غزة... معارك ضارية ومحاولات توغل والقتال «من منزل إلى منزل»

الفلسطينيون يتحدثون عن 10 آلاف قتيل... وإسرائيل تقول إنها قتلت 20 ألفاً نصفهم قضوا «في أنفاق حماس»

TT

غزة... معارك ضارية ومحاولات توغل والقتال «من منزل إلى منزل»

نزوح إلى جنوب قطاع غزة عبر طريق صلاح الدين في البريج الأحد (أ.ب)
نزوح إلى جنوب قطاع غزة عبر طريق صلاح الدين في البريج الأحد (أ.ب)

في اليوم الـ30 للحرب على قطاع غزة، واصل الجيش الإسرائيلي، الأحد، محاولاته التقدم في عمق القطاع، على وقع تقارير عن قتال ضارٍ يدور من منزل إلى منزل، وسط مزيد من الغارات الجوية التي تسببت في سقوط ما لا يقل عن 200 قتيل في الساعات الماضية. ويرتفع بذلك عدد ضحايا الهجوم الإسرائيلي على غزة إلى قرابة 10 آلاف قتيل، وفق مصادر فلسطينية، بينما يضع الإسرائيليون الرقم بحدود 20 ألفاً، نصفهم قضوا في «الأنفاق» التي يتحصن فيها مقاتلو «حماس».

وبالتزامن مع المعارك البرية والغارات الجوية، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربطه وقف إطلاق النار في الحرب على غزة بـ «عودة أسرانا»، في إشارة إلى قرابة 250 شخصاً أسَرتهم حركة «حماس»، ونقلتهم رهائن إلى قطاع غزة خلال هجومها المفاجئ على مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأكد نتنياهو في زيارة لقاعدة جوية في جنوب إسرائيل، الأحد: «نؤكد لأعدائنا وأصدقائنا على حد سواء: سوف نواصل (القتال) حتى نهزمهم».

صورة وزعها الجيش الإسرائيلي لجنود خلال مواجهات مع مقاتلي «حماس» في قطاع غزة السبت (رويترز)

وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، توجه رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال هيرتسي هاليفي إلى قطاع غزة، حيث تفقد القوات التي تخوض معارك ضارية ضد مقاتلي «حماس».

وجاء ذلك في وقت تتواصل فيه المعارك البرية شمال القطاع، على الرغم من دعوات عربية لوقف إطلاق النار. ونشر الجيش الإسرائيلي مشاهد ظهرت فيها قواته تخوض معارك من منزل إلى آخر، بينما تتحرك دبابات وجرافات عسكرية بهدف تشديد الطوق على مدينة غزة. وألقت طائرات إسرائيلية منشورات تحث سكان مدينة غزة على الإجلاء جنوباً بين الساعة العاشرة صباحاً والثانية بعد الظهر، علماً أن مسؤولاً أميركياً أشار إلى وجود 350 ألف مدني على الأقل في مدينة غزة وحولها.

قوات إسرائيلية تشارك في الهجوم على قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

وقالت «كتائب القسّام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، إن مقاتليها خاضوا اشتباكات مع قوات إسرائيلية تحاول التقدم شمال غربي غزة صباح الأحد وليلة السبت. وأضافت «القسّام»، في بيان، أن مقاتليها قتلوا «عدداً من الجنود الإسرائيليين من مسافةٍ قريبة»، وأنهم دمروا دبابة إسرائيلية خلال الاشتباكات.

أما «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فقالت إن مقاتليها يخوضون اشتباكات ضد قوة إسرائيلية متوغلة شرق خان يونس بقطاع غزة، وفق ما أوردت «وكالة أنباء العالم العربي». والتوغل شرق خان يونس يعني أن الإسرائيليين لا يحاولون التقدم فقط في شمال قطاع غزة حيث مركز حكم «حماس»، بل أيضاً في مناطق جنوبية، علماً أنهم دعوا سابقاً سكان شمال القطاع إلى النزوح جنوباً كي لا تطولهم الضربات الإسرائيلية.

فلسطينيون يبحثون عن ضحايا وناجين عقب غارة إسرائيلية في شمال قطاع غزة الأحد (إ.ب.أ)

وذكر تلفزيون فلسطين مساء الأحد أن قتلى وجرحى سقطوا في قصف إسرائيلي على منطقة سكنية وسط مخيم جباليا شمال قطاع غزة الذي كان في الأيام الماضية محور غارات عنيفة تسببت في سقوط مئات الضحايا. وأكدت إسرائيل مسؤوليتها عن تلك الغارات، مشيرة إلى أنها استهدفت قيادياً في «حماس» وقتلته.

كذلك قالت مصادر طبية إن نحو 45 شخصاً قُتلوا وعشرات أصيبوا بجروح فجر الأحد في غارات إسرائيلية على منازل سكنية في مخيم المغازي للاجئين وسط القطاع. وأشارت المصادر إلى مقتل 22 شخصاً من عائلة واحدة معظمهم أطفال ونساء بفعل قصف إسرائيلي على منزلهم قرب ميناء غزة.

ووفق مصادر أمنية، فإن طائرات حربية إسرائيلية واصلت هجمات مكثفة على مناطق متفرقة من قطاع غزة بما في ذلك منازل ومركز شرطة وخزانات مياه ومحالّ تجارية.

فلسطينية مع طفلها تحاول النزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه عبر طريق صلاح الدين الأحد (أ.ب)

ومن جهتها، نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية عن مصادر طبية أن 200 مواطن، أغلبهم من الأطفال والنساء، قتلوا في هجمات للقوات الإسرائيلية في قطاع غزة خلال الساعات الماضية. أما وزيرة الصحة الفلسطينية مي الكيلة فقالت، الأحد، إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة خلّفت أكثر من 9700 قتيل بينهم 4800 طفل حتى الآن.

وقدّم أشرف القدرة، المتحدث باسم وزارة الصحة في قطاع غزة، أرقاماً مماثلة الأحد، إذ أشار إلى أن ما لا يقل عن 9770 فلسطينياً، بينهم 4008 أطفال، قُتلوا في الضربات الجوية الإسرائيلية على غزة منذ السابع من أكتوبر.

أبنية دمرتها الغارات الإسرائيلية في مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الأحد (رويترز)

وفي المقابل، أعلن مسؤول كبير في الحكومة الإسرائيلية أن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في «القصف من بعيد» بلغ 20 ألف شخص، أي ضعف العدد الذي يعلنه الفلسطينيون. وكان الناطقون الإسرائيليون يعترضون على التقارير الفلسطينية اليومية الرسمية عن عدد ضحايا الحرب على غزة، ويتهمون وزارة الصحة الفلسطينية بالمبالغة المتعمدة، حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه تحدث عن هذه المبالغة فتحدته الوزارة الفلسطينية بنشر قائمة تضم الاسم الرباعي لكل قتيل ورقم هويته.

ولكن في خضم هذا الجدل قرر المسؤولون في تل أبيب بشكل مفاجئ إحداث انقلاب في نهجهم إزاء هذا الموضوع. إذ نُقل عن «مسؤول كبير في الحكومة الإسرائيلية» إنه قال للقناة 12 ولصحيفة «معاريف» إن «عدد القتلى الفلسطينيين في قطاع غزة منذ بداية الحرب يزيد على 20 ألفاً»، أي ضعف الرقم الفلسطيني.

فلسطينيون ينزحون إلى جنوب قطاع غزة عبر طريق صلاح الدين في البريج الأحد (أ.ب)

والتفسير لهذا الفارق، وفق تفسير المسؤول المذكور، هو أن الأرقام الفلسطينية لا تحسب عدد القتلى من مقاتلي «حماس» الذين قُتلوا تحت الأرض، نتيجة تدمير الكثير من الأنفاق، وأضاف: «هذا الفارق يغيّر أيضاً الصورة التي يحاول إظهارها الفلسطينيون، على أننا قتلة أطفال. فوفق حساباتهم، أكثر من 65 في المائة من القتلى هم أطفال ونساء، لكن الصحيح هو أن عدد الأطفال والنساء لا يتعدى نسبة الثلث، لو افترضنا أن معطياتهم دقيقة».

لكن ما يختفي وراء هذا الادعاء، يتعدى مسألة أعداد القتلى. وهو كما يبدو كان جزءاً من النقاش الذي أثاره وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال زيارته إسرائيل الجمعة – السبت، واجتماعه مع الفريق الذي يقود الحرب، والذي يضم كلاً من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، يوآف غالانت، ووزراء الدولة، بيني غانتس وغادي آيزنكوت ورون دريمر ومعهم رؤساء الأجهزة الأمنية. ومما رشح عن الاجتماع أن بلينكن عاد، وأكد التزامه بدعم إسرائيل في هذه الحرب، لكنه تذمّر من أن مرور نحو الشهر على شن الحرب والأسبوع الأول من الاجتياح البري لم يحققا شيئاً ملموساً، في حين أن الجنرالات الأميركيين كانوا ينتظرون أن تنجز هذه العمليات شيئاً يتيح للجيش الإسرائيلي استعادة قوة ردعه واحترامه في العالم. ونُقل عن بلينكن قوله: «أنتم تعرفون ولا شك في أننا وفرنا لكم ولا نزال غطاءً سياسياً دولياً كبيراً، لكن الوقت يمر والعالم يشاهد صور أطفال غزة، وينقلب ضدكم وضدنا. التأييد الذي كان جارفاً في 7 أكتوبر بدأ يتآكل بسرعة. وهنالك حاجة لمزيد من الحذر والانتباه وتخفيض المساس بالمدنيين. ونعتقد أن هناك مكاناً لتغيير تكتيك الحرب. نحن نؤيد الاستمرار في الحرب حتى تحققوا انتصاراً واضحاً على «حماس». ولكن ينبغي عمل ذلك بطريقة أخرى. خففوا من القصف الجوي الجارف، وعودوا إلى العمليات الجراحية العينية، واستخدموا قنابل أخف تحدث ضرراً عينياً وليس دماراً شاملاً».

شاحنة فلسطينية تنقل غالونات مياه في مدينة رفح بجنوب قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

وقد أجابه رئيس أركان الجيش، هيرتسي هاليفي، قائلاً: «لو كنا عملنا بالضبط حسب نصائح الجنرالات الأميركيين الذين يحضرون اجتماعات مجلس الحرب، لكانت صور الأطفال الغزيين مزعزعة أكثر وعدد القتلى أكبر وأضخم. فنحن ببساطة ننفذ خططنا بحذر بناءً على نصائحكم بألا نخرق القانون الدولي». ومع نشر هذه التسريبات، دفع الجيش بتسريبات إضافية تباهى خلالها بإيقاع أكثر من 20 ألف قتيل فلسطيني. ووفق ذلك المسؤول فإن كل موقع أو نفق هُدِم، دُفن تحته من 50 إلى 100 شخص. وبهذا الحساب وصل العدد إلى 20 ألفاً.

وقالت مصادر سياسية لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الأميركيين يرون أن على إسرائيل أن توجِّه ضربة كاسحة وقوية واحدة، وتوقف الحرب وليس إدارة عمليات طويلة. وهم يخشون أن تنجر إسرائيل لحرب استنزاف طويلة لا يبقى لها من يؤيدها في الغرب.


مقالات ذات صلة

شكوك متنامية في قدرة «لجنة إدارة غزة» على مباشرة مهامها

المشرق العربي فلسطينيون يمشون وسط المباني المنهارة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

شكوك متنامية في قدرة «لجنة إدارة غزة» على مباشرة مهامها

«حماس» عينت وكلاء لوزاراتها الحكومية، ومديرين عامين وقادة أجهزة أمنية، ولم يكن ذلك فقط قبل تشكيل اللجنة، بل استمر بعد تشكيلها، وحتى الأيام الأخيرة...

«الشرق الأوسط» (غزّة)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية غسان عليان قائد سابق في الجيش الإسرائيلي ومنسق الحكومة في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة (ويكيبيديا)

إسرائيل تستحدث منصب منسق للتواصل مع دروز سوريا ولبنان

الجيش الإسرائيلي يستحدث منصب منسق للاتصال مع دروز الشرق الأوسط. وتولاه الدرزي غسان عليان الذي كان منسق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني المدمَّرة بسبب الحرب في مدينة غزة (رويترز) p-circle

المانحون مترددون في تمويل خطة غزة مع تعثُّر نزع سلاح «حماس»

ذكرت مصادر أن أميركا لم تحصل على تعهدات تمويلية لخطة إعادة إعمار غزة، بسبب مخاوف المانحين من أن الخلافات حول نزع سلاح «حماس» قد تدفع إسرائيل إلى استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» المدعوم بالذكاء الاصطناعي «غروك» (أ.ف.ب)

نيابة باريس تغادر «إكس» بعد استدعاء ماسك للاستجواب

أعلنت النيابة العامة في باريس الثلاثاء عبر إكس أنها غادرت هذه المنصة، مشيرة في رسالتها إلى عملية تفتيش خضعت لها مكاتب المنصة في فرنسا للاشتباه بارتكاب تجاوزات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».

وعُلم أن ثمة استعدادات لفتح طريقي الحسكة – الرقة، والحسكة – ديرالزور أمام حركة الحافلات والمسافرين والقوافل التجارية تمهيداً لإعادة ربط المحافظة ببقية المحافظات السورية بعد نحو شهر من انقطاع الطرق نتيجة التوترات الأمنية الأخيرة.وقد يُطلق سراح دفعة من الأسرى من الجانبين خلال 48 ساعة ضمن إجراءات بناء الثقة، وسط توقعات بإنهاء إجراءات تسليم مطار القامشلي وحقول النفط للحكومة السورية في غضون أسبوع.وهذه هي المرحلة الثانية ضمن خطة تنفيذ الاتفاق وتشمل تسلّم الدولة لآبار النفط ومطار القامشلي، على أن تليها مرحلة ثالثة تتضمن إشراف الدولة على المعابر الحدودية، وخاصة معبر نصيبين مع تركيا ومعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق.


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.