طه حسين... سبق عصره ولا يزال «عابراً للأجيال»

كتاب مصريون يتحدثون عن عميد الأدب العربي في الذكرى الـ«50» لرحيله

كرمة سامي
كرمة سامي
TT

طه حسين... سبق عصره ولا يزال «عابراً للأجيال»

كرمة سامي
كرمة سامي

بعد خمسين عاماً على رحيله، لا يزال عميد الأدب العربي طه حسين (15 نوفمبر «تشرين الثاني» 1889 - 28 أكتوبر «تشرين الأول» 1973) يتمتع بحضور فاعل في الوجدان الثقافي العام، بمواقفه وآرائه وكتاباته ومعاركه الأدبية، ورؤيته النقدية الجسورة لمشروع النهضة العربية... في هذا التحقيق يتحدث كتاب ومثقفون مصريون لـ«الشرق الأوسط» عن درس طه حسين، وكيف نستفيد منه من أجل مستقبل أفضل. وأجمعوا على أن طه حسين سبق عصره، فرغم مرور نصف قرن على رحيله، لا يزال يتمتع بحضور قوي في الثقافة العربية بما طرحه من آراء وأفكار حية، وكان جسوراً في معالجة قضايا التراث، برؤية منفتحة ومنهج نقدي ثاقب.

حسين محمود

جسارة الرؤية في تحديث الثقافة العربية د. حسين محمود ـ أستاذ الأدب الإيطالي

لا يزال طه حسين حاضراً في الجدل الثقافي في عالمنا العربي، متجاوزاً ما واجهه من أزمات وصلت للذروة خلال حياته، وجعلته يخوض كثيراً من المعارك الفكرية وانتصر فيها. جسارة طه حسين لم تتجسد في استعداده لخوض المعارك، ولا يمكن تصويره على أنه كان يهواها؛ لكنه كان صنديداً في إعلانه عن مشروعه النقدي ورؤيته للنهضة العربية وسبل الوصول إليها، ودفاعه العقلاني والمنطقي عن هذه الرؤية. ولولا جسارته في تقديم رؤيته لكنا الآن في وضع حضاري يشبه وضعنا في بداية القرن العشرين أو أشد تخلفاً. ولو استسلم للماضويين الذين حاربوه باسم الأصالة والحفاظ على قدسية الموروث العربي، لظللنا نعيش في ثقافة عاجزة عن مواجهة العصر واحتياجاته، فنظريته النقدية القائمة على الشك لم تتجاهل ثراء وعظمة التراث الإبداعي العربي. كان جسوراً في دعوته لتحديث الثقافة العربية بقدر ما كان صادقاً في هذه الدعوة. لم يكن خائفاً من تحدي السائد المتصلب والمتشدد في النظر إلى التراث العربي، وقام بنفسه بتطبيق الأساليب النقدية الحديثة في عمله الشهير حول «الشعر الجاهلي»، حيث طرح فكرة إعادة النظر فيما ورثناه من آراء يمكن أن تكون زائفة أو تعرضت للتحريف لأسباب مختلفة، وهو ما أثار المحافظين فاتهموه بالردة، لكن النيابة المصرية المنصفة برأته.

كان جسوراً عندما دعا في «مستقبل الثقافة في مصر» إلى التوجه غرباً، لانتمائنا الطبيعي والجغرافي لغرب العالم، حيث يقع البحر المتوسط، وهو ما عدَّه مجالنا الثقافي الحقيقي. والحقيقة أن هذا هو الاتجاه الحضاري الذي يدفع إلى التقدم الذي أخذت به كل الدول التي أرادت أن تتقدم. وكان جسوراً عندما نادى وعمل على تعليم المرأة، واصطف بجانب أعلام النهضة الكبار، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، وكان رأيه أن تعليم المرأة هو السبيل الوحيد لتمكينها، وهذه الأفكار التقدمية هي التي انتصرت في النهاية. باختصار: كانت كل أعمال طه حسين، سواء النقدية أو الإبداعية، حتى محاضراته الجامعية، تنطلق من رؤية شجاعة لمستقبل الثقافة العربية، لا نزال في أشد الحاجة إلى أن نعيها ونأخذ بها.

طه حسين

أول نموذج للمثقف العضوي د. كرمة سامي ـ رئيسة المركز القومي للترجمة بالقاهرة

طه حسين كان جسوراً صاحب همة ونفس مؤمنة «إيمان القلب والعقل والضمير». تميزت مسيرته عبر تاريخه بالشجاعة في التعلم والتعليم والكتابة النقدية والسردية والذاتية، ومواجهة النقائص الثقافية والتفاني في علاجها. كان أول نموذج واضح للمثقف العصري العضوي، يناقش قضايا مجتمعه بنور بصيرته، ويشكله بأفكاره التقدمية، ويختلف ويخالف ويعارض، لكنه يشجع.

اقرأوا بتمعن «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي صدر عام 1936، ستكتشفون كأنه كتب لعام 2036... ادرسوا خطته المتكاملة في هذا السِّفر الضخم لمحو الأمية اللغوية والمعرفية، ورأب الصدع بين التلميذ وتراثه الثقافي، وإزالة آثار العداء بين الثقافة القومية والعربية، ومشروعه المتكامل لبناء «الأمة الراقية» و«تيسير علوم اللغة»، ومطالبته بمناهج «واضحة سهلة قريبة إلى العقول والقلوب». ولو كان بيننا لهاجم الأسلوب الذي تُدرس به سيرته الذاتية «الأيام» لطلاب المدارس؛ لأنه أراد أن تكونَ اللغةُ العربية «أقربَ إلى نفوس التلاميذ».

اجتهد طه حسين في دراسته في جامعة «السوربون» فكان يدرس كلاسيكيات الغرب صباحاً، ثم يجلس ظهراً مع زوجته في إحدى الغابات الصغيرة المحيطة بباريس، تقرأ عليه الروايات المسلسلة ذات الشعبية الطاغية، ومنها استلهم مساره السردي الفريد الذي ميزه عمن سبقه وعاصره أو جاء بعده. وخرج بقوالب سردية أدهشتنا حين خالفت إطارها الزمني في «دعاء الكروان»، و«خطبة الشيخ». ولهذا يكتشف الباحثون عند قراءة أعماله الأدبية نتائج مدهشة وموقفاً إنسانياً مستنيراً يسبق عصره. يضع به «آمنة» بطلة «دعاء الكروان» التي كتبها ببصيرته عام 1924 قبل «ليلى» بطلة لطيفة الزيات في «الباب المفتوح» 1960، و«مريمة» بطلة رضوى عاشور في «ثلاثية غرناطة» 1994. كتب طه حسين مقالاً نشر في كتاب «اليونيسكو» احتفالًا بمئوية غوته الثانية عام 1949، ووصفه بـ«التوازن» وحياته بأنها «منسجمة كأنها مقطوعة موسيقية جميلة». وأحسب أن هذا الوصف ينطبق على مسيرة طه حسين وأعماله التي تمتد آثارها تناغماً واتساقاً وصدقاً، حتى بعد رحيله بالجسد بخمسين عاماً.

أماني فؤاد

منظور عقلاني في قراءة التاريخ د. أماني فؤاد ـ ناقدة وأكاديمية

حين أعمَل طه حسين عقله فيما قرأه من الموروثات الخاصة بالسيرة؛ وجد أن أغلب ‏الخطابات والمرويات لا يمكن إثباتها تاريخياً، كما أنها تتضمن مبالغات بلا حصر، وبها ‏قدْر عالٍ من تمجيد المواقف، والنزوع بالأحداث نحو «الأسطرة»، ولذا ارتأى بدلاً من ‏تقويضها بالمنهج العقلاني والتاريخي، أن يتفاعل معها فنياً وأدبياً، ويعيد إنتاجها كما يفعل الغرب مع موروثاتهم ‏الأدبية، هذا هو ما يستشعره القارئ لمقدمة كتاب «على هامش السيرة». أراد طه حسين بهذا الصنيع أن يدفع بالعقل العربي ليناقش ويسائل كل الموروثات، حتى ‏التي أكسبها الأقدمون بعض صفات القداسة، وهي ليست كذلك. ربما أراد أن يقول إن كل ما وضَعه العقل العربي الإسلامي يمكننا أن نسائله، فهو لا يتضمن ‏قداسة لأنه من تأليف ومخيلة البشر، موروث يلهمنا لإنتاج خطابات أدبية أخرى تجادله ‏وتتناص معه، لا بوصفه حقائق تخضع للعقل. وهذا الصنيع هو بعض ما يجعل الجميع ‏يقول عن طه حسين إنه الرائد والمعلِّم الأول للتنوير، وعلى خطاه سار كبار الباحثين ‏العرب يسائلون التراث.‏

تعامل طه حسين مع هذه الموروثات بمنطق الفن، مادة تستفز حالة من الجدل مع مضمونها، ‏ومن ثم الإلهام، والبناء عليها فنيّاً، الخيال الذي يستهدف المتعة، لكن لم يتعامل معها ‏كحقائق تاريخية، أو أنها تخضع للبحث العلمي،‏ فهذا نهج غير عقلاني. إن المقدمة التي كتبها طه حسين لكتابه «على هامش ‏السيرة»، تنص صراحة على أن ما ورد بالكتاب ليس سوى إبداع على موروثات السيرة الأسطورية في أغلبها، وأنه أراد ‏كتابة أدبية تخيُّلية، لا تنضوي تحت التاريخ ولا العقلانية. ‏يتحدَّث الكاتب عن أدب، وليس عن أخبار تاريخية ‏وسِيَرِيَّة، وكلنا يعلم أن الجزء المتخيَّل في الأدب هو الذي يهيمن على الخطاب الفني.

ثم يتحدَّث طه حسين عن إلياذة هوميروس، وأنها لم تزل تُلهِم الكتَّاب حتى عصره، ‏ويعقِّب بَعدها قائلاً: «إن قوماً سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدَثون يُكبِرون العقل، وأحبُّ أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس مَلَكاتٍ أخرى».

سهير المصادفة

تأثير أدبي عابر للأجيال سهير المصادفة ـ كاتبة روائية

كثير من البنات كنّ يتسربن من حصّة اللغة العربية، بينما أنتظرها بشغف، لكي أجيب عن أسئلة المدرس بعد أن يقرأ فقرة من «الأيام» لعميد الأدب العربي طه حسين المقررة علينا: «يذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته، فكان من العسير عليه أن يتخطاه إلى ما وراءه». تكاد قدماي تتحركان لتحملا الصبي وتعبرا به السياج، لكن هل كان الصبي سيسمح لأي مَن كان أن يساعده؟ هو الذي كان يكره الشفقة، وأن يعامله الآخرون معاملة خاصة، فاجتاز وحده كل الأسيجة التي اعترضت طريقه، حتى خرج من الظلمات إلى النور.

لقد أثرت «الأيام» على جيلي وأجيال أخرى من الكتاب، كان نور عقله المشع يتسلل إلى عقولنا الصغيرة آنذاك فيتناثر شهباً. أسمّي شارعاً باسمه في أولى رواياتي: «لهو الأبالسة»، وأختار في إحدى محاضراتي مفتتح «الأيام» كأروع وأنجح الفقرات الاستهلالية لكتاب يجعل القارئ يخمن عنوانه دون أن يراه: «لا يذكر لهذا اليوم اسماً، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتاً بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريباً». والآن ورغم مرور السنوات، ما زال «طه حسين» الأكثر تأثيراً وإثارة للمعارك الكبرى، فلقد كان يخلخل منظومة الثبات والركود بألمعية وإيمان، لا من أجل الهدم، وإنما لكي ينطلق بتراثه إلى آفاق أرحب، فيحقق لأمته التفوق والتنوير؛ في التعليم الذي أصر أن يكون كالماء والهواء، وفي الثقافة، وفي تنقية الإرث العربي من الخرافات، وفي حقّ المرأة في الحياة. مَن يصدق أنه رغم مرور تلك السنوات، ما زلت أبكي حين أسمع صوته الرخيم مع نهاية فيلم «دعاء الكروان»، المأخوذ عن روايته الأشهر التي تحمل الاسم نفسه، وهو يقول: «أترينه كان يرجّع صوته هذا الترجيع حين صُرعتْ (هنادي) في ذلك الفضاء العريض!».

إيهاب الملاح

إعادة اكتشاف التراث العربي إيهاب الملاح ـ مؤلف كتاب

«تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»كان طه حسين أول من ألقى بحجر ثقيل للغاية في المياه الراكدة للفكر العربي الحديث، بعيداً عن قضية الشعر الجاهلي، أو بعض الأسطر التي اقتطعت من سياقها وتم التمسك بها من جانب تيارات التشدد والجمود والفكر المحافظ، وإشهارها في وجه عميد الأدبي العربي بهدف إدانته. لقد كشف برؤاه الفكرية الشجاعة عن وجود تيارات لا تقبل النقد أو إعمال العقل في تراثنا ومروياتنا، وترفض بشكل حاد وعنيف أي اختلاف في الرأي.

تعرض طه حسين لأكبر محاولة في تاريخنا الثقافي الحديث لإسكات مثقف كبير وابتزازه وإرهابه، من خلال تأليب الرأي العام عليه، والادعاء بأن نقده للتراث هو بمثابة تطاول على المقدسات، وهي اتهامات عارية عن الصحة وكاذبة شكلاً ومضموناً، فما قدمه صاحب «الأيام» للثقافة العربية من مؤلفات تراثية حققها وعلّق عليها وشرحها لم يقدمه أي باحث أو مثقف آخر ينتمي للتيار المحافظ. وعلى سبيل المثال، كان طه حسين أول من قدم شرحاً وافياً عصرياً، واكتشافات مدهشة، لجماليات شعر ما قبل الإسلام، ثم الشعر في العصر العباسي، عبر الدخول إلى غاباته الكثيفة وتذليل معانيه وتقريبها إلى القارئ العام، كما في كتبه مثل: «حديث الأربعاء»، و«صوت أبي العلاء»، و«مع المتنبي»، و«من حديث الشعر والنثر».

لقد ساهم طه حسين في اكتشاف مناطق مجهولة أدبية وفكرية من تراثنا وتقديمها إلينا، إما تحقيقاً ودراسة وإما تنويهاً وكتابة، وإما بإيفاد البعثات للكشف عن تلك المخطوطات.

 

مقتطف من كتاب «الأيام» لطه حسين

> «وقد أخذ الفتى يتهيَّأ لإتقان الفرنسية من جهة، وتعلُّم اللاتينية من جهةٍ أخرى، فالتمس لنفسه معلماً خاصّاً يُعينه من ذلك على ما كان يريد. وقد جعل رفاقه يبحثون له عن المعلم الذي يلائمه حتى قيل لهم: إن صاحبكم مكفوف، وليس له بدٌّ من أن يتعلم كتابة المكفوفين وقراءتهم، ليستطيع أن يعتمد على نفسه في تحصيل ما يريد أن يحصِّل من العلم. ثم قيل لهم: إن في تلك المدرسة من مدارس المكفوفين أستاذاً ضريراً قد يعين صاحبكم على حاجته، فسعَوْا إلى هذا الأستاذ، وقدَّموا إليه صاحبهم. وأعلن الأستاذ إليهم أنه زعيم بأن يعلِّم رفيقهم الكتابة والقراءة الفرنسية واللاتينية جميعاً، ولم يطلب على هذا إلا أجراً ضئيلاً في نفسه، ولكنه كان ثقيلاً على هذيْن الأخوين اللذين كانا يعيشان بمرتب شخص واحد. وقد قَبِل الفتى مع ذلك أن يشق على نفسه وعلى أخيه، وأن يؤدي إلى الأستاذ أجره الذي طلبه، وكتب إلى الجامعة يستعينها فلم تبخل عليه بالعون، وقامت عنه بأداء هذا الأجر. وأقبل الفتى على الكتابة البارزة يتعلمها، فلم يلبث أن أحسنها، ولكنه عندما حاول أن ينتفع بها في درسه لم يجد إلى الانتفاع بها سبيلاً؛ فلم تكن الكتب التي كان يحتاج إلى قراءتها قد طبعت على هذه الطريقة الخاصة، وكان ربما أتيح له الكتاب المطبوع على هذه الطريقة، فلا يكاد يأخذ في قراءته حتى يضيق بهذه القراءة أشد الضيق، وينفر منها أعظم النفور، فهو قد تعود أن يأخذ العلم بأذنيه لا بأصبعه».



موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح


هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».