لبنان المنهار اقتصادياً عاجز عن تحمل تبعات حرب جديدة

حرب 2006 كبّدته أكثر من 7.5 مليارت دولار خسائر مباشرة وغير مباشرة

جسر دمَّرته حرب 2006 شمالي بيروت (غيتي)
جسر دمَّرته حرب 2006 شمالي بيروت (غيتي)
TT

لبنان المنهار اقتصادياً عاجز عن تحمل تبعات حرب جديدة

جسر دمَّرته حرب 2006 شمالي بيروت (غيتي)
جسر دمَّرته حرب 2006 شمالي بيروت (غيتي)

يعيش اللبنانيون الذين يمرون بإحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، حالة قلق عارمة جراء الخوف من أن يجرهم «حزب الله» إلى حرب جديدة مع إسرائيل، خصوصاً أن التداعيات الكارثية لحرب يوليو (تموز) 2006 لا تزال حية في أذهان كثيرين منهم.
وصعّد «حزب الله» وتنظيمات تابعة وحليفة له من استهداف مواقع إسرائيلية منذ اندلاع المواجهة بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة قبل أسبوعين. وحذرت تل أبيب الحزب، أمس (الأحد)، من «خراب لا يمكن تصوره» عليه وعلى لبنان، إذا قرر الانضمام إلى الحرب.
ويُجمع خبراء ومحللون على عدم قدرة لبنان على تحمّل حرب جديدة فيما يغرق في أزمة اقتصادية ونقدية ومالية مركّبة وعميقة تفاقمت بفعل تحلل مؤسساته، وسط فراغ في رئاسة الجمهورية منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي وحكومة شبه مشلولة وفراغ في موقع نقدي حساس هو حاكمية مصرف لبنان (البنك المركزي).

عسكريون متقاعدون يتظاهرون للمطالبة بودائعهم بعد انهيار النظام المصرفي (د.ب.أ)

وفي وقت استفحلت مستويات الفقر -حيث إنّ 3 من أصل 5 أُسَر يعدّون أنفسهم اليوم إمّا فقراء وإمّا فقراء جدّاً- قال مصدر مالي في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن «الشلل السياسي الحالي لا يسمح للاقتصاد اللبناني بأي فرصة للتعافي، ولهذا يخشى لبنان من تفاقم الوضع في حالة نشوب الحرب».
وأضاف أن «لبنان يعاني منذ أربع سنوات تقريباً انهياراً اقتصادياً تسبب في تدهور عملته المحلية وفقدانها نحو 98 في المائة من قيمتها، في وقت سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً بنسبة فاقت 40 في المائة، ودفع التضخم إلى ثلاثة أرقام واستنزف ثلثي احتياطيات المصرف المركزي من العملات الأجنبية».
وبعدما كان الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 51 مليار دولار في عام 2019، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، انخفض إلى نحو 16 مليار دولار. فيما ارتفع التضخم بشكل جنوني من 7 في المائة في عام 2019 إلى أكثر من 250 في المائة هذا العام، ليكون لبنان واحداً من بين الأعلى عالمياً في معدلات التضخم.
أما احتياطيات المصرف المركزي، ففقدت نحو 25 مليار دولار بفعل محاولات التدخل لمنع تدهور الليرة ونتيجة لسياسة دعم غير مدروسة لتصل اليوم إلى نحو 8.6 مليار دولار من 33.6 مليار في عام 2019 (وهي أرقام مستثناة منها محفظة مصرف لبنان من سندات «يوروبوندز» التي كان المصرف المركزي يحتسبها بقيمة 5.03 مليار دولار).
ويضاف إلى هذا كله أن لبنان يعاني انهياراً في قطاعه الصحي، إذ يعجز عن توفير أدنى مقومات الرعاية الصحية، وإن أعلن وزير الصحة اللبناني فراس الأبيض، منذ أيام عن إجراءات لرفع جاهزية القطاع تحسباً لأي تصعيد عسكري. فموازنة وزارة الصحة لم تتعدَّ 35 مليون دولار فيما كانت تبلغ نحو 400 مليون دولار قبل الأزمة في 2019. في حين يواجه القطاع هجرة كوادر ومشكلات عميقة تتعلق بالأدوية والمستلزمات.
ويفاقم الوضع سوءاً أن لبنان يستضيف نحو مليوني نازح وسط أزمته الاقتصادية الحادة.

خسائر «لو كنت أعلم»

في 19 يوليو (تموز) 2005، تشكلت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة (استمرت حتى 11 يوليو 2008)، بهدف استيعاب تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري على لبنان واقتصاده، وإعادة التوازن الى المالية العامة.
كانت حكومة السنيورة تعوّل على موسم سياحي واعد في إطار مساعيها لرفع معدلات النمو الذي توقعت أن يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة. كما كانت تسعى لتعزيز المؤشرات الاجتماعية وخلق فرص عمل.
لكن «حزب الله» فاجأ الجميع بخطف جنديين إسرائيليين في يوليو 2006، ما دفع إسرائيل إلى شن حرب مدمرة على لبنان تسببت بمقتل أكثر من 1200 شخص وجرح نحو 4400 ألف آخرين وفرار نحو مليون لبناني من منازلهم، أي ما يقرب من ربع السكان.
لقد كانت خسائر «لو كنت أعلم» (وهو كان تبرير الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بعد الدمار الذي تسببت به الحرب) باهظة اقتصادياً ومالياً.
تخطت تكلفة هذه الحرب التي دامت 34 يوماً 7 مليارات دولار، منها 3.6 مليار خسائر مباشرة بفعل تدمير البنى التحتية من طرق وكهرباء واتصالات وجسور ومدارج المطار والمصانع ومنشآت عسكرية ومستشفيات ومدارس، وخسائر طالت الناتج المحلي ووصلت إلى حدود 2.4 مليار دولار.

الانهيار المالي والتأزم السياسي في لبنان يحولان دون تكرار تجربة إنقاذه في 2006 (إ.ب.أ)

كما كان للحرب تأثير سلبي على الوضع المالي في لبنان، إذ تسببت في انخفاض الإيرادات العامة وزيادة النفقات العامة.
وأشارت وزارة المالية إلى أن الحرب كبَّدت المالية العامة نحو 1.5 مليار دولار في ذاك العام، ما زاد الدين العام إلى نحو 41 مليار دولار بحلول نهاية 2006. وشبهت الخسائر بتلك التي تكبّدها لبنان خلال الحرب الأهلية 1975-1990. كما طالت شظايا الحرب الاستثمارات الخارجية، إذ بدّلت مزاج المستثمر، من شريك في العملية الاقتصادية إلى مستثمر يبغى الربح المباشر السريع.
وفاقمت الحرب من مستوى البطالة في لبنان. ففي القطاع الصناعي وحده مثلاً، فقد نحو 12 ألف عامل وظائفهم لأن شركاتهم إمّا دُمِّرت وإمّا توقفت عن العمل. في حين فقد المزيد وظائفهم بسبب الانكماش الاقتصادي الحاد.

حقائق

خسائر لبنان في حرب 2006

  • الأرواح: سقط ما يقرب من 1200 قتيل و4400 جريح في لبنان معظمهم من المدنيين.
  • النازحون: فرّ نحو 974 ألف لبناني من منازلهم. ودمرت 125 ألف منزل وشقة سكنية أو لحقت بها أضرار. وتم إجلاء نحو 60 ألف أجنبي وغادر آلاف آخرين البلاد.
  • الاقتصاد: قدّرت الحكومة قيمة الأضرار المباشرة نتيجة الحرب بنحو 2.8 مليار دولار وقيمة الإنتاج والدخل المفقود في العام 2006 بنحو 2.2 مليار دولار. والكلفة المباشرة بالنسبة إلى الحكومة 1.75 مليار دولار.
  • البنية التحتية: دُمرت جسور وطرق ومدارج طائرات ومرافئ ومصانع وشبكات ماء وكهرباء ومؤسسات عسكرية بالإضافة إلى ضاحية بيروت الجنوبية وبلدات وقرى في الجنوب وسهل البقاع الشرقي.
  • البيئة: تسرّب ما يصل إلى 15 ألف طن من زيت الوقود الثقيل على ساحل لبنان بعدما قصفت إسرائيل محطة للكهرباء إلى الجنوب من بيروت مما سبب أزمة بيئية كبيرة.

كيف يختلف اليوم عن 2006؟

رغم كل تداعيات حرب 2006 على لبنان واقتصاده، فإن لبنان نجا بفعل تأهب العالم لمساعدته بدءاً من دول الخليج. ففي ذلك العام، تبرعت المملكة العربية السعودية بمبلغ 500 مليون دولار لإعادة الإعمار، ومنحت الكويت 300 مليون دولار، إضافةً إلى ودائع سعودية وكويتية بالعملات الأجنبية (بإجمالي 1.5 مليار دولار) في المصرف المركزي.

مواجهات أمام مبنى «مصرف لبنان» في بيروت مارس الماضي (د.ب.أ)

كما قدّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 150 مليون دولار معونةً إغاثية للبنان. في حين أسفر مؤتمر أستوكهولم للإنعاش المبكر للبنان الذي عُقد في أغسطس (آب) من ذاك العام، عن تعهدات بتقديم أكثر من 940 مليون دولار مساعدات.

وفي أوائل عام 2007، عُقد مؤتمر آخر للمانحين «باريس 3»، وحمل تعهدات ووعوداً للبنان بلغت قيمتها ما يقارب 7.6 مليار دولار توزعت بين تعهدات للقطاع الخاص بقيمة 1.89 مليار دولار و5.643 مليار دولار على شكل وعود وتعهدات للحكومة اللبنانية.

يقول مصدر في إحدى المؤسسات المالية العالمية لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان استطاع أن يجمع نحو 7.6 مليارات دولار في عام 2007، لكن لا أحدَ مستعداً اليوم لمساعدته في ظل ما يواجهه الاقتصاد العالمي. وأضاف أن «لبنان نجا في عام 2006 بفعل علاقاته التي كانت جيدة بمحيطه العربي وبالعالم، لكنه فقد هذه الميزة اليوم في الوقت الذي يفتقر إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي».

ويذكّر بما حصل عليه لبنان في مؤتمر «سيدر» في العاصمة الفرنسية في عام 2018، حين رُصدت مبالغ له تجاوزت 11.5 مليار دولار في مقابل تعهد الحكومة بإقرار وتطبيق إصلاحات محددة. وأضاف المصدر أن لبنان «فوّت فرصاً ثمينة عليه بسبب تخلفه عن تطبيق إصلاحات كان يمكن أن تنقذه من براثن الانهيار، لكنَّ الأجندة السياسية لبعض الأطراف منعت تنفيذها، ولا تزال»، في إشارة إلى «حزب الله».

ويشير هنا إلى العراقيل التي ما زال الحزب يضعها اليوم على طريق بلوغ اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي يحصل لبنان بموجبه على مبلغ 3 مليارات دولار، الذي سيساعد لبنان على الخروج من أزمته عبر فتح الكوّة لإمكانية عودة الاستثمارات والقروض الدولية.


مقالات ذات صلة

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص ناشطون في باريس يرفعون لافتة تدعو لوقف الحرب في لبنان خلال حراك ضد الحرب في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

خاص لبنان وإسرائيل يقتربان من أول جولة تفاوض... ولم يحسما الترتيبات

اقترب لبنان وإسرائيل خطوة باتجاه عقد أول اجتماع ضمن جولة مفاوضات لإنهاء الحرب في لبنان، لكن لم يجرِ الاتفاق على الترتيبات بعد

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري صورة عملاقة تجمع صورتين لزعيمي «حزب الله» السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين قرب مبنى تعرض لغارات إسرائيلية في منطقة برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تخوض حرباً أمنية موازية في كل مناطق لبنان

تعمل الأجهزة الأمنية اللبنانية على تفكيك خيوط هذه العمليات التي استهدفت شققاً سكنية أو سيارات أو شخصيات محددة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد نتيجة غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

واشنطن تربط وقف النار بالتزامن مع نزع سلاح «حزب الله»

يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن وتبعاً للوضع العسكري على الأرض لن تستجيب لدعوة عون، ولن تحرك ساكناً للجم نتنياهو والضغط عليه.

محمد شقير (بيروت)
خاص النيران تشتعل في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة العباسية بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)

خاص إسرائيل تقطع أوصال جنوب لبنان بقصف منشآته المدنية

بدأت إسرائيل، الجمعة، قصف أهداف تابعة للدولة اللبنانية، وأعلنت عن نيتها استهداف منشآت مدنية، بالتزامن مع التحضيرات لعملية برية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.