شون بن يهدي «حبيبته أوكرانيا» فيلماً بطلُه زيلينسكي

الممثل الأميركي يوثّق يوميات الحرب من قلب الجبهات المشتعلة

الممثل الأميركي شون بن في أحد شوارع كييف برفقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الممثل الأميركي شون بن في أحد شوارع كييف برفقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

شون بن يهدي «حبيبته أوكرانيا» فيلماً بطلُه زيلينسكي

الممثل الأميركي شون بن في أحد شوارع كييف برفقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الممثل الأميركي شون بن في أحد شوارع كييف برفقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

ليس الممثل والمخرج الأميركي شون بن غريباً عن الأحداث التي تهزّ العالم. غالباً ما ينتزع قناع التمثيل لينخرط في أنشطة سياسية وإنسانية، وهذا ما فعله عام 2005 عندما هرع إلى نجدة ضحايا الإعصار «كاترينا» في ولاية لويزيانا الأميركية. أما سنة 2010 وبعد الزلزال المدمّر الذي ضرب هايتي، فقد أسّس منظّمة لمساعدة البلد المنكوب وأهله، كما واكب الحدث بالصوت والصورة ضمن وثائقي «Citizen Penn» (المواطن بن).

تمتزج الاهتمامات الإنسانية لدى بن مع حسٍ صحافي بارز غالباً ما يضعه في قلب الأحداث، ويجذبه إلى مواقع بالغة الخطورة. دخل إلى أوكرانيا عام 2021 من دون خوذة ولا سترة مضادّة للرصاص، ليخرج منها بعد سنتين مراسلاً حربياً واكب الأوكرانيين ورئيسَهم، فأهداهم فيلماً وثائقياً بعنوان «Superpower» (قوّة عظمى).

انطلق بثّ «Superpower»، ومدّته ساعتان، على مجموعة من شاشات التلفزة الأوكرانيّة منذ أيام. أما العرض العالمي فتتولّاه منصّة «باراماونت بلاس» الأميركيّة.

قبل 3 أشهر من اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. شدّ الممثل الحائز على جائزتَي أوسكار رحالَه صوب كييف. كان يلبّي حينها نداء فضوله لمعرفة المزيد عن فولوديمير زيلينسكي؛ الممثل الذي تحوّل رئيساً للجمهوريّة.

عقد بن النيّة على صناعة وثائقي عن شخصية زيلينسكي الخارجة عن المألوف، من خلال مقابلاتٍ معه ومع المحيطين به ومع الأوكرانيين عموماً. حُدّد اللقاء الأوّل بين الرجلَين في 23 فبراير، أي قبل يومٍ واحد من بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا.

التقى بن وزيلينسكي مجدّداً في اليوم التالي، ليشهد الفريق الأميركي على تساقط الصواريخ فوق كييف، ويوثّق ما استطاع من لحظات تاريخيّة. كما لو أنّ القدر شاء أن تضرب الحرب موعداً مع بن، الذي لا يتردّد بالارتماء في أحضان المخاطر.

ملصق الفيلم الوثائقي Superpower من إخراج شون بن وبطولته

بشكلٍ مفاجئ ودراماتيكيّ، تبدّل السيناريو الذي كان قد وضعه بن لفيلمه، فارتأى مواكبة الأحداث بدل العودة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي اللحظة التي سقطت أولى القنابل على كييف، كان بن موجوداً مع زيلينسكي، على ما يُظهر أحد مشاهد الوثائقي.

أبعد من مقرّ الرئاسة الأوكرانية يذهب بن وفريقه. يوثّقون رحلتهم إلى الخطوط الأماميّة والجبهات المشتعلة؛ حيث يواكبون الجنود الأوكرانيين ويلاصقونهم في الخنادق وعلى المتاريس، في وقتٍ يرابض الجنود الروس على بُعد عشرات الأمتار. تجول الكاميرا كذلك وسط حطام ما تبقّى من أوكرانيا، تزور البيوت المشلّعة، تحتكّ بطوابير النازحين، وتستطلع آراء الناس في الشوارع حول الحرب وزيلينسكي.

ينفّذ الفريق، بقيادة بن وشريكه المخرج آرون كوفمان، عملاً توثيقيّاً مفصّلاً ومحترفاً، غير أنه بعيدٌ كل البُعد عن الحياد. لم يكن هذا الأمر أصلاً ضمن حسابات بن، فهو دخل المشروع معجباً بشخص زيلينسكي حتى قبل اندلاع الحرب. ثم اشتعلت النيران حوله، لتوقدَ حبّه أكثر للأوكرانيين ورئيسهم الذي يصفه بن بـ«تجسيد الأمل».

عاون بن في الوثائقي المخرج آرون كوفمان (أ.ب)

خلال سنة ونصف، سافر بن والفريق إلى أوكرانيا سبع مرّات، وفي كل مرّة كان يكشف المزيد عن إعجابه الكبير بشعبها. وفي مقابلة مع مجلّة People الأميركية، يقول إنه خلال التصوير وقع في غرام البلد وناسه. وهو لا يتردّد في الإفصاح عن هدف الفيلم: «لا نريد أن نبثّ معلومات للمشاهدين فحسب، بل نتطلّع إلى تركِ أثر وإحداث فرق». ويضيف أنه يأمل في أن يلمس «Superpower» السياسيين الأميركيين، كي ينخرطوا أكثر في مساعدة أوكرانيا في قتالها ضدّ الاجتياح الروسي.

أما عن زيلينسكي الذي جمعته به مقابلاتٌ عدّة خلال الوثائقي من بينها واحدة في إحدى حدائق كييف العامّة، فيقول بن إنه كان متعاوناً جداً، كما فتح الطريق أمامه إلى مواقع حصريّة في أوج أيام الحرب.

زيلينسكي وبن خلال تصوير وثائقي «Superpower» في أوكرانيا (أ.ف.ب)

يعود «Superpower» الذي يرويه بن بصوته إلى أرشيف زيلينسكي، فيستعين بمشاهد من أفلامه يوم كان ممثلاً محترفاً. ومن حقبة «ثورة الكرامة الأوكرانيّة» عام 2014، يستقي الوثائقي عدداً من المشاهد، ما يمنحه بُعداً تاريخيّاً. ويكمّل بن ذلك من خلال مقابلات يجريها مع خبراء في الشأن الأوكراني، مثل السفير الأميركي السابق في أوكرانيا ستيفن بايفر، ورئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو، وسواهم من مسؤولين. للشارع صوتُه كذلك في الوثائقي؛ حيث يستمع بن إلى آراء الناس في الحرب وفي رئيسهم.

إحدى نقاط الذروة في الفيلم هي إطلالة بن في برنامج شون هانيتي على شبكة «فوكس نيوز» الأميركية. وكان هانيتي قد سبق أن وصف بن بـ«عدوّ أميركا». إلا أن الممثل جلس إلى طاولة البرنامج، مواجهاً الإعلامي بالقول إنه لا يثق به وإنه موجود معه للحديث حصراً عن «شجاعة الشعب الأوكراني في قتاله من أجل حريته». وفي نهاية الحلقة، تمكّن بن من انتزاع إقرار هانيتي بوجوب مساعدة الولايات المتحدة لأوكرانيا، من أجل إلحاق الهزيمة بروسيا.

أوسكار من بن لزيلينسكي قدّمه إليه في نوفمبر 2022 (أ.ف.ب)

انخرط شون بن عاطفياً ومهنياً في الصراع الروسي – الأوكراني. بذل من أجله كثيرا، بما في ذلك أغلى إنجازاته الفنية؛ جائزتَي الأوسكار اللتَين فاز بهما خلال مسيرته. قدّم لزيلينسكي التمثال المذهّب في مكتبه الرئاسي في كييف، وصرّح حينذاك بأنه يفكّر جدياً بتذويب الجائزتين وتحويلهما إلى رصاصٍ يستخدمه الجيش الأوكراني في قتاله.


مقالات ذات صلة

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

أميركا توافق على صفقة محتملة لبيع قطع غيار عتاد عسكري إلى أوكرانيا

أعلنت وزارة الدفاع ‌الأميركية (‌البنتاغون)، ‌يوم الجمعة، ​أن وزارة ‌الخارجية وافقت على صفقة ‌محتملة لبيع قطع غيار عتاد عسكري ومواد ذات ​صلة إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ) p-circle

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز و«ستارلينك» تحجب خدمة الإنترنت عن القوات الروسية

رائد جبر (موسكو) إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا  رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

اقترح الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على روسيا تستهدف قطاعي الطاقة والبنوك، وتشمل حظر تقديم خدمات بحرية لناقلات النفط الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا ضباط إنفاذ القانون وصحافيون خارج المبنى السكني الذي شهد محاولة اغتيال الجنرال الروسي فلاديمير أليكسيف في موسكو، روسيا 6 فبراير 2026 (رويترز)
p-circle 00:39

إطلاق نار على جنرال في الجيش الروسي... ولافروف يتهم أوكرانيا

تعرّض جنرال في الجيش الروسي لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، صباح الجمعة، ونُقل إلى المستشفى، حسب ما أفادت «لجنة التحقيقات الروسية».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.