تهديد سفن إسرائيل... مغامرة حوثية جديدة أم تطور في الضجيج الإعلامي؟

باحثون: الجماعة تستثمر أحداث «غزة» لتحقيق مكاسب داخلية

توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
TT

تهديد سفن إسرائيل... مغامرة حوثية جديدة أم تطور في الضجيج الإعلامي؟

توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)

للوهلة الأولى يبدو الخطاب الأخير لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تصعيدياً وجريئاً تجاه إسرائيل أكثر من سابقيه، خصوصاً بعد انتقاله إلى التهديد باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، لكن الوقائع تشير إلى أن التصعيد نحو الداخل أكثر منه نحو إسرائيل، دون أن يخلو الأمر من مخاطر على المحيط الإقليمي.

فبعد أن واجهت صواريخ الحوثي وطائراته المسيرة الموجهة إلى إسرائيل حملة سخرية وتهكم واسعين من عدم جدواها أو فاعليتها، لم يحدث أي رد فعل إسرائيلي يوحي بأنها مثلت خطراً كافياً يمكن الجزم معه بأن الجماعة أصبحت جزءاً حقيقياً من المعركة.

أطلق زعيم الجماعة الحوثية في خطابه الأخير تهديدات باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

ويبدو أن التصعيد الخطابي الأخير للحوثي لم يكن في جزء كبير منه سوى ردة فعل على تساؤلات متهكمة وجادة تداولها الكثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام، حول تجاهل الجماعة الحوثية لوجود السفن والزوارق الإسرائيلية في البحر الأحمر، ما يجعل منها أهدافاً أقرب إلى أسلحتها التي لم تفلح في تغيير قناعات اليمنيين أن الجماعة تتخذ من مساندة الفلسطينيين غطاء لتبرير انتهاكاتها في حقهم.

فتهديد السفن والزوارق الإسرائيلية في البحر الأحمر يمكن أن يعطي المواجهات بعداً جديداً، خصوصاً أن محور إيران في المنطقة اعترف على لسان حسن نصر الله، زعيم «حزب الله» في لبنان، بأن الصواريخ والمسيرات الحوثية لا تصل إلى إسرائيل، وإن كان حاول الإيحاء بقدرتها على التأثير في المعركة، فإن زعيم الجماعة الحوثية أوجد لنفسه وجماعته مبررات لعدم الإقدام على خوض مثل هذه المغامرة.

لكن هذه المبررات تبدو واهية حين يطلقها زعيم جماعة تدعي باستمرار تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتقف من خلفها دولة مثل إيران التي تمدها بالسلاح النوعي والتكنولوجيا والخبراء وتدعمها مخابراتياً، بافتراض صحة مزاعم الحوثي بأن السفن الإسرائيلية تموه وجودها وتتعمد التهريب وإغلاق أجهزة التعارف، وعدم رفع العلم الإسرائيلي، وكأنه يتحدث عن سفن تجارية وليست قطع بحرية عسكرية.

انكشاف زيف الشعارات

منذ فترة أعلنت إيران أن الحديدة اليمنية أصبحت حارسة البحر الأحمر، ما يفيد بأن وجودها على الساحل الغربي لليمن أصبح حقيقة ينبغي التعاطي معها وعدم إغفالها، إلا أنها وذراعها العسكرية لم تقدم على الدخول في مواجهة حقيقية في البحر الأحمر مع أي طرف، سوى بأعمال القرصنة وزراعة الألغام، وأخيراً، إسقاط طائرة من دون طيار تابعة للبحرية الأميركية.

قالت البحرية الأميركية أواخر الشهر الماضي إنها أسقطت صواريخ وطائرات مسيرة في البحر الأحمر أطلقها الحوثيون باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)

في هذا الاتجاه، يصف اللواء المصري بخيت حمدي الأحداث التي يمر بها قطاع غزة وتداعياتها في المنطقة بالكاشفة التي فضحت مواقف الكثير من الأطراف والقوى، والتي تنصلت من مزاعمها وشعاراتها، وذهبت إلى الاستعراض في مناطق وأماكن بعيدة.

فالهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي - برأيه - غير مجدية، خصوصاً أن هناك أهدافاً إسرائيلية قريبة من اليمن مثل القاعدة الإسرائيلية في إريتريا أو التجمع العسكري البحري الدولي في بحر العرب لحماية باب المندب.

وتبدو التهديدات الحوثية مجرد استهلاك إعلامي وفقاً للواء حمدي، فجماعة الحوثي تستطيع بالتأكيد تقدير حسابات أي عمل تقدم عليه وردود الفعل المتوقعة، فحجم القوات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة يمنع الحوثي من التفكير بتوجيه ضربات حقيقية ومؤثرة، وقد اتضح جلياً أن أدوار إيران وأذرعها في المنطقة محددة، ولا يمكنها تجاوزها.

غير أن التصعيد الحقيقي الذي نفذته الجماعة الحوثية عسكرياً، كان داخلياً، حيث استهدفت محافظة الضالع، خلال الأيام الماضية، مطلقة سلسلة من الهجمات ومحاولات تسلل إلى المناطق المحررة، دافعة بتعزيزات بشرية كبيرة من محافظة إب المجاورة، واستهداف تلك المناطق بالمدفعية والطائرات المسيرة، بالتزامن مع أعمال مشابهة في محافظات مأرب وتعز والحديدة، بحسب بيانات الجيش اليمني.

تصعيد نحو الداخل

واصلت الجماعة الحوثية انتهاكاتها وأعمالها العدائية ضد المدنيين في اليمن، إلى جانب تصعيدها العسكري في عدد من الجبهات في محافظات تعز والضالع ومأرب، رغم الهدنة والجهود الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى السلام في اليمن، وراح ضحية تلك الأعمال عدد من المدنيين.

تعزيزات حوثية سابقة باتجاه مدينة تعز المحاصرة (فيسبوك)

وبينما تعرض رئيس هيئة أركان الجيش الفريق الركن صغير بن عزيز، لمحاولة اغتيال شرقي مأرب، يرجح وقوف خلايا حوثية خلفها، حذر رئيس أركان محور تعز العميد عبد العزيز المجيدي من أن الجماعة تتربص بالمحافظة من خلال استقدام الحشود العسكرية بشكل مستمر، ومواصلتها الهجوم على مواقع الجيش وقصف الأحياء السكنية، وتعزيز مواقعها في خطوط المواجهة في المحافظة.

ويخلص الباحث المصري في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بشير عبد الفتاح، إلى أن المخطط الإيراني للاستفادة من الحرب الإسرائيلية في غزة، من خلال فرض أجواء جيوسياسية محددة في المنطقة، يصطدم بالوعي الأميركي بهذه المخططات، والذي يتضح من خلال حرص واشنطن على عدم فتح جبهات جديدة ضد إسرائيل بتوزيع عدد من قواتها في المنطقة، والإعلان عن استعدادها للتصدي بنفسها لتلك الجبهات في حال اشتعالها، ونصائحها لإسرائيل بعدم التورط في مواجهة مع «حزب الله».

فإيران تهدف إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الحرب الإسرائيلية الحالية في غزة عبر «حزب الله» و«حماس» والميليشيات في سوريا والعراق، وانضمت إليها ميليشيات الحوثي في اليمن، وذلك في سياق استراتيجيتها للهيمنة الواسعة في الشرق الأوسط، وفقاً لعبد الفتاح. وتراهن في ذلك على حماقة الإدارة الإسرائيلية التي تمضي في أعمال القتل والإبادة والعقاب الجماعي للفلسطينيين، ولا تميل إلى السلام أو تمكين إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين لإنهاء الصراع.

تجند الجماعة الحوثية المقاتلين وتستغل الحرب الإسرائيلية في غزة مبرراً لذلك (إعلام حوثي)

وبدورها، تصعِّد ميليشيات الحوثي خطابياً تجاه أهداف أميركية وإسرائيلية في البحر الأحمر؛ بهدف إعادة التموضع والتغطية على جرائمها في اليمن، وهو ما لن يكتب له النجاح؛ لأن خطايا الميليشيات الحوثية بحق اليمنيين وخطرها على المنطقة أكبر من أن يتم محوها، كما ينتهي عبد الفتاح في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

تنصل من الاستحقاقات المحلية

لكن هذه التحركات الحوثية تأتي ضمن مساعي إيران لاستغلال مناخ المعركة لتمكين أذرعها في عدد من دول المنطقة من التنصل من الالتزامات والاستحقاقات الداخلية، من خلال هذه الأعمال الاستعراضية، وإثبات أنها ومحورها الجهة الوحيدة التي تقف في صف الشعب والمقاومة الفلسطينيين، حسبما يرى الباحث المصري المختص بالشؤون الإيرانية إسلام المنسي في حديث لـ«الشرق الأوسط».

ولم تيأس إيران من فشل وانكشاف مصداقية وجدية شعاراتها حول وحدة الساحات المزعومة، وفقاً للمنسي، ولذلك كان دخول الميليشيات الحوثية على خط المواجهة في توقيت التوغلات البرية الإسرائيلية في قطاع غزة، لإضفاء مزيد من الاستعراض الدعائي الذي يوحي بأن هناك تصعيداً ينفذه المحور الإيراني بشكل منظم ومنسق، خصوصاً أن هذا المحور أعلن أن تدخله سيأتي حين يحدث التوغل البري والتدخل الأميركي.

فإيران، وفقاً للمنسي، تسعى إلى استغلال مناخ المعركة لتمكين أذرعها في عدد من دول المنطقة من التنصل من الالتزامات والاستحقاقات الداخلية من خلال هذه الأعمال الاستعراضية، وإثبات أنها ومحورها الجهة الوحيدة التي تقف في صف الشعب والمقاومة الفلسطينيين.

تسعى الجماعة الحوثية لتحقيق مكاسب داخلية مستفيدة من الحرب في غزة (إ.ب.أ)

غير أن باحثاً يمنياً يرى أن التصعيد الحوثي تجاه إسرائيل، سواء أكان جاداً أو للاستهلاك الإعلامي والتغطية على ممارسات الجماعة داخلياً، قد يأتي بنتائج وخيمة على البلاد.

فنحن، طبقاً للباحث الذي طلب حجب بياناته لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، أمام ميليشيات رعناء، وإن كانت تمارس انتهازية ومتاجرة بالقضايا والمآسي الإنسانية، فإن طبيعة تكوينها المتطرفة تكفي لتدفعها نحو مغامرات غير محسوبة تدخل البلاد في جحيم جديد.

ونبه الباحث اليمني إلى أن هذه الميليشيات تمتلك أسلحة نوعية وخطيرة على الداخل والمحيط الإقليمي والعالم، ولا يمكن التعويل على أن هناك تفاهمات بينها والقوى الدولية؛ لأنها في المحصلة مجرد عصابات قد يتم التغاضي عن ممارستها حيناً من الزمن، ثم يأتي الوقت للتخلص منها بأساليب تأتي بالكوارث على كل ما تسيطر عليه من جغرافيا وبشر.


مقالات ذات صلة

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

العالم العربي وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

أدت حكومة شائع الزنداني اليمين الدستورية بالرياض وسط ترحيب أممي ودولي بتنوعها وتمثيل النساء، فيما تواجه تحديات اقتصادية وخدمية وأمنية مع مطالب بالعمل من الداخل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

يستقبل ملايين اليمنيين بمناطق الحوثيين رمضان المبارك دون رواتب وبلا مساعدات، وسط فقر مدقع وغياب للأمن الغذائي، بعد توقف الدعم الإنساني وتدهور الأوضاع المعيشية.

محمد ناصر (عدن)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

يواجه سكان صنعاء أخطاراً متزايدة مع تهالك البنية التحتية، وسط إهمال حوثي متعمَّد يهدد السلامة العامة ويُنذر بكوارث صحية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يؤكد أن توحيد القرار الأمني شرط للاستقرار والسلام، خلال لقائه مسؤولين ألمانيين، مشدداً على الشراكة الدولية لمكافحة الإرهاب وحماية الملاحة

«الشرق الأوسط» (عدن)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.