اللاجئون.. طريق اللاعودة

مهاجرون لـ«الشرق الأوسط»: المهربون تركونا في غابات بودابست وهربوا

طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
TT

اللاجئون.. طريق اللاعودة

طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)

«مرحبا بكم في النمسا، أنتم بأمان».. بهذه العبارة استقبلت سيول اللاجئين القادمين من المجر، حاملين همومهم على أكتافهم بعد أن أضنتهم قساوة دروب كانوا يعتقدون أنها الطريق إلى الجنة. رجل في عقده الثامن، كانت تجاعيد وجهه تروي حكاية «ألف ليلة وليلة» من العذاب، وهو يتساءل «في أي بلد أنا!»، وآخر يجلس مع أطفاله الأربعة في إحدى زوايا المحطة الرئيسية للقطارات في فيينا، ليروي لـ«الشرق الأوسط» قصة هوليودية بنكهة كوبانية يلفها ضياع القومية والإنسانية، دون أن يعلم الاثنان بأن التاريخ سيكتب يومًا أن رحلتهما قد غيرت قوانين الاتحاد الأوروبي وقلبت موازين القارة العجوز.
أزمة تعد الأولى من نوعها تسيطر على الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه في عام 1992، وضعت أعضاءه الثمانية والعشرين في اختبار صعب لمعرفة قدراتهم في مواجهة هذا العدد الكبير من اللاجئين، كما كشفت الستار عن عدم التوافق الداخلي وغياب قيادة تستطيع الحصول على إجماع في إيجاد آلية للخروج من الأزمة.

تعد تركيا نقطة الانطلاق لغالبية اللاجئين، حيث يوجد مهربون في مواقع معروفة داخل العاصمة إسطنبول وهم يقفون في الساحات، بحسب رواية لاجئ سوري، اتخذ «ن. س» اسما له. تحدث لنا «ن. س» عن رحلته، وأوضح أنه يتم التعامل مع اللاجئين الساعين إلى الهجرة بشكل علني دون خوف من المساءلة أو ملاحقة الشرطة، كما أن أسعار الوصول إلى الدول الأوروبية باتت ثابتة ويتفق عليها جميع المهربين تقريبًا. فسعر الرحلة من تركيا إلى إحدى الجزر اليونانية يبلغ 1200 دولار للشخص البالغ، و600 دولار للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و14 عاما. أما الأطفال دون سن الرابعة، فيتم التفاوض مع المهرب على دفع مبلغ بسيط عنهم أو إعفاؤهم إذا كانوا رضعًا. ويشبّه «ن. س» ركوب القوارب في البحر بالانتحار، فكل شخص يضع حياته وحياة عائلته بين يدي الله لحين الوصول إلى بر الأمان في إحدى الجزر اليونانية. وهناك أعداد قليلة تتجنب مخاطر البحر وتفضل دخول بلغاريا والسير لساعات تتراوح بين 25 و30 ساعة.

كما هناك من يفضل أن تكون تكاليف رحلته قطعية، أي أنه يتم الاتفاق على مبلغ يسلم بعد الوصول لإحدى الدول الأوروبية. وهنا، يذكر «ن. س» أن سعر الشخص الراغب بالذهاب من تركيا إلى النمسا أو ألمانيا يبلغ 8500 دولار للشخص الواحد.
بعد الوصول إلى اليونان، وهي أطول محطة في الرحلة، بحسب «ن. س»، يكون المهاجرون مجبرين على الانتظار لساعات طويلة تصل في بعض الأحيان إلى أيام للحصول على ورقة تسمح لهم بالبقاء بصورة رسمية داخل الأراضي اليونانية بعد أخذ البصمة الجنائية. ويضيف أن «رحلة البحث عن مهرب جديد تبدأ من هناك، ليتم الاتفاق على سعر عبور دول البلقان. فمن اليونان إلى مقدونيا، وصولاً إلى صربيا. وتقطع أغلب المسافات داخل هذه الدول سيرًا على الأقدام وصولاً إلى الغابات داخل المجر».
ووفقا لمعاهدة «دبلن»، فإن اليونان تعد أول نقطة عبور للاجئين، مما يفرض عليها استقبالهم جميعًا. وهو ما لا يمكن لليونان تحمله، خاصة وهي تعاني من أزمة اقتصادية مزمنة بسبب دخولها غير المدروس في مجموعة اليورو، بالإضافة إلى الفساد الحكومي وارتفاع أسعار البترول، وهذا ما دفع بها لتسهيل مرور اللاجئين والتغاضي عن شروط معاهدة «دبلن».
وبات الوصول إلى المجر أمرًا لا يمكن الفرار منه، وهنا تبدأ مرحلة أخرى. فأغلب اللاجئين يمرون هناك عبر الغابات، ويوضح «ن. س» أن هذه المحطة تعد الأسوأ منذ بداية الرحلة، حيث يبدأ المهربون بالفرار تاركين العوائل والشباب وسط الغابات بعد أن يحصلوا منهم على أكبر قدر من المال، لتبدأ معاناة اللاجئين مع الشرطة المجرية التي تجبرهم على أخذ البصمات، حسب ما تنص عليه اتفاقية «دبلن»، أو أن يكونوا عرضة للسلب والنهب على يد العصابات التي انتشرت مؤخرًا.
وبحسب آراء كل الذين التقينا بهم، كانت الشرطة المجرية قاسية جدًا في التعامل مع العابرين للأراضي البلاد، فهم يتعرضون للضرب والإهانات، ناهيك بقلة الطعام والشراب. وأكد لنا البعض أنهم حرموا من الطعام داخل السجن لثلاثة أيام، بالإضافة إلى حالات الابتزاز التي تقوم بها الشرطة المجرية لتسهيل عبورهم إلى النمسا، عند توقف حركة القطارات والباصات.
وبهذا الصدد، رفض رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوروبان، استقبال أي لاجئ على أراضي بلاده، حيث أعلن رسمياُ أن اللاجئين المسلمين يهددون الجذور المسيحية لأوروبا. وقد انتقدت الكثير من المنظمات الإنسانية المعاملة السيئة التي تقوم بها الحكومة المجرية تجاه اللاجئين، حتى إن المستشار النمساوي، فيرنر فايمان، شبّه طريقة تعامل حكومة أوروبان مع اللاجئين بعمليات الترحيل التي قام بها النازيون لليهود وغيرهم إلى معسكرات الاعتقال. وكانت هذه التصريحات قد صدرت بعد أن تحركت قطارات من العاصمة المجرية بودابست، وهي تقل على متنها لاجئين متجهين إلى النمسا لينتهي بهم المطاف في إحدى معسكرات اللجوء داخل المجر.
ويتخذ حزب رئيس الوزراء أوروبان اليميني الحاكم، وهو حزب معاد للأجانب بصورة عامة والمسلمين بصورة خاصة، مواقف متشددة تجاه المهاجرين، خاصة وأن دول شرق أوروبا تطمح لسد احتياجات دول أوروبا الغربية من اليد العاملة بدل الاعتماد على اللاجئين القادمين من خارجها. ويعد ضعف وجود منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان على الساحة المجرية سببًا في المعاملة السيئة التي يلقاها اللاجئون. ولا يمكن التغاضي عن ضعف الاقتصاد المجري في مواجهة موجات اللاجئين.
ويمضي «ن. س» في وصف معاناته ومجموعة اللاجئين التي رافقها بالقول إنهم لم يرتاحوا «إلا بعد أن دخلوا النمسا»، مشيرا إلى المعاملة الطيبة والاحترام من قبل الشرطة والمتطوعين وفرق الصليب الأحمر، حيث يسارع الجميع لتقديم المساعدات الإنسانية، بما فيها تذاكر سفر مجانية إلى ألمانيا. لكن مشكلة جديدة اعترضته في ألمانيا التي باتت تشدد المراقبة على الحدود، وتسمح بالعبور لحاملي الجوازات فقط، وهو أمر يفتقر له الكثير من اللاجئين.
ولم تنته رحلة «ن. س» بعد، فقد ركب القطار المتجه إلى ألمانيا، وهي وجهته منذ بداية رحلته، ليقطع بذلك رحلة دامت ثلاثة أسابيع وكلفته 7800 دولار، لكن ما كلفته من العناء والتعب والتعرض للخطر لا يقدر بثمن، على حد قوله.
أما السوري «ك. م»، فروى قصته وهو يحمل ابنته ذات السبعة أشهر في إحدى زوايا محطة القطارات الرئيسية في العاصمة النمساوية فيينا، وقال:
«أنا كردي سوري من سكان كوباني، ولا يخفى عن الجميع ما حل بنا من خراب ودمار. لقد كنا بين نارين، (داعش) من جهة وقصف قوات النظام من جهة أخرى. لذلك قررنا أنا وزوجتي وأطفالي الأربعة الرحيل إلى المجهول، آملين أن ينصفنا المستقبل في بناء حياة جديدة بعيدًا عن ويلات الحرب والطائفية. وفي طريقنا إلى كردستان العراق، تعرضنا للقصف، وكنا مجموعة كبيرة من العوائل والشباب. استطعت أنا وأطفالي أن ننجو بأعجوبة من الموت الذي طال العشرات، لكنني لم أجد زوجتي ولم أستطع أن أطيل البحث عنها خوفا على أطفالي».
وتوقف «ك. م» عن الكلام برهة، والدموع تملأ عينيه وهو يستعيد مشهد الموت وكيف استطاع إنقاذ أطفاله الأربعة متجها معهم إلى المجهول. ثم استدرك حديثه: «وصلت إلى كردستان العراق ولم يكن أمامي سوى الانتظار، بقيت هناك شهرين لأجمع شتات ما بقي من عائلتي وأتوقف متجها إلى تركيا، نقطة الانطلاق إلى أوروبا. وخلال مدة إقامتي، لم أتصل بأهل زوجتي لأن علاقتي معهم كانت مقطوعة لسنوات كثيرة.. لكن وبطريق الصدفة، التقيت بأحد الأصدقاء في تركيا، لديه علاقة وثيقة بهم، واستغربت من دهشته لرؤيتي. أحسست لوهلة أن الدم تجمد في عروقه وهو ينظر إلي، وبعد دقائق تبدل المشهد لتعتريني الصدمة الممزوجة بفرحة كادت تفقدني صوابي بعد أن علمت أن زوجتي على قيد الحياة، وأنها نجت بأعجوبة لتتجه إلى تركيا بعد أن اعتقدت بأنها خسرت أطفالها وزوجها في الحادث. المشكلة أنني كنت قد اتفقت مع أحد المهربين وهو سوري الجنسية على السفر إلى السويد، وقد دفعت جزءًا من المبلغ لذلك، ولم أستطع التراجع وقد خاطرت بحياة أطفالي الأربعة للوصول إلى زوجتي».
من جانبه، قال متحدث باسم الخارجية النمساوية لـ«الشرق الأوسط» إن «وزير الخارجية النمساوي، سباستيان كورتس، قدم في شهر أغسطس (آب) الماضي، خطة لمعالجة الأزمة شملت خمس نقاط. كان أولها محاربة (داعش)، كون ثلثي اللاجئين يأتون من مناطق تشهد عنف التنظيم الإرهابي. كما شدد الوزير على النقطة الثانية وهي ضرورة عمل الاتحاد الأوروبي على إنشاء مناطق آمنة وعازلة في مناطق النزاع، تتولى تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين للحد من هجرتهم إلى أوروبا». وأضاف: «أما عن حماية الحدود الأوروبية، وخصوصا من جهة اليونان وإيطاليا وبلغاريا، فقد كانت النقطة الثالثة في خطة النمسا هي ضرورة بناء مراكز لاستقبال اللاجئين في هذه الدول، فضلا عن تشكيل فرق حماية مشتركة لتأمين حدودها». إلى ذلك، أكد كورتس في النقطة الرابعة على ضرورة مساعدة الشرطة في دول غرب البلقان، أما عن النقطة الخامسة المتعلقة بالتوزيع العادل للاجئين على دول الاتحاد الأوروبي، فقد أكد أنه لا تنازل من جهة النمسا أو ألمانيا عن هذا المطلب.
وكانت النقطة الخامسة سببا في إشعال فتيل الأزمة بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث رفضت دول شرق أوروبا نظام الحصص بحجة الحفاظ على القيم الأوروبية، كما أكدت على عدم الرضوخ للسياسة الألمانية في إجبارها على استقبال اللاجئين.
ويبقى ملف الهجرة الجماعية يثير الكثير من التساؤلات، علما أن أغلب المهاجرين هم من الشباب وهو ما يثير المخاوف من استغلال «داعش» لهذا الوضع وإخفاء مقاتليها بين الحشود القادمة إلى أوروبا. بالإضافة إلى الشكوك المثارة حول الاستعدادات غير المسبوقة في بعض الدول الأوروبية لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين، وخصوصا منهم السوريون، وهو ما ينذر، بحسب استطلاعات الرأي، بتغييرات في الملف السوري في الأشهر القادمة.
 



منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
TT

منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)

لا تزال حركة عبور مضيق هرمز، الاثنين، شبه متوقفة، حسب منصات لتتبع حركة الملاحة البحرية، رغم إشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بدء خروج ناقلات نفط من الممر الذي قال إنه سيكون مفتوحاً بشكل كامل الجمعة.

لكن بحلول الساعة 14.00، الاثنين، رصدت منصة «كبلر» عبور سفينة واحدة لنقل المواد الأولية للمضيق مع تشغيلها جهاز الإرسال والاستقبال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

والسفينة التي عبرت هي السفينة «ديشا» التي ترفع علم مالطا، وغادرت الخليج محمّلة بـ60 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال تم تحميلها في قطر، وتتّجه نحو الهند.

وبدا أن سفينة الشحن «كايزر» عبرت هي أيضاً المضيق خروجاً نحو الظهر، وفق إشارة نظام التعريف الآلي الخاص بها والمتاح على منصة «مارين ترافيك».

وقال نيكوس بوثيتاكيس، مسؤول العلاقات الإعلامية في «كبلر» في منشور على منصة «إكس»: «ما زالت عمليات العبور محدودة، في حين بثت أكثر من 500 سفينة تجارية إشارة نظام التعريف الآلي في الخليج الفارسي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية».

وكان الرئيس الأميركي قال الاثنين على منصته «تروث سوشيال»، إن سفناً «بدأت تخرج» من المضيق، وأعلن في وقت لاحق أن المضيق سيُكون «مفتوحاً بشكل كامل» الجمعة.

في الأسبوع الماضي، بلغ متوسّط عدد السفن المحمّلة مواد أولية التي عبرت مضيق هرمز 6.4 سفن يومياً.

وقبل اندلاع الحرب، كان المضيق يشهد يومياً نحو 120 عملية عبور، وفق شركة البيانات البحرية «لويدز ليست إنتليجنس».

وكان نحو 20 مليون برميل يومياً، أي نحو خُمس الصادرات النفطية العالمية، يمر يومياً عبر المضيق في الظروف الطبيعية، متجهاً في شكل رئيسي إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.


هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
TT

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الاثنين إن زورقا صغيرا اقترب من ناقلة نفط وأطلق النار عليها على بعد 111 ميلا بحريا جنوب شرقي عدن في اليمن.

وأضافت أن السلطات تجري تحقيقا في هذه الواقعة، دون توضيح مزيد من التفاصيل.


«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
TT

«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)

خلال ثلاث سنوات فقط، تحول جهاز «استخبارات الشرطة» الذي استحدثته الجماعة الحوثية إلى أحد أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً وهيمنة في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات حقوقية متصاعدة بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، فضلاً عن إدارة شبكة من السجون السرية التي يقبع فيها مئات المحتجزين.

ويدير الجهاز علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، الذي جرى تعيينه في منصب وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والاستخبارات، في خطوة ربطها مراقبون بالصراع المتنامي بين أجنحة الجماعة ومراكز النفوذ الأمنية المتنافسة داخلها.

ووفق روايات حقوقيين وناشطين، فقد أُنشئ الجهاز في إطار إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الأمنية الحوثية، وتقليص هيمنة جهاز الأمن والمخابرات الذي يقوده عبد الحكيم الخيواني، في ظل تنافس بين قيادات نافذة داخل الجماعة على إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية.

ومنذ تأسيسه، برز الجهاز لاعباً رئيساً في المشهد الأمني عبر حملات اعتقال طالت مئات المدنيين والناشطين والموظفين، تحت طيف واسع من التهم، بينها الاحتفال بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول)، والتخابر والتجسس لصالح جهات خارجية.

الحوثيون أنشأوا أجهزة أمنية موازية لتعزيز قبضتهم (إعلام محلي)

وطالت هذه الحملات أيضاً عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، حيث أُحيل عديد منهم إلى القضاء الخاضع لسيطرة الجماعة بعد فترات طويلة من الاحتجاز والاستجواب.

ويؤكد ناشطون أن الجهاز بات يمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز أحياناً صلاحيات الأجهزة الأمنية الأخرى، الأمر الذي جعله الذراع الأكثر حضوراً في تنفيذ الاعتقالات والتحقيقات الحساسة.

سجون تحت الأرض وانتهاكات

وحسب إفادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، هناك معتقلان رئيسيان يتبعان هذا الجهاز الحوثي القمعي في العاصمة المختطفة صنعاءح، أحدهما في منطقة حدة بالقرب من السفارة الهندية، والآخر داخل السجن الاحتياطي التابع لإدارة شرطة هبرة شرقي المدينة.

ويُعد معتقل حدة الأكثر شهرة، إذ يتكون من مبنيين متجاورين؛ أبرزهما مبنى يعرف باسم «إصلاحية حدة»، ويضم قبواً واسعاً يحتوي على عشرات الزنازين الانفرادية المعروفة بين السجناء باسم «الضغاطات».

وتشير الشهادات إلى أن هذه الزنازين ضيقة ومظلمة ومجهزة بكاميرات مراقبة تعمل بصورة دائمة، فيما يُحتجز فيها المعتقلون لأشهر طويلة في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، دون معرفة الوقت أو التاريخ أو التواصل مع أسرهم.

مئات المحتجزين يقبعون في سجون الحوثيين منذ سنوات دون محاكمات عادلة (إعلام محلي)

ويؤكد محتجزون سابقون أن بعض المعتقلين لا يُسمح لهم برؤية ضوء الشمس إلا مرة واحدة أسبوعياً، وبعد انتهاء مراحل التحقيق الأولية فقط، قبل نقلهم إلى العنابر الجماعية تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكم.

وتوضح المصادر أن الجهاز يديره هيكل أمني واسع يضم قيادات ومحققين ومشرفين على السجون وفرقاً متخصصة في المداهمات والاعتقالات.

ويبرز ضمن هذا الهيكل عدد من الأسماء النافذة، بينهم مفضل المؤيد مدير مكتب المشرف العام للجهاز، وعبد الله العياني، المعروف باسم «أبو زين»، إلى جانب أحمد عبد الله المكنى «أبو فاطمة» الذي يتولى إدارة قسم التحريات، ويُنظر إليه على أنه من أبرز الشخصيات المؤثرة في قرارات الجهاز وتحركاته الميدانية.

وتقول المصادر إن فرق التحريات التابعة للجهاز تشرف على مداهمة المنازل وتعقب المطلوبين وتنفيذ أوامر الاعتقال، فضلاً عن جمع المعلومات ومتابعة الأنشطة التي ترى الجماعة أنها تشكل تهديداً لها.

إنهاك نفسي ومصدر للتربح

ووفق شهادات حقوقية، لا تبدأ التحقيقات مع المعتقلين فور احتجازهم، بل يُتركون لفترات طويلة داخل الزنازين الانفرادية في ظروف قاسية تهدف إلى إنهاكهم نفسياً وجسدياً قبل بدء الاستجواب.

وعندما تبدأ جلسات التحقيق، لا تقتصر الأسئلة على التهمة الأساسية المنسوبة إلى المعتقل، وإنما تمتد إلى شبكة علاقاته الشخصية والاجتماعية وأقاربه وأصدقائه ومصادر دخله وتحويلاته المالية وسجلات اتصالاته.

ويرى حقوقيون أن هذا الأسلوب يهدف إلى توسيع دائرة الاشتباه والبحث عن معلومات يمكن استخدامها في ملاحقة آخرين أو ممارسة ضغوط إضافية على المحتجزين وأسرهم.

القضاء الخاضع للحوثيين متَّهم بتصديق مزاعم الجماعة حول المعتقلين (إعلام محلي)

ويقول ناشطون إن المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الجماعة، تتولى تثبيت معظم القضايا التي يحيلها الجهاز، مع ندرة الأحكام التي تتعارض مع روايته أو تشكك في إجراءات الاعتقال والتحقيق.

ويستشهد هؤلاء بقضية المواطن مجدي العابد الذي أُحيل إلى المحاكمة بتهمة التخابر والتسبب في قصف دائرة التوجيه المعنوي، رغم تأكيد هيئة الدفاع أنه كان معتقلاً لدى الجهاز قبل وقوع الحادثة بأكثر من شهر، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الأدلة والاتهامات المقدمة ضده.

ولا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى الجهاز على الانتهاكات الأمنية، إذ يتحدث ناشطون عن ممارسات مالية داخل بعض المعتقلات، خصوصاً سجن حدة، حيث تُفرض قيود على إدخال الأطعمة والاحتياجات الأساسية التي ترسلها أسر المعتقلين.

ويقول هؤلاء إن تلك القيود تتيح للبقالات والمتاجر المرتبطة بإدارة السجن احتكار بيع المواد الغذائية والسلع الأساسية للمحتجزين بأسعار مرتفعة، بينما تُصادر بعض المواد التي تجلبها الأسر بحجج أمنية مختلفة.

عاجل هدف عكسي يحرم مصر من تحقيق انتصار تاريخي بكأس العالم بالتعادل 1-1 مع بلجيكا