قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

شعراء مصريون يتحدثون عن حضورها ونوعيته في الشعر العربي

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني
TT

قصيدة فلسطين... هل جاءت النبرة الحماسية على حساب القيمة الجمالية؟

صلاح اللقاني
صلاح اللقاني

محمود خير الله

ظلت قضية العرب المركزية حاضرة بقوة في الشعر العربي. وعلى مدار حقب زمنية تنوع تفاعل الشعراء العرب مع الجرح الفلسطيني النازف، فها هو أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932) يرثي فلسطين التي تعرضت لاعتداءات عدة قبل نكبة 1948 قائلاً:

جاشتِ الأشواقُ وانزاحَ الكَرَى

ولظى الحُزنِ بلَيلِيْ مؤنِسِيْ

آهِ! لو أمكنَ يا روحَ السُّرَى

ما برحْتُ لحظةً في مجلِسي

كنتُ أسريتُ إلى تلكَ الرُّبى

في بِقاع طُهِّرَتْ مِن دنَسِ

فلَقدْ طال على القلب النَّوَى

وهوَى الأشواقِ بيتُ المَقدِس

ورغم أن الشاعر المصري علي محمود طه (1901- 1949) اشتهر بالنزعة الرومانسية، فإنه صاحب واحدة من أشهر القصائد التي قيلت في أثناء ثورة فلسطين عام 1936، التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب، والتي يقول مطلعها:

أَخِي، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى

فَحَقَّ الجِهَادُ وَحَقَّ الفِـدَا

مؤمن سمير

وكتبت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (1917- 2003) ضد دعوات اليأس والإحباط بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران)، 1967:

قال لي حين التقينا ذات يومٍ

وأنا أخبط في تيه الهزيمةْ

اصمدي، لا تضعفي يا ابنة عمي

هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمةْ

والتي تنكمش اليوم بحزنٍ وسكوتْ

هذه الأرض سيبقى قلبها المغدور حياً لا يموتْ

أما الشاعر نزار قباني (1923- 1998) فله كثير من الصولات والجولات في هذا السياق، منها تلك القصيدة التي يخاطب فيها الاحتلال على لسان فدائيين من فلسطين قائلاً:

لن تجعلوا من شعبنا

شعبَ هنودٍ حُمرْ

فنحنُ باقونَ هنا

في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها

إسورةً من زهرْ...

وفي ديوان «كونشيرتو القدس»، ينتقل الشاعر أدونيس إلى مقاربة جديدة لمدينة القدس، تنتقل من الهتاف إلى الهمس، وتتعامل مع جانب آخر من جوانب وتجليات المدينة التي أصبحت محل صراع مرير، يقول:

دَخلت العاشقة حديقة بيتها في القدس حيث يُقيم حبّها

الأزهار كلّها تحوّلت إلى شِباكٍ تطوّق خطواتِها

سمير درويش

ضحكت وقالت: هَلْ عليَّ، إذاً، أن أخيطَ من جديدٍ ثوباً آخر لكل زَهْر؟

ويبدو الشاعر الفلسطيني محمود درويش (1941- 2008) الأقرب إلى الذاكرة، حين يتم استدعاء فلسطين شعرياً، فكتاباته مفعمة بغنائية عميقة محببة إلى القارئ العادي، فضلاً عن براعة توظيف اللغة، والضرب على وتر المفارقة والدهشة، كما قصيدته الشهيرة «على هذه الأرض»:

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيّدَةُ الأُرْضِ

أُمُّ البِدَايَاتِ أُمُّ النِّهَايَاتِ

كَانَتْ تُسَمَّى فلسْطِين صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين

ولكن، عموماً، هل تغلبت النبرة الحماسية على حساب القيم الجمالية؟ وما علاقة الشكل بالمضمون في هذا السياق؟ وهل صحيح أن قصيدة النثر لم تكترث بالقضية الفلسطينية على اعتبار أنها قصيدة لا تشغل نفسها بــ«القضايا الكبرى» وتكترث فقط بالتفاصيل الإنسانية البسيطة؟

هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:

صلاح اللقاني: أصبحت ديوان العرب

عندما نقول إن الشعر ديوان العرب، فمن الممكن أن نضيف أن الشعر ديوان القضية الفلسطينية. فلم يكن هناك جنس أدبي يستطيع أن ينافس الشعر في تفاعله وتعاطفه مع مأساة احتلال فلسطين، باعتبارها أكبر مشاغل الضمير العربي عبر تاريخه. ومنذ «أخي جاوز الظالمون المدى» إلى آخر مساهمة بالفصحى أو العاميات العربية، ظلت فلسطين جرحاً نازفاً على الورق وعبر الأثير وفي قنوات التليفزيون. يتساوى في ذلك العمودي من الشعر أو التفعيلي. حتى قصيدة النثر التي تهرب من القضايا الكبرى إلى معاناة الذات الفردية تحت وطأة لحظتها الوجودية، لا تستطيع أن تبعد عن نار تلك القضية، رغم أنها لا تتجلى بعناوينها الشائعة؛ بل بعذابها وانسحاقها تحت صخرة غير إنسانية. وفلسطين تحضر في القصيدة بعناوين الصحف أو بجماليات الشعر العالي. وكلٌّ بقدر عُلُوه في الشعر، وبقدر موهبته وثقافته، ولأن الشعراء كثيرون والشعر قليل، فمن الطبيعي أن نجد تجلياً لذلك في سائر الكتابات الشعرية.

أحمد الشهاوي

أحمد الشهاوي: المهم معنى الشعر

هناك مئات الشعراء الذين كتبوا آلاف القصائد عن فلسطين، وبعضهم من رواد الحداثة الشعرية؛ لكن نصوصاً قليلة من تلك المجلدات والأسفار الضخمة هي التي عاشت ونجت عبر مصفاة الزمن، وابتعدت عن الخطاب الحماسي والمباشرة السياسية، ولم تكن صدى لحزب أو تنظيم أو آيديولوجية. مثلاً الشاعر محمود درويش تنصل من نصوص قديمة له كانت تتسم بالحس المباشر، ورفض أن يلقيها مرة أخرى بناء على طلب الجمهور العربي، والجمهور الفلسطيني بشكل خاص.

أنا غير معني بشكل القصيدة فنياً، بقدر ما أنا معني بـ«الشعر» نفسه، وأهمية أن يمنح الشاعر روحه في النص وألا يقدم «الصنعة» على ما سواها.

محمود خير الله: فلسطين في قلب قصيدة النثر

ما أسهل أن نقول إن قصيدة النثر تبدو بعيدة عن تلك القضية، لكن ما أصعب أن نثبت ذلك، أعتقد أن الأمر الطبيعي هو أن تكون القضية الفلسطينية أولوية أولى في كثير من الشعر الفلسطيني، سواء كان عمودياً أو تفعيليّاً أو نثراً، وسواء كان الشاعر فلسطينياً بالمولد أو بالانتماء العائلي، في الداخل أو في الخارج، ولا يمكن حصر الشعراء الفلسطينيين الذين ينحتون قضيتهم في ذاكرة قصيدة النثر؛ لكن الاستسهال هو الذي جعل من الاعتناء المفرط بنموذج محمود درويش سبباً في تجهيل وإخفاء واستبعاد ثلاثة أجيال على الأقل من شعراء فلسطين، يكتبون قصيدة النثر في الداخل والخارج، ويعدون فلسطين هويتهم وقضيتهم الأولى والأخيرة، منهم من رحلوا ومنهم من يقاومون إلى اليوم، مثل: مريد البرغوثي، وليد خازندار، طه محمد علي، زكريا محمد، خالد درويش، غسان زقطان، بشير شلش، مهيب البرغوثي، خالد جمعة، وليد السويركي، فاتنة الغرة، وغيرهم كثيرون.

لقد حاولت إثبات خصوصية قصيدة النثر الفلسطينية، في كتاب أعددته عن تجربة الشاعر طه محمد علي (1930- 2011) بعنوان «صبي الفراشات الملونة... مختارات من شعر الفلسطيني طه محمد علي»، وصدر في «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2017، ضمن سلسلة «الإبداع العربي»، لأثبت لأجيال من الشعراء والنقاد في مصر أن مهارة شاعر قصيدة النثر ووعيه، هما ما يدفعانه للكتابة عن القضايا الكبرى مثل «قضية الوطن»، مستخدماً مداخل جديدة تخصه أكثر مما أضافت القصيدة العمودية أو التفعيلية التي استغرقها الحماس والتكرار واستهلكتها الخطابية والمباشرة.

سمير درويش: تجاوزت السطح بنبرة أعمق

لم تحظَ قضية في التاريخ الإنساني بما حظيت به القضية الفلسطينية والصراع عامة، من اهتمام الشعر بالتعبير عنها وعن يومياتها، لدرجة أنك حين تذكر اسم فلسطين يقفز إلى ذهنك شاعر كبير هو محمود درويش، مع مجموعة كبيرة من الشعراء الفلسطينيين، مثل عبد الرحيم محمود، وفدوى وإبراهيم طوقان، وإبراهيم الخطيب، وسميح القاسم... غير الشعراء العرب في كل الدول العربية الذين كتبوا عنها كثيراً، وقد كتبت عنها مثل كثيرين. بعض النقاد يتهمون شعر القضية بالتقريرية، وأنا لست معهم، فقيمة وجمال الشعر يرتبطان بقيمة وشاعرية الشاعر نفسه، كما أن «الوضوح» ليس نقيصة في ذاته، ولكنه يرتبط بالتوظيف، وعن نفسي أحب قصائد محمود درويش التي يتهمونها بالزعيق، مثل: «سجّل أنا عربي»، و«خبز أمي»، و«مديح الظل العالي»، و«بيروت نجمتنا الأخيرة»، و«أحمد الزعتر»... وغيرها.

صحيح أن الشعراء لم يعودوا يكتبون عن القضية مثلما كانوا في النصف الأخير من القرن العشرين، حتى الشعراء الفلسطينيين أنفسهم، ولذلك أسباب كثيرة، أهمها أن القضية دخلت منعطفات أخرى بعد كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومدريد والحكم الذاتي وانفصال غزة، فتراجع النضال الفلسطيني، وتحوله إلى عمليات نوعية جعل الشعراء يتعاملون مع فلسطين وقضيتها بشكل أهدأ، ويرتبط هذا بمناسبات هذه العمليات النوعية. كما أن انتقال الشعر جماليّاً إلى «قصيدة النثر» جعله يهتم بالذاتي والهامشي ويرفض القضايا الزاعقة؛ لكن هذا يظل شكليّاً في رأيي، فهذه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حاضرة دائماً، ولكن من جانبها الإنساني، فالشعراء استبدلوا بالخطاب الهمس، فتوغلوا في الأزمات النفسية والوجدانية التي يخلِّفها الظلم القهر والاحتلال... هذا موجود دائماً وإن لم يكن ظاهراً على السطح.

مؤمن سمير: ثنائية الألم والأمل

ربما يكون من الطبيعي عند كثيرين، اعتبار أن مبرر الأداء الشعري الحماسي صاحب الصوت العالي يجسد صدق الشعور بثنائية الألم والأمل عند تناول فلسطين شعرياً، لكنَّ الحديث عندما يضيق ويصل من «القضية» إلى «الشعر» يختلف حتماً، لهذا امتلأ ديوان الشعر العربي بمطولات حماسية تفيد في جعل جذوة الحلم متقدة؛ لكنها قد لا تخدم تطور الشعر بالضرورة ليتقدم «الوطني» ويتراجع «الشِّعري» بفراسخ وأميال. وربما لا يكون هناك فرق قيمي ما بين الإطار العمودي أو الآخر التفعيلي، لكنَّ المقارنة عند التلقي الواعي والنقدي قد تنتصر للحُلة التفعيلية جمالياً وتجريبياً بشكل واضح.

التناول الشعري الحماسي لقضية العرب المركزية هو صاحب الرقعة المتسعة على الصفحات وبين الجماهير؛ لكني أوقن دوماً بأن الانتشار لم يكن أبداً هو شرط الجمال والقيمة، وأوقن كذلك بأننا سنظل نستمتع بكبار الشعراء الذين امتصوا الحدث وغمسوا ريشتهم لوجه الشِّعر الباقي، لا لحساب المظاهرات المتعددة الأشكال والوجوه. وهو ما جعلني أتناول القضية وغيرها من قضايا الهم السياسي في قصائد كثيرة، ولكن بعد تجريدها من تفاصيلها الآنية ومخاطبة رمزيتها التي تتسع للإنسان المقهور في كل زمان ومكان.


مقالات ذات صلة

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية

«الشرق الأوسط» (سيدني )

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.