اكتشاف وتطوير «الجسيمات النانوية» يمنح 3 علماء «نوبل الكيمياء»

التونسي الأصل منجي الباوندي من بينهم

الفائزون بـ«نوبل الكيمياء» لعام 2023 (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)
الفائزون بـ«نوبل الكيمياء» لعام 2023 (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)
TT

اكتشاف وتطوير «الجسيمات النانوية» يمنح 3 علماء «نوبل الكيمياء»

الفائزون بـ«نوبل الكيمياء» لعام 2023 (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)
الفائزون بـ«نوبل الكيمياء» لعام 2023 (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)

مثلما كان لـ«الأتوثانية» وهي أقصر مقياس زمني حققه العلماء على الإطلاق، دور في فوز 3 علماء بـ«نوبل الفيزياء» 2023، وساهم تطوير «النقاط الكمومية»، وهي «جسيمات نانوية صغيرة جداً لدرجة أن حجمها يتحكم في خصائصها»، في حصد 3 علماء آخرين، أحدهم تونسي الأصل، جائزة «نوبل الكيمياء».

وأعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم المانحة لجائزة «نوبل الكيمياء»، الأربعاء، فوز منجي الباوندي (فرنسي المولد وتونسي الأصل)، ولويس بروس (من الولايات المتحدة) وأليكسي إكيموف (المولود في روسيا)، وهم علماء يعملون في الولايات المتحدة في مجال الجسيمات النانوية، بالجائزة «لاكتشاف وتطوير النقاط الكمومية».

والنقاط الكمومية هي جسيمات صغيرة جداً، يتراوح قطرها بين 2 إلى 10 نانومترات، وتستخدم هذه المكونات الأصغر من تكنولوجيا النانو الآن في نشر الضوء من أجهزة التلفزيون والمصابيح الثنائية الباعثة للضوء «LED»، ويمكنها أيضاً توجيه الجراحين عند إزالة أنسجة الورم، إذ تستخدم في تحفيز تفاعلات كيميائية محددة، ويمكن لضوئها الساطع تحفيز تألق الأنسجة الورمية وإضاءتها لتوجيه الجراحين في أثناء إزالة الأنسجة السرطانية وفي استخدامات أخرى»، وفق بيان الأكاديمية.

وكشفت لجنة «نوبل»، أن الفائزين جميعهم كانوا رواداً في استكشاف العالم النانوي، الذي يُقاس فيه حجم المادة بأجزاء من المليون من المليمتر.

منجي الباوندي

منجي الباوندي كيميائي أميركي نشأ في فرنسا وتونس، ويعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأميركية.

منجي الباوندي (إ.ب.أ)

ولد الباوندي في باريس عام 1961، وهو ابن الأميركي الجنسية والتونسي الأصل محمد صالح الباوندي، الذي عمل أستاذاً فخرياً لعلم الرياضيات في جامعة كاليفورنيا.

هاجر منجي منذ صغره إلى الولايات المتحدة بعد أن أمضى سنوات طفولته الأولى في فرنسا ثم في تونس، وحصل على شهادة الماجستير في الكيمياء من جامعة هارفارد سنة 1983 والدكتوراه في الكيمياء من جامعة شيكاغو سنة 1988، وأنشأ مختبرا للكيمياء؛ حيث انطلق في إجراء البحوث المتعددة بهدف مزيد من استكشاف العلوم وتطوير تكنولوجيا البلورات النانوية وغيرها من الهياكل النانوية المُصنّعة كيميائيا.

وتتركز أبحاث الباوندي بشكل كبير على دراسة النقاط الكمومية لأشباه الموصلات الغروية، وتنقسم مشروعاته البحثية في التحليل الطيفي وعلم الأحياء والأجهزة.

أما لويس بروس، فقد ولد عام 1943 في كليفلاند بولاية أوهايو الأميركية، وحصل على الدكتوراه عام 1969 من جامعة كولومبيا، ويعمل أستاذا بجامعة كولومبيا.

فيما ولد أليكسي إكيموف عام 1945 في روسيا وحصل على الدكتوراه عام 1974 من معهد يوفي الفيزيائي التقني، بسانت بطرسبرغ، ويعمل حاليا في شركة «نانوكريستلز تكنولوجي»، ومقرها الولايات المتحدة.

«النقاط الكمومية»

النقاط الكمومية هي عبارة عن بلورات صغيرة من أشباه الموصلات، يبلغ حجمها بضع ذرات فقط، وهي عبارة عن جزيئات ولكنها تحتوي على بعض خصائص الذرات المفردة.

ويتيح ذلك ضبطها حتى تتمكن من إصدار أطوال موجية محددة من الضوء. على سبيل المثال، يمكن للنقاط الكمومية من مركب «سيلينيد الكادميوم» أن تبعث ضوءاً أزرق إذا كانت الجسيمات صغيرة، لكنها تبعث ضوءا أحمر بالنسبة للبلورات الأكبر حجما.

وتُستخدم النقاط الكمومية في التطبيقات التي تحتاج إلى أطوال موجية محددة من الضوء، بدءا من شاشات التلفزيون الأكثر سطوعا وحتى التصوير البيولوجي، وفق «نيتشر».

كما تستخدم النقاط الكمومية في تطبيقات صناعية متعددة، منها مصابيح «ليد» (LED) التي تنتج ضوءا أكثر كفاءة من المصابيح التقليدية، بالإضافة لدورها في صنع أجهزة كومبيوتر أصغر وأكثر كفاءة.

وفي المجالات الطبية، يمكن استخدام النقاط الكمومية لتصوير الخلايا والأعضاء بدقة أكبر، كما يمكن استخدامها لعلاج السرطان عن طريق توجيه العلاج إلى الخلايا السرطانية فقط.

ماذا قدم الفائزون؟

لعقود من الزمن، كانت الظواهر الكمومية في العالم النانوي مجرد تنبؤ. وعندما أنتج أليكسي إكيموف ولويس بروس، النقاط الكمومية الأولى، عرف العلماء بالفعل أنها يمكن أن تتمتع بخصائص غير عادية من الناحية النظرية. ومع ذلك اعتقد عدد قليل من الناس أنه يمكن الاستفادة من التأثيرات الكمومية.

وأثناء حصوله على درجة الدكتوراه، درس إكيموف أشباه الموصلات، وهي مكونات مهمة في الإلكترونيات الدقيقة. وفي هذا المجال، تُستخدم الطرق البصرية بصفتها أدوات تشخيصية لتقييم جودة المواد شبه الموصلة. ويسلط الباحثون الضوء على المادة ويقيسون امتصاصها، ويكشف هذا عن المواد التي تتكون منها المادة ومدى ترتيب البنية البلورية، وفق بيان الأكاديمية.

وكان إكيموف على دراية بهذه الطرق، لذلك بدأ في استخدامها لفحص الزجاج الملون. وعقب إجراء بعض التجارب الأولية، قرر إنتاج الزجاج الملون بكلوريد النحاس بشكل منهجي. وقام بتسخين الزجاج المنصهر إلى نطاق من درجات الحرارة بين 500 درجة مئوية و700 درجة مئوية، مما أدى إلى تغيير وقت التسخين من ساعة واحدة إلى 96 ساعة. وبمجرد أن يبرد الزجاج ويتصلب، يقوم بتصويره بالأشعة السينية.

وأظهرت الأشعة المتناثرة أن بلورات صغيرة من كلوريد النحاس قد تشكلت داخل الزجاج وأن عملية التصنيع أثرت على حجم هذه الجزيئات. وفي بعض عينات الزجاج كان حجمها حوالي 2 نانومتر فقط، وفي عينات أخرى كان يصل إلى 30 نانومترا.

ومن المثير للاهتمام أنه تبين أن امتصاص الزجاج للضوء يتأثر بحجم الجزيئات، إذ امتصت الجسيمات الأكبر الضوء بنفس الطريقة التي يمتصها كلوريد النحاس عادة، ولكن كلما كانت الجسيمات أصغر، كان الضوء الذي امتصته أكثر زرقة.

وبصفته فيزيائياً، كان إكيموف على دراية جيدة بقوانين ميكانيكا الكم، وسرعان ما أدرك أنه لاحظ تأثيراً كميا يعتمد على الحجم، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها شخص ما في إنتاج النقاط الكمومية عمداً، وهي جسيمات نانوية تسبب تأثيرات كمية تعتمد على الحجم. وفي عام 1981 نشر إكيموف اكتشافه في مجلة علمية سوفياتية. وأثبت إكيموف أن حجم الجسيمات يؤثر على لون الزجاج من خلال التأثيرات الكمية.

لويس بروس (أ.ف.ب)

في المقابل، لم يكن لويس بروس على علم باكتشاف أليكسي إكيموف عندما أصبح في عام 1983 أول عالم في العالم يثبت التأثيرات الكمومية المعتمدة على الحجم في الجسيمات التي تطفو بحرية في السائل.

وفي عام 1993، أحدث مونجي الباوندي ثورة في الإنتاج الكيميائي للنقاط الكمومية؛ ما أدى إلى إنتاج جسيمات مثالية تقريباً، وكانت هذه الجودة العالية ضرورية لاستخدامها في التطبيقات.

الحلم يتحقق

وقال الدكتور يوهان أكفيست، رئيس لجنة جائزة «نوبل الكيمياء» التابعة للأكاديمية، خلال المؤتمر الصحافي للإعلان عن الفائزين بالجائزة: «لفترة طويلة، لم يعتقد أحد أنه يمكنك فعلاً صنع مثل هذه الجسيمات الصغيرة". وعرض أمامه 5 قوارير ملونة قال إنها تحتوي على نقاط كمومية في محلول سائل، وقال: «لكنّ الفائزين هذا العام نجحوا».

ولكي تكون النقاط الكمومية مفيدة للغاية، قال أكفيست، إنه يجب أن يتم تصنيعها في محلول «مع تحكم رائع في حجمها وسطحها»، مشيراً إلى أن الباوندي اخترع طريقة كيميائية بارعة «للقيام بذلك».

وتضيء النقاط الكمومية الآن شاشات الكومبيوتر وشاشات التلفزيون المعتمدة على تقنية (QLED)، كما أنها تضيف فارقا بسيطا إلى ضوء بعض مصابيح (LED)، ويستخدمها علماء الكيمياء الحيوية والأطباء لرسم خريطة للأنسجة البيولوجية، وبالتالي فإن النقاط الكمومية تحقق أكبر فائدة للبشرية، حسب بيان اللجنة.

ويعتقد الباحثون أنه في المستقبل يمكنهم المساهمة في الإلكترونيات المرنة، وأجهزة الاستشعار الصغيرة، والخلايا الشمسية الأرق، والاتصالات الكمومية المشفرة، لذلك بدأنا للتو في استكشاف إمكانات هذه الجسيمات الصغيرة.


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.