يُفتتح الفضاء السردي لرواية «يونيفرس» للكاتبة المصرية رضوى الأسود بصوت أزيز طائرات يظل صارخا على مدار الرواية، ليس كمجرد مؤثر صوتي مُقبض، بل كطرف في حرب مُستعرة تتنقل من مربع إلى آخر، حيث الموت والجوع والمرض والجنون يحاصر كل شيء.
الرواية صدرت مؤخرا عن دار «العين» بالقاهرة، وتشيد الكاتبة فيها عالماً من التخييل «الديستوبي» تستشرف من خلاله مستقبل الحضارة الإنسانية تحت أنقاض الحروب والمجاعات، فتبدأ بمشهد مجاعة كبرى تلتهم العالم، بلا أثر لحضارة أو تمدن. ويقود دفة السرد صوت بطلة تكتب مذكراتها بلسان شاهدة عيان على السنوات الأخيرة التي قادت لهذا المصير الكابوسي، فتكتب مذكراتها على أمل أن يعثر عليها أحد من بعد فناء مدينتها، حيث الموت يحصد الجميع «نحن الآن مسوخ شائهة، وأجساد بلا روح. نحن أشباه بشر ننتظر بلهفة ما يُسقطونه علينا من أشباه الطعام».
السرد بين صوتين
تظل هوية البطلة مستترة وراء كتابتها، إلا أن استرسال مذكراتها يشي بالكثير عن أبعاد ثقافتها الواعية بالتحوّلات التاريخية، ثم تبدأ فصول الرواية في التناوب بين صوت البطلة السارد في المذكرات، وتاريخها الشخصي، اللذين يتقاطعان في لحظة مصيرية وهي إطلاق تطبيق «يونيفرس» الافتراضي، الذي تربط الرواية بين ابتلاعه للعقل الإنساني وعواطفه، كوسيلة للسيطرة على البشرية وتهجينها.
وفي تناوب لمشاهد الموت الجمعي، تحوم طائرات وكالات إغاثة دولية فوق البشر الجيّاع المتبقين على قيد الحياة لتُلقي عليهم أنابيب معبأة بالسوائل كبديل للطعام الذي شحّ، وذلك بعد حدوث أزمة اقتصادية عالمية تبعها كساد ثم مجاعات. ويُظهر السرد مفارقة تلقف سكان الدول المنكوبة للطعام وسط الاقتتال والتطاحُن، وفي الدول الأوفر حظاً والأكثر وعياً كان الناس يتلقفون الطعام باضطرار وريبة.
وفيما تُفجع البطلة «ميريت» بانضمام زوجها الثاني «حاتم» إلى زمرة الموت، لا تملك إلا أن تدفنه في حديقة بيتهما، وتبدأ من تلك اللحظة المصيرية كتابة رسالتها الطويلة التي تستشرف بها الفناء والعدم، بعد أن توزّع البشر بين مُعسكرين، الأول فئران لمعامل الحروب البيولوجية والفيروسية، والآخر لصالح مُختبرات التكنولوجيا الفائقة، اللذان قادا معا العالم إلى هاوية سحيقة، فيما يكون الرابط الأخير بين البشر والحياة مُعلقاً بأزيز الطائرات وما تلقيه عليهم وكالات الإغاثة من رمق أخير: «حين كنت أتأمل ملامح الوجوه وحركات الأجساد، أتبيّن كيف لم يعودوا أنفسهم، لم يعودوا أناسا بل أنصاف، أرباع بشر، أخضعوهم لهذا السم الذي يطلقون عليه غذاء، والذي بالإضافة إلى أنه يقوم بمفعول المخدر، فهو يتسرب من دمهم إلى أجهزتهم ببطء ليعطلها جهازاً بعد آخر، إنهم بالكاد يترجلون بضع خطوات يقعون خلالها عدة مرات، ومنهم من يمشي مستندا إلى عكاز، أما الغالبية فتحولوا إلى كائنات تمشي على أربع، بالكاد تقوى على الزحف».
غُربة إلـ«أفاتار»
في الرواية، التي تقع في 261 صفحة، تجد البطلة نفسها، رغم علاقتها الحذرة والمتواضعة بمواقع التواصل والتكنولوجيا، مهتمة بتطبيق جديد يحمل اسم «يونيفرس» يثير هوس العالم، وهوس زوجها الأول «فريد» الذي يُبدي اهتماماً ساحقاً بهذه التقنية. ومع طرح نظارات البعد الثلاثي لهذا التطبيق شهدت متاجر العالم طوابير من المشترين والمنقادين لهذه التكنولوجيا، وفي محاولة للتقرب من هذا العالم الذي يدمنه زوجها تتواصل البطلة مع تلك التقنية، عابرة من خلالها إلى عالم خيالي كامل تتحوّل فيه إلى نسخة افتراضية «أفاتار». ثم تجد نفسها تعيش قصة حب مع «أفاتار» خيالي بمجرد أن ترتدي النظارة ثلاثية الأبعاد، فيثير فزعها قدرة تلك التقنية على الخلط الكامل بين الواقع والخيال، بما في ذلك حاسة الشعور نفسها، وكثير من الشكّ في الواقع: «أصبح الواقع غُربة، يُهرع منها الناس ليعودوا إلى يونيفرس كحقيقة وحيدة ووطن لا انتماء سوى إليه، حين تعطب نظارة أحدهم فتلك كارثة الكوارث والابتلاء الحقيقي، يجري في الشارع كمدمن باحث عن جرعته حتى يصل لمكان يقوم بإصلاح ما أفسده فرط الاستخدام، أو متجر ليشتري غيرها».
ترسم الرواية ملامح هذا العالم، الذي محا من الوجود العديد من الناس ليس فقط بسبب الاغتراب النفسي والمجتمعي الكامل الذي يكابدونه بمجرد خروجهم من افتراضيتهم، إنما بابتلاعهم مادياً داخل شراك هذا العالم، في مصير مرعب تسبب فيه عطل أصاب التطبيق فعلق كثير من البشر بداخله بعدما كثر الحديث عن «الريموت» الذي يعطّل عن العمل بعد فترة وجيزة، وحين يحدث ذلك، يصبح أي نقر - من الشخص نصف الواعي - على زر الإغلاق بلا جدوى: «يضغط الشخص بإصبعه محاولاً العودة، لكنه بالفعل يكون قد قطع تذكرة وحيدة، ذهابا فقط دون إياب»، علاوة على من فقدوا حياتهم بسبب استغراقهم الكامل في «الحلم» الذي منحه لهم هذا التطبيق حتى فقدان الوعي تماماً.
تتمسك البطلة بشغفها الفطري بالزراعة وحكايات الجدّات، والذي يبدو فعل مقاومة منها حِيال توّحش آلة التحديث التي حوّلت بشر المدينة إلى «روبوتات»، وصاروا يتناسلون «روبوتات» آخرين أكثر ذكاء في التفكير، إلا فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية. وفيما تبدو المذكرات التي تكتبها البطلة أقرب للتطهير من الزمن الذي سقطت فيه البشرية ما بين صرعى لفيروسات من معامل بيولوجية، وآخرين لتقنيات التكنولوجيا الفائقة، تعاني البطلة من مآسٍ دامية، فهي تفقد زوجها الأول المهووس بالحياة الافتراضية «فريد» بعد أن يفقد وعيه بالكامل وهو غارق في «يونيفرس» لأيام دون أن يأكل أو يشرب حتى انتهى أمره بالموت، ثم تفقد الزوج الثاني «حاتم» الذي جمعتها به رابطة استثنائية من الحُب والانسجام، والعداء لتقنيات الواقع الافتراضي، بعد توغل المجاعات.





