مبادرات شعبية لاستعادة مكانة البن اليمني وتسويقه عالمياً

في مواجهة الجفاف وظروف المناخ والإهمال الرسمي

مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
TT

مبادرات شعبية لاستعادة مكانة البن اليمني وتسويقه عالمياً

مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)
مزارع يمني يتفقد محصوله من حبوب البن التي اقتربت من الجفاف استعداداً لبيعها (رويترز)

تواجه سمعة البن اليمني العالمية مختلف الظروف التي تهدد زراعته وانتشاره، مثل: الجفاف، وقسوة الظواهر المناخية، ومنافسة نبتة «القات»، وضعف التسويق، والإهمال الرسمي، وعدم الاهتمام المحلي بصناعة القهوة. وفي مقابل ذلك برزت في السنوات الأخيرة مبادرات شبابية وجهود شعبية لإعادة التركيز على زراعته وتسويقه عالمياً.

وعلى الرغم من أن اليمن هو الأول في اكتشاف وإنتاج وتصدير البن، كما تقول المرويات التاريخية، فإن تقديرات كثيرة تضعه في مراكز متأخرة ضمن قائمة الدول المنتجة والمصدرة، فهو يأتي في المرتبة 42 حسب بيانات حكومية تعود لعدة أعوام، في حين يقع في المرتبة 30 وفق جهات دولية قدرت الإنتاج بأقل من 22 ألف طن سنوياً، من مساحة مزروعة تصل إلى 35 ألف هكتار.

تجفيف حبوب البن في منطقة حراز غرب العاصمة صنعاء (رويترز)

وعلى الرغم من تعدد المبادرات والفعاليات الشبابية لزراعة البن وتصديره وصناعة القهوة؛ فإن هذا النشاط الاقتصادي لا يزال يثير مخاوف المزارعين والمستثمرين اليمنيين، نظراً لعدة اعتبارات وظروف قد تحول دون النجاح فيه، رغم أن أسعار بعض البن اليمني تصل إلى 500 دولار للكيلوغرام الواحد في الأسواق العالمية.

ويقول مدرس الآثار في جامعة تعز، سامي الشهاب، إن عدداً من النقوش اليمنية القديمة ذكرت شجرة البن، وربطتها بأحداث زراعية هي بمثابة مشاريع استراتيجية منذ القرن الثالث الميلادي على الأقل، مرجحاً أن ثمة نقوش أقدم حول ذلك قد تظهر مستقبلاً، رغم أن تحول البن إلى مشروب راج في القرون الوسطى بالتزامن مع النشاط المحموم للبعثات الأوروبية.

وفي السياق نفسه، نظم نادي البن اليمني أخيراً مهرجاناً احتفالياً وندوة علمية حول البن اليمني، في مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز (جنوب غرب)، وهي المدينة التي اشتهرت بكونها الميناء الذي انتقل من خلاله البن إلى مختلف دول العالم، محققاً شهرته وشعبيته ابتداءً من العصور الوسطى، مشتقاً له اسماً منها (موكا).

دعوة لتدخل الدولة

يستعرض المهندس الزراعي خيري الأبيض المشكلات والمعوقات التي لها تأثير اقتصادي على محصول البن في اليمن، مثل الاختلافات في توزيع الأمطار على مدار السنة، ووعورة التضاريس التي يزرع فيها، وصغر الحيازات الزراعية التي تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وغياب الإرشادات الزراعية، وانتشار الأمراض والحشرات ومسبباتها المختلفة.

يعد البن اليافعي (نسبة إلى منطقة يافع التابعة لمحافظة لحج جنوباً) من أجود أنواع البن عالمياً (فيسبوك)

كما يشير الأبيض إلى قلة الدراسات البحثية الاقتصادية والفنية من قبل المختصين، وضعف الترويج لمميزات البن اليمني عالمياً، وغياب الأدوات والمعدات المناسبة الحديثة لما بعد الحصاد للحفاظ على جودة البن، إلى جانب استغلال التجار والكيانات الخاصة للمزارعين بشراء البن بأسعار رخيصة، إلى جانب تأثير الحروب والأزمات التي حدثت في العالم والمنطقة، ومنافسة زراعة نبتة «القات».

ويدعو رئيس مركز الأصول الوراثية في جامعة صنعاء، محمد الأسودي، إلى جمع كل التنوعات الوراثية والطرز من البن من مختلف مناطق اليمن، وحفظها في مدخرات نباتية بمناطق مختلفة للحفاظ عليها، وإيجاد آلية لتشجيع وتمويل الأبحاث والرسائل الجامعية المتعلقة بالبن اليمني، بعد وضع أولويات الأبحاث اللازمة لتطوير المحصول.

ويشدد الأسودي على أهمية تسجيل الأصناف والتنوعات الوراثية لدى الهيئات والمنظمات الدولية، وتشكيل أو إنشاء لجنة أو أي إطار قانوني لمتابعة تسجيل الأصناف لدى الهيئات الدولية؛ لأن الإعداد للتسجيل يحتاج إلى جمع كثير من البيانات والمعلومات والمتابعات لدى الجهات المختلفة، كما أنه يحتاج إلى وقت كافٍ.

وطالب بتدخل الدولة للعمل على حل الإشكاليات القائمة والموجودة بقوة بين المنتجين وصغار المزارعين وبين شركات تصدير البن العاملة في اليمن، لتحديد الأسعار، وإصدار تشريعات للحد من دخول البن المستورد من نوع «روبوستا» منخفض الجودة الذي يخلط مع حبوب البن العربي، ويعاد تصديره إلى الخارج باسم البن اليمني الذي تتأثر مكانته بسبب هذا الغش.

شهدت الأعوام الأخيرة توجهاً لدى قطاع كبير من المزارعين اليمنيين لاقتلاع «القات» واستبدال البن به (رويترز)

واتفق معه في هذا التوجه المختص والباحث الزراعي سعيد الشرجبي الذي يرى أن الجهات الحكومية معنية بوضع حد للأنشطة التي تساهم في مفاقمة التغيرات المناخية، واتباع حزمة إجراءات تخدم عملية النهوض بهذا القطاع، منها ما يتعلق بالبنى التحتية، كربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية، وكذا الطرق الزراعية، لتسهل الحركة بين المناطق وتقليل تكاليف النقل.

جهود رسمية محدودة

تتضمن الإجراءات المنشودة لتحقيق نهضة في زراعة البن، إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية، ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء مشاتل البن بمواصفات فنية، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، وتبني برامج تدريبية مستمرة للمنتجين ووسطاء الإرشاد، وتوفير أدوات الإنتاج، وإعادة تأهيل المدرجات الزراعية، وفقاً للشرجبي.

إلا أن مسؤولاً في وزارة الزراعة اليمنية نبه إلى صعوبة تنفيذ تلك التوصيات التي وردت في الندوة وغيرها من الفعاليات، رغم أن الحكومة اليمنية لديها استراتيجية خاصة في هذا الشأن تعمل عليها الوزارة، إلى جانب عدد من الوزارات والمؤسسات، موضحاً أن التحديات التي تواجه الحكومة تجعل الاهتمام بدعم زراعة البن في مرتبة متدنية.

مزارع في منطقة بني حماد التابعة لمحافظة تعز يبدأ ري شتلات البن التي زرعها (إكس)

المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه، لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أشار إلى أن الصندوق الزراعي التابع للوزارة أنشأ ودعم أكثر من 10 مشاتل خلال العام الجاري لإنتاج شتلات البن اليافعي، المشهود له بأنه الأجود عالمياً، وذلك في سبيل دعم إنتاجه، نظراً للعوائد الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن تتحقق من تصديره.

وأفاد بأن وزارة الزراعة تعمل بالتنسيق مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي على إعداد مشاريع وبرامج للحصول على تمويل دولي للمساعدة في زراعة وإنتاج البن، وتوعية المزارعين بأهميته والتشجيع على مزاولة هذا النشاط الذي يعاني من ركود كبير سببته موجات الجفاف منذ أواخر القرن الماضي.

ونوه إلى أن الوزارة مهتمة بدراسة جودة أصناف البن اليمني المطلوبة حول العالم، والقيام بأبحاث لزيادة جودتها وكميات إنتاجها والظروف الطبيعية والجغرافية والمناخية الملائمة لها، منبهاً إلى أن التحدي الرئيسي يكمن في كيفية إقناع المزارعين اليمنيين بإحلال شجرة البن مكان نبتة «القات» التي شبَّهها بالوباء.

ووفقاً للمسؤول اليمني، تحقق نبتة «القات» بالنسبة للمزارعين أرباحاً سريعة ومباشرة، بينما يحتاج البن إلى فترة طويلة قد تصل إلى سنوات لاكتشاف أفضليته على «القات».


مقالات ذات صلة

تضاعف تدفق المهاجرين الأفارقة يعزز مخاوف استغلالهم حوثيّاً

العالم العربي الحوثيون حولوا الحدود في صعدة إلى مركز لتجنيد المهاجرين الأفارقة (إعلام محلي)

تضاعف تدفق المهاجرين الأفارقة يعزز مخاوف استغلالهم حوثيّاً

تضاعف تدفق المهاجرين الأفارقة إلى اليمن خلال النصف الأول من العام، وسط تحذيرات من استغلال شبكات التهريب والحوثيين لهم في التجنيد والأنشطة العسكرية والأمنية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي أسرى يمنيون أفرج عنهم على متن طائرة للجنة الدولية للصليب الأحمر في مطار مأرب (رويترز)

تأجيل صفقة الأسرى اليمنية وسط تبادل الاتهامات عن التعثر

أرجئ تنفيذ صفقة تبادل أكثر من 1700 أسير ومحتجز بين الحكومة اليمنية والحوثيين وسط تبادل الاتهامات عن التعثر من دون تعليق أممي أو من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

جدّد مجلس القيادة الرئاسي اليمني رفضه تشغيل رحلات إيرانية إلى صنعاء خارج الأُطر القانونية، ودعا لاحترام سيادة اليمن، مع تأكيد جاهزية «اليمنية» لاستئناف الرحلات

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)

الحوثيون يخضِعون إعلاميّي إب وذمار لدورات تعبوية

أخضعت الجماعة الحوثية أكثر من 250 صحافياً وناشطاً إعلامياً في إب وذمار لدورات تعبوية، وسط اتهامات بفرض المشاركة تحت التهديد لتشديد السيطرة على الخطاب الإعلامي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)

عبد الله العليمي يحشد في لندن دعماً للحكومة اليمنية ويعزز حضورها الدولي

بدأ عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي باوزير زيارة إلى لندن تشمل مؤتمر «تشاتام هاوس» ولقاءات مع دوائر بريطانية لحشد دعم للشرعية وتعزيز الشراكة.

علي ربيع (عدن)

فيديو «إهانة» العلم الأميركي يزيد التوتر بين واشنطن ومقديشو

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

فيديو «إهانة» العلم الأميركي يزيد التوتر بين واشنطن ومقديشو

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

بدأت مقديشو تحقيقاً عسكرياً بشأن واقعة إهانة، منسوبة إلى عسكريين صوماليين بحق العلم الأميركي، وسط توتر غير معلن، مع مساعي واشنطن لإلغاء تمويل أممي لبعثة حفظ السلام في الصومال.

ولا يستبعد محلل سياسي صومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية زيادة التوتر بين واشطن ومقديشو في ظل الإجراءات الأميركية لتقليل الدعم الأممي، مرجحاً أن يسعى الصومال إلى «احتواء أي توتر إضافي عبر التحركات الدبلوماسية وإدانة العسكريين حال ثبتت صحة الفيديو، وتأكيد الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة».

تحقيقات صومالية

وقالت وزارة الدفاع الصومالية، الجمعة، إنها طالعت مقطع فيديو متداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يُظهر أفراداً يرتدون الزي العسكري يتصرفون بشكل غير مقبول تجاه علم الولايات المتحدة، في إشارة إلى ظهور عسكريين وهم يدوسون بأقدامهم على علم أميركي مُلقى على الأرض.

وأكدت الوزارة في البيان، أن «مثل هذا السلوك يتعارض مع قيم وانضباط واحترافية الجيش الوطني الصومالي، ولا يعكس مواقف وزارة الدفاع أو الحكومة الفيدرالية الصومالية»، مشيرةً إلى «احتجاز الأفراد المعنيين، وفتح تحقيق لتحديد ملابسات الحادث واتخاذ الإجراءات التأديبية والقانونية المناسبة».

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن فتح وزارة الدفاع الصومالية تحقيقاً في الحادثة، «خطوة مهمة لاحتواء الأزمة، لأنه يبعث برسالة إلى واشنطن بأن التصرف، إن ثبت، لا يمثل السياسة الرسمية للحكومة، وأن هناك التزاماً بالمحاسبة والانضباط العسكري، وأن الحكومة حريصة على الحفاظ على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة».

وأشار إلى أنه «إذا ثبتت صحة الفيديو، فإن الواقعة قد تزيد من التوتر السياسي والإعلامي بين واشنطن ومقديشو، خصوصاً أنها جاءت في توقيت حساس بعد تقارير عن توجه أميركي لوقف تمويل الدعم اللوجستي لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، ومن قبله حظر سفر فرضته واشنطن على مواطني الصومال وما تلاه من منع الحكم عمر أرتان من المشاركة في كأس العالم».

أزمة بعثة السلام

وتعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال التي تواجه إرهاب «حركة الشباب» أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية لمنع التمويل الدولي للبعثة.

وفي مذكرة دبلوماسية صدرت أول يوليو (تموز)، أبلغت واشنطن «الاتحاد الأفريقي» بأنها لن تدعم «مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال»، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية نحو 500 مليون دولار، بعد نهاية هذا العام، وفق ما نقلته «رويترز»، قبل أيام.

أحد عناصر الجيش الصومالي (وكالة الأنباء الصومالية)

ولم يعلق الصومال على احتمال وقف التمويل، غير أن وزارة الدفاع الصومالية أكدت، الجمعة، «تقديرها بشكل كبير للشراكة الأمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة»، معتبرة أن «التعاون كان عاملاً أساسياً في مكافحة (حركة الشباب) وتنظيم (داعش)، وفي تعزيز مؤسسات الأمن الصومالية»، لافتةً إلى «احترامها الشعب الأميركي وعلم الولايات المتحدة، وكذلك الشراكة المستمرة بين البلدين».

ويعتقد بري «أنه من الناحية الدبلوماسية، من غير المرجح أن يؤدي فيديو العلم وحده إلى تغيير جذري في العلاقات بين البلدين، لأن التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والصومال يستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة، أبرزها مكافحة حركة الشباب وتنظيم (داعش)، وهو تعاون مستمر منذ سنوات».

ويخلص بري إلى أن «التحقيق قد يخفف من حدة الأزمة إذا كان سريعاً وشفافاً، وأعقبته إجراءات تأديبية واضحة، إلى جانب استمرار التواصل الدبلوماسي بين مقديشو وواشنطن، لكن إذا اعتُبرت الإجراءات شكلية أو لم تُستكمل، فقد تبقى الحادثة مصدر توتر سياسي ورمزي في مرحلة تشهد بالفعل نقاشاً حول مستقبل الدعم الدولي للصومال».

Your Premium trial has ended


مصر والكونغو الديمقراطية لتعزيز التعاون العسكري على وقع الاضطرابات  

مصر والكونغو لمزيد من التنسيق والتعاون العسكري وسط أوضاع إقليمية مضطربة (الجيش المصري)
مصر والكونغو لمزيد من التنسيق والتعاون العسكري وسط أوضاع إقليمية مضطربة (الجيش المصري)
TT

مصر والكونغو الديمقراطية لتعزيز التعاون العسكري على وقع الاضطرابات  

مصر والكونغو لمزيد من التنسيق والتعاون العسكري وسط أوضاع إقليمية مضطربة (الجيش المصري)
مصر والكونغو لمزيد من التنسيق والتعاون العسكري وسط أوضاع إقليمية مضطربة (الجيش المصري)

تتنامى العلاقات بين مصر والكونغو الديمقراطية في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية التي تشهدها منطقة البحيرات العظمى، وسط مساعٍ لاحتواء الاضطرابات في كينشاسا، وفي ظل حرص مصري على تعزيز التنسيق في ملف مياه النيل.

وبحث وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر، في القاهرة مع نظيره الكونغولي، جي كابومبو مواديامفيتا، سبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وفق بيان صادر عن الجيش المصري، السبت.

وتأتي زيارة وزير الدفاع الوطني الكونغولي إلى القاهرة بعد شهر من أخرى أجراها رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي إلى العاصمة المصرية التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويرى خبير عسكري استراتيجي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن علاقات البلدين «تاريخية وتعود للستينيات من القرن الماضي، وأن وتيرة الشراكة زادت خلال السنوات الأخيرة، وانعكست على تطابق وجهات النظر بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية خاصة ملف مياه، كما تدعم مصر جهود الوساطة لوقف الاضطرابات بشرق الكونغو».

والكونغو الديمقراطية إحدى الدول المطلة على حوض نهر النيل، وهي من الدول التي لم تصدق حتى الآن على (اتفاقية عنتيبي) التي تقودها إثيوبيا وبعض الدول الأفريقية الأخرى، في مسعى لإعادة تقسيم مياه النهر بما يتوافق مع السياسات الإثيوبية، بحسب تصريحات مصرية رسمية.

وفي عام 1999، جرى الإعلان عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل، عُرفت باسم «عنتيبي»، نسبة لمدينة عنتيبي الأوغندية؛ ثم في 2010 وقّعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، وانضم إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024، وسط رفض مصري وسوداني، وعدم توقيع من جانب كينيا والكونغو الديمقراطية.

مباحثات عسكرية

أفاد الجيش المصري بأن الفريق زاهر بحث مع مواديامفيتا «تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الأفريقية، والتفاهم حول زيادة أوجه التعاون العسكري والأمني بين البلدين».

وأعرب سالم خلال اللقاء عن «اعتزازه بالعلاقات المصرية الكونغولية المشتركة وأهمية مواصلة التنسيق والعمل المشترك، وتعزيز أواصر التعاون والدعم في مختلف مجالات التعاون العسكري، بينما أشاد وزير الدفاع في الكونغو الديمقراطية بجهود مصر الداعمة لجميع قضايا القارة الأفريقية معرباً عن تطلعه لمزيد من التنسيق في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك».

من اللقاء بين الجانبين (الجيش المصري)

وفي 10 يونيو (حزيران) الماضي، تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس السيسي ونظيره الكونغولي تشيسيكيدي خلال زيارة للقاهرة، وهي الثانية من نوعها خلال أقل من عام، بعد زيارة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، آنذاك ناقش الرئيسان تطورات التعاون بين دول حوض النيل، وشددا على «ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود».

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، أن مصر «تعزز مساعيها لحماية الأمن المائي المصري، وتقوي علاقاتها مع كل دول حوض النيل وفي القلب منها الكونغو الديمقراطية التي تتفق مع القاهرة على أهمية استمرار الحوار والتفاوض بين جميع دول حوض النيل للوصول إلى توافق حول البرامج والمشروعات التي تحقق مصالح الجميع دون الإضرار بأحد».

وأكد السيسي، خلال مؤتمر صحافي مع تشيسيكيدي بالقاهرة في يونيو الماضي، حرص بلاده على «الاستمرار في دعم جهود إحلال السلام، واستعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، ومساندة المساعي التي يبذلها الوسطاء الأفارقة والدوليون»، معرباً عن الاستعداد «لدعم إجراءات بناء الثقة، وتعزيز السلام وجهود إعادة الإعمار والتنمية في المراحل اللاحقة».

ويشهد شرق الكونغو الديمقراطية اضطرابات أمنية مع جماعات متمردة أبرزها حركة «23 مارس» بخلاف جماعة متطرفة محسوبة على تنظيم «داعش» الإرهابي، كما تعاني البلاد من تفشي فيروس «إيبولا»، ومع وجود 7 ملايين نازح في البلاد... ووصفت الأمم المتحدة الصراع في شرق الكونغو الذي تصاعد منذ بداية 2025، بأنه «إحدى أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وخطورة على وجه الأرض».

ويؤكد فرج أن مصر «تدعم جهود الاستقرار في الكونغو الديمقراطية وكل ما يحقق ذلك عبر الجهود الدولية المتواصلة حالياً»، متوقعاً أن تلعب مصر دوراً في جهود الوساطة من خلال مؤسسات «الاتحاد الأفريقي»، و«مجلس السلم والأمن» التابع له، بخلاف الدعم الصحي في مواجهة «إيبولا».


توافق مصري - تركي على ضرورة «تجنيب المنطقة التصعيد العسكري»

الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي إردوغان بالقاهرة في فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي إردوغان بالقاهرة في فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

توافق مصري - تركي على ضرورة «تجنيب المنطقة التصعيد العسكري»

الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي إردوغان بالقاهرة في فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي إردوغان بالقاهرة في فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

توافقت مصر وتركيا على «أهمية مواصلة تعزيز آليات الحوار الاستراتيجي وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري»، وأكد البلدان «استمرار التشاور بشأن الشواغل الأمنية»، وضرورة «تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري».

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان، السبت، في إطار التواصل والتنسيق المستمر بين البلدين بشأن سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ودشن البلدان «مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى» في فبراير (شباط) 2024 على المستوى الرئاسي.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول الاتصال الهاتفي «سبل الارتقاء بالعلاقات المصرية - التركية في مختلف المجالات». وأشاد الوزيران بالتطور المتسارع الذي تشهده العلاقات الثنائية خلال الفترة الأخيرة على مختلف المستويات، وأكدا «الحرص على البناء على ما تحقق من تقدم في مسار العلاقات بين البلدين، ومتابعة تنفيذ مخرجات الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي، الذي عُقد في فبراير الماضي بالقاهرة برئاسة الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب إردوغان».

ولفت وزيرا الخارجية إلى «أهمية مواصلة تعزيز آليات الحوار الاستراتيجي، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين».

وتنامت العلاقات المصرية - التركية على مدار السنوات الأخيرة، وشهدت تحسناً كبيراً وتبادلاً للزيارات الرئاسية، وتوسيع الأنشطة الاقتصادية.

وزار الرئيس التركي القاهرة في فبراير الماضي، وشهد توقيع عدد من الاتفاقات في مجالات متعددة. وخلال مؤتمر صحافي مشترك، قال نظيره المصري إن «هناك تقارباً في الرؤى إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية بين مصر وتركيا».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

كما شهد الاتصال الهاتفي، السبت، تبادلاً للرؤى بشأن التطورات الإقليمية، حيث شدد عبد العاطي وفيدان على «أهمية خفض التصعيد واحتواء الاحتقان والتوتر بالمنطقة، وتكثيف الجهود المشتركة بين البلدين لاستعادة مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، والالتزام بتنفيذ مذكرة التفاهم بين البلدين، بما يسهم في التوصل إلى اتفاق نهائي من خلال الحوار والدبلوماسية، ويجنب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري».

وتناول الوزيران كذلك أوجه التنسيق في إطار «الآلية الإقليمية الرباعية» التي تضم «المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان»، حيث أكدا «أهمية مواصلة التشاور بشأن الشواغل الأمنية لدول المنطقة، والتمسك بمبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول».

ووقَّع الرئيسان السيسي وإردوغان خلال زيارته إلى أنقرة في سبتمبر (أيلول) 2024 على «بيان مشترك» جرت الإشارة فيه إلى أن عام 2025 يوافق الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر، وإرادة البلدين رفع الشراكة والتعاون بينهما في جميع المجالات إلى المستوى الاستراتيجي.

وبحسب «الخارجية المصرية»، السبت، تشاور الوزيران حول عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأكدا «رفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني، وضرورة وقف التصعيد في قطاع غزة والضفة الغربية، وضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية». وتبادلا التقديرات بشأن تطورات الأوضاع في سوريا ولبنان والسودان وليبيا، وأشارا إلى «أهمية دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة وسيادة مؤسسات الدول، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة».