28 دولة توقّع على أول إعلان عالمي بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي

ضمن قمة تستضيفها بريطانيا لأول مرة

حددت القمة 3 نقاط رئيسة منها تحديد المخاطر وبناء سياسات قائمة على المخاطر ودعم بحث سلامة الذكاء الاصطناعي (رويترز)
حددت القمة 3 نقاط رئيسة منها تحديد المخاطر وبناء سياسات قائمة على المخاطر ودعم بحث سلامة الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

28 دولة توقّع على أول إعلان عالمي بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي

حددت القمة 3 نقاط رئيسة منها تحديد المخاطر وبناء سياسات قائمة على المخاطر ودعم بحث سلامة الذكاء الاصطناعي (رويترز)
حددت القمة 3 نقاط رئيسة منها تحديد المخاطر وبناء سياسات قائمة على المخاطر ودعم بحث سلامة الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تُختتم، اليوم (الخميس)، أعمال قمة «سلامة الذكاء الاصطناعي» التي أقيمت على مدار يومين في «بلتشلي بارك» شمال غرب لندن، بحضور دولي كبير.

وشهدت القمة توقيع 28 دولة على «إعلان بلتشلي» لضمان التطوير والاستخدام الآمن لتقنيات الذكاء الاصطناعي. واتفقت كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين التي تحضر القمة، على التعاون من أجل ضمان الاستخدام الآمن لتقنيات الذكاء الاصطناعي ونشره بطريقة آمنة ومسؤولة؛ نظراً للمخاطر الكارثية المحتملة والعواقب غير المقصودة التي قد تشكلها هذه التكنولوجيا على البشرية. ويُعدّ هذا الإعلان خطوة جديدة نحو تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف المعنية بتطوير واستخدام التقنيات الحديثة، ويدعو إلى مشاركة وتقديم الشفافية والمساءلة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على أهمية العمل المشترك لتحقيق الصالح العام وتقليل المخاطر إلى الحد الأدنى.

رئيس الوزراء البريطاني ريتشي سوناك يرحب باتفاق القمة ويصفه «بالإنجاز التاريخي» (إ.ب.أ)

«إنجاز تاريخي»

وقال رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك: إن «الدول قد أعربت عن مسؤولية مشتركة لعلاج مخاطر الذكاء الاصطناعي ودفع التعاون الدولي الحيوي للأمام في قطاع سلامة الذكاء الاصطناعي والأبحاث»، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء اليوم. ورحّب سوناك بالاتفاق بوصفه «إنجازاً تاريخياً»؛ ما يشير إلى استعداد القوى الكبرى العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي للتعاون بشأن تنظيم التكنولوجيا الناشئة. كما تعدّ مشاركة الصين مهمة بصفة خاصة مع الأخذ في الحسبان العلاقات المشحونة القائمة مع الدول الغربية في مجالات مثل التجارة والأمن وحقوق الإنسان.

المملكة المتحدة تعِد بتقديم 38 مليون جنيه إسترليني من الدعم البالغ قيمته 80 مليوناً لتمويل النمو ودعم التنمية طويلة المدى في أفريقيا (إ.ب.أ)

معهد أميركي لأمن الذكاء الاصطناعي

ومن المقرر أن تعلن نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، في كلمة لها في لندن، عن إنشاء معهد لأمن الذكاء الاصطناعي في واشنطن. وسيجمع هذا المعهد المشابه لذلك الذي أعلنت المملكة المتحدة أيضاً عن إنشائه، الخبراء المسؤولين عن وضع «مبادئ توجيهية» وتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً من أجل «تحديد المخاطر وتخفيفها»، وفق البيت الأبيض. وحذّرت الحكومة البريطانية في تقرير نُشر الخميس من أن هذه التكنولوجيا التي تثير آمالاً كبيرة في الطب أو التعليم، قد تشكل أيضاً «تهديداً وجودياً» من خلال زعزعة استقرار مجتمعات، عبر إتاحتها تصنيع أسلحة أو الإفلات من السيطرة البشرية.

وصول نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس في اليوم الثاني من القمة (أ.ف.ب)

مساعدة الدول الفقيرة

وشهدت القمة أيضاً إعلان تعاون بين المملكة المتحدة وشركاء عالميين منهم كندا، ومؤسسة «بيل وميليندا غيتس»، والولايات المتحدة الأميركية وشركاء في أفريقيا؛ من أجل تسريع التنمية في أفقر دول العالم باستخدام الذكاء الاصطناعي بتمويل تقدر قيمته بـ80 مليون جنيه إسترليني (100 مليون دولار). وأوضح وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي في تصريحٍ له حول الشراكة، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغير حياة الناس نحو الأفضل، وذلك من خلال المساعدة في تطوير علاجات جديدة للأمراض، ومعالجة قضايا انعدام الأمن الغذائي. وتعهدت المملكة المتحدة بتقديم 38 مليون جنيه إسترليني من الدعم البالغ قيمته 80 مليون جنيه إسترليني، لتمويل النمو ودعم التنمية طويلة المدى في أفريقيا، حيث تعكس هذه الخطوة التزام المملكة المتحدة نحو استخدام التكنولوجيا المتطورة لمواجهة التحديات العالمية.

إيلون ماسك يشدد خلال حضوره القمة على الحاجة إلى وجود «حَكَم» في مجال الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

محادثات متتالية

ويجري الملياردير إيلون ماسك، رئيس شبكة «إكس»، محادثات مع رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بعد القمة. وقد شدد ماسك خلال حضوره القمة الأربعاء على الحاجة إلى وجود «حَكَم» في مجال الذكاء الاصطناعي، قائلاً: إن هذه التكنولوجيا تشكّل أحد «أكبر التهديدات» التي تواجه البشرية. وقال ماسك للصحافيين: إن «ما نهدف إليه هو إنشاء إطار لفهم أفضل، بحيث يكون هناك على الأقل حَكَم مستقل يمكنه مراقبة ما تفعله شركات الذكاء الاصطناعي ودق ناقوس الخطر إذا ما كانت لديه مخاوف».

وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك أثناء وصوله إلى القمة اليوم (أ.ف.ب)

تفاؤل ألماني

أبدى وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك تفاؤلاً بأن التقدم التي يشهده تطوير الذكاء الاصطناعي يقدم فرصاً للمستقبل في المقام الأول. وقال هابيك: «إنه يمكن أن تجعل هذه التكنولوجيا كثيراً من الأشياء أسهل وأكثر فاعلية (بدءاً من حماية المناخ وصولاً إلى بيانات الطقس وأنظمة التحذير المبكرة، وبدءاً من الكشف عن الأمراض وصولاً إلى أنظمة العلاج)». وأضاف الوزير الذي يشغل أيضاً منصب نائب المستشار الألماني أولاف شولتس، بأن إساءة الاستخدام تعدّ أمراً محتملاً بالطبع؛ «ولهذا السبب يعتزم الاتحاد الأوروبي ضبط الاستخدام من خلال لائحة، ولكنه أكد أن الأمر لا يتعلق بتحجيم التقنية نفسها».

القمة المقبلة في فرنسا

وستستضيف فرنسا الدورة المقبلة من القمة الدولية للذكاء الاصطناعي في باريس، على ما أعلنت وزارة الاقتصاد الفرنسية. وأكد وزير الشؤون الرقمية الفرنسي جان - نويل بارو، أن «فرنسا رائدة أوروبياً في ابتكار نماذج الذكاء الاصطناعي»، مضيفاً أن «الحكومة تقف بجانب الجهات الفاعلة في القطاعين الخاص والعام لتشجيع الابتكار وتنظيم القطاع استناداً إلى الأخطار التي تحملها هذه النماذج». وأشار بارو إلى أن فرنسا ستستضيف الدورة المقبلة من هذه القمة الدولية بنسخة حضورية في غضون عام. وكانت كوريا الجنوبية قد اقترحت عقد قمة افتراضية في شأن هذا الموضوع خلال الأشهر الستة المقبلة.


مقالات ذات صلة

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
رياضة سعودية الشيخ عبد الله بن حمود المالك الصباح (نادي سباقات الخيل)

الشيخ عبد الله المالك الصباح لـ«الشرق الأوسط»: دعم ولي العهد جعل كأس السعودية قبلة عالمية للفروسية

أكد الشيخ عبد الله حمود المالك الصباح، مالك الخيل العالمي، جاهزية إسطبله للمشاركة والمنافسة في النسخة المقبلة من «كأس السعودية».

علي القطان (الكويت)
رياضة عالمية ليام روزنيور المدير الفني لفريق تشيلسي (رويترز)

مدرب تشيلسي سعيد بالفوز على وولفرهامبتون ويشيد بكول بالمر

أبدى ليام روزنيور، المدير الفني لفريق تشيلسي، سعادته بفوز فريقه على وولفرهامبتون 3-1، اليوم (السبت)، ضمن منافسات الجولة الخامسة والعشرين من الدوري الإنجليزي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية سعود عبد الحميد «يمين» يصافح موسى التعمري بعد نهاية مباراة لانس ورين (رويترز)

«الدوري الفرنسي»: بمشاركة سعود عبد الحميد... لانس يستعيد الصدارة

استعاد فريق لانس صدارة الدوري الفرنسي لكرة القدم، ولو بشكل مؤقت، بعد فوز كبير على ضيفه رين 3 / 1، السبت.

«الشرق الأوسط» (لانس)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».