الألعاب الإلكترونية... «تنافس» اقتصادي و«صراع» ثقافي

أميركا والصين تتصدران... ومساعٍ عربية واعدة للتأثير والحضور

«الجيل زد»... الهاتف الجوال والألعاب الإلكترونية جزء أساسي من الروتين اليومي
«الجيل زد»... الهاتف الجوال والألعاب الإلكترونية جزء أساسي من الروتين اليومي
TT

الألعاب الإلكترونية... «تنافس» اقتصادي و«صراع» ثقافي

«الجيل زد»... الهاتف الجوال والألعاب الإلكترونية جزء أساسي من الروتين اليومي
«الجيل زد»... الهاتف الجوال والألعاب الإلكترونية جزء أساسي من الروتين اليومي

ربما لم يتصور مالكو شركة «نوتي دوغ» الأميركية عندما كانوا يطلقون لعبتهم الإلكترونية «ذا لاست أوف أس» (The last of us) في عام 2013 أنها ستصبح بعد عِقد كامل مُلهمة لصناع مسلسل تلفزيوني يحمل الإسم نفسه والفكرة ذاتها للعبة ونال مشاهدات واسعة؛ لكن هذا ما حدث لتتأكد وتترسخ معه مجدداً ملامح وتأثيرات مشهدٍ آخذ في التطور والنمو لقطاع الألعاب الإلكترونية على مستويات عدة حول العالم.

لكن الأمر لم يعد قضية حقوق ملكية أو اقتباس بين منتج فني وآخر إلكتروني يتم تسويتها وفق عقود قانونية ومستحقات مادية؛ بل إن السنوات الأخيرة أظهرت وعززت، بحسب ما تقصت ورصدت «الشرق الأوسط»، أبعاداً تنافسية دولية ذات شق اقتصادي بمليارات الدولارات، وأخرى ثقافية تراوح مكانها بين الدين والتاريخ والسياسة، فضلاً عن استراتيجيات وطنية وإقليمية لجذب مئات الملايين من جمهور هذه الصناعة العملاقة.

بالنظر إلى حجم سوق الألعاب الإلكترونية العالمية والذي بلغ حجمها العام الماضي نحو 235 مليار دولار (بحسب تقديرات مؤسسة «نيوزو» Newzoo المتخصصة في إحصاءات الألعاب الإلكترونية)؛ فإن التنافس قائم ونشط بين شركات عدة، لكن الصراع على صدارة قطاع الألعاب عالمياً يتركز بشكل كبير ما بين الولايات المتحدة والصين.

ورغم تصدر أميركا والصين الصورة؛ فإن ذلك لم يمنع قوى صاعدة تأتي في مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد حراكاً لافتاً، من الظهور على خريطة التنافس العالمي في مجال الألعاب الإلكترونية. وتتطور المنافسة الأميركية - الصينية من امتلاك أكبر الشركات المنتجة للألعاب عالمياً إلى صراع محتدم على التهام كعكة الأرباح.

وبحسب الموقع المتخصص في الإحصاءات «ستاتيستا»، استطاعت الولايات المتحدة الاحتفاظ بالنصيب الأكبر من سوق الألعاب الإلكترونية في العالم خلال عام 2022 بإيرادات وصلت إلى 55 مليار دولار من خلال 156 مليون مستخدم. في المقابل، لم تتمكن الصين التي تحمل لقب «عاصمة ألعاب الفيديو» إلا من تحقيق 44 مليار دولار، خلال العام الماضي، رغم أن عدد اللاعبين بها تجاوز 714 مليون شخص (أي ضعف عدد سكان الولايات المتحدة تقريباً).

سجلت أعداد مستخدمي الألعاب الإلكترونية أكثر من 3 مليارات لاعب حول العالم خلال العام الحالي (رويترز)

ويزداد التنافس سخونة مع التوقعات بتسجيل أعداد مستخدمي الألعاب الإلكترونية أكثر من 3 مليارات لاعب حول العالم خلال العام الحالي، فضلاً عن تنامي متوسط العائد السنوي عن كل مستخدم في سوق ألعاب الفيديو، والذي قفز من 58.9 دولار في عام 2019، إلى 80.18 دولار في عام 2022، مع توقع بارتفاع العائد إلى 84.19 دولار هذه العام الحالي (وفق تقديرات «نيوزوو»). وهو ما يعني أن الألعاب الإلكترونية يمكن أن تكون أكثر ربحية لمنتجيها (شركات أو ودول) مقارنة بالكثير من الصناعات التقليدية في العالم.

الأعداد V.S التقنية

ولعل الفرص الربحية المتنامية لقطاع لألعاب، تفسر جانباً من تحرك بكين في ديسمبر (كانون الأول) 2020، لإدراج الرياضات الإلكترونية كواحدة من الأحداث الرسمية لدورة الألعاب الآسيوية عام 2022، كما تسعى بكين إلى إدراج الرياضات الإلكترونية لتكون ضمن الألعاب الأولمبية.

تشين جيانغ، الأستاذ المشارك في كلية هندسة الإلكترونيات وعلوم الكمبيوتر بجامعة بكين، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «الصين تنظر للألعاب الإلكترونية بوصفها فرصة اقتصادية، وليس مجرد هواية صبيانية»، مضيفاً: «لقد باتت جزءاً من سياسة الصين فيما يتعلق بالابتكارات».

ويتابع الأكاديمي الصيني: «منذ عام 2003 تم الاعتراف بالألعاب الإلكترونية على أنها رياضة رسمية من قِبل (الإدارة العامة للرياضة) في الصين؛ وهو ما أكسب القطاع أولوية واهتماماً، خاصة في ظل توافر متطلبات الصناعة، ونمو الاهتمام الجامعي بالقطاع».

ومع ذلك، فإن جيانغ يعتقد أن «المنافسة المحتدمة بمجال الألعاب الإلكترونية خاصة من الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، واليابان، فضلاً عن طموح دول جديدة في هذا المضمار مثل: سنغافورة، وماليزيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، سيخلقان مزيداً من الضغوط على الصين». لكن جيانغ يعود ويراهن على أن «امتلاك الصين عدداً كبيراً من اللاعبين ميزة لا يمكن لأي دولة في العالم أن تنافسها بشأنها».

تطور عدد مستخدمي الألعاب الإلكترونية حول العالمي (منصة فايننس أونلاين)

وإذا كان الرهان الصيني على «الأعداد الكبيرة»، فإن ثمة ميزة لدى المنافسين الغربيين، يراها كيث كرون، خبير التسويق الكندي والمتخصص في الألعاب الإلكترونية، وتتمثل في تطوير التقنيات مثل «الواقع المعزز» (الميتافيرس) واستخدامها في الألعاب.

ويقول كرون لـ«الشرق الأوسط»: «سيكون الأمر بمثابة (ثورة تكنولوجية) ذات مردود اقتصادي كبير... آجلاً أم عاجلاً ستفرض التقنيات الحديثة نفسها، وشكل المنافسة وتسويقها سيكون مختلفاً تماماً».

شغف الطفولة والثراء

يمكن القول إن التنافس الاقتصادي بين عمالقة الدول والشركات بسوق الألعاب الإلكترونية، بمثابة لوحة فسيفساء كبرى تتخللها قطع أصغر أو بالأحرى لاعبون. لكن السردية الكلاسيكية بشأن المتلقي - أو الزبون - الذي يدفع وفقط لصالح الخدمة أو المتعة التي تقدمها اللعبة، ربما لا تصلح وحدها الآن لتفسير حجم التفاعل المتنامي مع اللعبة، يبدو أن هناك شيئاً أعمق يغري المستخدمين.

في عام 2020، قرأ الشاب المصري، إسلام فراج، إعلاناً عن تنظيم «البطولة العربية الأولى للألعاب الإلكترونية» تحت رعاية «جامعة الدول العربية»، بمجموع جوائز 5 آلاف دولار لكل لعبة، وبإجمالي 15 ألف دولار.

لعبة "فورتنايت" وشعار شركة "أبل"... ارتباط وثيق بين الألعاب الالكترونية والهواتف الجوالة (رويترز)

بشغف الطفولة وقدرات اللعب المتقدمة، تحمس فراج آنذاك للمشاركة، وفاز بأحد فروعها، ليتحول الأمر وفق ما يقول لـ«الشرق الأوسط» من «خانة الهواية، إلى الاحتراف، والرغبة في استثمار قدرات اللعب لاصطياد الجوائز التي باتت تتيحها مسابقات إقليمية ودولية في هذا المجال».

يروي فراج أن الأمر بدأ بمعارضة تقليدية من أسرته لمسألة انخراطه في الألعاب الإلكترونية؛ لكونها «مضيعة للوقت»، لكنه وبعد تحويلها إلى مصدر دخل حقيقي «استطاع إقناعهم بموهبته».

على الصعيد العالمي، تزدهر سوق مسابقات الألعاب الإلكترونية، ومنها بطولات مثل Fortnite World Cup بجوائز تخطت قيمتها 30 مليون دولار، وكذلك بطولة Dota 2 International والتي يتصاعد مجموع جوائزها بصورة سنوية؛ إذ ارتفع من 10 ملايين دولار في عام 2014، وصولاً إلى 40 مليون دولار منذ عام 2021.

وبالإضافة إلى المكاسب المادية، أسهمت عمليات تنظيم قطاع الألعاب الإلكترونية ضمن اتحادات ذات طابع رسمي في تعزيز المنافسة، وتحولت الألعاب خلال السنوات الأخيرة إلى مسمى الرياضات الإلكترونية «Esports»، وبات العديد من الدول يعترف بها كـ«رياضة».

فرص واعدة لرواد الأعمال

الإغراءات المتنوعة للقطاع لم تقتصر على اللاعبين، ومع النمو الكبير لسوق الألعاب عالمياً زاد الاهتمام بها. وبحسب تقرير نشره موقع FinancesOnline العالمي في مايو (أيار) الماضي، فإن هناك أكثر من 2400 شركة لألعاب الفيديو في جميع أنحاء العالم، توفر مئات الآلاف من فرص العمل.

عزيزة الأحمدي، رائدة أعمال وأول سيدة سعودية تمتلك شركة متخصصة في مجال الألعاب الإلكترونية، تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها بدأت نشاطها في عام 2014، ضمن مجموعة من رواد الأعمال بالسوق السعودية والمنطقة العربية ممن استشرفوا المستقبل الواعد لتلك الصناعة. تضيف أنها بحكم عملها في مجال الاتصالات كانت «على يقين بأن تلك الصناعة ستحقق مكانة مختلفة مستقبلاً، وستستقطب في لحظة ما الاهتمام الحكومي».

تشرح الأحمدي بأن صناعة الألعاب يمكن أن تكون «قطاعاً اقتصادياً قيادياً» لارتباطها بنحو 63 مجالاً آخر، فضلاً عن توظيف للمبدعين في مجالات متنوعة كالموسيقى والرسم والغرافيك والسيناريو، فالألعاب الإلكترونية خليط من الفنون. وتتابع: «في تقديري، تأثير الألعاب في الصناعات الإبداعية لا يقل عن تأثير الرياضيات في العلوم».

أكبر عشر شركات بالعالم في مجال الألعاب الإلكترونية من حيث الأرباح حتى مطلع 2023 (منصة ستاتيستا للإحصائيات)

ومع توقع رائدة الأعمال السعودية أن «تشهد السنوات الخمس المقبلة مكانة مختلفة للمنطقة العربية في المجال؛ فإنها ترهن ذلك بتغيير نظرة الشركات العربية العاملة في هذا المجال، لتكون نظرة إقليمية، وليست فردية، بحيث يحدث نوع من التكامل الإقليمي في أكثر من دولة، وبما يعود بالنفع على توزيع المهام».

وترى الأحمدي أن «الشركات السعودية بدأت بالفعل العمل وفق تلك الرؤية التكاملية السابقة التي تترجم نظرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بشأن ارتباط تطور المملكة بتطور المنطقة كلها في مسار التنمية».

«سافي» والرؤية الطموحة

حتى سنوات قريبة، لم تكن المنطقة العربية سوى سوق استهلاكية كبيرة لتلك الألعاب، إلى أن انتبهت بعض حكومات المنطقة، وفي مقدمها السعودية والإمارات ومصر والأردن، إلى ضرورة خوض المضمار ذاته، وانطلقت في هذا السياق استراتيجيات حكومية طموحة لتوطين صناعة الألعاب وسط سياق الاستثمارات غير التقليدية.

ضمن «رؤية 2030» التي تعمل السعودية على تحقيقها، جاءت «الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الالكترونية»، والتي تستهدف أن تكون المملكة مركزاً عالمياً لهذا القطاع من الأعمال، بميزانية تتجاوز 142 مليار ريال، وشملت 70 مليار ريال للاستحواذ على حصص إقليمية في شركات الألعاب، و50 مليار ريال للاستحواذ على ناشر ألعاب عالمي، واستثمار 20 مليار ريال في شركاء الصناعة.

وتمثل مجموعة «سافي» Savvy للألعاب الإلكترونية في السعودية رأس الحربة في تنفيذ تلك الاستراتيجية الطموحة، والتي أعلنها ولي العهد السعودي رئيس مجموعة «سافي» الأمير محمد بن سلمان، في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وبحسب إفادة من متحدث إعلامي لشركة «سافي» رداً على أسئلة «الشرق الأوسط»، فإن «إدراك الكثير من الحكومات، ومنها حكومة المملكة العربية السعودية للتأثير الاقتصادي والثقافي المحتمل لقطاع الألعاب، أدى إلى زيادة الاستثمار والدعم من مختلف أصحاب المصلحة، كما أدى نمو الرياضات والألعاب الإلكترونية إلى زيادة الاهتمام بهذه الصناعة».

أكبر 10 فرق ألعاب تحقيقاً للأرباح بالعالم خلال آخر 6 سنوات (منصة ستاتيستا للإحصائيات)

وعلى المستوى السعودي، أشار المتحدث باسم «سافي» إلى أن «الألعاب والرياضات الإلكترونية تحظى بشعبية كبيرة في المملكة، وإلى أن عدد ممارسيها تجاوز 21 مليون لاعب في عام 2020، بحسب إحصاءات (Newzoo)، 32 في المائة منهم من متوسطي الإنفاق على ألعاب الجوال (مقارنة بـ18 في المائة فقط في أوروبا الغربية)، بينما 12 في المائة من اللاعبين بالسعودية هم من كبار المنفقين (مقارنة بـ4 في المائة في أوروبا الغربية)».

وبحسب المتحدث باسم «سافي»، فإن المجموعة «تستثمر رأسمال كبيراً على الأمد الطويل لدفع النمو في صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية، وخلق فرص للمشاركة والتقدم وتعزيز الشراكات في مجتمع الألعاب، وبالتالي تمكين الشركات الشريكة من التركيز على تحسين تجربة المستخدم عبر منتجات وخدمات متطورة».

الاستراتيجية السعودية التي يصفها المتحدث بأنها «الاستراتيجية الوطنية الوحيدة في العالم حالياً للألعاب والرياضات الإلكترونية»، وتعمل في إطارها مجموعة «سافي»، تستهدف ضمن أهداف عدة؛ تحقيق أثر اقتصادي من خلال المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50 مليار ريال بشكل مباشر وغير مباشر، مشيراً إلى أن ذلك سيكون له تأثير مباشر على المواطنين والقطاع الخاص والمشجعين والمحترفين العاملين في الألعاب والرياضات الإلكترونية حول العالم.

وأضاف أن الاستراتيجية تستهدف «خلق 39 ألف فرصة عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2030، وتوفير البيئة التأسيسية لتطوير الكفاءات، بهدف الوصول إلى الريادة العالمية وتعزيز مكانة المملكة على الساحة الدولية من خلال إنتاج أكثر من 30 لعبة تنافسية على مستوى العالم من قِبل استوديوهات تطوير الألعاب السعودية، ومن خلال الوصول إلى المراكز الثلاثة الأولى بعدد لاعبي الرياضات الإلكترونية المحترفين».

وفي سبيل تحقيق تلك الأهداف؛ استحوذت «سافي» - وفقاً لإفادة المتحدث - في يناير (كانون الثاني) 2022، على شركتين من رواد الصناعة مقابل 1.5 مليار دولار، وفي أبريل (نيسان) 2023، استحوذت المجموعة على شركة تطوير الألعاب الرائدة والناشر Scopely مقابل 4.9 مليار دولار، وهي واحدة من أسرع شركات الألعاب نمواً في العالم.

ووفقاً لإفادة المتحدث باسم «سافي»، فإن مشروعات المجموعة تتركز داخل المملكة عبر مجالين رئيسيين؛ أولاً: البرامج التي من شأنها تمكين ودعم وتسريع ريادة الأعمال والتدريب والتعليم. وثانياً: البرامج التي ستساعد في جلب ناشرين دوليين أو مطورين أو شركات تقنية إلى المملكة العربية السعودية لبناء قدرات النظام البيئي، وإرساء أسس المواهب في القطاع وخلق فرص لنقل المعرفة والاستثمار المشترك.

مبادرات عربية متنوعة

التنافسية الاقتصادية التي تحظى بها صناعة الألعاب الإلكترونية أغرت دولاً أخرى بالمنطقة، إلى جانب السعودية، للدخول في مضمار طرح المبادرات الهادفة إلى توطين تلك الصناعة التي تضعها تقارير عدة في مصاف صناعات المستقبل، من حيث النمو والربحية. فبحسب تقرير حديث لمؤسسة الأبحاث العالمية «نيكو بارتنر» (Niko Partners) المعنية بتطور الصناعات الرقمية، فإنه من المتوقع أن ترتفع عائدات ألعاب الفيديو في السعودية والإمارات ومصر، إلى 3.14 مليار دولار بحلول عام 2025.

وبينما أفادت «غرفة دبي للاقتصاد الرقمي»، في فبراير (شباط) الماضي، بأن 9 من كل 10 بالغين في الإمارات يستخدمون حالياً الألعاب الإلكترونية، فإن هناك «مبادرة أبوظبي للألعاب والرياضات الإلكترونية» التي أطلقت في مارس (آذار) 2021، وتم وفقاً للمبادرة تشييد بنية تحتية تضم أحدث المرافق والأستوديوهات والتي تتميز بشبكات اتصال فائقة السرعة، ومرافق ما بعد الإنتاج واستوديوهات الصوت، وتضم تلك المرافق أكثر من ألف موظف مستقل، وأكثر من 14 ألف عضو في المختبر الإبداعي.

أما في مصر التي تمتلك العدد الأكبر من اللاعبين في المنطقة، وفقاً لتقرير «نيكو بارتنرز»، فإنها تسعى هي الأخرى إلى احتلال موقع ملائم في صناعة الألعاب، وذلك ضمن خططها المعلنة في «رؤية مصر 2030».

ورغم أن القاهرة لم تعلن استراتيجية مستقلة خاصة بالألعاب بعد؛ فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أطلق في عام 2018 مبادرة لتدريب 10 آلاف شاب مجاناً على إنشاء وبرمجة التطبيقات والألعاب الرقمية، وإنشاء 100 شركة متخصصة في صناعة الألعاب الرقمية.

وقبل 12 عاماً أسس الأردن مختبراً لصناعة الألعاب بمبادرة أطلقها «صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية»؛ لتلبية احتياجات المطورين والشركات في تصميم الألعاب الإلكترونية وبرمجتها.

ويقول شريف عبد الباقي، رئيس «الاتحاد المصري للألعاب الإلكترونية»، لـ«الشرق الأوسط»: إن «النمو العربي الكبير في صناعة الألعاب مرشح للتزايد مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي ظل عدّ الألعاب جزءاً من الإعلام والتسويق وحتى المنافسة العالمية على اكتساب المكانة والدور؛ إذ باتت إحدى أدوات بناء (القوة الناعمة)».

ويعتقد عبد الباقي أن «المنطقة العربية فضلاً عن الاهتمام الحكومي لتوطين الصناعة، فإنها أيضاً سوق استهلاكية وإنتاجية واعدة»، منوهاً بأن «معظم التركيبة السكانية العربية يغلب عليها الشباب، وهي الفئة الأكثر استخداماً للألعاب الإلكترونية».

سرديات جديدة

وإذا كان الجانب الاقتصادي يبدو طاغياً عند النظر إلى صناعة الألعاب الإلكترونية في العالم وفي الإقليم حالياً، إلا أن ثمة تنافساً لا يقل احتداماً في مجال الألعاب الإلكترونية عن التنافس الاقتصادي، ذلك التنافس يبدو أشد عمقاً وأبقى أثراً ألا وهو «التنافس الثقافي».

تبدو الأدوار الثقافية للألعاب الإلكترونية منسجمة مع ذلك المفهوم الذي طوره أستاذ العلاقات الدولية الأميركي، جوزيف س. ناي في تسعينات القرن الماضي لمصطلح «القوة الناعمة» Soft Power. يرى ناي أن القوة الناعمة في جانب منها «سلاح مؤثر يسعى إلى تحقيق الأهداف عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، وإنها في جوهرها قدرة أمة معينة على التأثير في أمم أخرى وتوجيه خياراتها العامة».

ربما لم يتوقع جوزيف ناي أن الألعاب الإلكترونية (التي لم تكن قد ازدهرت في تلك الحقبة التي طور فيها مفهومه للقوة الناعمة) ستكون أفضل تجسيد لفكرته، بل إنها تحولت بعد عقود عدة إلى ساحة لحروب «القوة الناعمة».

أحد الأدلة على ما تثيره الألعاب الإلكترونية على مستوى الثقافي، تجسده واقعة إطلاق شركة «فيكتورا» الأميركية للألعاب الإلكترونية قبل سنوات للعبة تحت اسم «ستة أيام في الفلوجة»، وتستلهم اللعبة مجريات معركة الفلوجة التي دارت إبان الغزو الأميركي للعراق عام 2003، استناداً إلى عشرات المقابلات مع الجنود الذين قاتلوا في تلك المعركة.

وبحسب تصريحات أدلى بها بيتر تامتي، الرئيس التنفيذي لشركة «فيكتورا، لصحيفة «وول ستريت جورنال» قبل عامين، فإن اللعبة «ستتجنب سياسات حرب العراق ووجهات نظر المدنيين الذين عانوا من الوحشية على يد القوات الأميركية، حيث كان ذلك موضوعاً مثيراً للانقسام، وبدلاً من ذلك ستولد اللعبة (التعاطف) مع مشاة البحرية الأميركية الذين قاتلوا في المعركة».

لعبة أخرى هي Full Spectrum Warrior تقدم مثالاً آخر في هذا الصدد، إذ طُرحت عام 2004، وبدأ تطويرها كمحاكاة تدريب لجنود الجيش الأميركي، ثم قامت شركة Pandemic المنتجة للعبة بتعديلها إلى إصدار تجاري حتى يتمكن الجيش من إرسال اللعبة إلى الجنود للعبها أثناء نشرها، وتدور أحداث اللعبة في نسخة خيالية من العراق، حيث تمتلئ بمشاهد لرجال عرب يجري التصويب عليهم ليفوز اللاعب بأعلى قدر من النقاط.

الأمر لم يقتصر على العراق وحده، فوفقاً لدراسة نشرها مركز «بروكينغز» للدراسات في مارس (آذار) 2021، تحت عنوان «ألعاب الفيديو ساحة جديدة لنزاعات السياسة العامة» للباحث جوشوا فاوست، فقد استثمر البنتاغون على مدى 20 عاماً في استخدام ألعاب الفيديو كوسيلة لحث الشباب الأميركي على التجنيد، وأطلق ألعاباً شهيرة تعكس قيمة الجندي الأميركي، ومنها لعبة America’s Army وهي لعبة عسكرية مجانية تم إطلاقها في عام 2002 لإقناع اللاعبين الشباب بالتجنيد.

وخلصت الدراسة إلى التأكيد على أن «الألعاب الإلكترونية ليست فقط مساحة ثقافية متنازعاً عليها في أميركا، ولكنها أيضاً مساحة سياسية متنازعاً عليها تتنافس فيها الحكومات والشركات والصحافيون والنشطاء واللاعبون من كل فئة، لسرد القصص وتشكيل التصورات حول العالم».

وذهبت الدراسة إلى أنه يمكن للألعاب الإلكترونية أن «تؤثر على الحالة العاطفية للناس وأنماط التفكير والتصورات، ويمكن من خلالها تمرير رسائل سياسية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة».

«الكثير من الألعاب التي أنتجتها شركات أميركية قدمت أهدافاً تعكس الرؤية السائدة للعدو حسب تحولات الحقب التاريخية، فقد تطورت صورة الأعداء في الألعاب الإلكترونية من النازيين إلى الشيوعيين السوفيات، وصولاً إلى العرب والمسلمين، وحتى الصينيين مؤخراً»

الباحثة منيبة سليم

أداة لصناعة الأعداء و«الإسلاموفوبيا»

ليس فقط التشجيع وجذب الأنصار أو سرد التاريخ لصالح اتجاه معين هو ما تستهدفه الألعاب الإلكترونية في جانبها الثقافي والسياسي، بل إنها من بين تأثيراتها «اصطناع الأعداء وفق رؤية مسيسة»، على ما تذهب الباحثة، منيبة سليم في دراستها الصادرة عن جامعة «ميتشغان» الأميركية، في عام 2016 بالاشتراك مع «الجمعية الأميركية للطب النفسي».

تشير الدراسة إلى أن «الكثير من الألعاب التي أنتجتها شركات أميركية قدمت أهدافاً تعكس الرؤية السائدة للعدو حسب تحولات الحقب التاريخية، فقد تطورت صورة الأعداء في الألعاب الإلكترونية من النازيين إلى الشيوعيين السوفيات، وصولاً إلى العرب والمسلمين، وحتى الصينيين مؤخراً».

وتطرقت الدراسة إلى نماذج الألعاب التي حملت «إساءات عنصرية ومشاعر كراهية ضد العرب والمسلمين» أو ما بات يُعرف بـ«الإسلاموفوبيا»، في نسخ ألعاب شهيرة بيعت منها ملايين النسخ، ومنها اللعبة الشهيرة «Resident Evil» خاصة نسختها الذهبية والحصرية الخامسة، التي قامت الشركة اليابانية بطرحها في الأسواق، حيث احتوت إحدى مراحلها على صور للقرآن الكريم ملقاة على الأرض.

وهناك أيضاً لعبة «First to Fight» والتي منحت نقاط الفوز للاعب الذي يتمكن من تدمير المساجد وقتل المسلمين الملتحين الذين يجب تتبعهم والجري خلفهم بعد دخولهم للاحتماء في المساجد وقتلهم داخلها وسط صوت الأذان.

كما دفعت حملات مقاطعة وغضب العرب والمسلمين من إصدار عام 2021 من لعبة «Call of duty»، الشركة المطورة لها إلى إصدار بيان اعتذار قالت فيه: إن «اللعبة صنعت للجميع والصورة المسيئة للمسلمين وضعت بشكل خاطئ، وتمت إزالتها، ولم يكن من المفترض ظهورها في اللعبة».

ويعدّ الدكتور ماكس غراب، أستاذ الإعلام بجامعة ولاية يونغستاون بالولايات المتحدة، الألعاب الإلكترونية «أداة ثقافية بامتياز»، مشيراً إلى أنها «تتفوق في تأثيرها خلال السنوات الماضية على الأشكال التقليدية للإعلام»؛ وهو ما يجعلها ساحة تنافس ثقافي لافت سواء داخل المجتمعات أو بين الدول والثقافات المختلفة.

ويضيف غراب لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم ممارسي الألعاب الإلكترونية من الشباب هم في طور تشكيل خبراتهم عن العالم والصور الذهنية تجاه أمور لا تتوافر لديهم القدرة الواعية على بناء فهمهم وتصوراتهم عنها، ومن ثم تكون المصادر الرقمية هي موردهم الأول».

ويذهب أستاذ الإعلام بجامعة يونغستاون إلى أن ألعاباً شهيرة مثل Call of Duty وBattlefield وCounter-Strike وHalo والتي تداولها الملايين حول العالم «تتميز بدرجات متفاوتة من الواقعية والإلهام من أحداث العالم الواقعي وعناصر الخيال العلمي، وحملت مضامين تتعلق بقيم أراد صانعوها ترسيخها مثل استهداف جنسيات معينة، أو تمجيد جيوش دول بعينها، وهو ما يمكن عدّه سلاحاً ثقافياً فعالاً بالنظر إلى حداثة سن وقلة خبرة معظم ممارسي تلك الألعاب».


مقالات ذات صلة

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

يوميات الشرق الشرطة الهندية لم تتمكن بعد من تحديد اللعبة التي تسببت في ردّة الفعل العنيفة لدى الفتيات (رويترز)

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

لقيت ثلاث شقيقات صغيرات حتفهن في الهند، أمس الأربعاء، بعد سقوطهن من شرفة منزلهن، وذلك عقب منع والدهن لهن من ممارسة لعبة كورية تُعرف بـ«لعبة الحب» على هاتفه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز) p-circle

لماذا حجبت مصر لعبة «روبلوكس»؟

أعلن مسؤول مصري عن اتخاذ إجراءات لحجب منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس» في مصر، بعد طلب نائب بالبرلمان حجب اللعبة لحماية القيم الأخلاقية.

أحمد سمير يوسف (القاهرة)
رياضة سعودية فريق «تويستد مايندز» بطلاً لنهائيات تحدي «إي إس إل» السعودي 2026 (الشرق الأوسط)

«تويستد مايندز» يحافظ على اللقب… ويتوَّج بطلاً لنهائيات التحدي السعودي

أعلنت «إي إس إل فيس إت» غروب تتويج فريق «تويستد مايندز» بطلاً لنهائيات تحدي «إي إس إل» السعودي 2026 للعبة «أوفرواتش 2».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية السعودية نجحت في استضافة نسخ عالمية من بطولات الرياضات الإلكترونية (الشرق الأوسط)

«كأس العالم للرياضات الإلكترونية» تكشف النقاب عن نسخة المنتخبات

أعلنت مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية ملامح النسخة الأولى من كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية 2026

«الشرق الأوسط» (الرياض )
رياضة عالمية «نسخة 2026»... جائزة مالية قياسية تتجاوز 75 مليون دولار أميركي (اتحاد الرياضات الإلكترونية)

انطلاق مبيعات تذاكر «كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026»

أعلنت «مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية»، الثلاثاء، انطلاق مبيعات تذاكر «بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.