قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

شعراء مصريون يتحدثون عن حضورها ونوعيته في الشعر العربي

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني
TT

قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني

محمود خير الله

ظلت قضية العرب المركزية حاضرة بقوة في الشعر العربي. وعلى مدار حقب زمنية تنوع تفاعل الشعراء العرب مع الجرح الفلسطيني النازف، فها هو أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932) يرثي فلسطين التي تعرضت لاعتداءات عدة قبل نكبة 1948 قائلاً:

جاشتِ الأشواقُ وانزاحَ الكَرَى

ولظى الحُزنِ بلَيلِيْ مؤنِسِيْ

آهِ! لو أمكنَ يا روحَ السُّرَى

ما برحْتُ لحظةً في مجلِسي

كنتُ أسريتُ إلى تلكَ الرُّبى

في بِقاع طُهِّرَتْ مِن دنَسِ

فلَقدْ طال على القلب النَّوَى

وهوَى الأشواقِ بيتُ المَقدِس

ورغم أن الشاعر المصري علي محمود طه (1901- 1949) اشتهر بالنزعة الرومانسية، فإنه صاحب واحدة من أشهر القصائد التي قيلت في أثناء ثورة فلسطين عام 1936، التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب، والتي يقول مطلعها:

أَخِي، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى

فَحَقَّ الجِهَادُ وَحَقَّ الفِـدَا

مؤمن سمير

وكتبت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (1917- 2003) ضد دعوات اليأس والإحباط بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران)، 1967:

قال لي حين التقينا ذات يومٍ

وأنا أخبط في تيه الهزيمةْ

اصمدي، لا تضعفي يا ابنة عمي

هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمةْ

والتي تنكمش اليوم بحزنٍ وسكوتْ

هذه الأرض سيبقى قلبها المغدور حياً لا يموتْ

أما الشاعر نزار قباني (1923- 1998) فله كثير من الصولات والجولات في هذا السياق، منها تلك القصيدة التي يخاطب فيها الاحتلال على لسان فدائيين من فلسطين قائلاً:

لن تجعلوا من شعبنا

شعبَ هنودٍ حُمرْ

فنحنُ باقونَ هنا

في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها

إسورةً من زهرْ...

وفي ديوان «كونشيرتو القدس»، ينتقل الشاعر أدونيس إلى مقاربة جديدة لمدينة القدس، تنتقل من الهتاف إلى الهمس، وتتعامل مع جانب آخر من جوانب وتجليات المدينة التي أصبحت محل صراع مرير، يقول:

دَخلت العاشقة حديقة بيتها في القدس حيث يُقيم حبّها

الأزهار كلّها تحوّلت إلى شِباكٍ تطوّق خطواتِها

سمير درويش

ضحكت وقالت: هَلْ عليَّ، إذاً، أن أخيطَ من جديدٍ ثوباً آخر لكل زَهْر؟

ويبدو الشاعر الفلسطيني محمود درويش (1941- 2008) الأقرب إلى الذاكرة، حين يتم استدعاء فلسطين شعرياً، فكتاباته مفعمة بغنائية عميقة محببة إلى القارئ العادي، فضلاً عن براعة توظيف اللغة، والضرب على وتر المفارقة والدهشة، كما قصيدته الشهيرة «على هذه الأرض»:

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيّدَةُ الأُرْضِ

أُمُّ البِدَايَاتِ أُمُّ النِّهَايَاتِ

كَانَتْ تُسَمَّى فلسْطِين صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين

ولكن، عموماً، هل تغلبت النبرة الحماسية على حساب القيم الجمالية؟ وما علاقة الشكل بالمضمون في هذا السياق؟ وهل صحيح أن قصيدة النثر لم تكترث بالقضية الفلسطينية على اعتبار أنها قصيدة لا تشغل نفسها بــ«القضايا الكبرى» وتكترث فقط بالتفاصيل الإنسانية البسيطة؟

هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:

صلاح اللقاني: أصبحت ديوان العرب

عندما نقول إن الشعر ديوان العرب، فمن الممكن أن نضيف أن الشعر ديوان القضية الفلسطينية. فلم يكن هناك جنس أدبي يستطيع أن ينافس الشعر في تفاعله وتعاطفه مع مأساة احتلال فلسطين، باعتبارها أكبر مشاغل الضمير العربي عبر تاريخه. ومنذ «أخي جاوز الظالمون المدى» إلى آخر مساهمة بالفصحى أو العاميات العربية، ظلت فلسطين جرحاً نازفاً على الورق وعبر الأثير وفي قنوات التليفزيون. يتساوى في ذلك العمودي من الشعر أو التفعيلي. حتى قصيدة النثر التي تهرب من القضايا الكبرى إلى معاناة الذات الفردية تحت وطأة لحظتها الوجودية، لا تستطيع أن تبعد عن نار تلك القضية، رغم أنها لا تتجلى بعناوينها الشائعة؛ بل بعذابها وانسحاقها تحت صخرة غير إنسانية. وفلسطين تحضر في القصيدة بعناوين الصحف أو بجماليات الشعر العالي. وكلٌّ بقدر عُلُوه في الشعر، وبقدر موهبته وثقافته، ولأن الشعراء كثيرون والشعر قليل، فمن الطبيعي أن نجد تجلياً لذلك في سائر الكتابات الشعرية.

أحمد الشهاوي

أحمد الشهاوي: المهم معنى الشعر

هناك مئات الشعراء الذين كتبوا آلاف القصائد عن فلسطين، وبعضهم من رواد الحداثة الشعرية؛ لكن نصوصاً قليلة من تلك المجلدات والأسفار الضخمة هي التي عاشت ونجت عبر مصفاة الزمن، وابتعدت عن الخطاب الحماسي والمباشرة السياسية، ولم تكن صدى لحزب أو تنظيم أو آيديولوجية. مثلاً الشاعر محمود درويش تنصل من نصوص قديمة له كانت تتسم بالحس المباشر، ورفض أن يلقيها مرة أخرى بناء على طلب الجمهور العربي، والجمهور الفلسطيني بشكل خاص.

أنا غير معني بشكل القصيدة فنياً، بقدر ما أنا معني بـ«الشعر» نفسه، وأهمية أن يمنح الشاعر روحه في النص وألا يقدم «الصنعة» على ما سواها.

محمود خير الله: فلسطين في قلب قصيدة النثر

ما أسهل أن نقول إن قصيدة النثر تبدو بعيدة عن تلك القضية، لكن ما أصعب أن نثبت ذلك، أعتقد أن الأمر الطبيعي هو أن تكون القضية الفلسطينية أولوية أولى في كثير من الشعر الفلسطيني، سواء كان عمودياً أو تفعيليّاً أو نثراً، وسواء كان الشاعر فلسطينياً بالمولد أو بالانتماء العائلي، في الداخل أو في الخارج، ولا يمكن حصر الشعراء الفلسطينيين الذين ينحتون قضيتهم في ذاكرة قصيدة النثر؛ لكن الاستسهال هو الذي جعل من الاعتناء المفرط بنموذج محمود درويش سبباً في تجهيل وإخفاء واستبعاد ثلاثة أجيال على الأقل من شعراء فلسطين، يكتبون قصيدة النثر في الداخل والخارج، ويعدون فلسطين هويتهم وقضيتهم الأولى والأخيرة، منهم من رحلوا ومنهم من يقاومون إلى اليوم، مثل: مريد البرغوثي، وليد خازندار، طه محمد علي، زكريا محمد، خالد درويش، غسان زقطان، بشير شلش، مهيب البرغوثي، خالد جمعة، وليد السويركي، فاتنة الغرة، وغيرهم كثيرون.

لقد حاولت إثبات خصوصية قصيدة النثر الفلسطينية، في كتاب أعددته عن تجربة الشاعر طه محمد علي (1930- 2011) بعنوان «صبي الفراشات الملونة... مختارات من شعر الفلسطيني طه محمد علي»، وصدر في «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2017، ضمن سلسلة «الإبداع العربي»، لأثبت لأجيال من الشعراء والنقاد في مصر أن مهارة شاعر قصيدة النثر ووعيه، هما ما يدفعانه للكتابة عن القضايا الكبرى مثل «قضية الوطن»، مستخدماً مداخل جديدة تخصه أكثر مما أضافت القصيدة العمودية أو التفعيلية التي استغرقها الحماس والتكرار واستهلكتها الخطابية والمباشرة.

سمير درويش: تجاوزت السطح بنبرة أعمق

لم تحظَ قضية في التاريخ الإنساني بما حظيت به القضية الفلسطينية والصراع عامة، من اهتمام الشعر بالتعبير عنها وعن يومياتها، لدرجة أنك حين تذكر اسم فلسطين يقفز إلى ذهنك شاعر كبير هو محمود درويش، مع مجموعة كبيرة من الشعراء الفلسطينيين، مثل عبد الرحيم محمود، وفدوى وإبراهيم طوقان، وإبراهيم الخطيب، وسميح القاسم... غير الشعراء العرب في كل الدول العربية الذين كتبوا عنها كثيراً، وقد كتبت عنها مثل كثيرين. بعض النقاد يتهمون شعر القضية بالتقريرية، وأنا لست معهم، فقيمة وجمال الشعر يرتبطان بقيمة وشاعرية الشاعر نفسه، كما أن «الوضوح» ليس نقيصة في ذاته، ولكنه يرتبط بالتوظيف، وعن نفسي أحب قصائد محمود درويش التي يتهمونها بالزعيق، مثل: «سجّل أنا عربي»، و«خبز أمي»، و«مديح الظل العالي»، و«بيروت نجمتنا الأخيرة»، و«أحمد الزعتر»... وغيرها.

صحيح أن الشعراء لم يعودوا يكتبون عن القضية مثلما كانوا في النصف الأخير من القرن العشرين، حتى الشعراء الفلسطينيين أنفسهم، ولذلك أسباب كثيرة، أهمها أن القضية دخلت منعطفات أخرى بعد كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومدريد والحكم الذاتي وانفصال غزة، فتراجع النضال الفلسطيني، وتحوله إلى عمليات نوعية جعل الشعراء يتعاملون مع فلسطين وقضيتها بشكل أهدأ، ويرتبط هذا بمناسبات هذه العمليات النوعية. كما أن انتقال الشعر جماليّاً إلى «قصيدة النثر» جعله يهتم بالذاتي والهامشي ويرفض القضايا الزاعقة؛ لكن هذا يظل شكليّاً في رأيي، فهذه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حاضرة دائماً، ولكن من جانبها الإنساني، فالشعراء استبدلوا بالخطاب الهمس، فتوغلوا في الأزمات النفسية والوجدانية التي يخلِّفها الظلم القهر والاحتلال... هذا موجود دائماً وإن لم يكن ظاهراً على السطح.

مؤمن سمير: ثنائية الألم والأمل

ربما يكون من الطبيعي عند كثيرين، اعتبار أن مبرر الأداء الشعري الحماسي صاحب الصوت العالي يجسد صدق الشعور بثنائية الألم والأمل عند تناول فلسطين شعرياً، لكنَّ الحديث عندما يضيق ويصل من «القضية» إلى «الشعر» يختلف حتماً، لهذا امتلأ ديوان الشعر العربي بمطولات حماسية تفيد في جعل جذوة الحلم متقدة؛ لكنها قد لا تخدم تطور الشعر بالضرورة ليتقدم «الوطني» ويتراجع «الشِّعري» بفراسخ وأميال. وربما لا يكون هناك فرق قيمي ما بين الإطار العمودي أو الآخر التفعيلي، لكنَّ المقارنة عند التلقي الواعي والنقدي قد تنتصر للحُلة التفعيلية جمالياً وتجريبياً بشكل واضح.

التناول الشعري الحماسي لقضية العرب المركزية هو صاحب الرقعة المتسعة على الصفحات وبين الجماهير؛ لكني أوقن دوماً بأن الانتشار لم يكن أبداً هو شرط الجمال والقيمة، وأوقن كذلك بأننا سنظل نستمتع بكبار الشعراء الذين امتصوا الحدث وغمسوا ريشتهم لوجه الشِّعر الباقي، لا لحساب المظاهرات المتعددة الأشكال والوجوه. وهو ما جعلني أتناول القضية وغيرها من قضايا الهم السياسي في قصائد كثيرة، ولكن بعد تجريدها من تفاصيلها الآنية ومخاطبة رمزيتها التي تتسع للإنسان المقهور في كل زمان ومكان.


مقالات ذات صلة

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

ثقافة وفنون إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».