الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز... أهم قرارات بناء الدولة والمؤسسات والإرث الممتد

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات خاصة وتفاصيل تُكشف لأول مرة

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
TT

الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز... أهم قرارات بناء الدولة والمؤسسات والإرث الممتد

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

حظي تاريخ الملك عبد العزيز على مدى عقود باهتمام المؤرخين والباحثين على اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم، وغطت عشرات البحوث والدراسات والمؤلَّفات جوانب متنوعة من ذلك التاريخ، سواء ما يتعلق بسيرة الملك السياسية، وشخصيته القيادية، وفكره الاستراتيجي، ومهاراته العسكرية، ورؤيته النهضوية... فذلك ليس تاريخ ملك فحسب، وإنما تاريخ مملكة وسيرة أمة.

يصف الكاتب والدبلوماسي، خير الدين الزركلي، كيف أنه في أقل من 50 عاماً نجح «رجل واحد في أن ينشئ بين البحر الأحمر وخليج العرب ما عجز 12 قرناً عن إنشائه أو الإتيان بمثله». ووصف الزركلي ذلك بالقول: «إمارات تتوحد، وأمة تتكون، ودولة تُبنى، وحضارة تُشَيَّد».

وإلى ذلك، يضيف الأديب والمؤرخ السعودي محمد حسين زيدان: «الملك عبد العزيز تاج تاريخه. لقد رد الاعتبار لجزيرة العرب في وحدة الكيان الكبير». أما الكاتب والصحافي البريطاني، سيسيل روبرتس، فيشرح كيف «ملأ الملك عبد العزيز فراغاً كبيراً في التاريخ، باسطاً ملكه على مساحة تقارب مساحات إنجلترا وفرنسا وألمانيا مجتمعة»، ويضيف: «لقد غنم ملكاً باذخاً بسيفه، وأمن حمايته بالسياسة».

الملك عبد العزيز وقد شارف على السبعين من عمره

ويرجَّح أن يكون الملك؛ الذي عاش نحو 80 عاماً، قد وُلد في عام 1293هـ - 1876م في مدينة الرياض، بينما سُجلت وفاته في 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م في مدينة الطائف. ورغم مرور 7 عقود على رحيله؛ فإن وقائع كثيرة أحاطت بتلك الوفاة تحتاج إلى تجلية، وأخرى إلى إيضاح، وثالثة إلى تصويب، وغير هذه وتلك؛ هناك ما يقتضي التدقيق والتثبت أيضاً. وغاية هذا البحث توثيق وقائع الوفاة وما رافقها من ردود فعل رسمية وشعبية من جهة، وأيضاً الإشارة إلى أبرز قرارات الملك المؤسس في أواخر أيامه، وما أوكله من مهام، وأصدره من أوامر وتعليمات، تثبت استقرار البلاد، وترسخ رؤيته في بناء الدولة ودعائمها، والحفاظ على أمنها واستقرارها؛ فالملك عبد العزيز لم يكن حاكماً فحسب، بل صاحب رسالة، وباعث نهضة، وباني دولة، وموحد أمة.

وما يقتضي التدوين والتوثيق أيضاً، طريقة تعامل أبناء الملك عبد العزيز مع ذلك الحدث الجلل؛ فرغم مصابهم بالفقد الكبير، فإن مهمتهم الهائلة في تحمُّل مسؤوليات حكم، وترتيب انتقال سلطة، وتأمين استقرار بلاد، وإدارة شؤون دولة لم تنل أيضاً حقها كاملاً من التوثيق. فما اصطلح الدستوريون على تسميته «فراغ السلطة» في حالات كثيرة؛ أحد أكثر الأوقات حرجاً في تاريخ الدول، هو مما لم تعرفه المملكة العربية السعودية طوال تاريخها. ولا شك في أن مرد ذلك هو المرجعية التي اعتمدتها مؤسسة الحكم، والسوابق الدستورية التي أقرتها، وحرص الملك عبد العزيز على وضع آلياتها قبل وفاته، لا سيما الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته التي يرصدها هذا العمل.

وإذ يسجل شهر نوفمبر الحالي ذكرى مرور 70 عاماً على وفاة الملك عبد العزيز، سنحاول الإجابة عن كثير من التساؤلات التي تتعلق بذلك التاريخ المهم في المملكة العربية السعودية، والذي تزامن مع انتقال مقاليد الحكم إلى أبناء الملك عبد العزيز، بما يحمله من دلالات وأثر على ما تلته من مراحل.

الرحلة الأخيرة

الملك على «الحصان» وهو كرسي متحرك أهداه إياه الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت

لم تعلم الحشود التي توافدت إلى ساحة مطار الرياض فجر السبت 28 ذو القعدة 1372هـ - 8 أغسطس (آب) 1953م لتوديع الملك المؤسس، أنه سيكون الوداع الأخير. وفي ذلك الفجر أنهى الملك صلاته، وخرج بموكبه لآخر مرة من بوابة «قصر المربع» قاصداً المطار وقد بدت عليه أعراض التقدم في العمر، وكان منذ نحو 8 سنوات (1364هـ - 1945م) غير قادر على المشي، ويعتمد في حركته على «الحصان» وهو كرسي متحرك أهداه إياه الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت.

وبفيض من المشاعر، يصف الأديب والتربوي السعودي السيد أحمد علي الكاظمي لقاء الملك على عربته عام 1370هـ - 1950م، فيقول: «كنا دخلنا المجلس قبل الملك، ثم بعد قليل جاء جلالته راكباً عربة صغيرة جميلة ذات عجلتين كبيرتين من خلف وعجلتين صغيرتين من أمام، وفوق رأسه مظلة يدفعها أحد المرافقين. وبرؤيته في هذه العربة تذكرت أشياء كثيرة مرت بذاكرتي مرور الطيف والحلم، وكلها تدل على التوفيق الذي رافق هذا الرجل طوال حياته، منذ خروجه لطلب مُلك آبائه. سلسلة من نعم الله التي يسبغها عليه ويغدق عليه بها؛ وذلك - لا شك - جزاء حسن نيته وأعماله الطيبة».

وكان الملك قد أطلق على عربته تلك التسمية المحببة (الحصان)، واستحسن استخدامها؛ ما جعله يترك المشي على قدميه مع تقدم السن والإصابة بتصلب الشرايين، إضافة إلى قلة النوم، والإجهاد بمتابعة شؤون الدولة؛ فهو لم ينم أكثر من 4 إلى 6 ساعات في اليوم، وأصيب بعدد من النوبات التي أثرت في صحته.

ويبقى أن كاريزما الشخصية وهيبة الملك وقوة الحضور لم تغب، كما ظل ملازماً ذلك الحب الكبير من الشعب الوفي لأبي الأمة. وكان الملك رغم ظروفه الصحية عازماً على السفر إلى الطائف للإشراف بنفسه على موسم الحج ذلك العام.

ومع شروق الشمس غادرت الطائرة الملكية من طراز «دي سي 4 سكاي ماستر» الرياض في نحو الساعة 5:30 صباحاً، وكأن شروق شمس ذلك اليوم وبسط أشعتها على هضبة نجد يذكران بشروق شمس الملك عبد العزيز على الرياض قبل ذلك التاريخ بأكثر من 50 عاماً وانطلاقه لتوحيد الجزيرة، وبسط حُكمه عليها بعد قرون من الشتات.

ولا أعلم إن كان أحد في تلك الطائرة المقلعة إلى السماء يتصور أنها الرحلة الأخيرة، وأن شمس الملك عبد العزيز تؤذن بالمغيب، وسط إقلاع سرب من الطائرات أقلّت مرافقي الملك من الأمراء وكبار رجالات الدولة والحاشية والحرس.

الاستقبال في الطائف

الملك عبد العزيز ينزل من طائرته

وفي تمام الساعة 8:20 صباحاً حطت الطائرة الملكية في مطار «الحوية»، وصعد إليها ولي العهد الأمير سعود ونائب الملك في الحجاز ووزير الخارجية الأمير فيصل للترحيب بمقدم عاهل الجزيرة. وعلى أرض المطار اصطفت الحشود من أمراء وعلماء ووزراء وأعضاء مجلس شورى وكبار التجار وقادة الجيش ورؤساء القبائل وعمد المحلات وجموع غفيرة من أبناء الشعب السعودي.

وبعد ذلك، أدت الفرقة العسكرية التحية لجلالته، وعُزف السلام الملكي، ودوّى المطار بالتصفيق، وأقيم سرادق كبير للاستقبال توافدت إليه الحشود قادمة من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وضواحيها لتحية الملك.

وألقى نائب رئيس مجلس الشورى وشاعر جلالة الملك أحمد بن إبراهيم الغزاوي قصيدة ترحيبية قال فيها:

-وأقبلت بك في الأجواء أجنحة

-مسخرات تشق المزن والأفقا

-ما أن تحلق باسم الله موغلة

-إلا وضوؤك فيها يغمر الحدقا

ثم غادر الموكب الملكي مطار الحوية متجهاً إلى الطائف، بينما اصطف أبناء القرى على جانبي الطريق يحيون مليكهم المفدى. وما إن وصل الموكب مدخل الطائف حتى أطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبية، واصطف أشبال أبناء المدارس العسكرية مؤدين التحية ومرددين عبارات الترحيب والإخلاص، كما اصطفت الجماهير على جانبي الطريق الممتدة من مدخل الطائف إلى القصر (طريق الملك فيصل حالياً) منشدين الأهازيج الوطنية. وازدانت الطريق بأقواس النصر والزينات والرايات السعودية التي رُفعت في جميع شوارع الطائف وأسواقها. وكان الأمير فيصل قد أعد قصره الجديد (قصر العقيق حالياً) ليكون مقراً لسكن الملك عبد العزيز، وسيرد تعريفه تالياً بـ«القصر الملكي»، واستأجر «الأمير» فيصل فيلتين في حي العزيزية من أمير الطائف وقتذاك عبد العزيز بن معمر، وانتقل للسكن فيهما مع أسرته.

وعند وصول الموكب إلى القصر الملكي أُدِّيت التحية العسكرية، وعُزف السلام الملكي. وفي مساء اليوم نفسه استقبل الملك وفوداً من أهالي الطائف، وأُلقيت خلال الاستقبال قصيدة لوجيه الطائف الأديب عبد الوهاب عرب، وكلمة الأهالي ألقاها نيابة عنهم المدرس بالمدرسة العزيزية الأستاذ أحمد كمال. واستمر برنامج الملك في استقبال الوفود الرسمية والشعبية، وتصريف شؤون الدولة، ووصفت ذلك الجريدة الرسمية بالقول: «لا يزال القصر الملكي العامر بمدينة الطائف يكتظ كل يوم بالوفود من مختلف الطبقات للتشرف بالسلام على جلالة مولانا الملك المفدى، والترحيب بمقدم جلالته الميمون، فيتفضل جلالته بمقابلتهم، ويغمرهم بعواطفه الملكية الكريمة، إلى جانب استمرار جلالته في تصريف شؤون الدولة، وإدارة سياستها العليا، وتوجيه وزاراتها وإداراتها المسؤولة. مع النظر والإيجاز في ما يرفع إلى أعتاب جلالته من المعاملات والمعروضات».

أما الزركلي فوصف مشهداً مختلفاً فقال: «لما أقبلت للسلام عليه، رأيته جامد البصر، لم يعرفني ولم يعرف أحداً من مقبِّلي يده أو جبهته، وفيهم بعض خواصه والمقربين منه، فارتعدت فريصتاي وحزنت. وفي ذلك العام لم يتمكن من ترؤس الحج، فناب عنه ولي عهده الأمير (الملك) سعود». ولعل الملك كان يصاب بحالات وهن وإرهاق لا يعود فيها قادراً على التركيز الكامل، يعود بعدها إلى طبيعته، ويستجمع قواه.

وروى الكاظمي وغيره شيئاً عن حال الملك في سنواته الأخيرة، وكيف لم يعد يخرج إلى البر أو المقناص، ولا يتحدث مع جلسائه كما في السابق، وأنه في أغلب الأوقات «يجلس ساكناً»، لكنه يبت في ما يُعرض عليه من معاملات، ويعلق على الأخبار. ولا بد لمن يقرأ تاريخ الملك عبد العزيز أن يدرك أن متاعبه الصحية إنما هي نتيجة حتمية لرجل مثله وحّد بلاداً مترامية الأطراف من فوق صهوة جواده، وتعرض لعشرات الجروح والإصابات بعضها معلوم وأخرى لم يُفصح عنها، وسط ضغوط وتحديات هائلة لبناء الدولة، بينما بدأت في السنوات الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز زيادة صلاحيات ومهام ولي العهد، وسجلت سنة 1370هـ - 1951م الحجة الأخيرة للملك المؤسس.

الحج وزيارة نجيب

الملك عبد العزيز مولماً للرئيس المصري محمد نجيب وخلفهما الأمير طلال والأمير (الملك) سلمان

بقي الملك في الطائف يتابع شؤون الحج والحجيج، ويتلقى التقارير عما تقوم به أجهزة حكومته للتسهيل على ضيوف الرحمن لأداء نسكهم بكل أمن وسلامة. ومع شروق شمس يوم الخميس 10 ذو الحجة 1372هـ - 20 أغسطس 1953م توجه الموكب الملكي إلى مصلى العيد بالطائف، شمال شرقي القصر الملكي، وتبعد بوابته عن بوابة القصر أقل من كيلومتر واحد. وبعد أداء صلاة عيد الأضحى، عاد إلى القصر، واستقبل المهنئين، وتبادل برقيات التهاني مع القادة والمسؤولين، واستمر في متابعة سير أعمال الحج.

في هذه الأثناء أشرف ولي العهد على شؤون الحجيج، وتأمين سلامتهم وصحتهم، وقد بلغ عددهم نصف مليون حاج، وكان ذلك رقماً قياسياً. وأعلنت وزارة الصحة سلامة الحج من الأوبئة والأمراض، وصادف ذلك العام اكتمال 30 موسم حج تحت حكم الملك عبد العزيز، أَوْلَى خلالها الحرمين الشريفين جل اهتمامه من حيث العمارة والتوسعة والعناية والرعاية، كذلك وطّد الأمن، وأمَّن السبل، ووفَّر الخدمات والماء والغذاء، وسخَّر إمكانات الدولة لخدمة ضيوف الرحمن، وكثير من ذلك لم يكن متوافراً من قبل.

وعصر يوم الأحد 13 ذو الحجة 1372هـ - 23 أغسطس 1953م استقبل الملك عبد العزيز في القصر الملكي بالطائف الرئيس المصري اللواء محمد نجيب الذي وصل إلى الطائف بعد أداء مناسك الحج وهي الزيارة الخارجية الأولى للرئيس المصري بعد ثورة يوليو (تموز) 1952م. وبعد مغرب اليوم نفسه أقام الملك حفلة عشاء تكريماً للرئيس ومرافقيه حضرها الأمراء وكبار رجالات الدولة. وبعكس المتداول بأن لقاء الزعيمين حدث في قصر جبرة، وهو قصر ضيافة أُعد لإقامة ضيف البلاد، فإن اللقاء وحفل العشاء أقيما في القصر الملكي (قصر العقيق حالياً). ووثقت البعثة المصرية تلك الزيارة، وأنتجت فيلماً توثيقياً عنها مع مجموعة من الصور الفوتوغرافية منها الصورة الشهيرة على المائدة، يقف فيها الأمراء طلال وسلمان خلف والدهما الملك عبد العزيز. وهذه الصورة تحديداً من الصور التي يعتز بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وجعلها تتصدر قاعة الطعام الكبرى في قصر العوجا؛ فهي تدل على خدمته المتصلة لدولته وقيادته، وعلى ما رباه وإخوته عليه والدهم، وهو ما أدى إلى تفانيه في ما أوكل إليه من مهام وما تولاه من مناصب، إضافة إلى ما اكتسبه من خبرات وتجارب على مدى 7 عقود. وكما تخرج سلمان في مدرسة الملك عبد العزيز، خرّجت مدرسة سلمان، محمد بن سلمان، وهذا الإرث العظيم هو ما يجني ثماره الشعب السعودي اليوم.

المراسيم والمهام الأخيرة

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

وفي يوم 15 ذو الحجة 1372هـ - 25 أغسطس 1953م أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً بإسناد القيادة العليا العامة لجميع القوات المسلحة السعودية لولي العهد (الأمير) سعود، ونص المرسوم على أن ترتبط قوات الدفاع والحرس والأمن العام وأهل الجهاد والمجاهدين بالقائد الأعلى.

وعصر يوم 17 ذو الحجة – 27 أغسطس شرّف الملك عبد العزيز العرض العسكري للقوات المسلحة، ووصف مندوب الإذاعة عبد الله المزروع المناسبة بـ«العرض التاريخي العظيم، وأنه أعظم عرض عسكري يقام في الطائف، وأشرف عليه الأمير مشعل وزير الدفاع، وأقيم في الساحة الفسيحة التي أمام القصر الملكي (ساحة العقيق)، وحضره نحو 50 ألف مشاهد، وسجلته بعثة الإذاعة. واشترك في العرض طلاب المدارس الحربية ووحدات المشاة والمدفعية والرشاش والصحة والقوات الميكانيكية... وغيرها، كما تضمن العرض استعراضاً جوياً لسلاح الطيران». ووفق ما رُصِدَ، كان ذلك العرض من أواخر المناسبات العامة التي يظهر فيها الملك عبد العزيز أمام الجمهور الذي اصطف لتحيته.

وبتاريخ 28 ذو الحجة 1372هـ - 18 سبتمبر (أيلول) 1953م، أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً بتأسيس وزارة المواصلات، وتعيين الأمير طلال بن عبد العزيز وزيراً لها. وفي 1 المحرم 1373هـ - 20 سبتمبر 1953م أصدر مرسوماً آخر بالموافقة على نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، وشمل النظام: تشكيل رئاسة القضاة، وتفتيش المحاكم الشرعية، وبيان اختصاصاتها وصلاحياتها، وبيان اختصاصات وصلاحيات رؤساء المحاكم والقضاة وكتاب المحاكم الشرعية، والمحضرين، وكتّاب العدل، ومأمور بيت المال ومعاونيه... وغيرها.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال تلك المدة كانت هناك حوادث محلية وإقليمية وعالمية، كما استمر استقبال الملك الوفود الرسمية في القصر الملكي بالطائف؛ إذ استقبل بعد موسم الحج رئيس وزراء اليمن الأمير سيف الإسلام الحسين، ووزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري، ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني، ودولة رئيس وزراء لبنان السابق صائب سلام، والوزير اللبناني المفوض في جدة غالب الترك.

وبتاريخ 13 المحرم 1373هـ - 22 سبتمبر 1953م، وبعد اطلاعه على التقرير السنوي المرفوع لجلالته عن أعمال مجلس الشورى، أصدر مرسوماً ملكياً بتمديد مدة المجلس عاماً كاملاً.

وكان آخر خبر من المصادر الرسمية عن نشاط الملك عبد العزيز في الطائف هو استقباله المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يوم 1 صفر 1373هـ - 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1953م. وفي التاريخ نفسه أصدر الملك أحد أهم المراسيم الملكية وآخرها، وتقضي بتشكيل مجلس الوزراء، وإسناد رئاسته إلى ولي العهد الأمير سعود. وأسند ولي العهد رئيس مجلس الوزراء نيابة رئاسة المجلس إلى الأمير فيصل. ويلاحظ هنا أن الملك عبد العزيز كان يريد استكمال البناء المؤسسي للدولة قبل وفاته، وتنظيم مؤسسة الحكم وتراتبية الخلافة. وبعد ذلك التاريخ وحتى وفاة الملك المؤسس كانت الأخبار تركز وبشكل واضح على نشاطات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء القائد الأعلى العام للقوات المسلحة.

صحة الملك والفريق الألماني

وكانت صحة الملك عبد العزيز قد بدأت تتراجع في الشهر الأخير من حياته، وراجت شائعات بأن الأطباء أشاروا عليه بالسفر للرياض بسبب عدم ملاءمة أجواء مدينة الطائف لصحته لارتفاعها. وكانت هناك استعدادات للسفر، وتكرر الحديث عن سفر الملك ثم العدول عنه، وقيل إنه لم يكن مرتاحاً للسفر.

ويروي الدكتور أمين رويحة رئيس أطباء الجيش السعودي وأحد أعضاء الفريق الطبي الذي أشرف على علاج الملك عبد العزيز في الطائف، أن الملك كان يعاني مرضاً يسمى «التهاباً مفصلياً مشوهاً» تفاقم على مر السنين، وأدى إلى صعوبة حركته، ثم أصيب في أواخر حياته بتصلب في الشرايين. ولم تكن الطائف رغم جودة مناخها تناسب حالته الصحية؛ وذلك بسبب ارتفاعها عن سطح البحر لما يقارب 1700 متر. وازدادت النوبات بعد وصوله للطائف فرأى الأمراء جلب فريق طبي من ألمانيا لمعالجته، وكلف الدكتور رويحة بذلك، ووصل 3 من الأطباء الألمان وبقوا أسبوعاً، أجروا خلاله الفحوصات، وقرروا العلاج المناسب، وشعر معهم الملك بالارتياح، لكن النوبات لم تنقطع.

ويضيف الدكتور رويحة: «كان يشرف على علاج الملك وتنفيذ توصيات الأطباء، طبيب جلالته الخاص الدكتور مدحت شيخ الأرض، الذي استدعاني في صباح أحد الأيام على عجل، فتوجهت مع اثنين من الزملاء، ودخلنا على الراحل في مقر إقامته بقصر الأمير فيصل، فرأيناه جالساً على كرسيه بقامته المديدة وطلعته الجبارة، وقد احتقن وجهه بالزرقة بسبب ما يعانيه من ضيق التنفس. ورغم ذلك كله لم يكن يشكو أو يئن، بل كان يحوقل ويتشهد، وتطلب الأمر إجراء تخطيط كهربائي للقلب ما استدعى إبعاد أي جسم معدني. فاستأذنا نزع الخاتم من إصبعه وهو خاتم ذو فص نقش عليه اسمه، فابتسم طيب الله ثراه وقال: «إنها المرة الأولى التي أنزع فيها هذا الخاتم من إصبعي». وكانت عبارته هذه بمثابة طعنة أصابتني في قلبي؛ لأنني عَدَدْتُها تنبؤاً بالنهاية المنتظرة من الوجهة الطبية. ومع ذلك بقي يلاطفنا ويجاملنا بطيب الحديث طيلة مدة الفحص، وبعد أن حقنه الدكتور مدحت بإبرة طلبنا من الملك أن يرتاح. وحينما عدنا بعد الظهر وجدناه قد عاد إلى كرسيه وبين يديه الشيخ عبد الرحمن الطبيشي يعرض عليه البرقيات».

وصل مرض الملك إلى مرحلة لم تعد تجدي معها الأدوية أو المسكنات، وكان أبناؤه من حوله. يقول الأمير نواف بن عبد العزيز إن الملك عبد العزيز في أحد أواخر أيامه استيقظ فرأى أبناءه متحلقين بجوار سريره فقال: «أنتم ليه مجتمعين هنا؟ أنتم إيش جايبكم تجتمعون عندي؟ أنت يا سعود وش جابك؟ رح اهتم بأمور المسلمين، وارجع إلى جدة، لأن الناس لو شافوكم مجتمعين عندي سيشعرون بشيء سيئ، أو أنكم أهملتم شؤونهم، روحوا كل واحد يهتم بشؤونه». وأمر ولي العهد سعود أن يعود إلى جدة ويدير أمور الدولة، فاتفق ولي العهد مع طبيب الملك الدكتور مدحت أن يتصل عليه عندما تتطور الحالة ويقول له: «خلي أديب يجيب معه الأدوية» وكانت شفرة ليعرف أن حالة الملك حرجة.

قصر الملك السكني ويسمى «قصر الملك عبد العزيز الشمالي المسلح» في الرياض

مع البنات

وقبل 3 أيام من وفاته أتى بعض بنات الملك عبد العزيز لزيارته والاطمئنان عليه، وكانت حالته غير مستقرة، ومع حقنه بالأدوية والمسكنات غدا أكثر الوقت نائماً. وحين دخلن الغرفة وجدنه على السرير وجزء من شماغه قد غطى وجهه. قبّلت البندري بنت عبد العزيز يد والدها، وتبعتها الأخريات دون أن يشعر بهن. كان لقاءً من طرف واحد. ورأت البنات أباهن بحالة لا تسر فخرجن يكفكفن الدموع، ويستعدن ذكرياتهن معه وهو الذي لطالما أحاطهن بحنانه، لا سيما أن للمرأة دوراً كبيراً في حياته، وكثيراً ما افتخر وانتخى بها ونقل عنه قوله: «أنا أخو نورة». وبالتزامن مع فترة اشتداد المرض على الملك كان مقرراً أن يتزوج (الأمير) سلمان بن عبد العزيز من ابنة خاله الأميرة سلطانة بنت تركي السديري، وسبق للملك أن بارك ذلك. وفي إحدى الليالي كانت الأميرة حصة بنت أحمد السديري والدة فهد وسلطان وعبد الرحمن وتركي ونايف وسلمان وأحمد أبناء عبد العزيز ترعى شؤون الملك وتلاحظه، فأفاق وسألها: «هل تزوج سلمان؟». فأجابت أنه قرر تأجيل زواجه حتى يشفيك الله، فرد: «الله يبارك في سلمان» وكررها، وهي تؤمّن على دعائه. هذه التفاصيل وغيرها كثير من القصص عن علاقة الملك عبد العزيز بزوجاته وأولاده بنين وبنات تستحق أن توثق، علماً أن هناك نقصاً في الدراسات المتعلقة بأدوار زوجات الملك عبد العزيز وبناته أفقدنا الكثير من المعلومات عن دور المرأة في تأسيس وبناء الدولة.

الرحيل

يصف الأمير نواف تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز الذي كان يقيم في غرفة بالدور الأرضي من قصر الأمير فيصل، وكان الأمير نواف يقيم معه في الطابق العلوي من القصر: «كانت مع الملك في ليلته الأخيرة زوجته الأميرة هيا بنت سعد السديري (والدة الأمراء بدر وعبد الإله وعبد المجيد)، وشعر الملك بتحسُّن فطلب أن يغتسل فذهبوا به إلى الحمام على العربية، واغتسل وتوضأ ثم عاد إلى غرفته». ويتابع الأمير قوله: «شعرت بأن صحته أفضل، فصعدت إلى غرفتي وبعد مدة سمعت طرقاً على الباب فنزلت مسرعاً، وكان قد أصيب بنوبة، والأطباء مدحت شيخ الأرض والدكتور الفرنسي ميليز... وغيرهم حوله يراقبون الضغط، وفهمت منهم أنه بسبب مرض القلب يجب ألا ينهض مباشرة من الفراش وإنما بالتدرج. ولأنه حاول النهوض مباشرة أصيب بالنوبة، وحاولوا السيطرة على الوضع، وكان لا يزال يتنفس ثم جاء الأمير فيصل، واتصل الدكتور مدحت على الملك سعود وأعطاه الإشارة، وبدأنا نراقب الوضع».

استمر توافد الأمراء، ومع دخول الملك سعود باب القصر فاضت روح الملك عبد العزيز إلى بارئها. ويصف تلك اللحظات الأخيرة الأمير نواف بقوله: «كنت أدرك أنه وصل إلى النهاية، كان يتنفس ببطء وصعوبة، ويمسح خشمه ويتشهد، ومع دخول (سعود) من المدخل الخارجي، توفي الملك عبد العزيز، كأنها نهاية ملك وبداية ملك». كانت الساعة نحو العاشرة من صباح يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر 1953م.

تحمل المسؤولية

الملك عبد العزيز متوسطاً الملك فيصل والملك سعود

سادت حالة من الحزن الشديد أنحاء المكان، ووفقاً لرواية الأمير نواف قال الأمير عبد الله بن عبد الرحمن للملك سعود: «أنا أخلصت لأبيك، وكنت معه، الآن أعطيك يدي وأبايعك، وانزل بايع، فاتجه إلى الصالون وتبعناه وبايعناه، فالتفت الملك سعود إلينا وقال: الآن يكون فيصل ولياً للعهد». ويفهم من كلام الأمير نواف أنه كان موجوداً في تلك اللحظات الدقيقة من تاريخ المملكة العربية السعودية الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن وسعود وفيصل ومحمد وخالد... وغيرهم من أبناء الملك عبد العزيز الذين تحملوا مسؤوليتهم التاريخية في أقسى لحظات الحزن.

اتُخذت الإجراءات، وبدأت ترتيبات الجنازة، وأُعدت البيانات لتبثها الإذاعة، التي بدأت في بث القرآن الكريم، ثم أعلنت نحو الساعة 12:20 ظهراً الخبر، وعممت وزارة الخارجية البيان الرسمي على البعثات الدبلوماسية في جدة والسفارات والممثليات السعودية خارج المملكة. تناقلت الإذاعات والوكالات العالمية الخبر، وتصدر النشرات الإخبارية وعناوين الصحف. أما المشهد في الطائف فكان يسوده الوجوم، ويخيم عليه الحزن. هُرع الناس يتناقلون الخبر، ويعزّي بعضهم بعضاً، وأغلقت الأسواق والدكاكين أبوابها، وخرج التلاميذ من مدارسهم، واتُخذت الاحتياطات والتدابير الأمنية والعسكرية. كان الطائف مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش، وبدأت ترتيبات الجنازة والصلاة والنقل إلى الرياض والدفن، والبيعة العامة للملك سعود.

تولى الأمير فيصل الإشراف على تلك الترتيبات، وفي القصر تناوب أبناء الملك عبد العزيز مع بعض رجالاتهم على غسل والدهم وتجهيزه وتكفينه. يتذكر الأمير محمد الفيصل أن والده قال له: «روح مع سلمان واحملوا النعش»، ويبرر ذلك ربما لأنهما كانا أطول الموجودين من شباب الأسرة. ويضيف: «حملت النعش خلف سلمان بن عبد العزيز مع بقية الأبناء، وخرجنا به من الباب الرئيسي». شيعت جنازة الملك عبد العزيز من باب القصر محمولة على أعناق أبنائه وأحفاده ورجالات دولته، وساروا بها على الأقدام يتقدمهم الملك سعود وولي عهده فيصل وكبار الأمراء والعلماء والأعيان، وخرج الشعب بمختلف طبقاته لمصلى العيد، حيث أقيمت صلاة الجنازة على فقيد الأمة عند الساعة الثانية ظهراً. أمَّ المصلين الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل الشيخ رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإمام وخطيب مسجد عبد الله بن عباس. والشائع لدى أكثر من مصدر، ومنهم الزركلي وتبعه في ذلك جمهرة من المؤرخين، أنه صُلي على الملك عبد العزيز في الحوية، بينما الصلاة أقيمت في مصلى العيد القديم في الطائف (موقع جامع الملك فهد حالياً)، وذلك وفق ما ورد في المصادر الرسمية.

حُمل الجثمان من مصلى العيد في سيارة نقل إلى مطار الحوية، وتحرك الموكب المهيب يتقدمه ملك البلاد وولي عهده. يقول الأمير محمد الفيصل: «كان الأمراء نواف وسلمان وأنا مع الجثمان في السيارة، وكان الموكب متصلاً طوال الطريق الذي يبلغ طوله نحو 35 كيلومتراً من الطائف إلى مطار الحوية». وقد خرجت الطائف عن بكرة أبيها، وتحركت كل سياراتها لتشييع الإمام العادل الذي ضمها إلى حكمه؛ فذاقت في عهده طعم الأمن المفقود، والعدل المنشود، والاستقرار والرخاء، وأصبحت عاصمته الصيفية، وقاعدة جيشه، وركيزة منظومة تعليمه المدني والعسكري، وبلغت في عهده أوج تألقها ونمائها.

وفي المطار كانت الوفود قد اجتمعت من أنحاء البلاد لتودع ملكاً وتبايع ملكاً، والطائرات مصطفة في ساحة المطار. تلقى الملك سعود وولي عهده التعازي والبيعة، وحُمل الجثمان إلى الطائرة الملكية من طراز «دي سي 4 سكاي ماستر». وغادرت الطائرة التي أقلت مع الجثمان، ولي العهد الأمير فيصل وإخوته محمد وخالد وسعد وعبد الله وبندر وعبد المحسن وسلطان وعبد الرحمن وبدر وتركي ونواف وفواز وماجد أبناء الملك عبد العزيز، ورافقهم رئيس الخاصة الملكية عبد الرحمن الطبيشي. كما غادرت مجموعة من الطائرات الأخرى التي أقلت عدداً من الأمراء الآخرين وبعض المسؤولين والحرس والمرافقين. ووفقاً للترتيبات التي أُعدت، بقي الملك سعود في الطائف لتلقي التعازي والبيعة، ومعه أخوه وزير الدفاع الأمير مشعل وعدد آخر من إخوتهما.

من الرياض وإليها

وقبيل الغروب وتحديداً عند الساعة 4:40 دقيقة هبطت الطائرة الملكية في مطار الرياض الذي وصف مشهده يومئذ المؤرخ السعودي الشيخ حمد الجاسر بقوله: «اكتظ مطار الرياض بالجماهير الغفيرة التي اختلطت دموعهم بدعواتهم، يتقدمهم ابن عم الملك الأمير سعود الكبير، وأمير الرياض نايف بن عبد العزيز، وحشد من الأمراء والعلماء والأعيان، وجموع عظيمة من مختلف طبقات الأمة، وبعد إنزال الجثمان من الطائرة، حُمل في سيارة يرافقه الأمير فيصل وإخوته والجموع تتبعهم بعيون شاخصة وقلوب واجفة ودموع منهمرة، إلى مصلى العيد القديم (شرق بوابة الثميري وهو موقع مبنى أمانة مدينة الرياض وحديقة البلدية فيما بعد). ضاقت الساحة وما جاورها من طرقات وأسواق بجموع المصلين من الرجال والنساء والكبار والصغار، حيث صُلي على فقيد الأمة بعد صلاة المغرب، وأمَّ المصلين المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وكان منظراً مثيراً لكامن الحزن، حيث لا تقع عين الناظر بين تلك الفئام الكثيرة إلا على باكٍ حزين، أو متجلد يحاول إخفاء الأسى، ولكن الدموع تبرزه، أو مُظهِر للصبر ولكن حشرجة صوته تخونه.

وبعد الصلاة نُقل الجثمان بالسيارة إلى مقبرة العود، وانطلقت الجماهير تحف بالسيارة، وغصت المقبرة بجموع المشيعين، وازدحموا على جنازة الملك عبد العزيز ازدحاماً شديداً وهو الذي تبوأ في كلِّ قَلْبٍ من قلوب أفراد شعبه مكاناً رَحْباً، ومُسْتَقَراً دائماً، وأَحْدَثَ موتُه في كل قلب من الكآبة والحزن ما عجز القلم عن وصفه والتعبير عنه، ففي كل وجه من وجوه أفراد الأمة أثر بارز، وفي كلِّ نفس حسرة ولوعة.

رسالة بخط اليد من الملك إلى أبنائه سعود وفيصل ومحمد وخالد

ووسط تلك الجموع الغفيرة في المقبرة، تولى الأمير فيصل وعدد من إخوته إنزال جثمان والدهم إلى القبر، ثم شاركت الحشود في مواراته الثرى. لقد استرد الملك عبد العزيز الرياض وضمها قبل شروق شمس أحد أيام شهر شوال 1319هـ يناير (كانون الثاني) 1902م، وضم ثرى الرياض جسد الملك عبد العزيز بعد غروب شمس ذلك الاثنين الحزين، وبين التاريخين أكثر من 50 عاماً أشرق بها الملك عبد العزيز على الرياض، وأشرقت بعهده الرياض، استقراراً ونماءً وتطوراً وغير ذلك الكثير، وامتدت إشراقته لتعم كل أرجاء مملكته العربية السعودية (مملكة عبد العزيز).

في الأيام التالية، تقاطرت الوفود من كل مكان، وأبرق زعماء الدول معزين في عاهل الجزيرة، وأعلنت دولٌ الحدادَ على الراحل الكبير، ونُكست الأعلام، ونعاه الكتّاب والساسة، وعدّدوا مآثره، وأقيمت صلاة الغائب بعد صلاة الجمعة 6 ربيع الأول 1373هـ - 13 نوفمبر 1953م في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي.

وكتب المؤرخ الألماني داكوبرت فون ميكوش: «لم يصبح ابن سعود عظيماً بفضل الإرث، ولكنه استطاع بشخصيته الفذة التي ليس لها في التاريخ العربي مثيل، تأسيس مملكته، وتوحيد الجزيرة العربية، وتجديد تعاليم الإسلام، وتوطيد الأمن الذي كان ولا شك من أهم ما أخذه ابن سعود على عاتقه من مهام، وبقي أن يستمر الجهد لإكمال العمل الذي بدأه ابن سعود خلال حكمه الطويل الأغر، ولئن مات ابن سعود فسيظل في التاريخ العربي حياً بوصفه رجلاً عظيماً فريداً من نوعه، شق الطريق لشعبه وللأمة العربية نحو قمة المجد».

ولا شك أن الملك عبد العزيز لم يملأ فراغاً كبيراً في التاريخ الحديث فحسب، بل ترك إرثاً عظيماً لم يقتصر على إنشائه دولة من الصفر، وتوحيد شعب من الشتات، وما تبع ذلك من التأسيس والبناء، ولكنه تَمَثَّلَ أيضاً في حرصه على تحميل أبنائه المسؤولية، وتأهيلهم لمتطلبات الحكم وخدمة الناس.

يلخص ذلك الشاعر السوري الدكتور خالد البرادعي في أبياته التي أنقلها بتصرف:

-صقر الجزيرة أنت أم رئبالها؟

-أم صبحها العربي في الآماد

-نوديت باسمك والملوك تهالكوا

-في ندوة الألقاب دون تفادي

-وغدت لاسمكَ لذة تندى بها

-أفواه شعبك بعد كل تنادي

-وكتبت ملحمة الخلود تتمة

-لملاحم الدنيا مع الأجداد

-وغدوت بعد الموت أطول قامة

-مما حييت بزندك الميقاد

-متجدداً في كل يوم مقبلاً

-نحو العروبة في مخاض ولاد

-عبد العزيز تركت خلفك ضمة

-من أنجم وكواكب وهوادي

-ملك يغيب فيرتقي لمقامه

-ملك يوازنه بكل مجاد

-ورثوا فرائدك الأوابد مثلما

-أورثتها عن سامق الأنضاد

ويكفي أن نقرأ رسالة الملك عبد العزيز التوجيهية إلى أبنائه الأكبر سناً وقتذاك، لندرك المبادئ التي أنشاء عليها دولته، ولنفهم أسس ذلك الإرث العظيم:

«من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل:

إلى الأبناء سعود وفيصل ومحمد وخالد سلمهم الله تعالى

بعد ذلك، من طرف أربعة أمور سأذكرها لكم أدناه وهي: أولاً: تكونون يداً واحدة فيما بينكم صغيركم يوقر ويمتثل أمر كبيركم، وكبيركم يعطف على صغيركم. كما أن الصغير إذا رأى أمراً ما يجوز من الكبير فيجب أن يبين له ذلك، ويقول إن الأمر هذا لا يجوز منك، وعلى الكبير الإصغاء لأخيه الصغير، كما هو لازم عليه مناصحة أخيه الصغير.

ثانياً: إن كل شيء آمر فيه أو دبرة أدبرها تنفذونها ولا تعترضونها، أو تعارضوا من وكلت إليه أمرها.

ثالثاً: إن كل ما سألتكم عنه أو لزم لكم رفعه لي تصدقونني فيه بأي حال تكون.

رابعاً: ألا تعترضوا أمور ماليتي لا قريبها ولا بعيدها، في قليل ولا كثير.

هذه الأربعة أمور افهموها، واحرصوا على تنفيذ موجبها، وكل شيء يصير منكم مخالفاً لشيء منها اجزموا أنه سيكون سبباً لسخطي عليكم، يكون معلوماً».

20 ربيع الآخر 1349هـ - 13 سبتمبر 1930م

تضمنت هذه الرسالة وصايا أربعاً، ووُجهت إلى الأربعة أبناء الأكبر سناً، وجاء الرد الفوري منهم في اليوم نفسه:

«أدام الله وجودكم

بعد لثم أياديكم الشريفة، كل ما ذكره جلالتكم أعلاه عن الأمور الأربعة تم فهمها، وإن شاء الله نعمل حسب ما جاء بها، وترون ما يسركم ويرضيكم بحول الله وقوته.

مملوككم الابن مملوككم الابن مملوككم الابن مملوككم الابن

فيصل محمد خالد سعود»

ويعلق على هذه الرسالة رجل الدولة السياسي السعودي الشيخ عبد العزيز التويجري قائلاً: «إنها رسالة أوسع من كل التصورات، عليها هيبة الأب، ورجل الدولة»، وهذه في تقديري إحدى معادلات الحكم الصعبة التي تمكن الملك عبد العزيز ومن بعده أبناؤه من تجاوزها بوضع أسس الفصل بين علاقة الأخوة وعلاقة رجال الدولة، وتنظيم العلاقة بينهم؛ لأن الملك عبد العزيز لم يكن يربي أبناءً فقط، لكنه كان يُخرّج قادة، ويؤهل رجالات دولة.

وها نحن أولاء نعيش اليوم فصلاً من فصول إرث الملك عبد العزيز المجيد، يكتبه سلمان بن عبد العزيز بتأهيله جيلاً من القادة من أحفاد عبد العزيز، يقودهم محمد بن سلمان الذي فاجأ العالم بمنجزاته، كما فعل الملك عبد العزيز قبل أكثر من 100 عام.


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً السفير السعودي الأمير منصور بن خالد بن فرحان (وفا)

الرئيس الفلسطيني يتسلّم أوراق اعتماد السفير السعودي

تسلَّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، أوراق اعتماد الأمير منصور بن خالد بن فرحان، سفيراً للسعودية غير مقيم لدى دولة فلسطين، وقنصلاً عاماً في مدينة القدس.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
شمال افريقيا وزير الدفاع السعودي يوقع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع نظيره الصومالي  (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال لتعظيم التعاون العسكري الإقليمي مع تنامي المخاطر

تواجه مقديشو مخاطر أمنية في مواجهات «حركة الشباب» الإرهابية وإعلان قوات أفريقية سحب قواتها في بعثة حفظ السلام، وأخرى داخلية.

محمد محمود (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً الوزير أسعد الشيباني في الرياض الاثنين (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان والشيباني يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

استعرض الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع نظيره السوري أسعد الشيباني، مستجدات الأوضاع في سوريا، وسبل دعم أمنها واقتصادها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان يتحدث مع الأمير ويليام خلال جولتهما في الدرعية التاريخية (واس) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام، أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.