شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

مهاجرون يقاطعون «الفنادق الحدودية» لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه
TT

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

يقاطع آلاف من المهاجرين الأفارقة والعرب «الفنادق الحدودية» الواقعة على جانبي الأراضي المصرية - الليبية لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية في البلدين وهم يسعون للانتقال إلى أوروبا. ويقول مسؤول أمني على الحدود المصرية إن السلطات تمكنت منذ مطلع الشهر الحالي من توقيف 344 مهاجرًا بينهم 11 سودانيًا، والباقون مصريون من محافظات الصعيد من جنوب البلاد، أثناء إقامتهم المؤقتة في المدن الحدودية ومنها مرسى مطروح وبراني والسلوم وسيوة، قبل التسلل إلى ليبيا التي يتخذونها معبرًا للهجرة إلى أوروبا. وكان غالبية من يصلون إلى المدن الحدودية يقيمون في فنادق صغيرة، تكلف الفرد بين عشرة دولارات وعشرين دولارًا، (الدولار يساوي نحو 8 جنيهات)، قبل أن ينقلهم السماسرة في شاحنات صغيرة إلى محطات تجمع جديدة، لكن السلطات الأمنية داهمت عدة فنادق في الأسابيع الأخيرة في محاولتها للحد من الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تؤرق العالم، خاصة بعد حادثة غرق الطفل السوري إيلان قبالة السواحل التركية مطلع الشهر الحالي.
ويقول المسؤول الأمني إن «شبكة مهربين معقدة، تتكون من مصريين وليبيين وسوريين، بدأت تتحايل على الأمر وتبعد المهاجرين عن الإقامة في الفنادق الحدودية، وتستأجر لهم بدلاً من ذلك شققًا وسط التجمعات السكنية للأهالي، خاصة في مدينة مرسى مطروح السياحية»، مشيرًا إلى أن «هذا يزيد من صعوبة عمل السلطات الأمنية للحد من الهجرة غير القانونية». وتبلغ كلفة منزل للإقامة المؤقتة للمهاجرين حولي 15 دولارًا في المتوسط لليلة الواحدة. وتتسع بعض المنازل لأكثر من عشرين شخصًا، أما من معهم سيدات وأطفال فيفضلون استئجار منزل مستقل بغرفة أو غرفتين.
ويقول صاحب نزل خاص في «عزبة السلام» شرقي مدينة مرسى مطروح، إنه كان يؤجر نزله المكون من خمس غرف لعمال البناء في المدينة التي تشهد حركة معمار كبيرة. ويأتي هؤلاء العمال من مدن مصرية مختلفة، إلا أن ما يسدده السودانيون والسوريون من أجرة أغراه بفتح أبواب نزله لهم «حتى لو كانت إقاماتهم قصيرة». ويضيف: «لا شأن لي بطرح أسئلة من قبيل من أين أتوا أو ما هي وجهتهم».
ووفقًا للمعلومات الأمنية، فإن شبكة المهربين أصبحت تصدر تعليمات كل عدة أيام لاستبدال محطات انتظار المهاجرين بأخرى، للهروب من ملاحقات رجال الأمن. ويتلقى التعليمات سماسرة يقومون بتجميع المهاجرين من عدة مدن، ومن بينهم مهاجرون سوريون وفلسطينيون إضافة لبلدان من شرق أفريقيا؛ إذ تلاحظ، بحسب محاضر التحقيقات التي تجريها السلطات الحدودية المصرية، أن غالبية المهاجرين من غير المصريين، أصبحت للسودانيين، بعد أن كان معظمهم من السوريين حتى يوليو (تموز) الماضي.
وفي إطار جهودها للحد من الهجرة غير الشرعية، عينت السلطات المصرية مساعدًا جديدًا لوزير الداخلية في محافظة مطروح، هو اللواء هشام لطفي. كما أوكلت منذ العام الماضي مهمة إدارة المحافظة لمحافظ يحظى بخبرة أمنية كبيرة، هو اللواء علاء أبو زيد الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية في المنطقة الغربية.
وتنتشر فنادق الدرجة الثالثة في عدة أزقة وشوارع خلفية بالمدينة، لكن قوات الأمن المصرية داهمت الكثير منها في إطار ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين والعناصر الخارجة عن القانون. ويقول أحمد عبد الله الذي يدير فندقًا مطليًا باللون الأحمر في شارع المغاربة، إنه استقبل منذ نهاية الشتاء الماضي، ما لا يقل عن 300، غالبيتهم من السوريين الذين كانوا يريدون التسلل إلى ليبيا، لأن الحدود مغلقة بين البلدين بسبب المشكلات الموجودة هناك. ويضيف أن السمسار الذي كان يجلب له المهاجرين توقف عن ذلك خوفًا من الشرطة. وقال محقق في مديرية الأمن بمدينة مرسى مطروح، إن «المديرية قامت بالتعاون مع قوات الجيش على الحدود، بضبط مئات المهاجرين وهم يتجمعون بواسطة سماسرة استعدادًا للتسلل إلى داخل ليبيا. ومعظم المصريين الذين كانوا يستعدون للهجرة قادمون من محافظة المنيا، وهي من المحافظات الفقيرة الموجودة في جنوب القاهرة، يليها محافظة سوهاج فأسيوط بالصعيد». وتابع أن «من جرى استجوابهم لا يفصحون عن وجهتهم النهائية وهي ركوب البحر للوصول إلى أوروبا، ولكن يقولون إنهم ذاهبون للعمل في ليبيا».
ويضيف أن «ليبيا تعاني من الفوضى ولا يوجد فيها فرص عمل، بالإضافة إلى أن الحدود الرسمية بين البلدين، مغلقة. ويركب المهاجرون الصعاب عبر الصحراء ثم القوارب الخشبية للوصول إلى جزيرة لمبيدوزا في إيطاليا التي تعد الهدف الأول للرحلة لقربها من السواحل الليبية». وتقدر منظمات دولية عدد من ينتظرون في ليبيا للهجرة إلى أوروبا بأكثر من 700 ألف من جنسيات مختلفة هربًا من الاقتتال والفقر وعدم الاستقرار في بلادهم الأصلية.
أما بالنسبة للجنسيات الأخرى التي تغامر بقطع ألوف الكيلومترات لركوب البحر من ليبيا بعد التوقف لبضعة أيام في المحطات الحدودية، فهي بالترتيب من السودان، وإريتريا، والصومال، ثم من سوريا وفلسطين، مع ملاحظة أن هذه النسب تتغير لظروف تتعلق بسهولة أو وعورة الدخول إلى مصر والانتقال، من القاهرة، عبر نحو 500 كيلومتر إلى المدن القريبة من ليبيا. ومن الطريف العثور على بعض المهاجرين القادمين من بلدان بعيدة مثل «جزر القمر» التي تقع في المحيط الهندي، قرب الساحل الشرقي لأفريقيا. كان المهاجرون يصلون من بلدات مصرية مختلفة، إلى مرسى مطروح، في مجموعات صغيرة، لا تزيد المجموعة على 14 فردًا، هي عدد مقاعد حافلات الأجرة (المعرفة باسم الميكروباص). وبعد عدة أيام من الإقامة، تبدأ سيارات ربع نقل دفع رباعي، من موقف يقع قرب منطقة «سوق ليبيا»، غرب المدينة، في عملية شحن خليط المهاجرين، بناء على أحد اثنين من خطوط السير.
الأول ينطلق عبر الطريق الدولي الشمالي ويصل إلى مدينة السلوم، التي يقابلها على الجانب الآخر من الحدود مدينة إمساعد الليبية. وتبلغ المسافة من مرسى مطروح إلى إمساعد نحو 250 كيلومترًا. ويضطر المهاجرون لعبور حوالي سبعة كيلومترات من الوديان والمرتفعات مشيًا على الأقدام ليلا خوفًا من نقاط المراقبة الحدودية. والطريق الثاني من خلال المحور الجنوبي، الذي يصل مرسى مطروح بواحة سيوة، ويبلغ طوله 300 كيلومتر. ويوجد في مقابل سيوة، واحة جغبوب داخل الأراضي الليبية. ويعبر المهاجرون مسافة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات، إلى جغبوب، ومنها إلى إمساعد.
ولا يوجد في إمساعد فنادق بالشكل المعروف، إلا أن الغرباء يقيمون عادة في منازل يطلق عليها «شقق فندقية» يقع معظمها في ظهر الطريق الرئيسي بالمدينة الصغيرة. وكان رواد هذه المنازل من التجار والعمال، إلا أن الكساد وشلل التجارة في المدينة، بسبب الاضطرابات الأمنية في ليبيا، جعل أصحابها يتجهون لتأجيرها للمهاجرين. وتمكنت السلطات الليبية من توقيف عشرات من هؤلاء، مما دفع سماسرة الهجرة إلى استبدالها بمنازل تقع في وسط التجمعات السكنية المنتشرة على بعد عدة كيلومترات في جنوب إمساعد.
ومن إمساعد تبدأ عملية نقل المهاجرين إلى داخل ليبيا، وفقًا لما جرى التعاقد عليه مع السماسرة. ويقول ضابط ليبي من كتيبة عمر المختار المرابطة قرب الحدود المصرية، ويدعى المقدم مرزوق، إن «هناك من ينتقل إلى السواحل الغربية لطبرق، ومن يوغل أكثر إلى مدن درنة وبنغازي وطرابلس وحتى بلدة زوارة قرب الحدود مع تونس، وهي مدينة يفد إليها مهاجرون آخرون من الحدود الجنوبية والغربية في ليبيا».
وشاركت دورية المقدم مرزوق في ضبط 230 مهاجرًا غير شرعي خلال الأسابيع القليلة الماضية كان معظمهم يقيمون إقامة مؤقتة بين إمساعد وطبرق. وجرى إخطار فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي الموجود على جانب الحدود. وقامت السلطات هناك بوضعهم في مركز للإيواء ومعالجة المرضى منهم قبل اتخاذ إجراءات بإعادتهم إلى بلادهم أو الدولة التي جاءوا منها.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تعد مدينة مرسى مطروح الواقعة على البحر المتوسط بجوار ليبيا، مصيفًا مصريًا يستقبل مئات الألوف من الزوار سنويًا، ولا يوجد فيها عادة موضع لقدم، إذ يشغل المصطافون القادمون من المدن الكبرى، غالبية الفندق والشقق المفروشة. لكن أسعار المبيت للمهاجرين غير الشرعيين، دفعت عدة فنادق صغيرة، لتخصيص الغرف والخدمة لهم قبل أن يقاطعها المهاجرون خوفًا من الشرطة.
وتختلف عملية سداد الأموال مقابل تأجير أماكن إقامة المهاجرين إقامة مؤقتة. ويقول حسين، وهو سمسار مصري يعمل في جلب الراغبين في الهجرة من مدينة القاهرة إلى مرسى مطروح، إن السوريين يفضلون سداد قيمة الرحلة كاملة بما فيها أجرة السكن، حيث إن إجمالي الرحلة حتى إمساعد يبلغ نحو ألفي دولار في المتوسط، مشيرًا إلى أن مداهمة الشرطة لعدة فنادق كانت تستقبل المهاجرين، أربك الحسابات.. «التعامل مع الفنادق كان أسهل لأنها محددة ومعروفة. نعرفهم ويعرفوننا. أقول لهم ستأتيكم جماعة تتبعني.. خلاص. يسكنون في الفندق ونحن نحاسبه فيما بعد، أما استئجار البيوت الأهلية، فالمحاسبة صعبة. يريدون الأجرة مقدمًا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.