بسبب الاكتظاظ والركام ونقص الوقود... توزيع المساعدات في غزة عملية معقّدة

الكمية التي تصل إلى القطاع أقل بكثير من المعتاد

طفلة فلسطينية هربت من منزلها تحمل طبقها من الطعام الذي حصلت عليه في نقطة توزيع الغذاء حيث لجأت هي وعائلتها إلى الخيام التي أقيمت في مركز تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)
طفلة فلسطينية هربت من منزلها تحمل طبقها من الطعام الذي حصلت عليه في نقطة توزيع الغذاء حيث لجأت هي وعائلتها إلى الخيام التي أقيمت في مركز تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)
TT

بسبب الاكتظاظ والركام ونقص الوقود... توزيع المساعدات في غزة عملية معقّدة

طفلة فلسطينية هربت من منزلها تحمل طبقها من الطعام الذي حصلت عليه في نقطة توزيع الغذاء حيث لجأت هي وعائلتها إلى الخيام التي أقيمت في مركز تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)
طفلة فلسطينية هربت من منزلها تحمل طبقها من الطعام الذي حصلت عليه في نقطة توزيع الغذاء حيث لجأت هي وعائلتها إلى الخيام التي أقيمت في مركز تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)

تواجه عملية توزيع المواد الغذائية والإمدادات الطبية في غزة عثرات بسبب النقص الحاد في الوقود، ونهب المتاجر، وتكدس الشوارع بالركام الذي خلفه القصف الإسرائيلي، والاكتظاظ الناجم عن نزوح المدنيين، بحسب تقرير أعدته «رويترز».

ويقول المسؤولون عن المساعدات إنه رغم الزيادة الطفيفة في الإمدادات، فإن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل غزة، وهو في المتوسط 14 شاحنة يومياً، لا يزال ضئيلاً مقارنة مع 400 شاحنة كانت تدخل في الأوقات العادية يومياً لسكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة ويحتاجون الآن إلى مواد أساسية مثل الخبز.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم، إن «مستوى المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها إلى غزة حتى هذه اللحظة غير كافٍ على الإطلاق ولا يتناسب مع احتياجات الناس في غزة، مما يؤدي إلى تفاقم المأساة الإنسانية».

من جهتها، أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) أمس (الاثنين) إلى أنها سلمت مئات الأطنان من الطحين (الدقيق) إلى 50 مخبزاً في غزة في اليوم السابق، مما ساعد على خفض أسعار الخبز بواقع النصف، وإلى الملاجئ التي تستضيف مئات الآلاف من الأشخاص.

فلسطينيون يحملون أكياساً من البقول المجففة من مركز إمداد المساعدات الذي تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)

لكن الوكالة، التي تدير أكبر عملية للمساعدات في غزة، قالت إن اقتحام الجياع من سكان غزة لثاني أكبر مستودعاتها يوم الأحد سيزيد من تعقيد عملها على الأرجح.

وتواجه القاعدة اللوجستية التابعة لـ«الأونروا» عند معبر رفح الحدودي صعوبات في أداء مهامها بسبب لجوء ثمانية آلاف نازح إليها. وتعد القاعدة حيوية لتوزيع المساعدات.

وأضافت الوكالة أن 67 من موظفيها في غزة قُتلوا منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أكبر عدد يُقتل من موظفي الأمم المتحدة في أي صراع في مثل هذه الفترة القصيرة.

وأوضحت المتحدثة باسم «الأونروا» جولييت توما، أن أولوية الوكالة هي تقديم المساعدات إلى 150 من الملاجئ التي تضم 670 ألف نازح على الأقل، والأولوية الأخرى هي توفير دقيق القمح للمخابز.

وذكرت أن القيام بأي شيء أكثر من ذلك «يفوق قدرتنا بكثير».

وأضافت أن عدد النازحين يزيد بأربعة أمثال عما خططت له «الأونروا» قبل الحرب باعتباره أسوأ سيناريو.

وقال الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إن مستودعاته في مدينة غزة تعرضت «لأضرار جسيمة» أمس (الاثنين) وخرجت عن الخدمة.

النازحون الفلسطينيون الذين فروا من منازلهم ينتظرون عند نقطة توزيع الطعام حيث يحتمون في الخيام التي أقيمت في مركز تديره الأمم المتحدة (أ.ف.ب)

وتفرض إسرائيل حصاراً على قطاع غزة وترفض السماح بإدخال الوقود وتقول إن «حماس» قد تستخدمه في تحقيق أهداف عسكرية.

وقال جوناثان كريكس مدير الإعلام في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في فلسطين: «التهديد المستمر الذي يشكله القصف والركام ونقص الوقود يجعل الطرق خطيرة للغاية ويتعذر السير عليها في مناطق كثيرة من قطاع غزة». وأضاف أنه رغم إدخال «اليونيسيف» الإمدادات الطبية للقطاع، أصبح «التوزيع أكثر صعوبة».

الصرف الصحي «بشع»

انخفضت تدفقات المساعدات إلى غزة بشكل حاد منذ أن بدأت إسرائيل قصف القطاع الفلسطيني رداً على هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر.

وأثارت حصيلة القتلى جراء القصف الإسرائيلي غضب العالم. وقالت السلطات الطبية في قطاع غزة اليوم (الثلاثاء) إن 8525 شخصاً، من بينهم 3542 طفلاً، قُتلوا. ويقول مسؤولو الإغاثة إن التوزيع صعب في شمال غزة تحديداً، وهو المحور الرئيسي للعملية العسكرية الإسرائيلية، وأوقفت بعض الجهات جميع عمليات التسليم.

وقال كريستيان ليندماير المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية اليوم، إن المنظمة لم ترسل مساعدات إضافية إلى المستشفيات في شمال غزة منذ 24 أكتوبر بسبب غياب الضمانات الأمنية. وأضاف أن هناك كارثة وشيكة في الصحة العامة بسبب النزوح الجماعي والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأضاف أن منشآت الرعاية الصحية في غزة تعرضت إلى 82 هجوماً منذ بدء الصراع في السابع من أكتوبر، وقُتل 491 شخصاً في الهجمات، من بينهم 16 من العاملين في مجال الصحة وقت الخدمة، وتضررت 28 سيارة إسعاف أو دُمرت.

وقال ريك برينان مدير برنامج الطوارئ بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، لـ«رويترز» إن الأوضاع مزرية مع نزوح 1.4 مليون شخص في مثل هذه المنطقة المكتظة بالسكان. وأضاف: «الصرف الصحي بشع؛ أعني أنني كنت أتحدث للتو مع زميلة في (الأونروا)، قالت إن الظروف المعيشية دون المستوى الإنساني. أين يذهب الناس إلى المرحاض؟ كيف يمكنك التخلص من كل هذه المخلفات؟».

وتابع أن مثل هذه الأوضاع تهيئ الظروف لتفشي أمراض مثل الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي والجلد مثل الجرب.

وفي القاهرة، قال المبعوث الأميركي الخاص ديفيد ساترفيلد، الذي يتفاوض مع إسرائيل ومصر بشأن تسليم المساعدات، إن تقديم المساعدات الإنسانية أمر بالغ الأهمية لغزة، التي يقول سكانها إن الغذاء والماء على وشك النفاد.

أشخاص يوزعون الطعام في مخيم مؤقت للنازحين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال في مؤتمر صحافي: «هذا مجتمع على حافة الهاوية ويائس... وعلى جهات الأمم المتحدة أن تثبت أن المساعدات ليست عرضية».

وتباطأ تدفق المساعدات من مصر بسبب نظام التفتيش المتفق عليه مع إسرائيل والذي تنطلق بموجبه الشاحنات من معبر رفح على امتداد الحدود المصرية - الإسرائيلية قبل العودة باتجاه غزة. ووصفت جولييت توما النظام بأنه «مرهق للغاية».


مقالات ذات صلة

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

شؤون إقليمية دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو (رويترز) play-circle

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

قرّر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية، مساء الأحد، عدم فتح معبر رفح في الوقت الراهن، رغم طلب تقدّمت به الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية.

نجلاء حبريري (دافوس)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

توفيت رضيعة فلسطينية، صباح اليوم (الثلاثاء)، نتيجة البرد القارس في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)

«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» بعد إجراء «ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع في إطار المرحلة الثانية»

«الشرق الأوسط» (غزة)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.