«سان سباستيان» انطلق لتعزيز دوره أحد أقدم المهرجانات

دورته الجديدة تدفع بقضايا المرأة إلى الصدارة

من «حلم سلطانة» (مهرجان سان سباستيان)
من «حلم سلطانة» (مهرجان سان سباستيان)
TT

«سان سباستيان» انطلق لتعزيز دوره أحد أقدم المهرجانات

من «حلم سلطانة» (مهرجان سان سباستيان)
من «حلم سلطانة» (مهرجان سان سباستيان)

النهر النابع من جبال الباسك في شمال إسبانيا ما زال جارياً. تستطيع عند المساء مشاهدة الأسماك بالعين المجردة وهي تسبح بحرّية تُحسد عليها. ماؤه يصبّ في البحر القريب. ينقلب من حلوٍ إلى مالح. على الجهة اليسرى منه قصر عروض قديم وشامخ. إلى يمينه النصف الثاني من المدينة التي تنتعش في مثل هذا الوقت من كل عام. كيف لا ومهرجانها الكبير مستمر منذ 71 عاماً متحمّلاً المنافسات والمتغيّرات والاتجاهات المختلفة التي عصفت بالسينما وما حولها.

على ذلك، المقارنة بين دورات سابقة وبين هذه الدورة الجديدة التي انطلقت في الـ22 من الشهر الحالي وتنتهي بعد غدٍ السبت، تفيد بأن المهرجان الإسباني أكد حضوره على نحو أفضل خلال السنة الحالية. لم يتقدّم صوب موقع جديد، لكنه ثابت في موقعه بطليعة الصف الثاني من المهرجانات الدولية. الأفلام المعروضة فيه قد لا تكون اقتناصات فرص لأفلام مرصعة بالنجوم أو لإنتاجات هوليوودية كبيرة، لكنها اكتشافات متفاوتة الجودة كحال أي مهرجان آخر.

من «فندق رويال» (مهرجان سان سباستيان)

ميزة بديعة في هذا المهرجان هي خلوّه من سوق تجارية. صحيح أن الناقد ليس مضطراً في مهرجان «صندانس» أو «كان» أو «برلين» التعامل مع رهط المنتجين والموزّعين (والعكس صحيح)، إلا أنه يصطدم دوماً بازدواجية الشأن الأول للمهرجان. بعض المهرجانات تجيد اللعب على حبلي هذه المسألة. «كان» مثلاً يحفل بالأفلام الفنية (أو على الأقل التي تسعى لأن تكون فنية) كما يحفل بأكبر سوق سينمائية في العالم. يشجّع الإقبال على الاثنين؛ واحد للفن والثقافة، والثاني للمال والتجارة.

«سان سباستيان»، أكبر مهرجان إسباني وأحد أقدم مهرجانات العالم لجانب «فينيسيا» و«كان» و«لوكارنو»، يعيش في رفاهية الاهتمام بالسينما كأفكار وأساليب ومعالجات وقضايا بعيداً عن البيع والشراء وأرقام الصفقات.

ثلاثة أنيميشن

تحفل المدينة بالملصقات. بعضها، في طبيعة الحال بمناسبة الدورة نفسها.، وبعضها الآخر احتفاءً بتقليد الممثل الإسباني خافييه باردم «جائزة الإنجاز المهني». صورة مبتسمة له مع عناوين كبيرة... ولكن هذا الاحتفال لم ولن يحدث العام الحالي كما كان مقرراً، بل تم إلغاؤه، فتبعاً لإضراب الممثلين المسجلين في النقابة الأميركية (كما الحال مع باردَم) ممنوع عليه المشاركة في حفل أو احتفاء. على هذا الأساس، ما كان موعده اليوم سيتأخر لدورة العام المقبل.

لا علاقة لهذا بعدم وجود أفلام أميركية كبيرة داخل المسابقة أو خارجها. في تاريخه (في العقدين الأخيرين على الأخص) تحاشى أن تكون تلك المناسبة التي يهرع فيها الحضور لمشاهدة فيلم من بطولة جوليا روبرتس، أو توم كروز، أو توم هانكس. ترك هذه المسائل للمهرجانات الأخرى وخصّ نفسه بالأفلام التي يختلف صداها عن تلك المقبلة من المؤسسات الهوليوودية الكبيرة.

تبعاً للسبب نفسه الذي سحب البساط من تحت خافييه باردم، ليس بين أعضاء لجنة التحكيم من هو نجم أميركي أو حتى مخرج ذي شأن عالمي. رئاسة لجنة التحكيم للمخرجة الفرنسية كلاي نَي وتضم سبعة عناصر من أوروبا. الوحيد من القارة الأميركية الشمالية هو المنتج الكندي روبرت لانتوس.

افتُتح المهرجان بفيلم الأنيميشن الياباني «الصبي ومالك الحزين» (عرضناه هنا قبل أسبوعين). هو نفسه الفيلم الذي عرضه مهرجان «فينيسيا» وافتتح مهرجان «تورنتو» الأخير الذي سينتقل من هنا إلى مهرجان «لوميير» الفرنسي. لا بدّ من تسجيل حقيقة أن «سان سباستيان» سبق له أن تداول ثلاثة من أفلام المخرج الياباني حاياو مايازاكي من قبل، إذ سبق وعرضت له أفلام بديعة «Ponyo وSpirited Away»، و«The Wind Rises»، ودائماً ضمن إقبال حاشد تكرر خلال العام الحالي بفيلم العودة إلى العمل بالنسبة لمخرجه (بعد 10 سنوات انقطاع)؛ «الصبي ومالك الحزين» واحد من ثلاثة أفلام أنيميشن يقدّمها المهرجان في مسابقته.

اشتراكات

عرض المهرجان حتى يوم أمس الخميس، 17 فيلماً من بين 20 فيلماً احتواها قسم العروض الرسمية معظمها في عداد المسابقة التي ستُوزّع جوائزها مساء اليوم (الجمعة).

إلى جانب فيلم ماياكازي الذي مثّل اليابان، هناك 4 أفلام إسبانية هي «القُرن الشعيري» (The Rye Horn) لابنة مدينة سان سباستيان خيون كامبوردا، و«حب» لإيزابل كويشيت، و«المسيح» لخافيير كالفو وخامبيير أمبروزي، وفيلم المخرج (المخضرم) فرناندو تروبا «يقتلون لاعب البيانو» (They Kill the Piano Playeer)، هناك فيلم إسباني خامس، وهو إنتاج مشترك مع ألمانيا للمخرجة إيزابيل هرغويرا بعنوان «حلم السلطانة» (Sultana‪’‬s Dream).

ثلاثة أفلام فرنسية توالى عرضها جميعهاً وسط الاهتمام المعتاد لتلك السينما (وإحباطات معظمها أيضاً) وهي «عمل حقيقي» لتوماس ليلتي، و«الجزيرة الحمراء» لروبِن كامبيلو، و«الخليفة» (Le Successeur).

الأفلام الباقية توزعت بين الأرجنتين، وبريطانيا، وبولندا، وفيلم ياباني آخر («الغياب الكبير» لكي شيكا أورا)، والدنمارك، وتايوان، وفيلمان من الإنتاج الأميركي المستقل هما «كل الأيدي المتسخة ذات طعم مالح» لرافن جاكسن، و«أزواج سابقون» لنوا فريتزكر؛ كلاهما من موجة جديدة ما زالت مجهولة القيمة فنياً.

رُقية البنغلاديشية

واقع الأمر هو أن المهرجان لا يستطيع استيعاب الأسماء الكبيرة لأنها تفضل الذهاب إلى «برلين»، و«كان»، و«فينيسيا». هذا يتركه أمام الأعمال التي إما شوهدت في تلك المهرجانات ولم تُنتخب للعروض فيها، أو التي اختارت «سان سباستيان» محطة عرض أول لها. في كلتا الحالتين هناك عدد غالب من المخرجين الجدد، وهؤلاء لا يصنعون البريق المطلوب؛ جلّ ما يستطيعونه هو طرح ما لديهم وانتظار تحكيم اللجنة.

أكثر الأفلام الإسبانية إثارة للاهتمام وأفضلها على صعيد الطرح، هو «حلم سلطانة» للإسبانية إيزابل هرغويرا، وهو فيلم أنيميشن ثالث في المسابقة.

اكتشفت المخرجة الإسبانية كتاباً وضعته البنغلاديشية رقية حسين سنة 1905. وُلدت رقية سنة 1888 وتوفيت في 1932، وكانت سابقة لأوانها بالنسبة لحركات التحرر النسائيّة وقضاياها. محور الفيلم هو بحث المرأة عن الأرض - الحلم حيث تُصان حريتها؛ بتفعيل الحكاية وتطويرها لتناسب العصر، استحدثت المخرجة هرغويرا شخصية اسمها إيناس، تتعرّض عند زيارتها مدينة أحمد آباد إلى شحنة من الكراهية الذكورية مع قليل من التفهم من النساء. في رحلة تجريها مع صديق لها تجد المعاملة نفسها من الطائفة السيخية في الهند، هذا قبل أن تدخل بنغلاديش (موطن رُقية حسين) حيث يفرد الفيلم مساحة لشخصية الكاتبة وحلمها بمدينة تعيش فيها النساء بحرية.

بما أن النص الأصلي غير متوفر لقراءته، فإن الناتج هنا هو صعوبة المقارنة، لكن من الواضع أن الفيلم سمح لنفسه بإضافات كثيرة في محاولة استعراض وضع المرأة اليوم والأمس. هناك صرخة غير مكتومة في نهاية الفيلم حين تقرر إيناس أن المرأة تواجه العنف والصدّ وسوء المعاملة ليس في تلك المناطق الآسيوية فقط، بل في أوروبا أيضاً.

ضد المرأة

«حلم سلطانة» ليس سوى واحد من الأفلام التي تطرح الموضوع النسائي بحضور واضح في هذه الدورة. يكاد المرء تصوّر أن لجنة الاختيار وضعت هذا الهدف في صدارة قرارها. هذا لأن ما لا يقل عن 6 أفلام في الاختيارات الرسمية تدور حول المرأة في ظروف وطروحات متشابهة في هذا الاتجاه.

أحد أكثر هذه الأفلام حدّة هو الفيلم الأسترالي «فندق رويال» لكيتي غرين. دراما مع أجواء رعب تقع في بعض مناطق أسترالية تصوّر الوضع المعادي للمرأة، كما لو أنه برهان على ما ذهبت إليه المخرجة الإسبانية في «حلم سلطانة». إلى منطقة ما زالت على بعد سنوات ضوئية من المدنية، تصل فتاتان (جوليا غارنر، وجسيكا هنويك) سائحتان إلى فندق معزول يديره (والحانة التي فيه) بيلي (أوغو ويفينغ) المفتن بنفسه، الذي يمثّل لا السُلطة البدنية فقط، بل والسلوكية أيضاً. لم يكن ذلك بخيار الفتاتين، بل بسبب اكتشافهما أنهما باتتا مفلستين وبحاجة إلى العمل.

تستمعان إلى نصيحة أسداها لهما رجل من مدينة سيدني ومفادها، بأن تحتشما لأن الرجال في هذه البلدة الصغيرة ليسوا كرجال المدن. يبتسم المرء عند هذه المقارنة، لأنها النصيحة نفسها، التي قد تسمعها أي فتاة من المدينة الكبيرة عندما تنتقل إلى الريف لأي غرض. مهما يكن، تمتثلان للنصيحة، لكن امتثالهما لا يُفيد كثيراً، فالرجال السكارى غوغائيون، تملأ نفوسهم النوايا الحسيّة، والفتاتان هما هدية السماء لغاية المتعة غير المحدودة.

فوق ذلك، هم معادون وكارهون للمرأة. يفقد الفيلم هنا قدرته على التحكم فيما يريد قوله وكيف، فهو ينتقل من إدانة الرجال لقدر من إدانة الفتاتين معاً، مما يضيّع مفاد الفيلم ويحشره في خانة تبحث عن قرار.

سينما إسبانية غزيرة وبعيدة

عدد الأفلام الإسبانية التي عُرضت داخل البلاد منذ مطلع العام إلى اليوم 67 فيلماً.

هناك 44 فيلماً آخر مدرجة للعرض ما بين شهر أكتوبر (تشرين الأول) وحتى نهاية العام.

آخر فيلم للمخرج الإسباني الممتاز كلود ساورا وهو «الجدران تستطيع أن تتكلم»، عُرض في الشهر نفسه الذي توفي فيه وهو فبراير (شباط).

الفيلم الجديد للمخرج الآخر المعروف عالمياً، فيكتور رايس وهو، «أغمض عينيك» ينجز نجاحاً تجارياً كبيراً في عروضه الحالية داخل إسبانيا.

الدول التي تعرض أفلاماً إسبانية على نحو دائم هي الدول أميركا اللاتينية، وعدد محدود من الأفلام الإسبانية يجد طريقه إلى دول أوروبية.

عربياً إن لم يشترك فيلم إسباني في مهرجان ما فلا احتمال مشاهدته مطلقاً.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز