جدل في السودان بعد اتهام البرهان لـ«الدعم السريع» بفض اعتصام «القيادة»

قانونيون لـ«الشرق الاوسط»: المحكمة المختصة هي صاحبة القرار والبت في صحة الاتهامات

رئيس «مجلس السيادة السوداني» عبد الفتاح البرهان متفقداً مَعبر أرقين في 2 أكتوبر 2023 (وكالة السودان للأنباء)
رئيس «مجلس السيادة السوداني» عبد الفتاح البرهان متفقداً مَعبر أرقين في 2 أكتوبر 2023 (وكالة السودان للأنباء)
TT

جدل في السودان بعد اتهام البرهان لـ«الدعم السريع» بفض اعتصام «القيادة»

رئيس «مجلس السيادة السوداني» عبد الفتاح البرهان متفقداً مَعبر أرقين في 2 أكتوبر 2023 (وكالة السودان للأنباء)
رئيس «مجلس السيادة السوداني» عبد الفتاح البرهان متفقداً مَعبر أرقين في 2 أكتوبر 2023 (وكالة السودان للأنباء)

تم تقييد عشرات الشباب المعتصمين بحبال متينة، وربطت على أرجلهم حجارة ثقيلة، ثم ألقوا في نهر النيل، في يونيو (حزيران) 2019. ابتلعتهم المياه الجارفة، لكن جثثهم أبت أن تخضع للأثقال المربوطة عليها، فأخرجتهم الأمواج بالقرب من المنطقة التي كانوا يهتفون فيها مطالبين بـ«الحرية والسلام والعدالة»، ولم تفلح تلك الحيلة في إخفاء بشاعة الجرم الذي ارتكبته «قوات نظامية» بحق المعتصمين السلميين الذين لجأوا إلى مقر «جيشهم» الذي أعلن حمايتهم.

على الرغم من أن جريمة «فض الاعتصام» الشهيرة، حدثت أمام القيادة العامة للجيش، وعلى مرأى من قادته وكاميراتهم، لم يتقدم جندي واحد لحمايتهم، بل تبرأ القادة العسكريون وقتها، سواء في الجيش أو «الدعم السريع»، من الجريمة، على الرغم من أن القرائن والأدلة، بل الاعترافات، أشارت إلى تورطهم.

مظاهرات سابقة في الخرطوم في ذكرى فض الاعتصام (أ.ف.ب)

وبعد أربع سنوات من ارتكاب الجريمة البشعة، وبعد اختلاف الفرقاء واشتعال الحرب بينهم، حمّل قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في تصريحات علنية، المسؤولية لـ«قوات الدعم السريع»، في عملية «فض اعتصام القيادة العامة» في 3 يونيو (حزيران) 2019. لكن سهام الاتهامات هذه ارتدت عليه أيضاً وحملته جزءاً من المسؤولية.

4 سنوات من التستر على الجريمة

في تلك الجريمة - المجزرة، قتل نحو 125 معتصماً سلمياً، وفقد المئات ولا يزالون، ناهيك بعمليات التعذيب والاغتصاب والترويع التي يقول شهود الجريمة إنها ارتكبت من قبل قوات بثياب نظامية، ولم تفلح لجنة تحقيق كوّنها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في كشف المسؤولين عن الجريمة. وبعد مرور أربع سنوات على الجريمة، واشتعال الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وجّه البرهان الاتهام لهذه القوات التي يرأسها نائبه - وقتها - محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ما أثار أسئلة في أذهان الناس: لماذا تستر البرهان كل هذه الفترة على هذه المعلومة؟ وما الذي دعاه للتصريح الآن؟

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ب)

التسريبات تشير إلى أن البرهان لم يدل بهذا الاتهام أمام اللجنة المستقلة التي كونت برئاسة الخبير القانوني نبيل أديب، لأنه لو فعل وقتها لظهرت نتائج التحقيق، ولما استغرقت هذه السنين، رغم وضوح الفيديوهات والصور التي وثقت الجريمة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أظهرت وجوه ورتب المتورطين بجلاء. لكن صمت البرهان سنوات، في نظر العديد من القانونيين، يعني في أحسن الأحوال أنه سيواجه تهمة «التستر على الجريمة»، إذا لم تثبت التحقيقات ضلوعه وقواته فيها.

يقول رئيس لجنة التحقيق المستقلة في جريمة «فض اعتصام» القيادة العامة، المحامي نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما أدلى به البرهان أمام اللجنة لا يتم الكشف عنه في وسائل الإعلام ولا التعليق عليه. وكان البرهان قد مثل أمام لجنة التحقيق، هو ونائبه في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي المؤقت وقتها «حميدتي»، لكن اللجنة أبقت على تلك التحقيقات والإفادات قيد السرية.

البرهان سبق أن أنكر مسؤولية المكون العسكري بشقيه

وفتحت مجزرة «فض اعتصام» القيادة العامة جرحاً عميقاً في نفوس السودانيين، لا يزال ينزف ويُبكي بسبب انعدام الأخلاق والمروءة التي دفعت قادة الجيش لارتكابها، وهو ما أشار إليه القيادي في تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، المحامي المعز حضرة، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، بقوله: «تلك المحزرة أشبه بجريمة كربلاء التي ارتكبت بحق العترة النبوية الشريفة». وتابع: «البرهان ظل منذ جريمة فض الاعتصام ينكر مسؤولية المكون العسكري بشقيه (الجيش و«الدعم السريع»)، رغم أن الوقائع والقرائن تؤكد أن من قام بفض الاعتصام هو المكون العسكري بشقيه، وبمشاركة «كتائب البراء» التابعة للحركة الإسلامية في الجريمة، وطمس معالمها، بل إزالة اللوحات التي رسمها الثوار على جدار قيادة الجيش، قاطعاً بأن الجريمة تمت بموافقة القيادة العامة التي يرأسها البرهان.

قائد قوات «الدعم السريع» حميدتي (أ.ب)

وتابع حضرة: «أن يأتي البرهان بعد أربع سنوات باعتراف أن (الدعم السريع) هي التي فض الاعتصام، فهذا لن يبرئه، بل يجعله شريكاً في التهمة؛ لأنه يمثل رأس الدولة في ذلك الوقت، وتقع المسؤولية الأولى عن الجريمة عليه». وأضاف: «البرهان ارتكب جريمة التستر وجريمة تضليل العدالة، بالإدلاء بمعلومات كاذبة، وهذا التصريح استهتار بالشعب السوداني وبثورته المجيدة».

تصريحات البرهان لا تلزم لجنة التحقيق

وقال المحامي نبيل أديب، الذي لا يزال يترأس اللجنة المستقلة للتحقيق في الجريمة، إن التحقيق لم ينته بعد، وينتظر تقارير خبراء في التحريات أمرت اللجنة بإجرائها. واستطرد: «ما نسب للبرهان من أقوال في هذا الصدد، لو صح، فإنه يعبر عن رأيه الشخصي، وغير ملزم للجنة، لكن اللجنة ستفحصه وتقارن بين ما ذكره من أقوال إلى حين مثوله للتحقيق أمام اللجنة مجدداً». وتابع قائلاً: «هي أقوال ما زالت تخضع للتدقيق والتقييم بواسطة اللجنة». وقطع أديب بخضوع تصريحات المسؤولين لأجهزة الإعلام بشأن الجريمة، للفحص واستدعاء مطلقها والتحقيق معه، وأن اللجنة لا تناقش سير تحقيقاتها في وسائل الإعلام، موضحاً أن «لجنة التحقيق في فض الاعتصام لجنة تحقيق جنائي، ويقتصر عملها على جمع البيانات المقبولة قانوناً، والوقائع التي قد تشكل جرائم موجبة للمساءلة الجنائية». وأضاف: «إذا رأت اللجنة أن تلك البينات تقود إلى القول بوقوع جريمة أو جرائم، وأن شخصاً أو أشخاصاً بعينهم لهم علاقة بتلك الأفعال، تجعلهم مسؤولين عنها، فإن اللجنة تقوم بتوجيه الاتهامات المناسبة لهم في نهاية التحقيق، وترفع تلك التهم إلى النائب العام لتأييدها، ومن ثم تحويلها للمحاكمة». وأشار أديب إلى أن المحكمة المختصة هي صاحبة القرار والبت في صحة الاتهام من عدمه، وتابع: «حتى الآن لم تنته اللجنة من التحقيق، وما زالت في انتظار تقارير الخبراء في التحريات التي أمرت بإجرائها».

قانونيون: المجلس العسكري مسؤول

من جهتهم، أكد قانونيون أن المجلس العسكري برمته مسؤول عما حدث في الثالث من يونيو 2019، وأن البرهان مسؤول مباشرة بحكم أنه الرئيس السياسي والقائد العسكري الأول، ومطلوب منه اتخاذ التدابير اللازمة لوقف تلك الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في ساحة الاعتصام وما أتى بعدها، وهو المسؤول عن تقديم المتهمين بهذه الجرائم للعدالة. وقال الرئيس السابق لـ«مفوضية حقوق الإنسان في السودان»، رفعت ميرغني لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يمكنه الاطمئنان لرواية البرهان حول فض الاعتصام لأسباب عدة؛ منها أن الجريمة استمرت لساعات وليس لدقائق، ولم تحدث في مكان قصي، بل على بُعد أمتار من مسكن البرهان ومن مكتبه، ولم تنته المجزرة بفض الاعتصام، بل تبعتها إجراءات أخرى. وعقب جريمة فض الاعتصام، مارست القوات النظامية قمعاً مفرطاً ضد المدنيين، استمر حتى يوليو (تموز) 2019، وخرج البرهان نفسه على الناس بتصريح اتهم فيه المعتصمين بالخروج عن السلمية، وأن الثورة فقدت سلميّتها.

الفريق شمس الدين الكباشي قال في السابق إنهم «خططوا واستشاروا النائب العام ورئيس القضاء ونفذوا، وحدث ما حدث»

ولم يكتف البرهان بذلك، بل أعلن تجميد التفاوض مع قيادة الثورة الممثلة في وقتها في «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير»، والشروع في تكوين حكومة انتقالية، وصدرت قرارات بقطع خدمة الإنترنت لمدة شهر في البلاد، وشنت السلطات العسكرية حملات اعتقالات واسعة ضد قادة الاعتصام والمعتصمين، فضلاً عن تصريحات عضو المجلس العسكري والمتحدث باسمه، الفريق أول شمس الدين كباشي، في المؤتمر الصحافي الشهير، بأنهم «خططوا واستشاروا النائب العام ورئيس القضاء ونفذوا، وحدث ما حدث».

إطلاق سراح ضباط أدينوا بالجريمة

وقال ميرغني إن البرهان أطلق سراح اللواء الصادق سيد «المتهم الرئيس بتنفيذ جريمة فض الاعتصام»، ومعه جنرال آخر، كانا رهن الاحتجاز بعد اشتعال الحرب بين قواته و«الدعم السريع». وأضاف: «المؤسف أننا رأينا ضباطاً من الجيش يحتفون بإطلاق سراحه عقب الحرب في 15 أبريل (نيسان)». ورأى ميرغني في إطلاق سراح الجنرالين المتهمين الرئيسيين بارتكاب جريمة فض الاعتصام بعد اشتعال الحرب، «تأكيداً على عدم حرص البرهان على دماء شهداء الثورة». فقد أطلق المتهمين بالجريمة، وأطلق سراح أعداد أخرى، بمن فيهم المدانون بقتل المتظاهرين، وعلى وجه الخصوص قتلة أحمد الخير، من ضباط جهاز الأمن الذين أدانتهم المحكمة بالجريمة، وأصدرت أحكاماً بالإعدام عليهم.


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
TT

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

أكد مجلس النواب الليبي رفض أي «مساومة» على الأموال المجمدة، واعتبرت «لجنة التحقق ومتابعة الأموال الليبية المجمدة بالخارج» في مجلس النواب، خلال زيارة رسمية إلى اليونان، أن حماية هذه الأرصدة «تمثل مسؤولية وطنية كبرى»، وأنها «لن تسمح بأي شكل من أشكال التلاعب، أو سوء الاستغلال، أو الاستخدام غير المشروع للأموال الليبية المجمدة».

وشددت اللجنة، السبت، على أن هذه الأصول ليست محلاً للتصرف أو المساومة؛ بل هي ثروة سيادية يجب الحفاظ عليها وإدارتها وفق أعلى المعايير الدولية، وبما يضمن حقوق الأجيال الليبية القادمة. وقالت إنها ناقشت مع مسؤولين في البرلمان اليوناني جهود الدولة الليبية لتعزيز الشفافية والرقابة الدولية على هذه الأصول، ومن بينها التقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يهدف إلى تكليف مكتب مراجعة دولي مستقل لمراجعة وتدقيق كافة الأموال الليبية المجمدة بالخارج، بما يعزز الثقة، ويمنع أي ممارسات تضر بالمصلحة الوطنية الليبية.

كما شددت «اللجنة» على تطلعها إلى تعاون بنَّاء من جميع الدول المعنية بحفظ الأصول الليبية، مؤكدة أن حماية هذه الأموال «ليست شأناً ليبياً داخلياً فحسب؛ بل مسؤولية دولية تفرضها القوانين والقرارات الأممية، ومبادئ احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها في ثرواتها».

وأدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية، وترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان صون هذه الأصول من أي عبث أو استغلال».

سفير مالطا خلال اجتماعه مع المبعوثة الأممية (السفير)

في غضون ذلك، قال سفير مالطا، فرانكلين أكويلينا، إنه بحث مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو: «تعزيز سبل التعاون في مجالات العودة الإنسانية الطوعية، والرعاية الصحية للمهاجرين، وإدارة الحدود، دعماً لجهود الهجرة الآمنة والإنسانية». كما بحث مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري «خريطة طريق الأمم المتحدة» والحوار المهيكل، وأهمية دعم المؤسسات الليبية كمسار نحو الاستقرار والمصالحة، لافتاً إلى تجديد مالطا التزامها بالبقاء كشريك بناء لدعم عملية سياسية، تيسِّرها الأمم المتحدة، ويقودها ويملك زمامها الليبيون، بما يخدم مصلحة الشعب الليبي.

في شأن آخر، أشاد الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما وصفه بالدور الفرنسي البارز في مكافحة الإرهاب، لافتاً -خلال لقائه، مساء الجمعة، في قصر الإليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس، مع فنسنت جيرو، رئيس الأركان الخاص للرئيس الفرنسي، ومبعوثه الخاص بول سولير- إلى مستوى التعاون القائم بين الطرفين على مدى السنوات الماضية، والذي أسفر عن نتائج إيجابية ومثمرة على صعيد دعم الاستقرار في ليبيا، ومواجهة التهديدات الأمنية المختلفة.

مجلس النواب خلال اجتماعات لجنة متابعة الأموال الليبية في اليونان (المجلس)

وأكد صدام في أول زيارة عمل رسمية إلى فرنسا، منذ توليه مهام عمله نائباً للمشير حفتر، رغبة قيادة «الجيش الوطني» في تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية مع فرنسا، والارتقاء بها على كافة الصُّعد، ولا سيما في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتطوير العسكري، وتبادل الخبرات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية دعم الجهود الدولية لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها كأولوية قصوى.

وأوضح صدام أن اللقاء ناقش أيضاً آخر المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، ووجهات النظر حول التحديات الأمنية الراهنة؛ مشيراً إلى التأكيد على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق المشترك؛ خصوصاً في مكافحة الإرهاب والعصابات العابرة للحدود، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

إلى ذلك، أعلنت إدارة مطار الكفرة الدولي في جنوب البلاد، أنه تقرر إغلاقه مؤقتاً بدءاً من الاثنين القادم، لمدة شهر كامل، لإجراء أعمال صيانة شاملة لمهبط الطائرات، مشيرة إلى أنها ستعلن لاحقاً عن موعد إعادة فتح المطار، فور الانتهاء من أعمال الصيانة.

وأوضحت الإدارة، السبت، أن هذا الإجراء يأتي في إطار الحرص على السلامة الجوية، ورفع كفاءة البنية التحتية للمطار، بما يضمن جاهزيته لاستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.


هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
TT

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا حول مجلس مفوضية الانتخابات مزيداً من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة البعثة على المضي قدماً في تنفيذ بنود «خريطة الطريق» المُعطّلة، والانتقال إلى «خيارات بديلة».

وخلال الأسبوع الماضي، صعّد المجلس الأعلى للدولة من إجراءاته بانتخاب رئيس وأعضاء جدد لمجلس المفوضية، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر لقرار مجلس النواب، القاضي بالإبقاء على مجلس إدارة المفوضية الحالي برئاسة عماد السايح.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة الليبي (المجلس)

ويرى سياسيون أن ما يجري من تنازع حول مجلس المفوضية «يمثّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المسار الأممي على الصمود، والانتقال إلى «خيارات بديلة»، بعد تعثّر المفاوضات المتكررة بين المجلسين المنوط بهما التوافق على القوانين الانتخابية وشاغلي «المناصب السيادية»، ولذا يرى رئيس «حزب التجديد» الليبي، سليمان البيوضي، أن البعثة «لن تنتظر طويلاً توافق النواب والدولة».

وتوقع البيوضي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح البعثة آلية جديدة للمضي قدماً في خريطتها، بعد السعي إلى تنسيقها مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى إقليمية فاعلة»، وقال إن «العقبة الحقيقية أمام البعثة ليست المجلسين بقدر ما هي التوافق الدولي حول هذه الآلية البديلة».

من إحاطة هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن بخصوص الأوضاع السياسية في ليبيا (المجلس)

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد لوّحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باللجوء إلى «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في إنجاز استحقاقات المرحلة الأولى، والمتمثلة في استكمال مجلس المفوضية، والتوافق على الإطار القانوني للانتخابات.

غير أن غموض هذه الآلية البديلة وغياب تفاصيلها إلى الآن «عزز الشكوك بشأن جدواها»، وفي هذا السياق قال المحلل السياسي، فرج فركاش، إن الحديث عن «آلية غير محددة يعكس غياب توافق دولي بشأنها».

وحمّل فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، البعثة مسؤولية حالة الجمود الراهنة، مشيراً إلى أن «خريطتها فقدت قابليتها للتنفيذ لاعتمادها من البداية على مجلسين؛ يعرف الجميع مسار الخلاف المتجذر، خصوصاً بشأن ملفي القوانين والمناصب السيادية ومنها المفوضية، بينهما».

وسلط المحلل السياسي الضوء على مفارقة أن الخلاف اليوم «يدور حول مجلس المفوضية، في حين كانت جميع الأطراف راضية عن تشكيله خلال محاولة إجراء انتخابات 2021».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وفي مقابلة إعلامية أجريت مؤخراً، استعرض رئيس المفوضية، عماد السايح، أسباب «القوة القاهرة» التي عرقلت انتخابات 2021، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية التي أقرها البرلمان، لا سيما ما يتعلق «بالطعون على المرشحين» للرئاسة، مؤكداً أن «المفوضية طالبت بتعديلها دون استجابة».

وهنا يحذر فركاش من أن استمرار الخلاف الحالي قد يؤدي إلى انقسام المفوضية، ما يفقد أي قوانين انتخابية مستقبلية قيمتها التنفيذية، مشدداً على أن الأولوية «كان ينبغي أن تُمنح من البداية للتوافق على الإطار القانوني وتوحيد الحكومتين، بما يمهّد لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتهيئة مناخ انتخابي قائم على حد أدنى من الثقة المفقودة بالساحة».

وتعيش ليبيا معضلة انقسام سياسي، يتمثل في وجود حكومتين متنافستين على السلطة؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

في المقابل، قلّل نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، من خطورة ما يجري على مستقبل «الخريطة الأممية»، مشيراً إلى أن البعثة سبق أن رفضت تقسيم المفوضية.

ورأى المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البعثة «قد تكون بصدد إطلاق حوار سياسي جديد، يضم مزيجاً من أعضاء النواب و(الأعلى للدولة) ونخب سياسية ومدنية وشخصيات ذات ثقل اجتماعي وقبلي، يعهد إليه بحسم ملف المفوضية والقوانين الانتخابية، وربما تشكيل حكومة موحدة تمهد للاستحقاق».

ويحذّر سياسيون من خطورة تمحور خلاف المجلسَين حول المفوضية المنوطة بتنفيذ الانتخابات المؤجلة، التي يعلّق عليها الليبيون آمالاً واسعة لإنهاء حالة الانسداد.

من جانبه، دعا القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، البعثة الأممية إلى «تجاوز دور المجلسين»، معتبراً «أن تبادل الخلافات بينهما حول المسار الانتخابي يعزز الشكوك باستهداف عرقلته، بما يخدم استمرارهما في المشهد، دون اكتراث بتداعيات الانقسام على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لليبيين».

ورغم إقراره بانشغال الشارع الليبي بأزماته المعيشية، حذر الحاراتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن «إدراك الشارع بأن جوهر هذه الأزمات يظل مرتبطاً باستمرار الانقسام، ووجود حكومتين تنفقان دون رقابة، وهو ما يعني تحميله كل الأطراف والسلطات، بما فيها البعثة، مسؤولية ما يعانيه».


إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
TT

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي والكتيبة «166»، التي أكدت تورطه ضمن تشكيل عصابي امتهن تنظيم أفعال الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر في مدينتي الكفرة وإجدابيا.

وذكر مكتب النائب العام، في بيان أوردته وكالة الأنباء الليبية (وال)، السبت، أن إجراءات الاستدلال جاءت بمشاركة مأموري الضبط القضائي، وأسفرت عن تحرير 195 مهاجراً كانوا محتجزين قسرياً، وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، بهدف إرغام ذويهم على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

وحسب المكتب، فقد جرى تعيين محل دفن 21 جثة تعود لمهاجرين استضعفوا وقتلوا أثناء نشاط التشكيل العصابي.

وواجه وكيل النيابة المتهم بالوقائع المنسوبة إليه، وأبلغه بالجرائم الثلاث المرفوعة ضده سابقاً، شاملة جرائم قتل المهاجرين، وجرائم المتاجرة بالبشر، تمهيداً لإرساله إلى القضاء للفصل في القضايا.

وتابع المحققون جمع عينات البصمة الوراثية من الجثث، وإجراء متطلبات تشريحها، ووجهت الضابطة القضائية باتخاذ التدابير اللازمة لتفكيك التشكيل العصابي، وملاحقة بقية أفراده، في إطار جهود النيابة العامة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وحماية حقوق المهاجرين، وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.