اجتماعات باريس تعيد الأوروبيين طرفاً في مفاوضات أوكرانيا ويأملون أن تضع حداً للأحادية الأميركية

ماكرون يدخل بقوة على الخط ويجمع الوفود الأميركية والأوكرانية والأوروبية في قصر الإليزيه

اجتماع موسع في قصر الإليزيه ضم الوفود الفرنسية والأوكرانية والأميركية وممثلين من بريطانيا وألمانيا )إ.ب.أ)
اجتماع موسع في قصر الإليزيه ضم الوفود الفرنسية والأوكرانية والأميركية وممثلين من بريطانيا وألمانيا )إ.ب.أ)
TT

اجتماعات باريس تعيد الأوروبيين طرفاً في مفاوضات أوكرانيا ويأملون أن تضع حداً للأحادية الأميركية

اجتماع موسع في قصر الإليزيه ضم الوفود الفرنسية والأوكرانية والأميركية وممثلين من بريطانيا وألمانيا )إ.ب.أ)
اجتماع موسع في قصر الإليزيه ضم الوفود الفرنسية والأوكرانية والأميركية وممثلين من بريطانيا وألمانيا )إ.ب.أ)

شكل قصر الإليزيه ومقر وزارة الخارجية الفرنسية، طيلة يوم الخميس، المحطة التي توقف عندها قطار الحرب الروسية - الأوكرانية من أجل سلسلة طويلة من اللقاءات غير المسبوقة، حيث استضافت العاصمة الفرنسية، في الوقت نفسه، وفدين؛ الأول أميركي عماده وزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوث الرئيس ترمب ستيف ويتكوف، والآخر أوكراني موسع، شمل مدير ديوان الرئيس زيلينسكي أندريه يرماك، ووزيري الخارجية والدفاع أندريه سيبيها ورستم عمروف، بالإضافة إلى مستشارَي الأمن القومي لبريطانيا وألمانيا: جوناثان باول وينس بلوتنر.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح في قصر الإليزيه الخميس وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وفي الوسط المبعوث الأميركي الرئاسي ستيف ويتكوف (رويترز)

واستبق الرئيس إيمانويل ماكرون لقاءه بروبيو وويتكوف، في إطار غداء عمل في القصر الرئاسي، بحضور وزير الخارجية جان نويل بارو، باتصال بنظيره الأوكراني. وعصراً، عقد اجتماع موسع لم يكن مخططاً له برئاسة ماكرون وضم الوفدين الأميركي والأوكراني والمستشارين الأمنيين البريطاني والألماني ووزير الخارجية الفرنسي، ما يعد تتويجاً للمحادثات التي تواصلت طيلة النهار. وفائدة هذه الاجتماعات أنها لا تترك الوفد الأوكراني وحيداً ووجهاً لوجه مع ممثلي الإدارة الأميركية، ما يمثل دعماً ومؤازرة له.

وكانت قد حصلت، قبل الظهر وبعده، ثلاثة اجتماعات مكثفة في الإليزيه، أدارها مستشار الرئيس ماكرون الدبلوماسي إيمانويل بون، وأهمها الاجتماع الذي ضم ممثلي الدول الأوروبية الثلاث «فرنسا وألمانيا وبريطانيا» مع الوفدين الأميركي والأوكراني، وهو الأول من نوعه، علماً بأن الجانب الأوروبي كان مستبعداً من المحادثات الثنائية التي أجراها الجانب الأميركي في المملكة السعودية مع الطرفين الروسي والأوكراني.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإلى جانبه أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته خلال زيارة لمستشفى عسكري في مدينة أوديسا الأوكرانية الساحلية (رويترز)

وبالتوازي، حصل اجتماع في وزارة الخارجية الفرنسية ضم الوزير جان نويل بارو ونظيره الأميركي روبيو، وتناول، إلى جانب أوكرانيا، ملفي الشرق الأوسط، وهما الحرب الإسرائيلية على غزة، والملف النووي الإيراني. وبالتوازي، فإن وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لو كورنو وصل إلى العاصمة الأميركية للقاء نظيره بيت هيغسيث والمبعوث الخاص لأوكرانيا الجنرال جوزيف كيلوغ، إضافة إلى مديرة المخابرات تولسي غابارد، وذلك من أجل جولة من المحادثات تتناول أوكرانيا، ولكن أيضاً الحلف الأطلسي والخطط الأميركية تجاهه والمخاوف الأوروبية من تراجع الدور الأميركي فيه.

الأوروبيون يدخلون على خط المفاوضات

تكمن أهمية مباحثات باريس، وفق مصدر دبلوماسي أوروبي، في ثلاثة أمور متصلة: الأول، التعرف مباشرة من الطرف الأميركي على ما توصلت إليه مفاوضات الحرب في أوكرانيا التي تلعب فيها الولايات المتحدة دور الوسيط بين موسكو وكييف، وعجز واشنطن عن فرض وقف إطلاق النار الذي قبلته كييف وتحفظت عليه موسكو ولم تقبل منه سوى وقف الهجمات على البنى التحتية الخاصة بالطاقة. والثاني، نقل وجهة النظر الأوروبية للعاصمة الأميركية عبر المسؤولين الرئيسيين اللذين يمثلانها في المفاوضات، ومن ضمنها تحفظات الاتحاد الأوروبي على المسار الذي تسلكه، والتأكيد على عزمه مواصلة دعم أوكرانيا مالياً وعسكرياً، فضلاً عن الرفض الأوروبي لما ورد في آخر تصريحات لويتكوف التي تحدث فيها صراحة عن ضم خمس مناطق أوكرانية لروسيا؛ أولها شبه جزيرة القرم. ولعل أبرز دليل على انخراط الأوروبيين في دعم أوكرانيا إعلان المستشار الألماني المقبل فريديرتش ميرتس أنه يؤيد تزويد كييف بصواريخ «توروس» المتطورة التي رفض أولاف شولتس، المستشار المنتهية ولايته، نقلها إلى القوات الأوكرانية. وفي هذا الخصوص، اعتبرت ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم الخارجية الروسية أن استخدام صواريخ «توروس» لضرب البنية التحتية الروسية سيعد «مشاركة مباشرة» من ألمانيا في حرب أوكرانيا ما يعني، منطقياً، رداً من روسيا على ذلك.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (يسار) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقطان صورة خلال لقائهما في أوديسا (أ.ب)

مطلبان أوروبيان من واشنطن

يتمثل العنصر الثالث في أن مجيء الوفد الأميركي إلى باريس يبين رغبة واشنطن في العودة إلى الحوار مع الجانب الأوروبي. ونُقل عن روبيو قوله إن غرض الزيارة «دفع هدف الرئيس ترمب، القاضي بوضع حد للحرب بين روسيا وأوكرانيا ووضع حد للمجازر، إلى الأمام».

ويأتي ذلك فيما مساعي السلام الأميركية «المنفصلة» تراوح مكانها، وفيما يمارس الرئيس الروسي فن المناورة وكسب الوقت والحصول على أكبر قدر من التنازلات من الرئيس الأميركي على حساب أوكرانيا. وإذ اعتبر ويتكوف، عقب لقائه بوتين الأسبوع الماضي، أن الأخير «يريد سلاماً مستداماً»، فإن باريس ومعها أكثرية الأوروبيين ترى العكس تماماً.

ومشكلة الرئيس ماكرون اليوم أن علاقته مع بوتين قد انقطعت تماماً، وأن إيصال الرسائل إليه يتم عبر الطرف الأميركي. ويأمل الأوروبيون أن تكون اجتماعات باريس فاتحة لمرحلة جديدة من التشاور والتعاون بين ضفتي الأطلسي بعد نحو ثلاثة أشهر من السياسة الانفرادية الأميركية؛ إنْ بالنسبة لأوكرانيا أو الشرق الأوسط، فضلاً عن سياسة ترمب بشأن الرسوم الجمركية.

منطقة سكنية في أوديسا تعرَّضت للقصف الروسي (رويترز)

ويريد الأوروبيون من ترمب، من جهة، أن يكون أكثر حزماً في تعاطيه مع موسكو، ومن جهة ثانية، أكثر تفهماً إزاء مطالب أوكرانيا. ويرون أن محادثات باريس يفترض أن تدفع في هذا الاتجاه. وأكثر من مرة، عبر ترمب عن «إحباطه» لعجز المفاوضات التي تتوسط فيها بلاده عن إحراز تقدم ملموس رغم تواصله المباشر مع الرئيس بوتين أو عبر موفده ويتكوف.

ولم تتأخر موسكو في انتقاد اجتماعات باريس التي ترى فيها «محاولة من كثير من الأشخاص والبنى والدول لتخريب الحوار القائم مع الولايات المتحدة»، وفق ما أعلن كيرييل ديميتروف، مبعوث الرئيس بوتين المكلف بالمسائل الاقتصادية الدولية الذي زار واشنطن بداية الشهر الحالي.

ووصف ديمتروف الاجتماع الأخير الذي عقده الرئيس بوتين مع ويتكوف بأنه جاء «مثمراً للغاية»، مضيفاً أن «هناك حواراً مفيداً للغاية «مع واشنطن»، رغم أنه «يجري بالتأكيد في ظروف صعبة للغاية»؛ إذ إن «الهجمات مستمرة والمعلومات المضللة متواصلة». وأسف الأخير، بحسب ما نقلت عنه وكالات الأخبار، لـ«التشويه المتنامي» الذي يستهدف روسيا. ولا شك أن الحوار المشار إليه يفيد روسيا بالدرجة الأولى؛ لأنه يكسر العزلة التي فرضها الغربيون عليها، بما فيهم الولايات المتحدة منذ فبراير (شباط) عام 2022؛ أي مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

أين أصبح «تحالف الراغبين»؟

يوماً بعد يوم، ينتقد الأوروبيون انتهاك روسيا المتواصل لوقف إطلاق النار الجزئي المبرم بوساطة أميركية منذ أكثر من شهر، ويرون في ذلك رفضاً روسياً لوضع حد للحرب. كذلك، فإن الأوروبيين الذين يسعون لتكوين قوة أوروبية تكون ضامنة لأي اتفاق سلام مستقبلي يبرم بين موسكو وكييف، ما زالوا يأملون أن يحصلوا على ضمانة أميركية يمكن أن تشكل «شبكة أمان» بالنسبة للقوة المذكورة. ورغم الجهود التي تبذلها باريس ولندن اللتين تترأسان «تحالف الراغبين»، وقامتا معاً بتنظيم اجتماعات عالية المستوى في العاصمتين، فإن صورة القوة الموعودة ما زالت ضبابية.

وحتى اليوم، أعربت مجموعة من ثلاثين دولة، بينها دول غير أوروبية مثل كندا وأستراليا واليابان، إرسال قوات إلى أوكرانيا. والحال أن الطرف الأميركي ما زال يمانع في توفيرها فيما تواصل موسكو رفضها المطلق لها.

وفي هذا السياق، كتب وزير خارجية أوكرانيا أندريه سيبيها على منصة «إكس»، الخميس، أن الأطراف المجتمعة في باريس «ناقشت سبل التوصل إلى سلام دائم وعادل وتحديداً تحقيق وقف إطلاق نار كامل، وإشراك قوة عسكرية متعددة الجنسيات ومواصلة تطوير البنية الأمنية لأوكرانيا، وتوفير ضمانات أمنية لبلدنا». ومن جانبه، كتب مدير مكتب زيلينسكي على المنصة نفسها أن المجتمعين «يعملون على قضايا مهمة لأمن أوكرانيا وأمن أوروبا بأكملها».


مقالات ذات صلة

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.