65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

عاشت فرنسا خلال 65 عاماً من تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1958، نظاماً شهد استقراراً سياسيا بشكل عام، تمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كبيرة، وتراجعت فيه حدة الصراعات البرلمانية التي طبعت تاريخ جمهوريات فرنسية سابقة. وقد أثبتت هذه الجمهورية حتى اليوم مرونة وقدرة على التكيّف.

فما أبرز أسباب استمرارية الجمهورية الخامسة، وما أبرز محطاتها؟

مرونة وقدرة على التكيّف

السبب الرئيسي وراء طول عمر الجمهورية الخامسة التي ما زالت معتمدة حتى اليوم، هو مرونتها وقدرتها على التكيف. فعلى الرغم من أنها لم يتم التشكيك فيها رسمياً منذ التصديق على دستورها، فإنها استمرت في الإصلاح والتطور، وفق تقرير نشرته الأربعاء صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

 

تمكن نظام الجمهورية الخامسة من الرد على أزمة سياسية عميقة وصراعات تدور حول الحرب الجزائرية. وفي 13 مايو (أيار) 1958، وافقت الحكومة الفرنسية على مهام خاصة للجنرال شارل ديغول، الذي أصبح رئيساً للحكومة. وقد لعب ديغول دوراً رئيسياً في وضع دستور جديد تمت الموافقة عليه من خلال استفتاء في 28 سبتمبر (أيلول) 1958، الذي بدأت معه الجمهورية الخامسة في 4 أكتوبر من العام نفسه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لإعلان الدستور الفرنسي لعام 1958 في المجلس الدستوري  في باريس 4 أكتوبر 2023 (رويترز)

بميلاد الجمهورية الخامسة دُفنت الجمهورية الرابعة. فوفق «لوفيغارو»، جاء دستور 1958، ليضع حداً لنظام تهيمن عليه الجمعية العامة (البرلمان) و«النظام الحزبي» الذي فشل في حل أزمة الحرب الجزائرية. وكان المقصود من الدستور أولاً وقبل كل شيء، الرد على النظام البرلماني الذي منع فرنسا من المقاومة في الحرب العالمية الثانية حيث تعرضت لهزيمة 1940 أمام النازيين، وهي هزيمة أنهت نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة البرلماني.

ميشيل ديبري حافظ الأختام الفرنسي (وزير العدل) يقدم دستور الجمهورية الخامسة بعد ختمه في 6 أكتوبر 1958 (أ.ف.ب - أرشيفية)

تعديلات دستورية

 

من عام 1960 إلى عام 2008، تم تنقيح نظام الجمهورية الخامسة أربعاً وعشرين مرة، تمت إعادة كتابة أو تعديل 66 مادة من القانون الأساسي.

جاء أول تعديل دستوري، بتاريخ 4 يونيو (حزيران) 1960، ليسمح باستقلال المستعمرات الأفريقية السابقة، بحسب التعديل على المادة 86 من الدستور، حسبما أوضح موقع المجلس الدستوري الفرنسي.

وجاءت تعديلات أخرى لاحقاً، منها للسماح بالتصديق على بعض الاتفاقات الدولية (حق اللجوء في عام 1993، والمحكمة الجنائية الدولية في عام 1999). وكانت تعديلات أخرى أكثر حسما؛ حيث ساهمت في تعديل نص وروح وممارسات المؤسسات، بدءاً بالمراجعات المتعلقة بالمهام الرئاسية نفسها، وفق «لوفيغارو».

المجلس الدستوري الفرنسي في باريس 3 مايو 2023 (رويترز)

أول التعديلات المرتبطة بالرئاسة هو أن انتخاب رئيس الدولة أصبح يتم بالاقتراع العام المباشر، وليس من خلال هيئة تضم 80 ألف ناخب. وتم اعتماده في استفتاء في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 بأغلبية 76.97 في المائة من أصوات الشعب الفرنسي. هذه هي نقطة التحول الأكثر جذرية في نظام الجمهورية الخامسة وفق «لوفيغارو». فحتى لو لم يتم تعديل أي مادة أخرى تتعلق بصلاحيات الرئيس والحكومة والبرلمان، فإن الاقتراع الشعبي يمنح الشرعية لرئيس الدولة، وبالتالي السلطة، ما يجعله الشخصية التي ينطلق منها كل شيء، والتي يعود إليها كل شيء.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مارس 2007 (أ.ف.ب - أرشيفية)

وجرى تعديل رئيسي للدستور بالانتقال من ولاية لرئيس الجمهورية مدتها سبع سنوات إلى ولاية مدتها خمس سنوات، بعد استفتاء على التعديل في 24 سبتمبر 2000 على عهد الرئيس جاك شيراك نال أغلبية كبيرة جداً (73.21 في المائة صوتوا «نعم»، ولكن مع امتناع قياسي للتصويت بلغ 69.81 في المائة). ولأن الولاية الرئاسية وولاية النواب أصبحتا الآن متزامنتين، ولأن الانتخابات التشريعية تجري منذ عام 2002 في أعقاب الانتخابات الرئاسية، فإن الأغلبية البرلمانية أصبحت أكثر من أي وقت مضى امتدادا بسبب طريقة التصويت، للأغلبية الرئاسية. على الأقل، كان هذا صحيحا حتى عام 2022 عندما حصل ماكرون، الذي أعيد انتخابه رئيسا، على أغلبية نسبية فقط، حسب «لوفيغارو».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحتفل بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 (أ.ف.ب)

فاعلية بوجه الأزمات

وفق معهد «مونتين» الفرنسي للدراسات، قدمت الجمهورية الخامسة الفرنسية أدلة عديدة على فاعليتها. ففي مواجهة أزمات مثل الانقلاب العسكري عام 1961، والثورة الاجتماعية عام 1968، تمكنت الجمهورية من التغلب عليها بالأدوات الدستورية: الصلاحيات الكاملة التي مُنحت لرئيس الجمهورية عبر المادة 16 في الحالة الأولى، وحل الجمعية الوطنية في الحالة الثانية.

 

وبحسب «المجلة السياسية والبرلمانية» الفرنسية في تقرير صدر الأربعاء، فإنه في عام 1968، سمحت صلاحية «الحل» الرئاسية التي منحتها للجنرال ديغول بطي صفحة أسابيع عدة من المظاهرات. وعندما حدثت وفاة الرئيس بومبيدو في عام 1974، ضمن الدستور استمرارية دولة قوية من خلال تولي رئيس مجلس الشيوخ الرئاسة مؤقتاً. وفي الأعوام 1986 و1993 و1997، تمكنت الجمهورية من التغلب على «اختبار الحقيقة» مع «التعايشات» المختلفة («التعايش» يكون بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومته لا ينتميان إلى الحزب السياسي نفسه).

شارل ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك خلال مقابلة أجريت معه في 7 يونيو 1968 (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويكمن السبب الأساسي لهذه الفاعلية في أن السلطة تُسند بشكل واضح إلى الشعب، وبشكل رئيسي إلى رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر، وفق معهد «مونتين» للدراسات، وتتبع الأغلبية الانتخابية أغلبية برلمانية تدعم أغلبية حكومية، ويتزامن انتخاب هذه الأغلبيات الثلاث، مع بعض الاستثناءات. وبات هذا التزامن متناسقا أكثر مع تقليص الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات (عام 2000) وإجراء الانتخابات النيابية الحاسمة «التشريعية» مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية.

متظاهرون فرنسيون في باريس 12 فبراير 2022 (رويترز)

ديمومة أنظمة فرنسية معاصرة

من حيث الديمومة، تعد الجمهورية الفرنسية الثالثة، التي ولدت بعد حرب عام 1870، وانتهت بهزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1940، الوحيدة بين الجمهوريات الفرنسية التي استمرت لمدة أطول من الجمهورية الخامسة: سبعين عاماً. وإذا أُخذ بعين الاعتبار أن تأسيس الجمهورية الثالثة تم فعلياً من خلال القوانين الدستورية الصادرة في فبراير (شباط) 1875، يكون عمر الجمهوريتين الثالثة والخامسة متساوياً ﺑ65 عاماً.

 

في المقابل، عاشت إمبراطورية نابليون الثالث ثمانية عشر عاماً (1852 - 1870) وإمبراطورية نابليون الأول بقيت أقل من أحد عشر عاماً (1804 - 1815)، ومَلَكية يوليو وعلى رأسها الملك لويس فيليب استمرت ما يقرب من ثمانية عشر عاماً (بين ثورة 1830 وثورة 1848). واثنا عشر عاماً للجمهورية الفرنسية الأولى (1792 - 1804)، واثنا عشر عاماً للجمهورية الرابعة (1946 - 1958).

طائرات ألفا التابعة للقوات الجوية الفرنسية تحلق فوق شارع الشانزليزيه خلال العرض العسكري التقليدي ليوم الباستيل (اليوم الوطني الفرنسي) في باريس 14 يوليو 2017 (رويترز)

في مجتمع سريع التغير، تواجه الجمهورية الفرنسية الخامسة اليوم تحديات عديدة. وسيحاول رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، وفق تقرير «المجلة السياسية والبرلمانية»، إطلاق سلسلة من الإصلاحات الدستورية في الأشهر المقبلة ليواجه مسائل مثل مطالب استقلال كاليدونيا الجديدة عن فرنسا، والحكم الذاتي لجزيرة كورسيكا، واللامركزية، ودعوة الرئيس إلى الاستفتاء (في القضايا الكبرى).


مقالات ذات صلة

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

العالم عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز) p-circle

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

تتأرجح قضايا توقيف الإعلاميين دولياً بين الاتهامات السياسية المفبركة لاستخدامهم كأوراق ضغط، وثبوت استغلال الغطاء الصحافي أحياناً في أنشطة استخباراتية سرية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
يوميات الشرق رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا حملات الاعتقال والتهجير الجماعي التي شهدها الميناء القديم بمدينة مرسيليا  والمعروفة تاريخياً بـ«رافل Vieux-Port» (ويكيبيديا)

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

القضاء الفرنسي يصنف مداهمات «رافل» بمرسيليا عام 1943 جريمة ضد الإنسانية، منهياً عقوداً من الصمت، لينتصر للضحايا ويعيد كتابة الذاكرة التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.


موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتشن هجوماً واسعاً على البنى التحتية الأوكرانية

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتشن هجوماً واسعاً على البنى التحتية الأوكرانية

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

انعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال. وشنت موسكو، التي لم تعلن سابقاً التزامها «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في كييف ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى. ووجهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، واتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال.

انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)

وبعد ليلة عنيفة استهدفت خلالها الصواريخ الروسية عشرات المواقع الحيوية في قطاعي الطاقة والاتصالات، اتسعت دائرة السجالات بشأن انعكاسات التوتر في علاقات واشنطن بالرئيس الأوكراني على العمليات العسكرية ومسار التسوية السياسية بشكل عام. وسعى الكرملين إلى تأكيد أنه لا يرغب في اتساع الهوة بين واشنطن وكييف.

وقال الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف، إن «الخلافات بين كييف وواشنطن لن تُسهم في تسريع وتيرة التقدم نحو تسوية سلمية في أوكرانيا». وأشار بيسكوف إلى أن «أسلوب نظام كييف معروف، لكن من غير المرجح أن يُفيدهم الخلاف مع الرئيس الأميركي».

وبدا أن العبارة موجهة بالدرجة الأولى إلى مساعي زيلينسكي تعزيز شبكة الحماية الأوروبية في مواجهة تصاعد نبرة الانتقادات الأميركية ضده، وتفاقم انعكاساتها ميدانياً.

وفي هذا السياق، كرر زيلينسكي، الأربعاء، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف».

وكتب بعد اجتماعه مع رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

يتفقد عناصر الشرطة الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مسيَّرة روسية في كييف (أ.ف.ب)

في اليوم السابق، كان زيلينسكي قد اشتكى من تراجع الدعم الاستخباراتي الأميركي؛ مما جعل الجيش الأوكراني عاجزاً عن رصد الإطلاقات الصاروخية الروسية في وقت مناسب. لكن واشنطن أعلنت أنها لم تقلص التعاون مع كييف في هذا المجال، وذكر موقع «بوليتيكو» لاحقاً أن الجانب الأميركي عزا ذلك إلى سوء الأحوال الجوية. بينما أفادت شبكة «سي إن إن» بأن واشنطن كانت قد حذرت كييف خلال عطلة نهاية الأسبوع من استعدادها لوقف تبادل البيانات الاستخباراتية. ووفقاً لموقع «بوليتيكو»، فقد يُمنع الجيش الأوكراني أيضاً من الوصول إلى اتصالات «ستارلينك» عبر الأقمار الاصطناعية.

وزاد هذا الوضع من استياء القادة الأوكرانيين تجاه واشنطن، واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، الأربعاء، الولايات المتحدة بمساعدة روسيا في حربها ضد أوكرانيا، مؤكداً أن واشنطن لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك».

عنصران من الشرطة يعملان بموقع في كييف بعد استهدافه بغارة جوية روسية (رويترز)

وأضاف المسؤول، الذي تحدث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» وفضّل عدم الكشف عن هويته: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة»، مضيفاً أنه «فضلاً عن ذلك، فقد خفض الأميركيون سرعة شبكة (ستارلينك)».

إلى ذلك، قال أحد المستشارين التقنيين للرئيس الأوكراني، الأربعاء، إن القيود المفروضة على تشغيل محطات الإنترنت التابعة لـ«ستارلينك» منعت أوكرانيا من التصدي للطائرات المسيرة النفاثة، وذلك بعد ليلة من الهجمات الروسية واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد.

وقال المستشار سيرغي بسكريستنوف في منشور عبر «تلغرام»: «عبر هذه التصرفات، يحرمنا شركاؤنا من إحدى الوسائل القليلة المتاحة لنا للدفاع عن البلاد ضد طائرات (شاهد) المسيّرة التي تعمل بالمحركات النفاثة».

وقُتل 6 أشخاص، على الأقل، في غارات روسية على أوكرانيا، ليل الثلاثاء - الأربعاء، وفق ما أفادت به السلطات، في وقت أعلنت فيه موسكو عن إسقاط أكثر من 900 مسيَّرة أطلقتها أوكرانيا خلال الليل. ووفق معطيات أوكرانية، فقد تعرضت محطة ضخمة لتوليد الكهرباء في كييف لهجوم.

وكتب زيلينسكي، عبر «فيسبوك»: «هجوم صاروخي باليستي روسي على كييف. مرة أخرى، لم يصدر أي تحذير مسبق من جانب شركائنا. كان الهدف الرئيسي منشأة للطاقة، وتحديداً (محطة التوليد الحراري رقم4)».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

وتابع زيلينسكي: «لم ترصد أنظمتنا هذه الصواريخ إلا عندما كانت تقترب فعلياً من كييف»، واصفاً المحطة المستهدَفة بأنها «منشأة طاقة أساسية في كييف». وأضاف: «لا يكتفي الروس بتدمير بنيتنا التحتية للطاقة، بل إن أوكرانيا لا تتلقى حتى تحذيرات مسبقة بشأن إطلاق الصواريخ الباليستية».

وأفاد موقع «بوليتيكو» بأن الجيش الأوكراني يحاول حل مسألة القيود المفروضة على خدمة «ستارلينك» في أوكرانيا مع الولايات المتحدة، كما يبحث عن بدائل للمحطات. وصرّح سيرغي ستيرنينكو، مستشار وزير الدفاع الأوكراني السابق، بأن تشغيل محطات اتصالات «ستارلينك» عبر الأقمار الاصطناعية قد جرى تقييده طيلة الليل. ووفق قوله، فعندما تجاوزت السرعة 160 كيلومتراً في الساعة، بدأت الاتصالات تنقطع، مما أعاق القوات المسلحة الأوكرانية.

وذكرت الشبكة، نقلاً عن مسؤول لم تسمّه، أن «القوات المسلحة الأوكرانية تحاول حالياً حلّ هذه المشكلة (مشكلة ستارلينك) عبر القنوات العسكرية مع الولايات المتحدة، وتبحث عن بدائل».

اللافت أن موسكو أعلنت، في بيان أصدرته وزارة الدفاع، أنها شنت هجمات واسعة على البنى التحتية للطاقة والاتصالات في أوكرانيا، متجاهلة بذلك «هدنة الطاقة» التي أعلنها ترمب ورضخ لها زيلينسكي. وكانت موسكو أعلنت أنها «تبحث مع واشنطن تفاصيل الهدنة المعلنة» لكنها لم تعلن التزاماً ببنودها.

ووفق بيان وزارة الدفاع الروسية، فقد وُجّهت ضربات لمواقع الاتصالات والطاقة في كييف وخاركيف. وأفاد البيان بأنه «يستمر تدمير البنية التحتية واللوجستيات، ووُجّهت ضربة ليلية لمواقع الاتصالات والطاقة في كييف ومقاطعتها شمال أوكرانيا، وخاركيف ومقاطعتها شمال شرقيها». وأوضح البيان العسكري أن الضربة أسفرت عن إصابة أهداف في كييف العاصمة بينها: «مركز معالجة البيانات (ATM Ukrsibbank)»، الذي كان يتبادل حركة الإنترنت بهدف جمع معلومات استخبارية عن القوات المسلحة الروسية؛ ومحطة الطاقة الحرارية المشتركة «دارنيتسكايا (CHP-4)»، التي تزود منشآت المجمع الصناعي العسكري في كييف بالكهرباء، ومحطة الطاقة الحرارية المشتركة «كييفسكايا (CHP-5)»، التي تزود أهدافاً عسكرية ومؤسسات تابعة للمجمع الصناعي العسكري في كييف ومقاطعة كييف بالكهرباء.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت من القصف في كييف... أين الحقيقة بحرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وفي مقاطعة كييف؛ محطة الطاقة الحرارية المشتركة «كييفسكايا (CHP-6)»، التي تزود بالكهرباء منشآت اللوجستيات العسكرية ومخازن الأسلحة والمعدات العسكرية في الجزء الشمالي الشرقي من مقاطعة كييف؛ ومحطة الطاقة الحرارية «تريبولسكايا»، التي تورد الكهرباء إلى منشآت المجمع الصناعي العسكري في كييف ومقاطعة كييف؛ ومحطة التحويل الفرعية «كييفسكايا»، التي تضمن نقل الكهرباء من المقاطعات الغربية لأوكرانيا وتوزيعها على منشآت القوات المسلحة الأوكرانية في مقاطعة كييف.

وفي خاركيف ومحيطها، استُهدفت محطة الطاقة الحرارية المشتركة «خاركوفسكايا (CHP-5)»، التي تزود بالكهرباء منشآت المجمع الصناعي العسكري في خاركيف والجزء الغربي من مقاطعة خاركيف؛ ومحطة الطاقة الحرارية «زمييفسكايا»، التي تورد الكهرباء إلى منشآت القوات المسلحة الأوكرانية في الجزء الجنوبي الشرقي من مقاطعة خاركيف.

كما أعلنت الوزارة عن استهداف محطات سكك حديدية ومرافق اتصالات قالت إنها تعمل لخدمة الجيش.

في المقابل، أعلنت موسكو أنها تصدت خلال اليوم الأخير لهجمات أكثر من 1420 مسيّرة أوكرانية استهدفت ضواحي العاصمة الروسية ومدناً أخرى.