«منتدى أصيلة»: دعوات لإعادة قراءة علاقات أفريقيا مع العالم

مشاركون قالوا إن القارة السمراء مطالبة بثورة ثقافية وسياسية حقيقية لمراجعة تاريخها

مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
TT

«منتدى أصيلة»: دعوات لإعادة قراءة علاقات أفريقيا مع العالم

مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)

قال خبراء ودبلوماسيون وسياسيون، مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول»، إن أفريقيا مطالبة بثورة ثقافية وسياسية حقيقية لمراجعة تاريخها، وإعادة تركيب مكونات التفكير في إشكالياتها الكبرى، وإعادة قراءة علاقاتها مع العالم، خصوصاً مع الغرب، عادّين أنها مطالبة، في الوقت نفسه بإقامة علاقات تعاون مع الغرب؛ لأن الجغرافيا والتاريخ والتحديات المشتركة تحتم عليها ذلك.

وانطلقت الندوة، التي نسقها أليون صال، الخبير الدبلوماسي السنغالي والمدير التنفيذي لمعهد المستقبل الأفريقي في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا، من أرضية ترى أنه لم يعد بالإمكان الحديث عن العلاقات الأفريقية -الغربية دون مراعاة التحولات الكبرى، التي عرفتها المنطقتان، وما يترتب على هذه التحولات من خيارات ورؤى استراتيجية جديدة، موضحاً أنه لا بد من الإقرار بأن تركيبة العالم الغربي تغيرت نوعياً في مرحلة تشهد تعطل المشروع الاندماجي الأوروبي، وعودة الحرب إلى القارة، وانعكاس الأزمات الاقتصادية والمالية والمناخية والطاقية على البلدان الأوروبية. كما أن الولايات المتحدة تعرف تحولات مماثلة، تظهر بوضوح على طبيعة المسار السياسي والانتخابي، ومحددات الحراك الاجتماعي، في الوقت الذي شهدت فيه أفريقيا تحولات نوعية كبرى، إذ لم تعد طرفاً هامشياً تابعاً للغرب، بل أصبحت تتلمس حالياً طرق التنمية المستقلة والاستقرار السياسي والبناء الإقليمي، بما يقتضي منها الإحجام عن استنساخ النموذج الغريب في الحكم والتنمية، ومن ثم العمل على بناء شراكة بديلة مع الغرب.

وقال محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة «منتدى أصيلة»، ووزير خارجية المغرب الأسبق، في كلمة افتتاح الندوة (مساء أمس) إن الغرب، بحكم الجوار والماضي الاستعماري وكل الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية مع غالبية الدول الأفريقية، حاضر في كل الدراسات والمناقشات. ورأى أن مرجع أغلبية المخاضات التي تعيشها أغلبية دول القارة السمراء هي مسألة الماضي وتقييم المستقبل، انطلاقاً من الهيمنة التي تمارسها دول غربية على أغلبية دول أفريقيا. وشدد على أن أفريقيا «تتطلع إلى التخلص من سيطرة ووصاية الغرب عليها، ونحن نعيش اليوم على رؤى جديدة لأفريقيا والغرب، ونشاهد توجهات سياسية تمس باستقرار القارة وشعوبها، وتنذر بتصدعات كبيرة في الحكم والثروات، حيث تتعرض القارة الأفريقية لسباق بين قوى الشرق والغرب، في ظل حركات إرهابية تهدد سيادة الدول واستقلالها، وتشجع التوجهات الانفصالية، هنا وهناك». ودعا بن عيسى، في هذا السياق، إلى علاقات جديدة مع الآخر، تحترم كرامة الإنسان الأفريقي وتطلعاته وقيمه وثقافته.

محمد بن عيسى الأمين العام لمؤسسة «منتدى أصيلة» خلال إلقاء كلمته (الشرق الأوسط)

من جهته، انطلق أليون صال، في مداخلته من عنوان الندوة، من خلال عملية تفكيكية، ركزت على «أفريقيا والغرب». وقال إن «أفريقيا قارة، بينما الغرب مفهوم بحمولة مختلفة على المستويَين الثقافي والجغرافي، إذ يرتبط في الفهم العام بجملة من العناوين والمحددات، حيث يتم ربطه بالمسيحية والليبرالية، وبنموذج اقتصادي، يقوم على التكنولوجيا، وما تستدعيه من أدوار على مستوى العولمة. أما على المستوى الأمني، فيتم ربط الغرب بحلف شمال الأطلسي».

جانب من الحضور (الشرق الأوسط)

بدوره، تحدث الشيخ تيديان غاديو، نائب رئيس الجمعية الوطنية السنغالية ورئيس المعهد الأفريقي للاستراتيجية والسلم والحكامة ووزير الخارجية سابقاً، عن الغرب الذي فقد السيطرة على المستقبل. وقال إن أفريقيا عانت في السابق، مشيراً إلى «الدور الذي لعبه الاستعمار على مستوى بلقنة القارة الأفريقية». وقال إنه «لا شيء تغير في أفريقيا بعد أكثر من 7 عقود على نيل استقلالها. لا شيء، لا على مستوى الصحة أو التعليم أو البنى التحية، وغيرها»، داعياً إلى تشجيع الشباب ومنحهم فرص النجاح، بتكوينهم ووضعهم في خضم التحولات التكنولوجية الجارية. ورأى أن أخطر ما في الأمر بالنسبة للقارة الأفريقية يبقى عدم حل إشكالية الحوكمة، مشيراً إلى أن غرب أفريقيا شهد 7 انقلابات في السنوات الأخيرة، مع تشديده على أن القارة الأفريقية ضحية عنف إرهابي، يؤثر في المسألة الأمنية التي هي أساس التنمية.

جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)

من جهتها، تناولت المالية راكي تالا ديارا، نائب رئيس المجلس الانتقالي ووزيرة العمل والوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة والعلاقات مع المؤسسات سابقاً، «ثنائية أفريقيا والغرب»، مشيرة إلى أن هذا الأخير يرتبط بصنافة مفاهيم مرافقة، من قبيل الديمقراطية والرأسمالية والليبرالية. وتحدثت عن عدد من الأحداث التي جاءت أخيراً لتؤثر سلباً فيما هو اقتصادي واستراتيجي، على مستوى العالم، من قبيل «كوفيد-19» وحرب أوكرانيا. ودعت ديارا الأفارقة إلى الثقة في الذات، وتطوير التعاون جنوب - جنوب؛ لمواجهة التحديات الجديدة. ورأت أن الغرب منظم وله استراتيجيات واضحة، بينما يحدث العكس في أفريقيا.

من جانبه، رأى خطار أبو دياب، المحلل السياسي، أن «أفريقيا، للأسف ضحية للتنافس الدولي وللتحولات التي يشهدها العالم». وأوضح أن لكل مآربه ومراميه من وراء علاقاته مع أفريقيا، سواء من الشرق أو من الغرب، مشيراً إلى التنافس الذي صار بين «البريكس» و«مجموعة العشرين» على أفريقيا. ورأى أن كل هذا يعني أن أفريقيا تتطور. لكنه تساءل في هذا السياق عن الكيفية التي يمكن أن تكون بها أفريقيا للأفارقة. ورأى أن للغرب مسؤولية كبيرة فيما عاشته وتعيشه أفريقيا. غير أنه شدد على أن أفريقيا مطالبة هي الأخرى بالنظر إلى وجهها في المرآة، وتحديد استراتيجية جديدة للتعامل مع التحديات والمستجدات.

في السياق ذاته، طرح إدريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة بالداخلة المغربية، في مستهل مداخلته، 3 أسئلة حول العلاقة بين أفريقيا والغرب، حول ماهية حالة أفريقيا وحالة الغرب في ظل العالم الجديد، وكيف أنه يتعين على أفريقيا القرن الـ21 أن تتعامل مع الغرب ومع العالم الجديد، وما التحديات التي يتوجب التعاطي معها من طرف أفريقيا نحو مستقبل مشترك وممكن مع الغرب.

وقال الكراوي، إن ما يميز العالم الجديد يتمثل في التدهور والانخفاض والتقلص المتنامي لمكانة وأدوار وقوة الغرب داخل العالم الجديد، وهو شيء «مرده إلى كون النماذج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقيمي، التي بنى عليها الغرب حضارته، بلغت مداها، وهذا ما جعله يفقد مكانته». ورأى الكراوي أن الانحسارَين الاقتصادي والمجتمعي والأزمة البنيوية للنموذج الغربي للديمقراطية كلها عناصر أدت إلى أن الغرب لم يعد اليوم مرجعاً، لا آيديولوجياً، ولا ثقافياً، ولا حضارياً.

وفي المقابل، تحدث الكراوي عن وعي متنامٍ لأفريقيا، في ظل العالم الجديد، شعوباً ونخباً سياسية واقتصادية وعلمية وثقافية ودينية، بالدور المستقبلي الرائد الذي يمكن أن تلعبه بوصفها قاطرة للاقتصاد العالمي، وقطباً قوياً وجديداً للنمو، ورافعةً بشرية لإنجاح التحديات المرتبطة بالانتقالات الجوهرية، بيئياً وطاقياً ورقمياً، وكذا بالمجالات الحيوية المرتبطة بالسيادة الغذائية والمائية والدوائية، وتلك المتعلقة بالتنوع البيولوجي، وتثمين الرأسمال غير المادي الذي تزخر به القارة السمراء كماً ونوعاً. ورأى الكراوي أن أفريقيا تتوفر اليوم على مميزات تنافسية واستراتيجية تؤهلها لأن تلعب مستقبلاً أدوراً طلائعية داخل العالم الجديد.

وخلص الكراوي إلى أنه على أفريقيا أن تكون واعية بأن الدخول في التحالف الجيواستراتيجي الجديد يتطلب توفير 3 شروط؛ أولها بناء جيل جديد من التنمية المتبادلة، ومواجهة التحالفات الجديدة، وتحقيق السلم والأمن من خلال 3 أولويات: في الساحل، وفي الشرق الأوسط ممثلاً في القضية الفلسطينية، وفي المغرب من خلال شرعنة دولية لمغربية الصحراء.



أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.


مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
TT

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط، بعدما تحولت نقطةً متكررة لإنقاذ المهاجرين وانتشال الضحايا، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر التي تحيط بمحاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي» عبر قوارب متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة.

وأعلنت رئاسة الأركان البحرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، الأربعاء، عن إنقاذ 106 مهاجرين غير نظاميين، كانوا على متن قاربين في عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تعرضهم لظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وضمت المجموعة مهاجرين من جنسيات متعددة، بينها اليمن والسودان وبنغلاديش، إضافة إلى عدد من النساء، حيث جرى نقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، قبل أن تتولى فرق الهلال الأحمر تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني اللازم لهم.

وحمّلت السلطات الليبية شبكات تهريب البشر، أو ما وصفتهم بـ«العصابات الإجرامية» مسؤولية هذا الحوادث، مشيرة إلى أنها تدفع بالمهاجرين نحو البحر في قوارب خشبية أو مطاطية بدائية، غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، في رحلات غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان قبل بلوغ شواطئ «الحلم الأوروبي»، الذي يطاردهم من دول النزاع والفقر.

جثة مهاجر غير نظامي لحظة انتشالها في شاطئ بمدينة طبرق الليبية الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

ولم تكن هذه هي عملية الإنقاذ الأولى في محيط طبرق خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من هذه العمليات. فقد أعلن الهلال الأحمر الليبي، الثلاثاء، تقديم مساعدات إنسانية لـ41 مهاجراً من جنسيات مختلفة بعد إنقاذهم من رحلة بحرية شاقة في عرض المتوسط، وسط تزايد البلاغات عن قوارب تواجه أعطالاً، وظروفاً خطيرة أثناء محاولتها الوصول إلى أوروبا.

كما سبق ذلك إعلان آخر يوم الاثنين عن إنقاذ 36 مهاجراً غير نظامي، 23 مصرياً و13 سودانياً، إضافة إلى نساء وأطفال دون السن القانونية، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحول السعي وراء «الحلم الأوروبي» تجربةً إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

ويلحظ طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، أن مناطق شرق ليبيا، لا سيما طبرق، باتت تشهد في الآونة الأخيرة موجة خروج ملحوظة لقوارب الهجرة غير النظامية، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض هذه القوارب يتم اعتراضها وإعادتها، في حين ينجح بعضها الآخر في مواصلة الرحلة.

ناجون من أحد قوارب الموت في مدينة طبرق الليبية (الهلال الأحمر الليبي)

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أن ليبيا ما زالت تمثل أحد أهم ممرات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وما تبعه من حالة انقسام أمني وسياسي سمحت بازدهار شبكات التهريب عبر السواحل والصحراء.

وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين، الذين جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى الأراضي الليبية منذ بداية عام 2026 نحو 4407 مهاجرين، بينهم 181 خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على استمرار محاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، رغم تصاعد المخاطر البحرية. وتقدر المنظمة أن مئات المهاجرين فقدوا حياتهم، أو اختفوا في مسارات وسط البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

في غضون ذلك، لا تزال شواطئ طبرق تستقبل المزيد من الجثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها السبت، أسفر عن مصرع ستة أشخاص على الأقل وإنقاذ أربعة آخرين. ومنذ ذلك الحادث، تتوالى عمليات انتشال الجثث على فترات متقطعة، حيث تم العثور على 12 جثة، من بينها مهاجرون مصريون وسودانيون.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، فقد سُجل وجود 939638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

إلا أن رئيس «جهاز مكافحة الهجرة»، في شرق ليبيا، اللواء صلاح الخفيفي، قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الأرقام الرسمية المتاحة لدى السلطات في شرق ليبيا، تشير إلى أن «مراكز الاحتجاز تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي، وقد تم ترحيل 41 ألف شخص العام الماضي».

وتعيد هذه الحوادث المتكررة تسليط الضوء على المفارقة القاسية، التي يعيشها آلاف المهاجرين، بين حلم الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، وبين واقع بحري شديد الخطورة، تتحول فيه الرحلة من أمل بالنجاة مواجهةً مفتوحةً مع الموت في عرض المتوسط.


تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)

وسط انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين، أبرز تعطل أنظمة (سيستم) هيئة التأمينات الاجتماعية المستمر منذ نحو شهر، تحديات «التحول الرقمي» في مصر مع تكرار المشكلات التقنية.

ويواجه النظام الإلكتروني للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عطلاً فنياً على مستوى المحافظات، ما أدى إلى تعطل عدد من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، وتوقف استخراج العديد من المستندات الأساسية، بينها صرف مستحقات عدد من أصحاب المعاشات.

وأثار استمرار العطل انتقادات برلمانية، وتقدم عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم سحر البزار، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء، مطالبين بتوضيحٍ بشأن ما تم رصده من شكاوى متزايدة حول تأخر صرف المعاشات وتعطل عدد من خدمات منظومة التأمينات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أصحاب المعاشات، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجاً واعتماداً على هذا الدخل مصدراً أساسياً للمعيشة.

وزير الاتصالات المصري رأفت هندي خلال افتتاح أحد مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات)

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلس بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب، موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بتعطل منظومة الخدمات داخل هيئة التأمينات الاجتماعية في أعقاب تطبيق نظام التحول الرقمي الجديد (CRM).

تسهيل أم تعطيل؟

يقول خبير أمن المعلومات، المهندس إسلام غانم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهم العناصر التي تسبب مشكلات تتعلق بالتحول الرقمي هو العامل الاقتصادي، موضحاً: «تقوم المؤسسات بشراء نظام تشغيل أقل تكلفة، وقد يتبين بعد ذلك عدم ملاءمته للاستخدامات، أو ضعف جودته».

وتابع قائلاً: «في بعض المؤسسات يقوم المحاسبون بتحديد نظام التشغيل الذي تشتريه المؤسسة بالاختيار بين عروض شركات مختلفة انطلاقاً من التكلفة، دون الالتفات لرأي خبراء التكنولوجيا والمعلومات».

واعتبر عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في طلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، الأربعاء، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد عطل فني عابر، بل هو «فضيحة إدارية ورقمية مكتملة الأركان، دفعت ثمنها الفئات الأضعف، وفي مقدمتها أصحاب المعاشات والأسر التي تنتظر مستحقاتها، والمواطنون الذين فوجئوا بأن حقوقهم أصبحت معلقة على جملة واحدة: السيستم واقع».

وقال البياضي في طلب الإحاطة إن «التحول الرقمي لا يكون بتعطيل الناس، ولا بإغلاق أبواب المصالح العامة في وجوه المواطنين»، مضيفاً أن الحكومة «لا يجوز لها أن تنفق أموالاً طائلة على منظومات يفترض أنها لتسهيل الخدمة، ثم تكون النتيجة النهائية هي شلل كامل في الأداء ووقف حال الناس».

افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية بمحافظة الجيزة قبل أيام (وزارة الاتصالات المصرية)

العراقيل والحلول

ويرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، محمد حمزة، أن التحول الرقمي في مصر يواجه تحديات مركبة، أبرزها «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق؛ فما زال الإنترنت والخدمات الرقمية غير مستقرة أو بطيئة، ما يعرقل استخدام الأنظمة الإلكترونية».

وأشار أيضاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى نقص المهارات الرقمية كأحد المعوقات، قائلاً: «يحتاج جزء كبير من المواطنين والموظفين إلى تدريب أفضل». كما تحدث عن ارتفاع تكلفة التحول الرقمي الذي قال إنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الأجهزة والبرامج والتدريب والصيانة والتأمين الإلكتروني.

واستطرد: «البيروقراطية ومقاومة التغيير يقفان عائقاً أمام انطلاق التحول الرقمي؛ فبعض الجهات ما زالت تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية مما يبطئ الانتقال، فضلاً عن مشكلة عدم تكامل البيانات بين الجهات المختلفة، ويؤدي ذلك إلى وجود قواعد بيانات منفصلة بين الجهات المختلفة ينتج عنها تكرار إدخال البيانات».

وهو يرى أن مصر في حاجة إلى تحديثات تشريعية؛ «لأن التطور التكنولوجي السريع يتطلب قوانين تنظم المعاملات الرقمية وتحمي الحقوق، وتضمن الأمن السيبراني وحماية البيانات».

وتحدث حمزة عن خسائر تتسبب فيها مشكلات التحول الرقمي، منها «تعطيل أو بطء الخدمات والأنشطة، وما يصحبه من خسائر مالية، وانخفاض الإنتاج، وزيادة تكلفة التشغيل؛ حيث تضطر الوزارات إلى العودة للنظام الورقي. وأحياناً يؤدي تكرار الأعطال إلى فقدان ثقة المستثمرين بالأنظمة التكنولوجية».

وبحسب تصريحات أدلى بها مصدر مسؤول بالهيئة القومية للتأمينات لوسائل إعلام محلية، الثلاثاء، فإنه «يتم حالياً تطبيق نظام إلكتروني جديد على مستوى الجمهورية، وهو ما صاحبه ظهور بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة الإطلاق الأولى»، مؤكداً أن «الفرق الفنية تبذل جهوداً مكثفة للانتهاء من تشغيل السيستم الجديد بشكل كامل»، متوقعاً عودة الخدمات تدريجياً خلال الفترة القريبة المقبلة.