قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

شعراء مصريون يتحدثون عن حضورها ونوعيته في الشعر العربي

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني
TT

قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني

محمود خير الله

ظلت قضية العرب المركزية حاضرة بقوة في الشعر العربي. وعلى مدار حقب زمنية تنوع تفاعل الشعراء العرب مع الجرح الفلسطيني النازف، فها هو أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932) يرثي فلسطين التي تعرضت لاعتداءات عدة قبل نكبة 1948 قائلاً:

جاشتِ الأشواقُ وانزاحَ الكَرَى

ولظى الحُزنِ بلَيلِيْ مؤنِسِيْ

آهِ! لو أمكنَ يا روحَ السُّرَى

ما برحْتُ لحظةً في مجلِسي

كنتُ أسريتُ إلى تلكَ الرُّبى

في بِقاع طُهِّرَتْ مِن دنَسِ

فلَقدْ طال على القلب النَّوَى

وهوَى الأشواقِ بيتُ المَقدِس

ورغم أن الشاعر المصري علي محمود طه (1901- 1949) اشتهر بالنزعة الرومانسية، فإنه صاحب واحدة من أشهر القصائد التي قيلت في أثناء ثورة فلسطين عام 1936، التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب، والتي يقول مطلعها:

أَخِي، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى

فَحَقَّ الجِهَادُ وَحَقَّ الفِـدَا

مؤمن سمير

وكتبت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (1917- 2003) ضد دعوات اليأس والإحباط بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران)، 1967:

قال لي حين التقينا ذات يومٍ

وأنا أخبط في تيه الهزيمةْ

اصمدي، لا تضعفي يا ابنة عمي

هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمةْ

والتي تنكمش اليوم بحزنٍ وسكوتْ

هذه الأرض سيبقى قلبها المغدور حياً لا يموتْ

أما الشاعر نزار قباني (1923- 1998) فله كثير من الصولات والجولات في هذا السياق، منها تلك القصيدة التي يخاطب فيها الاحتلال على لسان فدائيين من فلسطين قائلاً:

لن تجعلوا من شعبنا

شعبَ هنودٍ حُمرْ

فنحنُ باقونَ هنا

في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها

إسورةً من زهرْ...

وفي ديوان «كونشيرتو القدس»، ينتقل الشاعر أدونيس إلى مقاربة جديدة لمدينة القدس، تنتقل من الهتاف إلى الهمس، وتتعامل مع جانب آخر من جوانب وتجليات المدينة التي أصبحت محل صراع مرير، يقول:

دَخلت العاشقة حديقة بيتها في القدس حيث يُقيم حبّها

الأزهار كلّها تحوّلت إلى شِباكٍ تطوّق خطواتِها

سمير درويش

ضحكت وقالت: هَلْ عليَّ، إذاً، أن أخيطَ من جديدٍ ثوباً آخر لكل زَهْر؟

ويبدو الشاعر الفلسطيني محمود درويش (1941- 2008) الأقرب إلى الذاكرة، حين يتم استدعاء فلسطين شعرياً، فكتاباته مفعمة بغنائية عميقة محببة إلى القارئ العادي، فضلاً عن براعة توظيف اللغة، والضرب على وتر المفارقة والدهشة، كما قصيدته الشهيرة «على هذه الأرض»:

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيّدَةُ الأُرْضِ

أُمُّ البِدَايَاتِ أُمُّ النِّهَايَاتِ

كَانَتْ تُسَمَّى فلسْطِين صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين

ولكن، عموماً، هل تغلبت النبرة الحماسية على حساب القيم الجمالية؟ وما علاقة الشكل بالمضمون في هذا السياق؟ وهل صحيح أن قصيدة النثر لم تكترث بالقضية الفلسطينية على اعتبار أنها قصيدة لا تشغل نفسها بــ«القضايا الكبرى» وتكترث فقط بالتفاصيل الإنسانية البسيطة؟

هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:

صلاح اللقاني: أصبحت ديوان العرب

عندما نقول إن الشعر ديوان العرب، فمن الممكن أن نضيف أن الشعر ديوان القضية الفلسطينية. فلم يكن هناك جنس أدبي يستطيع أن ينافس الشعر في تفاعله وتعاطفه مع مأساة احتلال فلسطين، باعتبارها أكبر مشاغل الضمير العربي عبر تاريخه. ومنذ «أخي جاوز الظالمون المدى» إلى آخر مساهمة بالفصحى أو العاميات العربية، ظلت فلسطين جرحاً نازفاً على الورق وعبر الأثير وفي قنوات التليفزيون. يتساوى في ذلك العمودي من الشعر أو التفعيلي. حتى قصيدة النثر التي تهرب من القضايا الكبرى إلى معاناة الذات الفردية تحت وطأة لحظتها الوجودية، لا تستطيع أن تبعد عن نار تلك القضية، رغم أنها لا تتجلى بعناوينها الشائعة؛ بل بعذابها وانسحاقها تحت صخرة غير إنسانية. وفلسطين تحضر في القصيدة بعناوين الصحف أو بجماليات الشعر العالي. وكلٌّ بقدر عُلُوه في الشعر، وبقدر موهبته وثقافته، ولأن الشعراء كثيرون والشعر قليل، فمن الطبيعي أن نجد تجلياً لذلك في سائر الكتابات الشعرية.

أحمد الشهاوي

أحمد الشهاوي: المهم معنى الشعر

هناك مئات الشعراء الذين كتبوا آلاف القصائد عن فلسطين، وبعضهم من رواد الحداثة الشعرية؛ لكن نصوصاً قليلة من تلك المجلدات والأسفار الضخمة هي التي عاشت ونجت عبر مصفاة الزمن، وابتعدت عن الخطاب الحماسي والمباشرة السياسية، ولم تكن صدى لحزب أو تنظيم أو آيديولوجية. مثلاً الشاعر محمود درويش تنصل من نصوص قديمة له كانت تتسم بالحس المباشر، ورفض أن يلقيها مرة أخرى بناء على طلب الجمهور العربي، والجمهور الفلسطيني بشكل خاص.

أنا غير معني بشكل القصيدة فنياً، بقدر ما أنا معني بـ«الشعر» نفسه، وأهمية أن يمنح الشاعر روحه في النص وألا يقدم «الصنعة» على ما سواها.

محمود خير الله: فلسطين في قلب قصيدة النثر

ما أسهل أن نقول إن قصيدة النثر تبدو بعيدة عن تلك القضية، لكن ما أصعب أن نثبت ذلك، أعتقد أن الأمر الطبيعي هو أن تكون القضية الفلسطينية أولوية أولى في كثير من الشعر الفلسطيني، سواء كان عمودياً أو تفعيليّاً أو نثراً، وسواء كان الشاعر فلسطينياً بالمولد أو بالانتماء العائلي، في الداخل أو في الخارج، ولا يمكن حصر الشعراء الفلسطينيين الذين ينحتون قضيتهم في ذاكرة قصيدة النثر؛ لكن الاستسهال هو الذي جعل من الاعتناء المفرط بنموذج محمود درويش سبباً في تجهيل وإخفاء واستبعاد ثلاثة أجيال على الأقل من شعراء فلسطين، يكتبون قصيدة النثر في الداخل والخارج، ويعدون فلسطين هويتهم وقضيتهم الأولى والأخيرة، منهم من رحلوا ومنهم من يقاومون إلى اليوم، مثل: مريد البرغوثي، وليد خازندار، طه محمد علي، زكريا محمد، خالد درويش، غسان زقطان، بشير شلش، مهيب البرغوثي، خالد جمعة، وليد السويركي، فاتنة الغرة، وغيرهم كثيرون.

لقد حاولت إثبات خصوصية قصيدة النثر الفلسطينية، في كتاب أعددته عن تجربة الشاعر طه محمد علي (1930- 2011) بعنوان «صبي الفراشات الملونة... مختارات من شعر الفلسطيني طه محمد علي»، وصدر في «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2017، ضمن سلسلة «الإبداع العربي»، لأثبت لأجيال من الشعراء والنقاد في مصر أن مهارة شاعر قصيدة النثر ووعيه، هما ما يدفعانه للكتابة عن القضايا الكبرى مثل «قضية الوطن»، مستخدماً مداخل جديدة تخصه أكثر مما أضافت القصيدة العمودية أو التفعيلية التي استغرقها الحماس والتكرار واستهلكتها الخطابية والمباشرة.

سمير درويش: تجاوزت السطح بنبرة أعمق

لم تحظَ قضية في التاريخ الإنساني بما حظيت به القضية الفلسطينية والصراع عامة، من اهتمام الشعر بالتعبير عنها وعن يومياتها، لدرجة أنك حين تذكر اسم فلسطين يقفز إلى ذهنك شاعر كبير هو محمود درويش، مع مجموعة كبيرة من الشعراء الفلسطينيين، مثل عبد الرحيم محمود، وفدوى وإبراهيم طوقان، وإبراهيم الخطيب، وسميح القاسم... غير الشعراء العرب في كل الدول العربية الذين كتبوا عنها كثيراً، وقد كتبت عنها مثل كثيرين. بعض النقاد يتهمون شعر القضية بالتقريرية، وأنا لست معهم، فقيمة وجمال الشعر يرتبطان بقيمة وشاعرية الشاعر نفسه، كما أن «الوضوح» ليس نقيصة في ذاته، ولكنه يرتبط بالتوظيف، وعن نفسي أحب قصائد محمود درويش التي يتهمونها بالزعيق، مثل: «سجّل أنا عربي»، و«خبز أمي»، و«مديح الظل العالي»، و«بيروت نجمتنا الأخيرة»، و«أحمد الزعتر»... وغيرها.

صحيح أن الشعراء لم يعودوا يكتبون عن القضية مثلما كانوا في النصف الأخير من القرن العشرين، حتى الشعراء الفلسطينيين أنفسهم، ولذلك أسباب كثيرة، أهمها أن القضية دخلت منعطفات أخرى بعد كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومدريد والحكم الذاتي وانفصال غزة، فتراجع النضال الفلسطيني، وتحوله إلى عمليات نوعية جعل الشعراء يتعاملون مع فلسطين وقضيتها بشكل أهدأ، ويرتبط هذا بمناسبات هذه العمليات النوعية. كما أن انتقال الشعر جماليّاً إلى «قصيدة النثر» جعله يهتم بالذاتي والهامشي ويرفض القضايا الزاعقة؛ لكن هذا يظل شكليّاً في رأيي، فهذه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حاضرة دائماً، ولكن من جانبها الإنساني، فالشعراء استبدلوا بالخطاب الهمس، فتوغلوا في الأزمات النفسية والوجدانية التي يخلِّفها الظلم القهر والاحتلال... هذا موجود دائماً وإن لم يكن ظاهراً على السطح.

مؤمن سمير: ثنائية الألم والأمل

ربما يكون من الطبيعي عند كثيرين، اعتبار أن مبرر الأداء الشعري الحماسي صاحب الصوت العالي يجسد صدق الشعور بثنائية الألم والأمل عند تناول فلسطين شعرياً، لكنَّ الحديث عندما يضيق ويصل من «القضية» إلى «الشعر» يختلف حتماً، لهذا امتلأ ديوان الشعر العربي بمطولات حماسية تفيد في جعل جذوة الحلم متقدة؛ لكنها قد لا تخدم تطور الشعر بالضرورة ليتقدم «الوطني» ويتراجع «الشِّعري» بفراسخ وأميال. وربما لا يكون هناك فرق قيمي ما بين الإطار العمودي أو الآخر التفعيلي، لكنَّ المقارنة عند التلقي الواعي والنقدي قد تنتصر للحُلة التفعيلية جمالياً وتجريبياً بشكل واضح.

التناول الشعري الحماسي لقضية العرب المركزية هو صاحب الرقعة المتسعة على الصفحات وبين الجماهير؛ لكني أوقن دوماً بأن الانتشار لم يكن أبداً هو شرط الجمال والقيمة، وأوقن كذلك بأننا سنظل نستمتع بكبار الشعراء الذين امتصوا الحدث وغمسوا ريشتهم لوجه الشِّعر الباقي، لا لحساب المظاهرات المتعددة الأشكال والوجوه. وهو ما جعلني أتناول القضية وغيرها من قضايا الهم السياسي في قصائد كثيرة، ولكن بعد تجريدها من تفاصيلها الآنية ومخاطبة رمزيتها التي تتسع للإنسان المقهور في كل زمان ومكان.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».