أحمد ماطر وتوثيق المستقبل

أحمد ماطر في مرسمه (الفنان)
أحمد ماطر في مرسمه (الفنان)
TT

أحمد ماطر وتوثيق المستقبل

أحمد ماطر في مرسمه (الفنان)
أحمد ماطر في مرسمه (الفنان)

للفنان السعودي أحمد ماطر شغف بالتوثيق عبر الصور، له أعمال ومعارض ضمت صورا أيقونية مثل المشروع الذي سجل فيه التغيرات المعمارية والاجتماعية في مدن المملكة، ما بين الصور التي عبرت عن الحج، والتقطت من الطائرة، والصور التي التقطها لبعض القرى المهجورة في الصحراء، وهناك أيضا أعماله بالفيديو التي عرضها في معارض عالمية.

يعود للفنان ذلك الشغف في الدورة الثانية من بينالي الدرعية للفن المعاصر، ويقدم عبر التعاون مع المصور العالمي آرمين لينكه، وهو أستاذ جامعي في التصوير الفوتوغرافي ومتخصص في العمارة، مشروعا يصفه بـ«الضخم». يقول لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع يسجل التطور المعماري والتاريخي في المملكة «حاليا نسافر، ونصور في مدن المملكة، وسنعرض الناتج بوصفه عملا مشتركا به دراسة معمارية».

التصوير والتوثيق من صميم الممارسة الفنية لماطر ولكنه يقول إنَّ المشروع الحالي «ضخم جدا، لأن التغييرات التي تحدث في المملكة كبيرة جدا، ومن جانبنا نحاول رصد كل التغييرات والتطورات على نحو فني». «المشروع يبدو متعدد الجوانب وأيضا بمختلف الأدوات فهو سيضم التصوير الفوتوغرافي والفيديو والعمل التركيبي... نربط تجربة التاريخ والتغيرات الحضرية المعمارية بالتغيرات المستقبلية ربطا ثقافيا واجتماعيا، لأن المرحلة سريعة التغير، والعمل ستكون له قيمة كبيرة جدا».

يضيف أن المشروع يأخذ التغيير المعماري مدلولا فقط، ولكن الجانب الأكبر من التوثيق سيتركز على الجانبين الثقافي والاجتماعي مع التركيز على أن السعودية أصبحت مختبراً عالمياً «الكل يجرب هنا، ويعمل هنا، هذه المرحلة مهمة جدا وجديدة بالنسبة إلينا كلنا».

أسأله عن انطباعاته الشخصية خلال تلك الجولات، فيقول «هي انطباعات عن النمو السريع، عن الابتكار للمستقبل. كثير من الناس في العالم قد يقولون إن بعض المشروعات غير ممكنة، أنا أرى أنه لا يوجد شيء غير ممكن، أعجبني التفكير في (غير الممكن بوصفه قيمة جمالية)».

فكرة التوثيق لغير الممكن تستهوي الفنان، يقول: «سهل أن نحاول إعادة ابتكار التاريخ والتجارب المعمارية الماضية، ولكن من الصعب جدا أن نقدم شيئاً جديداً للمجتمع والعالم، هذا أكثر ما أعجبني، وجذبني في هذه الرحلة».

في أعماله السابقة وثق الفنان للتطورات المعمارية الحالية، ولكنه هنا كما يقول يحول نظره للمستقبل، يقول إنَّ الاختلاف هو توثيق المستقبل المنتظر «أتحدث عن المستقبل والمشروعات القادمة، وحتى التصوير سيكون فيه نوع من التخيل للمستقبل فهذه التجربة جديدة بالنسبة إلي، أتكلم عن حلمنا القادم، أتخيل وأصور في المستقبل».

يشرح فكرته أكثر قائلا: «أقوم بالتصوير ضمن محاولة للوجود في الموقع المستقبلي، أصور المكان الذي سيكون هنا في المستقبل». يبدو ذلك أمرا مفهوما خاصة أن الفنان سيقوم بالتصوير في المدن الجديدة مثل نيوم.

المشروع الحالي بالنسبة إلى ماطر يبدأ مع البينالي، ولكنه ينوي أن يستمر بعد ذلك عبر معارض وورشات عمل وكتاب وأبحاث، «البينالي فتح لنا الباب لهذا المشروع الذي سيستمر في النمو حتى يصبح مشروعاً متكاملاً».


مقالات ذات صلة

المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

يوميات الشرق «الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)

المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

حلت ليلة العمر في حي جاكس بقلب الدرعية ضمن معرض ازدان بسبعة وثلاثين عملاً فنياً لفنانين معاصرين من السعودية، والمنطقة العربية، والعالم.

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

يضم المعرض 22 صورة التقطها كمال وهواري لمختلف المدن المصرية موزعة اليوم في مركز «كاروسيل اللوفر» للتسوق بالقرب من المتحف الفرنسي الشهير.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان أرمن أجوب (كريم كادل)

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يُقدّم معرض الفنان في الجناح المصري تصوراً للفن بوصفه مساحة للصمت والإصغاء والتأمل، ويدعو الزوار للتأمل في تحولات عالمهم الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
TT

«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)

للحروبِ قلقٌ خاصّ بها يسمّيه علم النفس «القلق النووي» (Nuclear Anxiety). هي مجموعة من المشاعر الطبيعية التي تصيب المرء كلما اقتربَ خطرُ الحرب من محيطه. أما العبارة العلمية فتعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، وهي حالة نفسية ناتجة عن الخوف من احتمال نشوب حربٍ نووية.

يتّخذ قلق الحرب أشكالاً عدة تتجلّى في عوارض جسدية ونفسية، وفي سلوكياتٍ يومية غير معتادة، كأن يتخلّى الفرد عن روتينه ويمضي معظم وقته في متابعة الأخبار الواردة عبر شاشتَي التلفاز والهاتف. لذلك، يطلق علم النفس على قلق الحرب اسماً آخر هو «اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار» (Headline Stress Disorder).

تتسبب الحرب في اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار (بكسلز)

في كل مرةٍ يهتزّ الكوكب على وقع حربٍ وما يرافقها من ريبة وقلقٍ من المجهول، تسارع المنظّمات الصحية والهيئات التي تُعنى بالصحة النفسية إلى تقديم مجموعةٍ من النصائح لتحصين الذات خلال الحروب.

كُن ذكياً في التعامل مع الأخبار ومصادرها

أول ما تحذّر منه منظّمة «يونيسيف»، التصفّح المتواصل لوسائل التواصل الاجتماعي والجلوس الطويل أمام شاشة التلفاز، في مواكبةٍ مستمرة للأحداث والأخبار العاجلة. حتى وإن كانت النيّة الأساسية هي الاطّلاع على ما يجري، وهذا تصرّفٌ طبيعيّ، إلا أنّ المبالغة في المتابعة تضاعف تلقائياً من الشعور بالعجز والخوف والقلق. وما هو أسوأ من ذلك، الوقوع ضحية الأخبار الكاذبة التي تنتشر خلال الأزمات والحروب. لذلك، يجب:

* حصرُ مصادر المعلومات بالمواقع الإخبارية والمنصات الموثوقة

* حَظرُ كل مصدرٍ لا يوحي بالاحترافية والثقة

* إطفاء الإشعارات وتحديد أوقات قراءة الأخبار ومُشاهدتها، كأن يقتصر الأمر على بعض الوقت صباحاً وظهراً، فلا يتحوّل النهار بكامله إلى إدمانٍ على تصفّح الأخبار

* تجنّب التقاط الهاتف فور الاستيقاظ لأنه يتسبب في التوتر

* إطفاء الهاتف قبل ساعة من الخلود إلى النوم يساعد في تهدئة الأعصاب وفي نومٍ هانئ

يجب التحقق من مصادر الأخبار لأن الحرب مساحة خصبة لانتشار الأخبار الكاذبة (بكسلز)

لا تنسَ نفسك

قد ينعكس القلق من الحرب إهمالاً للذات وشعوراً بالشلل الفكري والجسدي. ربما يبدو الأمر صعباً وسط الأخبار السلبيّة، لكنّ الاعتناء بالنفس ضروريّ. وإذا كانت السيطرة على الحرب ليست في مقدور البشر العاديين المتأثّرين بها، فباستطاعتهم في المقابل التركيز على ما يمكنهم السيطرة عليه أي صحتهم الجسدية والنفسية.

تنصح دراسة أجرتها جامعة هارفارد الأميركية بالاستفادة من وقت الفراغ بعيداً عن الأخبار العاجلة والهاتف، من خلال القيام بأنشطة تخفّف من القلق والتوتر:

* المشي ربع ساعة على الأقل في الطبيعة أو الهواء الطلق إذا كانت الظروف مواتية لذلك.

* زيادة ساعات الرياضة فهي قادرة على الحدّ من القلق، وكلما كان التمرين والنشاط البدني عالي الكثافة كانت النتيجة أفضل على الجهاز العصبي والصحة النفسية.

* ممارسة تمارين التنفّس العميق والتأمّل يومياً، ويمكن القيام بذلك بمساعدة تطبيقات متخصصة.

* العناية بالغذاء لا سيما أنّ للتوتّر انعكاساتٍ سلبيّة على الشهيّة تتراوح ما بين انقطاعها وازديادها المفرط.

* القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة كالقراءة أو مشاهدة مسلسل أو الحياكة أو العناية بالأزهار والشتول.

* الحصول على كمية كافية من النوم، ويساعد في ذلك استباقُ موعد النوم بالتوقف عن متابعة الأخبار.

القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة يساعد في السيطرة على قلق الحرب (بكسلز)

افتحْ قلبك

لا يجدي كبتُ المشاعر نفعاً، بل هو يضاعف الشعور بالقلق. لذلك فإنّ التعبير عن المخاوف خلال الحرب مُباح وطبيعي وليس مدعاةً للخجل. تنصح منظمة «اليونيسيف» بالتواصل مع الأصدقاء ومشاركتهم الهموم والمشاغل، فالكلامُ بحدّ ذاته جزء من العلاج. وإذا تعذّر التواصل مع الأصدقاء والأقرباء، ثمة جمعيات متخصصة في ذلك.

يمكن للتعبير أن يكون كذلك فردياً، ومن بين الوسائل التي يُنصح بها للسيطرة على قلق الحرب:

* تدوين المشاعر على الورق ووصف الإحساس الآنيّ بدقّة

* الاستماع إلى أغنية مؤثّرة

* التعبير رسماً وتلويناً

* عدم إرغام النفس على الإحساس بما لا تحسّ: لا تضغط على نفسك كي تكون سعيداً أو منتِجاً أو نشيطاً.

التعبير عن مشاعر الخوف والقلق كتابةً يساعد في تخطّيها (بيكساباي)

ساعِدْ الآخرين

تبدأ السيطرة على القلق والتوتر بمساعدة النفس، وتكتملُ بمساعدة الآخرين. وخلال الحروب، ثمة دائماً من هو أكثر بحاجة منّا إلى المساندة والدعم. لذلك ينصح الاختصاصيون النفسيون بالتركيز على التعاطف الإنساني واستبدال اللطف بالغضب.

أما المساعدة الميدانية فيمكن أن تكون من خلال التطوّع في برامج خيريّة، تعمل على جمع المواد الغذائية والدوائية وتوزيعها على مَن هم أكثر احتياجاً، أو المشاركة في حلقات دعمٍ للأطفال والترفيه عنهم.


سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».