إيران تقلل من تهديدات نتنياهو: لدينا صواريخ «تضرب إسرائيل»

عبداللهيان أبلغ غوتيريش استعداد بلاده لقبول مبادرة سلطان عمان لإحياء الاتفاق النووي

رئيسي يتوسط وزير الدفاع محمد رضا أشتياني وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» أمير علي حاجي زاده خلال تدشين صاروخ سليماني الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
رئيسي يتوسط وزير الدفاع محمد رضا أشتياني وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» أمير علي حاجي زاده خلال تدشين صاروخ سليماني الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران تقلل من تهديدات نتنياهو: لدينا صواريخ «تضرب إسرائيل»

رئيسي يتوسط وزير الدفاع محمد رضا أشتياني وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» أمير علي حاجي زاده خلال تدشين صاروخ سليماني الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
رئيسي يتوسط وزير الدفاع محمد رضا أشتياني وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» أمير علي حاجي زاده خلال تدشين صاروخ سليماني الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)

قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلايي، إن بلاده تملك صواريخ تسمى «الضاربة لإسرائيل»، معتبراً أن الأراضي الإسرائيلية «الهدف الأول» لتلك الصواريخ، بما في ذلك صاروخ يسمى «قاسم سليماني» العقل المدبر لعمليات «الحرس الثوري» الخارجية، الذي قضى في ضربة جوية أميركية في بغداد مطلع 2020.

وعزا المتحدث التركيز على صناعة صواريخ تبلغ إسرائيل إلى «ضرورة التناسب بين منظومة السلاح والتهديدات». وقال: «المكان الوحيد الذي يتفوهون بعض المرات بالأراجيف هو إسرائيل، لهذا نعلن رسمياً بأن لدينا صواريخ تضرب إسرائيل، وصاروخ قاسم سليماني واحد منها».

ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن المتحدث قوله، اليوم: «إننا اليوم القوة الدفاعية الأولى في المنطقة... يقال إن اليوم لا توجد معادلة يمكن ترتيبها من دون دور الجمهورية الإسلامية في إيران».

وفي 22 أغسطس (آب) الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية دخول صاروخ سليماني البالغ مداه 1400 كيلومتر. وذلك بعد ثلاث سنوات من إعلان تطويره في أغسطس2020. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» الشهر الماضي، إن صاروخ «قاسم سليماني» أول صاروخ «تكتيكي يعمل بالوقود الصلب، وبإمكانه الوصول بسهولة لإسرائيل»، مشيرة إلى إمكانية زيادة مداه إلى 1700 - 1800 كيلومتر.

تحذير إسرائيلي

وجاء كلام المتحدث في وقت قلل وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إيران في كلمته أمام الجمعية العامة.وشدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي الجمعة في الأمم المتحدة على ضرورة مواجهة إيران بـ«تهديد نووي ذي مصداقية»، قبل أن يصحّح مكتبه التعبير موضحاً أنه «خطأ في القراءة»، وأن المقصود «تهديد عسكري»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

ونتنياهو، الذي طالما استخدم منصة الأمم المتحدة للتحذير من الخطر الذي تمثله إيران، توقف برهة خلال إلقاء كلمته من على منبر الجمعية العامة، حين بدا وكأنه يهدد بشن هجوم نووي في حال سعت طهران لإنتاج قنبلتها الذرية.

وقال: «طالما أنا رئيس حكومة إسرائيل، سأبذل كل ما في قدرتي لأمنع إيران من التزوّد بسلاح نووي». وأضاف: «قبل كل شيء، يجب مواجهة إيران بتهديد نووي ذي مصداقية».

في طهران، قال الإعلام الرسمي إن وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان وجه رداً على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، قال فيه: «لا أحد يهتم لتهديدات نتنياهو».

وأضاف في تصريحات للصحافيين على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك أن «الصهاينة اليوم في أضعف حالاتهم، والكيان الصهيوني ليس في موضع لكي يبدي أحد اهتماماً لتصريحاته وتهديداته». وقال: «بعض المسؤولين من الدول المختلفة المشاركة في الجمعية العامة وصفوا تصرف نتنياهو بالنكتة، وقال أحدهم إن نتنياهو يأتي برسومات الطفولة لكي يعرضها على الكراسي الفارغة في الجمعية العامة ويتحدث عنها بحماس».

مبادرة عمان

وأدلى عبداللهيان بتصريحاته بعد لحظات من لقاء أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك. وقالت الخارجية الإيرانية في بيان إن عبداللهيان أبلغ غوتيريش بأن طهران مستمرة في تبادل الرسائل مع الطرف الأميركي بهدف التوصل إلى صفقة لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015.

ونقل عن عبداللهيان قوله إن «مبادرة هيثم بن طارق، سلطان عمان، لا تزال مطروحة على الطاولة»، وأضاف: «إذا كانت الأطراف الأخرى مستعدة، نحن جادون في العودة إلى الاتفاق النووي، لكي تعود جميع الأطراف في إطار مبادرة عمان إلى الاتفاق النووي».

وأشار عبداللهيان إلى صفقة تبادل السجناء بين أميركا وإيران التي أنجزت في وقت سابق من هذا الشهر وأطلقت بموجبها ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة لدى كوريا الجنوبية.

والتقى عبداللهيان بنظيره الروسي سيرغي لافروف حيث بحث عدة ملفات منها سوريا والوضع بين أذربيجان وأرمينيا، فضلاً عن الاتفاق النووي واتفاقية التعاون الاستراتيجي الطويلة المدى بين البلدين.

وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي السبت في نيويورك إن «الجمهورية الإسلامية في إيران نفت باستمرار أي نوايا للحصول على أسلحة نووية، حتى إن زعيمها أصدر فتوى في هذا الشأن». وقال: «لا أحد على هذا الكوكب يريد ظهور دولة نووية جديدة».

وفيما يتعلق بإرسال إيران طائرات مسيرة إلى روسيا لاستخدامها خلال عملياتها العسكرية في أوكرانيا التي أثارها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وقال إنها تنتهك القرار 2231 الذي يتبنى الاتفاق النووي، قال لافروف: «لا يوجد دليل على ذلك».

وتعليقاً على احتمال استئناف المفاوضات النووية، قال لافروف إن «السؤال المتعلق بالاتفاق لا يخصني». لكن انتقد قرار الثلاثي الأوروبي (ألمانيا، وفرنسا وبريطانيا) بشأن تمديد العقوبات على البرنامج الصاروخي والمسيرات الإيرانية مع حلول بند الغروب، الجدول الزمني الخاص بتخفيف قيود الاتفاق النووي، في 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وقال لافروف إن «برنامج الصواريخ الإيرانية لا علاقة له بالبرنامج النووي». وقال إن «الاتفاقات التي تم التوصل إليها قبل أكثر من عام بقليل بشأن نص تجديد خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) ظلت بلا حراك، لأن الأوروبيين ليسوا في عجلة من أمرهم».

وأشار لافروف إلى اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية. وقال: «لا أعرف كيف ستتعامل الإدارة المقبلة مع خطة العمل الشاملة المشتركة».

المفتشون النوويون

واجهت إيران دعوات دولية وإقليمية للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وركزت تلك المطالب على خطوة إيران الأخيرة بسحب ترخيص مفتشين دوليين من بين الأكثر خبرة في مراقبة برنامجها النووي. وجاءت الخطوة الإيرانية، بعد انتقادات مدير الوكالة الدولية، رافائيل غروسي لإيران بشأن عدم تحقيق تقدم في التحقيق المفتوح بشأن أنشطة موقعين سريين، وكذلك إعادة تركيب كاميرات المراقبة التي أوقفتها طهران على مراحل، اعتباراً من قرارها بشأن التخلي عن البرتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، في فبراير (شباط) 2021.

ومنذ ذلك الحين ترفض طهران تسليم تسجيلات كاميرات المراقبة، التابعة للوكالة الدولية، إلى جانب إزالة كاميرات أخرى. وتقوم إيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة منذ أبريل (نيسان) 2021، وهو الشهر الذي بدأت فيه مفاوضات في فيينا بهدف إحياء الاتفاق النووي، لكن مسار فيينا تعثر بعد أسابيع من بداية الحرب الروسية - الأوكرانية. وفشلت آخر محاولات الاتحاد الأوروبي لإنجاز المفاوضات في سبتمبر (أيلول) العام الماضي.

وبشأن الإجراءات الإيرانية الجديدة المتعلقة بتفتيش الوكالة الدولية، قال عبداللهيان لغوتيريش: «كلما عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الإطار التقني، تسير الأمور في الاتجاه الصحيح. ولكن عندما يفضل آخرون آراءهم السياسية على المسائل المهنية للوكالة، فإن الوضع سيتدهور». وقال إن «القنبلة النووية لا مكان لها في العقيدة الإيرانية».

وأظهرت أحدث تقديرات للوكالة الدولية أن إيران لديها ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة لتطوير ثلاث قنابل نووية.

وكان وزير الاستخبارات الإيراني السابق محمود علوي، قد حذر في فبراير 2021 من أن الضغط الغربي المستمر يمكن أن يدفع طهران إلى الدفاع عن النفس مثل «قط محاصر» والسعي لحيازة أسلحة نووية.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الجمعة الماضي، للصحافيين إن قرار إيران بمنع بعض المفتشين النوويين التابعين للأمم المتحدة يشير إلى أنها غير مهتمة بأن تكون طرفاً مسؤولاً في برنامجها النووي.

ووصل رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، إلى فيينا الأحد، للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأوردت «وكالة العالم العربي» نقلاً عن وكالة «تسنيم» أن إسلامي سيلتقي خلال هذه الزيارة مع مدير الوكالة، رافائيل غروسي.

في الأثناء، نفت «الخارجية الإيرانية» مدونة منسوبة إلى كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، بعدما انتشرت على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الإيرانية.

وتقول المدونة: «كانت لدينا مفاوضات غير مباشرة مع أميركا، في خطوة إيجابية لاستمرار المحادثات، والآن الطرف الآخر وجه رسالة لكي نواصل المفاوضات بجدية أكبر، ومن المقرر أن يلتقي كبير المفاوضين الإيرانيين في فيينا مع ممثلي أطراف المحادثات». وقالت الخارجية الإيرانية إن «الصورة المنتشرة من التغريدة مزيفة، وليست من حساب باقري كني».

 


مقالات ذات صلة

السيسي يشدد على دعم بلاده الكامل لدول الخليج

شمال افريقيا لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيروبي يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم بلاده الكامل لدول الخليج

أدانت مصر محاولة التسلل التي قام بها عدد من العناصر الإيرانية إلى جزيرة بوبيان بدولة الكويت والتي أسفرت عن إصابة أحد منتسبي القوات المسلحة الكويتية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الخليج جانب من العاصمة الكويتية (كونا)

السعودية تدين تسلل عناصر من «الحرس الثوري» إلى الكويت

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات تسلل مجموعة مسلحة من عناصر «الحرس الثوري» الإيراني إلى جزيرة بوبيان بهدف تنفيذ أعمال عدائية تجاه دولة الكويت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية مروحية أميركية من طراز «بايف هوك إتش إتش 60 - ج» تُحلق فوق زوارق دورية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز خلال ديسمبر 2018 (أرشيفية - أ.ب)

«الحرس الثوري»: مضيق هرمز بات «منطقة عمليات واسعة»

قال ضابط كبير في بحرية «الحرس الثوري» الإيراني إن طهران وسّعت تعريفها لمضيق هرمز، ليصبح «منطقة عمليات واسعة» يتجاوز نطاقها بكثير ما كان عليه قبل الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية المديرية الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل قالت إن «رسائل التخويف» أُرسلت إلى الجمهور خلال الساعات القليلة الماضية (رويترز)

تحذير أمني للإسرائيليين من «رسائل تخويف» مرتبطة بإيران

أطلقت المديرية الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل تحذيراً عاجلاً بشأن ما وصفته بـ«رسائل تخويف» أُرسلت إلى الجمهور خلال الساعات القليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج منظر عام من مدينة الكويت (رويترز)

الكويت توقف 4 متسللين من «الحرس الثوري»... وتستدعي السفير الإيراني

أعلنت الكويت القبض على 4 متسللين من «الحرس الثوري» الإيراني، حاولوا دخول البلاد بحراً، واستدعاء سفير طهران لدى الدولة؛ احتجاجاً على هذا العمل العدائي.

«الشرق الأوسط» (الكويت)

محاولات فرنسية - بريطانية لتسريع «مهمة هرمز» متعددة الجنسيات

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

محاولات فرنسية - بريطانية لتسريع «مهمة هرمز» متعددة الجنسيات

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

ترى فرنسا وبريطانيا، الدولتان اللتان تدفعان باتجاه تشكيل قوة متعددة الجنسيات لضمان أمن الإبحار في هرمز، أن الوقت حان لوضع النقاط على الحروف والتعرف على ما تنوي كل دولة من دول التحالف تقديمه، عملياً، لتنفيذ المهمة التي يراد للقوة القيام بها.

ونوهت وزارة الدفاع البريطانية بالاجتماعات التي استضافتها يومي 22 و23 أبريل (نيسان) الماضي في مقر القيادة المشتركة الدائمة البريطانية وهو الاجتماع الذي وصفته بـ«الحاسم» لجهة «توحيد الرؤى الوطنية ضمن خطة متعددة الجنسيات»، كما اعتبرت اجتماعها، الثلاثاء، مستنداً إلى «التقدم الكبير الذي تحقق خلال الأسابيع الماضية من قبل المخططين العسكريين من 44 دولة من مختلف القارات».

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الاثنين، إن «المملكة المتحدة ستقود هذه المهمة الدفاعية متعددة الجنسيات، وستحول الاتفاقات الدبلوماسية إلى خطط عسكرية لاستعادة الثقة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز ومهمتنا التأكد من أننا لا نكتفي بالكلام، بل إننا مستعدون للتحرك».

ولأن باريس ولندن تريدان إعطاء «المثل الصالح» فقد عجلتا بإرسال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وقطعها المواكبة التي عبرت البحر الأحمر. وتفيد معلومات متداولة في باريس أنها توقفت في القاعدة البحرية الفرنسية في جيبوتي.

من جانبها، قامت لندن بتوجيه المدمرة «إتش إم إس دراغون» إحدى «أكثر السفن الحربية البريطانية تطوراً»، إلى المياه القريبة من المضيق، من دون تحديد مكان وجودها في الوقت الراهن.

سفن في مضيق هرمز في 8 مايو 2026 (رويترز)

نضوج اللحظة المناسبة

وتعمل العاصمتان الأوروبيتان وفق مبدأ «التموضع المسبق» بحيث تكون الدول المساهمة في القوة متعددة الجنسيات «جاهزة» لمباشرة مهامها «حالما تتوافر الظروف لذلك».

وبالنسبة لفرنسا، فالفكرة تقوم وفق مصادر رئاسية، على «الاستفادة بأفضل شكل ممكن من الوسائل البحرية الموجودة حالياً، خصوصاً في شرق المتوسط، استعداداً للحظة التي تتضح فيها معالم استعادة الملاحة في المضيق».

وبحسب الإليزيه، فإن باريس وجهت عشر سفن، بينها 8 فرقاطات وسفينتا إنزال وقيادة كانت غالبتيها في شرق المتوسط قبالة الشواطئ القبرصية وأخرى في منطقة الخليج. وتشدد الأوساط الفرنسية على أهمية «التمركز المسبق للقوات؛ إذ إنه أمر مهم، كما أن حسن إدارته بالغ الأهمية أيضاً».

ووفق عشرات التصريحات من القادة السياسيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدرش ميرتس، فإن السمات الأساسية للقوة متعددة الجنسيات أنها «محايدة»، «سلمية» و«منفصلة تماماً» عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة. ولمزيد من الطمأنة، أكد ماكرون العديد من المرات أنها ستعمل بـ«التفاهم» مع الجانب الإيراني أي أن انطلاقتها مشروطة بتقبله لها.

كذلك، تشدد أوساط الرئاسة الفرنسية على ضرورة «تقبل» الجانب الأميركي لها. ويعني ذلك، عملياً، توافر مجموعة من الشروط كتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق ينهي الحرب أو أن تتثبت الهدنة الهشة التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «في غرفة الإنعاش»، أو أن تتراجع حدة الاشتباكات بشكل جدي ما يطمئن الدول المساهمة بأنها غير ذاهبة للحرب.

عوائق صعبة التذليل

بيد أن قراءة معمقة لصورة الوضع الراهن لا تدفع إلى توقع انطلاق «المهمة» في الأيام أو الأسابيع المقبلة القادمة؛ لأنه ينقصها، في الوقت الحاضر، توافر ما لا يقل عن 5 عناصر أساسية، والعنصران الأولان يرتبطان بالطرفين المتصارعين.

من جهة، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الذي مدده الرئيس ترمب لإعطاء الوقت الكافي لإيران من أجل بلورة ردودها على آخر مقترحاته المتضمنة في الورقة المكونة من 14 بنداً، على كف عفريت. وهدد الأخير، الاثنين، في أكثر من مقابلة صحافية، بالعودة إلى استخدام لغة السلاح.

بالمقابل، فإن طهران جاهرت بأن عليه إما قبول ردها وإما رفضه بمعنى أنه لم يعد لديها مجال لتقديم تنازلات إضافية. وفي وضع كهذا، سيكون صعباً على الدول الراغبة بالمساهمة في القوة الموعودة الانخراط في مهمة غير محمودة العواقب، ويمكن أن تحولها إلى طرف داخل في الصراع.

أما العنصر الثاني فيتمثل في غياب أفق التوصل إلى مفاوضات السلام بين الطرفين المعنيين. وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن رؤية الوفدين الأميركي والإيراني يتفاوضان، مجدداً، إما وجهاً لوجه وإما بالواسطة، تبتعد أكثر فأكثر لا بل ترى أن الوساطة الباكستانية «وصلت في نهاية المطاف إلى طريق مسدود» بينما لا يبقى التعويل قائماً إلا على دور قد تقبل الصين بالقيام به نظراً لتضررها الكبير من إغلاق مضيق هرمز، حيث تمر فيه نسبة 40 في المائة من مشترياتها النفطية.

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» والقطع المرافقة لها تبحر في قناة السويس بطريقها إلى المياه القريبة من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

تعايش المهمتين في هرمز

بعد أن فشلت الخطة الأميركية المسماة «مشروع الحرية»، لإعادة فتح هرمز، رأى الأوروبيون أنها تعبد الطريق أمام مبادرتهم الخاصة التي يراد لها أن تكون بعيدة عن الحضور الأميركي.

والحال أن الرئيس ترمب هدد، الاثنين، بإعادة تفعيل «مشروع الحرية» مع الرغبة في تنفيذه باللجوء إلى قوة أكبر، وسبق له أن برر تعليقه، بعد 36 ساعة فقط من إطلاقه، بتدخلات خليجية، وتقدم المفاوضات مع إيران.

وإذا كان من الصعب التعرف حقيقة على نيات الرئيس الأميركي ومعرفة ما إذا كان كلامه يندرج في إطار التهويل والتهديد أم أنه جاد في العودة لمشروعه السابق، فإن إعادة تدويره من شأنها أن تقلق باريس ولندن والدول المتعاونة معهما والتي تضم بلداناً أوروبية وآسيوية وخليجية وحتى أفريقية. ذلك أنه سيكون من الصعب تواجد مهمتين عسكريتين متنافستين على ضمان المرور الآمن في مضيق هرمز؛ ما يعني عملياً أنه سيتعين على الأوروبيين وشركائهم الانتظار حتى تتوضح صورة الوضع في المضيق وفي ما سترسو عليه العلاقات الأميركية - الإيرانية.

عداء أميركي - إيراني

لا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ ذلك أن الصعوبة الكبرى عنوانها العداء الإيراني لقوة عسكرية في المضيق، وأن إيران سارعت على لسان نائب وزير خارجيتها كاظم غريب أبادي إلى تحذير باريس ولندن من اقتراب قطعهما الحربية أو «قطع دول أخرى» من مضيق هرمز لأنها «ستواجه برد حاسم».

وكتب عبادي على منصة «إكس»: «نذكرهم بأنه في زمن الحرب كما في زمن السلم، وحدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على ضمان الأمن في هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في هذا المجال».

من هنا، استعجال الرئيس ماكرون إلى «طمأنة» إيران إلى أن مهمة القوة ستكون بـ«التنسيق» مع إيران وأن فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر قوات في المضيق، لكن ماكرون حرص على التذكير بالمبادئ الرئيسية التي تقوم عليها «المبادرة»، وتتمثل رفض أي حصار مفروض على المضيق من أية جهة كانت، ورفض فرض أي رسوم. وتطرح فرنسا بالتلازم أن ترفع طهران حصارها على المضيق مقابل أن تتمكن سفنها من حرية الحركة أي أن يتوقف الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.

ليست إيران وحدها متحفظة على «متعددة الجنسيات»، بل إن واشنطن أيضاً غير متحمسة لها؛ إذ تربطها برفض الأوروبيين والأطلسيين ودول أخرى مثل أستراليا واليابان الانضمام إلى واشنطن في الحرب الأخيرة؛ ففي الاتصال الهاتفي الذي جرى، الاثنين، بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا تناول البحث المهمة التي يدفع بها الأوروبيون إلى الأمام، وليس سراً أن الوزير الأميركي ماركو روبيو، كما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غير متحمس لها وسبق له أن تساءل عن جدواها «بعد انتهاء الأمر» أي بعد انتهاء الحرب معتبراً أن أمراً كهذا ّيبدو كأنه غير منطقي، إلا أنه، في نهاية المطاف اعتبر أنه «قد يكون لها بعض الفائدة».


تركيا: توقيف أعضاء بشبكة لتمويل «داعش» عبر العملات الرقمية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
TT

تركيا: توقيف أعضاء بشبكة لتمويل «داعش» عبر العملات الرقمية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في عمليات متزامنة في 16 ولاية في أنحاء البلاد للاشتباه في ضلوعهم في شبكة لتمويل التنظيم عبر جمع أموال وتحويلها باستخدام العملات الرقمية المشفرة. ونفذت فرق من شعبة مكافحة الإرهاب التابعة لمديرية شرطة إسطنبول و15 ولاية أخرى في أنحاء تركيا العملية، بتنسيق من مكتب المدعي العام الرئيسي في إسطنبول، وفق ما أفادت به مصادر أمنية، الثلاثاء.

وجاءت العملية بعدما كشفت تحقيقات أجرتها إدارة مكافحة الجرائم المالية عن استخدام محافظ عملات لجمع الأموال عبر قنوات بتطبيق «تلغرام» تابعة لتنظيم «داعش»، تم تحويلها إلى محافظ باردة بهدف تصعيب عملية التتبع. وبحسب المصادر، تم جمع ما يقرب من 170 ألف دولار عبر هذه المحافظ الرقمية بين عامي 2021 و2025، وتسليم الأموال إلى أعضاء «داعش»، كما تبين أن الموقوفين خلال العملية الأمنية أجروا معاملات مالية مع أفراد لديهم سجلات جنائية مرتبطة بمنظمات إرهابية»، وتم ضبط العديد من المواد الرقمية في أثناء التفتيش في عناوين الموقوفين.

تنفذ قوات الأمن التركية حملات مستمرة على عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (إعلام تركي)

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب عام 2023، أو نسب إليه، سلسلة من الهجمات على أهداف مدنية في تركيا، في المدة بين عامي 2015 و2017، تسببت في مقتل نحو 300 شخص، وإصابة العشرات، حيث استخدم مقاتلو التنظيم الأجانب تركيا كنقطة عبور رئيسية من وإلى سوريا خلال الحرب الداخلية فيها. وتشهد تركيا حملات أمنية منتظمة على عناصر التنظيم وخلاياه منذ هجوم إرهابي نفذه الداعشي الأوزبكي عبد القادر مشاريبوف، المكنى «أبو محمد الخراساني» على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول في رأس السنة عام 2017؛ ما أدى إلى مقتل 39 شخصاً، وإصابة 79 آخرين غالبيتهم أجانب. ومنذ ذلك الحين، أطلقت أجهزة الأمن التركية عمليات مستمرة، ألقت خلالها القبض على آلاف، كما رحّلت مئات من المقاتلين الأجانب، ومنعت دخول آلاف من المشتبه بهم إلى البلاد؛ ما أدى إلى تراجع هجمات «داعش» بشكل ملحوظ.

عودة نشاط «داعش»

وعاود «داعش» نشاطه الإرهابي، بعد 7 سنوات، بالهجوم على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024؛ ما أسفر عن مقتل المواطن التركي تونجر جيهان (52 عاماً).

جانب من قداس لضحية هجوم «داعش» على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول في عام 2024 (إعلام تركي)

وعقب الهجوم، جرى القبض على 17 من عناصر «ولاية خراسان» بعد تحديد هويتهم بواسطة المخابرات التركية وشعبة مكافحة الإرهاب، في مديرية أمن إسطنبول، وجرى التأكد من صلتهم بالهجوم المسلَّح على الكنيسة والتخطيط لإقامة كيان لتدريب ونشر مسلَّحي «داعش» في دول الشرق الأوسط. وصعّدت أجهزة الأمن التركية، بعد ذلك الهجوم، من وتيرة عملياتها التي تستهدف كوادر التمويل والدعاية والترويج في «داعش»، ضمن حملاتها المستمرة ضد التنظيم، أسفرت عن ضبط عدد من كوادره القيادية، ومسؤولي التسليح والتمويل والتجنيد. وألقت قوات الأمن التركية، خلال هذه العمليات، القبض على مئات من عناصر تنظيم «داعش» ممن نشطوا سابقاً في صفوفه بالعراق وسوريا، وقاموا بأنشطة للتمويل، داخل تركيا، في حملات شملت عديد الولايات في أنحاء البلاد.

دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا غرب تركيا خلال اشتباكات بين الشرطة وعناصر من «داعش» في 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن. وكانت هذه الاشتباكات هي الأولى من نوعها بهذا الحجم بالنظر إلى عدد العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم الإرهابي منذ هجوم نادي رينا في إسطنبول. وعقب هذه الاشتباكات نفذت قوات الأمن التركية حملة موسعة في أنحاء البلاد استهدفت تنظيم «داعش»، وتم خلالها القبض على أكثر من 500 من عناصره. وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (نيسان) الماضي، عن ارتباط منفذيه بتنظيم «داعش».

عناصر من قوات الانتشار السريع بالشرطة التركية تحيط بموقع تنفيذ هجوم إرهابي بالقرب من القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقتل أحد المنفذين، وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة في الهجوم، الذي أعلنت وزارة الداخلية التركية، في أعقابه، توقيف 24 شخصاً لارتباطهم بـ«داعش»، من بين 198 مشتبهاً تم القبض عليهم غداة الهجوم. وتبين أن من بين الموقفين أعضاء في «داعش» وأشخاص يشاركون في تمويله، ونشر دعايته. ولم يعلن «داعش» أو أي جهة أخرى، المسؤولية عن الهجوم الذي استهدف نقطة للشرطة بالقرب من القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، ولم تحمله السلطات، رسمياً، المسؤولية عنه.


حرب مفاوضات بين ترمب وطهران بلا رابح صريح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

حرب مفاوضات بين ترمب وطهران بلا رابح صريح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

من الواضح أن عوامل عدة تلعب دوراً كبيراً في تشديد إيران شروطها لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، ما وضع مسار التفاوض مع واشنطن في مأزق مفتوح، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرد الإيراني الأخير.

كانت التحليلات تتوقع نتائج «منطقية» للحرب، تقوم على أن الضربات الأميركية والإسرائيلية الواسعة التي تعرضت لها إيران ستدفعها إلى قبول تسوية تقلّص خسائرها وتحفظ ما تبقى من قدراتها. لكن هذه المعادلة لم تطبق منذ إعلان الهدنة.

فطهران، بدلاً من خفض سقف مطالبها، بدت كأنها تحاول تحويل وقف النار إلى مساحة لإعادة ترتيب أوراقها، مستندة إلى توازنات داخلية مرتبكة، ودعم خارجي من الصين وروسيا، وتردد قوى إقليمية ودولية تخشى أن يخرج ترمب من الحرب بانتصار تفاوضي واسع ينعكس على ملفات خلافية أخرى.

انقسام داخلي يرفع سقف التشدد

المفارقة أن الضربات التي كان يفترض أن تضغط على النظام الإيراني لتقديم تنازلات، ربما أنتجت أثراً معاكساً داخل بنية القرار في طهران؛ فبدلاً من أن يظهر مركز واحد قادر على اتخاذ قرار بإنهاء الحرب، برزت مؤشرات إلى تنازع بين تيارات داخل النظام: فريق يريد تجنب الانهيار الكامل، وآخر يخشى أن تظهر أي تسوية بمظهر الاستسلام، وثالث يراهن على أن الزمن والاقتصاد العالمي والداخل الأميركي يمكن أن يفرضوا على واشنطن خفض شروطها.

في هذا السياق، يقول الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز» مايكل روبين، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن غياب الحكم الداخلي القادر على الفصل بين الأجنحة يزيد تصلب النظام. ويضيف: «في الماضي، كان المرشد الإيراني يقوم بدور الحكم بين الفصائل المختلفة، خصوصاً في القضايا الصعبة المتعلقة بما إذا كان ينبغي عقد صفقة أم لا. إذا كان مجتبى قد مات، فلا يوجد حكم. سيتنافس كل فصيل ليكون الأكثر عرقلة أو تشدداً، خشية أن يصوره منافسوه بأنه ضعيف أو خائن».

هذا التوصيف يفسر جانباً من التناقض الذي تحدث عنه ترمب نفسه، حين قال إن الإيرانيين وافقوا شفهياً على التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، ثم قدموا رداً مكتوباً لا يتضمن هذه النقطة. كما أنه يلقي الضوء على سبب استخدام ترمب تعبير «المعتدلين والمجانين» لوصف الانقسام داخل القيادة الإيرانية. فالرهان الأميركي على أن الضربات ستنتج قراراً موحداً في طهران اصطدم، على ما يبدو، بحسابات بقاء داخلية تجعل التشدد أقل كلفة سياسياً من التسوية.

مروحية أميركية تُحلق فوق زوارق دورية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في هرمز خلال ديسمبر 2018 (أرشيفية - أ.ب)

«هرمز» ورقة ضغط مؤقتة

يبقى مضيق هرمز الورقة الأكثر أهمية في يد إيران؛ فاستمرار تعطيل الملاحة يمنح طهران قدرة على توسيع كلفة الحرب خارج حدودها، من أسواق الطاقة إلى التضخم، ومن آسيا إلى أوروبا، وصولاً إلى الداخل الأميركي. ولهذا تحاول إيران ربط إعادة فتح المضيق بشروط سيادية وسياسية واقتصادية، بينها تخفيف العقوبات والاعتراف بدورها في إدارة أمن الممر البحري.

لكن هذه الورقة ليست بلا سقف. ويرى جوناثان شانزر، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن طهران تبالغ في تقدير قوتها. ويقول: «لا أعتقد أن النظام في إيران غيّر موقفه منذ إعلان وقف النار. أعتقد أن من الخطأ أن يواصل الحرب. ستكسب الولايات المتحدة في النهاية اليد العليا عبر الحرب الاقتصادية أو العمليات العسكرية أو كلتيهما. مضيق هرمز يوفر بعض النفوذ الآن، لكن ذلك سيتغير بمجرد تعديل تدفقات الطاقة وتخفيف الأزمة من جانب المنتجين الآخرين في المنطقة. استمرار الحرب رهان خاسر للنظام».

هذا الرأي يعكس الرهان الأميركي المضاد، أن الوقت الذي تستخدمه إيران لتكبير كلفة الحرب، يمكن أن تستخدمه واشنطن وحلفاؤها لإعادة توجيه التدفقات، وتوسيع الضخ، وتخفيف أثر المضيق، بما يحول الورقة الإيرانية من أداة ابتزاز استراتيجية إلى عبء طويل الأمد على النظام نفسه.

الصين وروسيا

تستمد طهران جزءاً من صلابتها من حسابات خارجية، خصوصاً من الصين وروسيا. ويرى محللون أن بكين لا تريد انهيار إيران ولا انتصاراً أميركياً كاملاً يكرس قدرة واشنطن على فرض شروطها في قلب آسيا وغربها. وتشير «سي إن إن» إلى أن شبكة من المصافي الصينية الصغيرة، ولا سيما في إقليم شاندونغ، تواصل معالجة النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، ما يضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، ويمنح النظام هامشاً مالياً في لحظة ضغط قاسية.

لكن الدعم الصيني يبقى محكوماً بمفارقة واضحة؛ فالصين تعتمد بشدة على نفط الخليج، ولا مصلحة لها في إغلاق طويل لهرمز يهدد صناعتها وسلاسل توريدها ويعمق التباطؤ في آسيا. لذلك يذهب ترمب إلى بكين حاملاً ملف إيران كجزء من اختبار أكبر للعلاقة مع الرئيس شي جينبينغ: هل تضغط الصين على طهران لتقبل تسوية، أم تستثمر المأزق لإضعاف واشنطن تفاوضياً؟

أما روسيا فتجد في الحرب فرصة لتوسيع كلفة السياسة الأميركية، وتشتيت الموارد والاهتمام بعيداً عن ملفات أخرى. لكنها، مثل الصين، لا تستطيع إنقاذ إيران من تبعات عسكرية واقتصادية مفتوحة إذا قررت واشنطن استئناف الضربات. وهنا تظهر حدود «دعم الأصدقاء»، فهو يكفي لإطالة النفس الإيراني، لكنه لا يكفي بالضرورة لتغيير ميزان القوة.

إيرانيون يقودون دراجاتهم أمام لوحة إعلانية تعرض صورة للمرشد مجتبى خامنئي في وسط طهران 6 أبريل الماضي (أ.ب)

ترمب بين التصعيد وكلفة البنزين

في واشنطن، لا يبدو ترمب في موقع مريح؛ فقد نقل موقع «أكسيوس» أن الرئيس اجتمع مع فريقه للأمن القومي لبحث استئناف العمل العسكري، بعدما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. وقال ترمب إن وقف النار بات على «أجهزة إنعاش ضخمة»، وإنه يملك «خطة» تقوم على منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وتحدث مسؤولون أميركيون عن خيارات تشمل إعادة إطلاق «مشروع الحرية» لمرافقة السفن في مضيق هرمز، أو استئناف حملة القصف ضد ما تبقى من أهداف عسكرية لم تضرب بعد.

لكن توقيت القرار معقد، فترمب يتوجه إلى الصين، ومسؤولون أميركيون لا يتوقعون قراراً عسكرياً كبيراً قبل عودته. كما أن الداخل الأميركي يضغط بقوة. أسعار البنزين ارتفعت إلى نحو 4.52 دولار للغالون، بينما تشير استطلاعات عن تراجع شعبية ترمب الاقتصادية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ومن هنا جاء انفتاحه على تعليق ضريبة البنزين الفيدرالية، رغم أن هذه الخطوة تحتاج إلى موافقة الكونغرس، وقد لا تنعكس كاملة على المستهلكين.

بهذا المعنى، تراهن طهران على أن الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل صارت سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة. فكل يوم يبقى فيه مضيق هرمز معطلاً يزيد الضغط على المستهلك الأميركي، ويعطي خصوم ترمب فرصة للقول إن حربه رفعت التضخم وأضعفت الاقتصاد.

غير أن هذا الرهان الإيراني ينطوي بدوره على مخاطرة كبرى، فإذا شعر ترمب بأن طهران تستخدم هرمز والانتخابات لابتزازه، فقد يندفع إلى ضربة جديدة لإثبات أن الضغط الداخلي لا يقيد قراره. لذلك يلخص مايكل أوهانلون، الباحث في معهد «بروكينغز»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، غموض اللحظة بقوله: «كلا الطرفين يأمل أن تكون له اليد العليا. لكن لا أحد يعرف بعد من هو المصيب».

الخلاصة أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من القصف نفسه، ومضيق هرمز يبقى قلب المعادلة: ورقة ضغط إيرانية الآن، لكنه قد يتحول سريعاً إلى سبب لاستئناف الحرب إذا قرر ترمب أن الهدنة لم تعد سوى غطاء لتعطيل انتصاره.