قيود الغرافيت الصينية تُربك صناع السيارات الكهربائية

الشركات الأجنبية أقل قدرة على استخدام المنتجات الأقل كثافة

علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
TT

قيود الغرافيت الصينية تُربك صناع السيارات الكهربائية

علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)

قالت مصادر بالصناعة وخبراء إن تحرك بكين لتقييد صادرات الغرافيت سيكون له تأثير غير متناسب على المصنعين الأجانب لمكونات بطاريات السيارات الكهربائية الذين لم يتحولوا بعد إلى استخدام نفس القدر من المواد الأقل كثافة وجودة مثل نظرائهم الصينيين.

وأدت القيود الأخيرة التي فرضتها الصين على صادرات المعادن المهمة، والتي قالت بكين إنها لا تستهدف قطاعاً محدداً، إلى زيادة حالة عدم اليقين في سلسلة توريد السيارات الكهربائية العالمية منذ الإعلان عنها يوم الجمعة الماضي.

وقال بعض المصنعين الصينيين، بمن في ذلك أولئك الذين لديهم عمليات في الخارج، إنهم يتوقعون تأثيراً محدوداً من القواعد الجديدة، لأن معظم بطاريات السيارات الكهربائية التي يصنعونها تستخدم درجة من المواد الاصطناعية التي لا تتأثر بالقيود.

وتهيمن الصين على سلسلة التوريد العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية، بما في ذلك إنتاج الغرافيت -وهو أكبر مكون منفرد. وتقوم شركات الغرافيت في البلاد بمعالجة المواد الطبيعية المستخرجة محلياً وخارجياً، بالإضافة إلى الأشكال الاصطناعية.

وتعد اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة من أكبر المشترين للغرافيت الصيني الطبيعي والصناعي، وحذر المحللون من أن الإجراءات الجديدة قد تبطئ أو تقلل إمدادات الغرافيت التي تحتاج إليها الشركات هناك لإنتاج الأنودات (الأقطاب السلبية لبطاريات السيارات الكهربائية).

وبموجب القواعد الجديدة، ستطلب الصين تصاريح تصدير اعتباراً من الأول من ديسمبر (كانون الأول) للغرافيت الاصطناعي عالي الجودة، بالإضافة إلى الأشكال الرئيسية للغرافيت الطبيعي. وقال الكثير من المديرين التنفيذيين في الصين والعالم في الشركات التي تستخدم الغرافيت إنهم ما زالوا يبحثون عن مزيد من الوضوح بشأن الإجراءات الجديدة.

وقال موظف في شركة تشينغداو هايدا، وهي شركة صينية كبرى لمعالجة الغرافيت، رفض الكشف عن اسمه لأنه غير مخول له التحدث نيابةً عن الشركة، لـ«رويترز»، إن منتجات الشركة تشمل الغرافيت الكروي، الذي يُستخدم في أنودات بطارية أيون الليثيوم، والذي تشمله القواعد الجديدة ويتم تصديره إلى كوريا الجنوبية واليابان. وقال المصدر: «لم نتلقَّ أي تعليمات من وزارة التجارة الصينية بشأن كيفية التقدم بطلب للحصول على تصاريح التصدير، لكنها بالتأكيد ستجعل عملية التصدير أكثر إزعاجاً».

وأدت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الصين بطلب تصاريح تصدير لمنتجات الغاليوم والجرمانيوم إلى خنق الشحنات الدولية لمعادن صناعة الرقائق. ولم تردّ وزارة التجارة على استفسارات أخرى من «رويترز». وأشار مصدر مطّلع على إجراءات الحكومة الصينية إلى أن الغرافيت يُستخدم أيضاً في المعدات العسكرية.

لكنّ الشركات الصينية، التي تقوم ببناء مصانع في الخارج، قالت إن القيود لن يكون لها تأثير يُذكر على عملياتها في الخارج. وتستخدم الشركات الصينية الغرافيت الاصطناعي، ولكن ليس النوع عالي الجودة والكثافة الذي تغطيه الإجراءات الجديدة.

وتُنتج الصين كميات كبيرة من الغرافيت الاصطناعي، مما يتيح تقليل أوقات شحن البطارية. وفي حين أن اعتماد المصنِّعين الأجانب يتزايد على المادة المهمة، فإن تحولهم من الغرافيت الطبيعي إلى الغرافيت الاصطناعي كان أبطأ، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه أكثر تلويثاً كون إنتاجه قائماً على النفط، كما أن أنودات الغرافيت الطبيعية تميل أيضاً إلى أن تكون أرخص، مما يجعلها عُرضة لخطر القيود.

وقالت شركة «غوشين هاي تك» الصينية المدعومة من «فولكسفاغن»، والتي تُنتج البطاريات في ألمانيا وتخطط لإنشاء مصنع في الولايات المتحدة، إن كثافة الغرافيت المستخدَم في بطارياتها أقل من 1.7 غرام لكل سنتيمتر مكعب، مما يجعلها غير متأثرة بالقيود.

وبالمثل، قالت شركة «بي تي آر» أكبر منتج للأنود في العالم، إن تأثير القواعد الجديدة عليها سيكون محدوداً، حيث إن كثافة منتجاتها تتراوح بين 1.5 و1.7 غرام لكل سنتيمتر مكعب لبطاريات السيارات الكهربائية. وقالت شركة «نينغبو شانشان»، وهي شركة صينية رائدة أخرى في مجال تصنيع الأنود، إن القيود لن يكون لها أي تأثير على صادراتها من منتجات الغرافيت الاصطناعية.

وتشمل الشركات العالمية التي تستخدم الغرافيت الطبيعي شركة «هيتاشي كيميكال»، وهي جزء من شركة «ريسوناك» القابضة اليابانية، وشركة «بوسكو فيوتشر إم» الكورية الجنوبية، وشركة «ميتسوبيشي كيميكال» اليابانية، التي تُنتج الغرافيت الطبيعي في مصنعين في الصين، وفقاً لشركة الأبحاث مجموعة «سي آر يو».

وقال متحدث باسم شركة «ريسوناك»: «لا نرى أي تأثير في الوقت الحالي ونراقب الوضع». ورفض التعليق على تفاصيل شراء الغرافيت، لكنه قال إن هناك طرقاً مختلفة، اعتماداً على المنتجات الفردية.


مقالات ذات صلة

«نيسان» العالمية تعلن عودتها إلى السوق السورية

الاقتصاد المقر الرئيسي لشركة نيسان في مدينة يوكوهاما اليابانية (الشرق الأوسط)

«نيسان» العالمية تعلن عودتها إلى السوق السورية

أعلنت شركة نيسان العالمية للسيارات عودتها إلى السوق السورية، في خطوة قالت فيها إنها تعكس توجهاً لإعادة بناء حضور منظم ومستدام ضمن استراتيجيتها للنمو الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال «بورشه الشرق الأوسط وأفريقيا» تسجل أفضل مبيعات لها منذ 12 عاماً

«بورشه الشرق الأوسط وأفريقيا» تسجل أفضل مبيعات لها منذ 12 عاماً

كشفت شركة «بورشه» العالمية للسيارات أن وحدة الشركة في الشرق الأوسط وأفريقيا حققت في عام 2025 أفضل نتائج مبيعات سنوية لها منذ 12 عاماً.

«الشرق الأوسط» (دبي)
بيئة محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
الاقتصاد فنيون يعملون على خط تجميع سيارة «فولكس فاغن» الكهربائية «آي دي 3» خلال جولة إعلامية في دريسدن (رويترز)

هل تُنهي الاتفاقية التجارية تحديات السيارات الأوروبية في الهند؟

ستشهد شركات صناعة السيارات الأوروبية دفعة مرحباً بها من الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي والهند.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يرحّب برئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبل اجتماعهم في نيودلهي (أ.ب) p-circle

تكتل «الملياري نسمة»... تفاصيل الاتفاقية التجارية بين الهند وأوروبا

اختتمت الهند والاتحاد الأوروبي مفاوضاتهما بشأن اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها، في خطوة تهدف إلى تخفيف آثار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.