة جيروم سانس، وهم بيدرو ألونزو من الولايات المتحدة الأميركية، وآلاء طرابزوني، وفهد بن نايف من السعودية، إضافةً إلى القيّمين الفنيّين للمعرض المصاحب، وهما: نيفيل ويكفيلد، ومايا العذل.

عمل للفنان آرنا كوينز بعنوان «الواحة» (الفنان - نور الرياض)

جيروم سانس وصحراء التكنولوجيا

وحتى إطلاق العرض في نهاية هذا الشهر، لن نعرف الكثير عن الأعمال المقدمة سوى بضع صور، ولكن نحاول أن نستشف بعض التفاصيل عبر الحديث مع القيّمين الفنيّين للعرض، وأطلق سلسلة الحوارات بحديث مع القيّم الرئيسي جيروم سانس الذي يحدثني عبر «زووم» من منزله في فرنسا. يشرح سانس الفكرة العامة حول العرض ودلالات العنوان «قمر على رمال الصحراء». يتحدث بشاعرية وافتتان عن الصحراء والضوء الخاص الذي يتجلى في لياليها، يقول: إنه يتميز بـ«التفرد والقوة». «النور المثالي الذي سيعكسه المهرجان» بحسب سانس سيقدم «حكايات جديدة للمشهد الطبيعي، حيث تظهر سيناريوهات جديدة ومدن جديدة، وحيث يختلط الجميع».

ما هو العامل الموحّد بين كل هؤلاء؟ هل هو الضوء؟ أم الصحراء؟ يقول: «أعتقد أن الضوء يجمعنا، نعيش في وقت يتحكم فيه الضوء بكل الأشياء، الضوء يجمع بيننا، نعيش تحت السماء نفسها، ونعمل على الأرض نفسها». الصحراء لدى سانس ليست هي فقط الصحراء الفعلية خارج مدينة الرياض، بل هي الصحراء التي يعيش فيها كل منا بفضل التقدم التكنولوجي «في هذا العالم الرقمي أشاهدكِ، وكأنكِ أمامي رغم أنكِ بعيدة جغرافياً، انطباعي بأننا متصلون هو سراب، سراب جميل يسهّل حياتي، ولكني ما زلت في مكاني، وحيداً في صحراء خاصة بي، العالم يعيش اليوم في صحراء، وليس لنا إلا أن نحلم بأن نكون كلنا على الجانب المضيء من قمر الصحراء».

عمل الفنان راشد الشعشعي «100 مليون» (الفنان - نور الرياض)

بيدرو ألونزو وسحر المجتمع المحلي

القيّم بيدرو ألونزو يأتي إلى «نور الرياض» محملاً بخبرة واسعة في «فن الشارع»، أسأله: «تستخدم المشهد الطبيعي مثل لوحة القماش للرسام، كيف تقرر المكان المناسب للعمل الفني؟»، يقول إنه بدأ حياته الفنية بالعمل في داخل قاعات المتاحف والصالات الفنية، ثم انتقل للعمل مع فناني الشارع مثل جي آر وغيره من الفنانين، كانوا خارج المنظومة الفنية الرسمية، ينظر إليهم كمشاغبين ومخرّبين لرسمهم الجدارايات، «أرادوا أن يخرجوا بفنهم خارج المؤسسة، وأن يقدموا فناً قريباً من الجمهور، تعلمت منهم الكثير بالفعل حول الفن الذي يرتبط مع قضايا الناس، كما تعلمت منهم أهمية وضع العمل بمكان في متناول أكبر عدد ممكن من الجمهور».

في إحدى مقابلاتك، أعتقد في 2016 ذكرت أنك مهتم بالمجتمع المحلي الذي ستعرض فيه الأعمال، حدثنا عن ذلك فيما يخص الرياض، يقول: «أنا وجيروم كنا مسحورين بالمجتمع المحلي التقليدي، وفي الوقت نفسه بالمدينة اليافعة التي تتمدد، وتتطور وتتغير باستمرار. لدي صديقة ألّفت كتاباً عن السعودية، كنت أسألها باستمرار عن المملكة، قالت لي جملة أتذكرها دائماً، عن أنها مدينة في طور التغيير بسرعة شديدة، ولكن ليس بالسرعة الكافية، وهو أمر ساحر بالنسبة إلي، وأرى أن ذلك المفهوم يحدد نوع الفن هناك». يستكمل حديثه قائلاً: «هناك عامل آخر مؤثر للغاية، ويلعب دوراً مهماً، وهو الجمال الطبيعي للمواقع التي اخترناها لعرض الأعمال المشاركة على سبيل المثال المركز المالي بالرياض، وهو مكان متميز جداً بمعمار حديث راقٍ، وفي عملنا نتجاوب مع طابع المكان».

عمل لتشارلز سانديسون «حديقة النور» (الفنان - نور الرياض)

يعدد الأماكن الأخرى التي ستستقبل أعمال الفنانين وأضواءها، هناك أيضاً «حديقة السلام»، متميزة بزوارها من العائلات. يذكر أنه زار الحديقة مع جيروم وأدهشته الضيافة من قِبل زوار الحديقة الذين قدموا لهم القهوة والتمر «هذا النوع من الكرم، في البداية كان غريباً بالنسبة إلى شخص غربي مثلي، أن يقدم لك الغرباء المشروبات والطعام، وهو أمر لا يحدث في أميركا. أحببت ذلك المكان والإحساس فيه، ولكنه ليس المكان الوحيد الذي جذبني، هناك الأودية، وهي المفضلة بالنسبة إلي، أعادتني لطفولتي في المكسيك وجنوب كاليفورنيا، حيث كنت أقضي الوقت أجري في الصحراء في الليل والنهار؛ ولهذا كانت تغلبني العاطفة كلما زرت الوديان هنا». يشير ألونزو إلى أن العروض ستكون «استجابة لجمال المواقع، هذه المساحات الشاسعة، لا تتسنى الفرصة دائماً للعمل في مثل هذه المواقع، في العادة يطلب مني أن أعمل على نطاق صغير، ولكن الأمر هنا كان مختلفاً، أحب هذا الطموح».

غيداء المقرن: الضوء كوسيلة تعبير

غيداء المقرن كانت لها تجربة مع «نور الرياض» العام الماضي، حيث شاركت في تنسيق المعرض الفني الذي صاحب الاحتفال، وتعود هذا العام، ولكن بصفة مديرة فنية. تقول إن التركيز هذا العام سيكون منصبّاً على خمسة مراكز متوزعة في مختلف أرجاء العاصمة، مشيرة إلى أن ذلك سيسهل على الجمهور الإلمام بالمعروضات: «هذه المرة أردنا أن نجعل التركيز على المراكز الخمسة، وهي أيضاً موزعة على أنحاء المدينة ليصبح لكل منطقة العرض الخاصة بها، كل منها سيكون له طعم وطابع مختلفان، بعض الأعمال تناسب بيئة صحراوية تناسب أعمالاً تحتاج إلى أن تكون في الطبيعة بينما هناك أعمال مودرن تناسبها المدينة كمكان عرض. عبر تجربتها في تنسيق معرض العام الماضي أسألها عن تجارب الفنانين السعوديين الذين شاركوا في المعرض «فن الضوء لم يكن موجوداً بالحركة الفنية السعودية، كيف تعامل الفنانون مع هذا؟»، تجيب: «كان معظمهم غير متآلف مع الضوء كوسيلة تعبير، بعد المهرجان لاحظت أن بعضهم قدم أعمالاً جديدة استخدموا فيها الضوء، أعتقد أن الضوء كوسيلة تعبير كان جسراً لهم لتقديم شيء جديد، وجرّأهم على تجاوز المألوف».

عمل لغريمانيسا أموروس (الفنان - نور الرياض)

آلاء طرابزوني وحرية الاستكشاف

القيّمة الفنية المشاركة آلاء طرابزوني تتحدث عن المهرجان قائلة: «يهدف المهرجان إلى توجيه التنوع الذي يشكّل عالمنا من خلال الأعمال الفنية. إنه يحتفل بالنور المشترك الذي يدفئنا، ويريحنا ويربطنا جميعاً». تضيف طرابزوني: «أعتقد أن تنوع المواقع هو مصدر قوتها، وهو امتداد لطرح البيان التنظيمي للصحراء كمحفز لتبديد الاختلافات. في حين أن المواقع لها موضوعات في حد ذاتها، فإن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في اعتقادي هو أنه لا توجد رحلة محددة داخل أي من المراكز؛ فالمشاهد حر في استكشافها بالسرعة والطريقة اللتين تناسبانه. أعتقد أن هذه الحرية مثيرة وغير معتادة في سينوغرافيا المعارض (المعارض التي تقام عادة في الداخل). نأمل أن تشجع هذه الحرية لاستكشاف المعرض على التباطؤ والقيام برحلة تأملية في اكتشاف الأعمال وكذلك تكرار الزيارات.

نيفيل ويكفيلد التواصل عبر الضوء

يعود القيّم الفني نيفيل ويكفيلد لـ«نور الرياض» عبر المعرض المصاحب للمهرجان وعنوانه «الإبداع ينوّرنا والمستقبل يجمعنا» الذي سيقام في حي جاكس بالدرعية، لمدة 3 أشهر خلال الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 إلى 2 مارس (آذار) 2024، ويقدم لزوّاره رحلة فنية ملهمة تُعبّر عن الضوء كمصدر فكري وفنيّ للفنانين المشاركين، ويشرح تفسيرهم لطبيعة الإنسان وهويته الثقافية. يحدثني ويكفيلد عن العرض الذي يشارك في الإشراف عليه، معرباً عن أمله أن يعكس المعرض جانباً من الحوار الفني العالمي. المعرض يضم عدداً ضخماً من الفنانين من جميع أنحاء العالم، ومجموعة من الفنانين السعوديون . لا يتحدث ويكفيلد على نحو مفصّل عن الأعمال، ولكنه يشير إلى أن العرض يبحث إمكانات التواصل التي يوفرها الضوء: «يصور كيف أصبح الضوء لغة للتواصل ولاستكشاف القصص بمختلف الطرق». تعكس الأعمال بحسب ويكفيلد كيف استخدم العلم والدين والثقافة مفهوم الضياء. الأعمال المشاركة في العرض ستتنوع ما بين العروض الغامرة التي يلعب الضوء فيها دوراً أساسياً، هناك أيضاً أعمال يصفها بأنها «تعبّر عن مفاهيم مباشرة للضوء منعكسة عبر الصور».

عمل كريستوفر باودر (الفنان - نور الرياض)

يؤكد ويكفيلد أن عنوان المعرض المنفصل «الإبداع ينوّرنا والمستقبل يجمعنا» يندرج تحت العنوان الرئيس للمهرجان «قمر على رمال الصحراء» ومثله يتخذ موضوعاً رئيسياً، وهو قوة الضوء وتأثيره في تشكيل الإدراك الإنساني. في حين تجسد العروض الخارجية عبر مساحات شاسعة التقاطع بين العمارة والضوء بينما يتميز المعرض المنفصل بأعمال أكثر «حميمية وقرباً من المشاهد».


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

المهرجان حوّل الأدب إلى تجربة حيَّة تفاعلية، حيث يأخذ الزائر دوراً في عالم الحكاية ويُعايش الشخصيات والقصص بخيالٍ وحواس متعددة.

منى أبو النصر (الطائف)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.