إيران تسعى إلى سحب القوات التركية من سوريا

مقابل خطة روسية بـ«شرعنة» بقائها

قافلة تضم سياسيين أميركيين على معبر باب السلامة على الحدود التركية - السورية خلال قيامهم بزيارة تفقدية لشمال سوريا في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
قافلة تضم سياسيين أميركيين على معبر باب السلامة على الحدود التركية - السورية خلال قيامهم بزيارة تفقدية لشمال سوريا في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

إيران تسعى إلى سحب القوات التركية من سوريا

قافلة تضم سياسيين أميركيين على معبر باب السلامة على الحدود التركية - السورية خلال قيامهم بزيارة تفقدية لشمال سوريا في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
قافلة تضم سياسيين أميركيين على معبر باب السلامة على الحدود التركية - السورية خلال قيامهم بزيارة تفقدية لشمال سوريا في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان إن سوريا أكدت لطهران أنها تتمتع بالجاهزية الكاملة للحفاظ على أمن الحدود مع تركيا من داخل أراضيها.

وأضاف عبداللهيان في مقابلة مع صحيفة «الوفاق» الإيرانية أن بلاده قدمت اقتراحاً خلال اجتماعات مشتركة بأن تتعهد أنقرة بإخراج قواتها من سوريا مقابل تعهد دمشق بمنع أي تعرض للأراضي التركية، وفقاً لما ذكرته «وكالة أنباء العالم العربي». وذكر أن الاقتراح المقدم لسوريا وتركيا يتضمن أن تكون روسيا وإيران ضامنتين للاتفاق، وأن تضع سوريا قواتها على الحدود مع تركيا.

وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان (إ.ب.أ)

ومن ناحية أخرى، قال وزير الخارجية الإيراني إن هناك تقارير إعلامية تحدثت عن أن أميركا تقوم بتصعيد عسكري بهدف إغلاق حدود البوكمال بين سوريا والعراق و«لكن تحقيقاتنا تبين أنه لا توجد أي تحركات على الأرض». لكنه أضاف أن الولايات المتحدة «لديها النية في ذلك، وسابقاً قاموا بذلك، وسيقدمون عليه إذا سنحت لهم الفرصة»، مشيراً إلى أن سوريا والعراق «لن يسمحا لأي طرف بأن يقوم بذلك».

جاء ذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه منذ أسابيع الاستهدافات والاشتباكات بين القوات التركية وفصائل ما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري في غرب وشرق الفرات، بالتزامن مع توتر شديد في مناطق خفض التصعيد في شمال غربي سوريا من جانب القوات السورية والروسية.

صمت دمشق

وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان ونظيره السوري فيصل المقداد في دمشق 30 أغسطس (أ.ف.ب)

وفيما لم يصدر في دمشق أي تعليق رسمي على المقترح الإيراني، فإنه يأتي بعد نحو أسبوعين من تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن موسكو قدمت اقتراحا مماثلا لدمشق وأنقرة لعقد اتفاق يقضي بـ«شرعنة» بقاء القوات التركية على الأراضي السورية. وقال لافروف في اجتماع مع طلاب وأعضاء هيئة التدريس في «معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية»، مطلع الشهر الحالي، إن موسكو عرضت على دمشق وأنقرة العودة إلى اتفاق يسمح للقوات التركية بمحاربة «الإرهابيين على الأراضي السورية» ولكن بالاتفاق مع دمشق، استنادا إلى مرجعية اتفاق أضنة 1998، والذي يتضمن التعاون بين أنقرة ودمشق في مكافحة «الإرهاب» على الحدود المشتركة بينهما، مقابل إنهاء الدعم السوري لـ«حزب العمال الكردستاني» وإخراج زعيمه من الأراضي السورية. والسماح لتركيا بملاحقة التنظيمات «الإرهابية» على الأراضي السورية، بعمق 5 كيلومترات في الداخل السوري.

وتشهد المحادثات بين دمشق وأنقرة تعقيدات كثيرة تتعلق بتمسك دمشق بشرط انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية أولاً، وتشدد أنقرة على ضمان أمن الحدود مع سوريا ومنع تسلل المناوئين لها من الأراضي السورية مع تأكيد عدم نيتها سحب قواتها من سوريا إلا في حال انتفى تماما التهديد الأمني لحدودها.

وسعت موسكو، منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، إلى إعادة تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، وتحقيق لقاء بين الرئيسين السوري والتركي، من خلال سلسلة اجتماعات بدأت بلقاءات أجهزة الاستخبارات والدفاع. ثم اجتمع نواب وزراء الخارجية أولاً، تلاها اجتماع لوزراء الخارجية في 10 مايو (أيار) الماضي. (وزراء خارجية تركيا وسوريا وإيران وروسيا)، إلا أن المفاوضات توقفت عند نقطة إعداد خريطة الطريق، (خطة عمل) لتضارب الأولويات بين دمشق وأنقرة بخصوص انسحاب القوات التركية من سوريا.

وبحسب تصريحات المسؤولين الروس، فإن الاتصالات لا تزال مستمرة للتوصل إلى اتفاق على خطة عمل مقبولة من الطرفين. وقال المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إن الأطراف التي شاركت باجتماع «أستانة» في الماضي، ناقشت مسودة خطة عمل لا تزال تتطلب المزيد من إضفاء الشرعية.

وكان وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أكد قبل أيام خلال اتصال هاتفي مع نظيره اللبناني عبد الله بوحبيب على أن ما يعوق عودة اللاجئين هو العقوبات الاقتصادية و«استمرار الاحتلال التركي والأميركي لشمال سوريا الغربي وشمالها الشرقي».

لا تعليق في أنقرة

وكذلك لم يصدر أي تعليق رسمي في أنقرة على تصريحات الوزير الإيراني، لكن مصادر دبلوماسية قريبة من الملف أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا لن تغير موقفها، الذي أعلنته مرارا، بشأن عدم سحب قواتها من شمال سوريا قبل الانتهاء من الحل السياسي وتحقيق الاستقرار وضمان العودة الطوعية والآمنة للاجئين.

وأعلنت تركيا، ردا على تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد الشهر الماضي اشترط فيها انسحاب القوات التركية قبل الحديث عن أي خطوات لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، أن انسحاب قواتها هو خط أحمر في ظل الوضع الراهن، مؤكدة أن الجيش السوري لا يملك القدرة حاليا على تأمين الحدود.

وعبر وزير الدفاع التركي يشار غولار عن اعتقاده بأن الأسد «سيتصرف بعقلانية»، قائلاً إن صياغة دستور جديد لسوريا واعتماده، يعدان أهم مرحلة لإحلال السلام هناك، وإن الجيش التركي لن يغادر سوريا دون ضمان أمن حدوده وشعبه... و«أعتقد أن الرئيس السوري سيتصرف بعقلانية أكثر في هذا الموضوع».

جمود التطبيع

قوات تركية في الشمال السوري ديسمبر الماضي (موقع تي24 التركي)

وتقول تركيا إن وجودها العسكري في شمال سوريا يضمن أمن حدودها والحفاظ على وحدة أراضي سوريا التي تواجه تهديدا من التنظيمات الانفصالية، فضلا عن ضمان عودة اللاجئين بصور طوعية وآمنة إلى مناطق سيطرتها.

ويشهد مسار تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، الذي انطلق بمبادرة من روسيا العام الماضي، وانضمت إليه إيران في مطلع العام الحالي، جمودا منذ الاجتماع العشرين لمسار «أستانة» في 20 و21 يونيو (حزيران) الماضي، والذي اجتمع خلاله نواب وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا وإيران، وتم خلاله بحث خريطة طريق للتطبيع وضعتها موسكو.

ولم يشهد المسار أي حركة بعد اللقاء الذي عقد، في سوتشي جنوب روسيا في وقت سابق من الشهر الحالي، بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان والروسي فلاديمير بوتين.

وسبق لقاء سوتشي تصعيد في الاشتباكات والمواجهات بين القوات التركية والفصائل الموالية من جانب، وقوات «قسد» والجيش السوري من جانب آخر، لا يزال مستمرا حتى الآن.

تصعيد ميداني

بالتوازي، قصفت القوات التركية والفصائل، بالمدفعية الثقيلة، قرية شيخ عيسى وبلدة تل رفعت ضمن مناطق انتشار قسد والجيش السوري في ريف حلب الشمالي، بعد تعرض قاعدة تركية في منطقة «درع الفرات» للقصف من داخل مناطق سيطرة «قسد» والجيش السوري.

ودفع الجيش التركي بتعزيزات عسكرية جديدة، من خلال رتل ضم 12 آلية وشاحنة محملة بمواد لوجيستية ومعدات عسكرية عبر معبر كفر لوسين الحدودي بريف إدلب الشمالي واتجه نحو النقاط التركية في جبل سمعان بريف حلب.

كما قصفت مدفعية القوات التركية، الأحد، محيط قرى صكيرو ومشيرفة في شرقي عين عيسى بريف الرقة الشمالي، ضمن مناطق سيطرة قوات «قسد» لليوم الثاني على التوالي.

في الوقت ذاته، قصفت القوات السورية محيط بلدة معارة النعسان بريف إدلب الشمالي، وقرى الفطيرة وفليفل وسفوهن بمنطقة جبل الزاوية بريفها الجنوبي، ومحيط قرية كفر نوران غرب حلب.

وتشهد مناطق خفض التصعيد في شمال غربي سوريا، المعروفة باسم مناطق «بوتين - إردوغان»، منذ أسابيع، عمليات قنص وتسلل واستهدافات مع غارات جوية بين الحين والآخر.


مقالات ذات صلة

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعتها وزارة الداخلية لعنصرَي «داعش» (سانا)

ضبط خلية لـ«داعش» شمال سوريا «متورطة في شنّ هجمات إرهابية»

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الخميس، القبض على خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي متورطة في تنفيذ عدة هجمات شرق حلب بشمال البلاد. وأوضحت أن ذلك جاء خلال عملية…

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من المسلحين الدروز الموالين للشيح الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

عزوف في السويداء عن المشاركة في «مجلس الهجري»

أكدت مصادر درزية في مدينة السويداء الأنباء المتداولة حول رفض ما يزيد على 15 شخصية من السويداء من أصحاب الكفاءات والخبرات الإدارية والسياسية المشاركة في المجلس

موفق محمد (دمشق)

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
TT

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

لوحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه يتوقع أن يتوقف شراء الصين «مؤقتاً» لنفط إيران، نظراً للحصار الأميركي المفروض على السفن التي تتجه إلى الموانئ الإيرانية أو تغادرها.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تشتري الخام الإيراني، مضيفاً أن وزارة الخزانة حذرت بنكين صينيين من التعامل مع الأموال الإيرانية، وأن ذلك سيعرضهما للعقوبات، من دون أن يسميهما.

وكانت الصين قد اشترت في السابق أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيراني.

وقال بيسنت إن الإيرانيين «يجب أن يعلموا أن هذا سيكون بمثابة رد فعل مالي مماثل لما شهدناه في العمليات النشطة»، في إشارة إلى الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية.

وأضاف أن الولايات المتحدة لن تجدد الإعفاءات التي سمحت بشراء بعض النفط الروسي والإيراني من دون التعرض لعقوبات، فيما يشير إلى نهاية استخدام تلك الإعفاءات لزيادة الإمدادات وخفض أسعار الطاقة.

كما قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها فرضت عقوبات تستهدف شبكة تهريب نفط إيرانية مرتبطة بمحمد حسين شمخاني، الملقب بـ«هكتور النفط الإيراني»، وتشمل عشرات الشركات والأفراد المتهمين بنقل وبيع النفط الإيراني والروسي عبر شركات واجهة، يقع مقر العديد منها خارج إيران.

وقال بيسنت، في بيان، إن البنوك «يجب أن تكون على علم بأن وزارة الخزانة ستستخدم جميع الأدوات والصلاحيات، بما في ذلك العقوبات الثانوية، ضد أولئك الذين يواصلون دعم الأنشطة الإرهابية لطهران».

وأضاف أن الإدارة أبلغت الشركات والدول بأنه إذا كانت تشتري النفط الإيراني أو تحتفظ بأموال إيرانية في بنوكها، فإن واشنطن مستعدة الآن لتطبيق عقوبات ثانوية، «وهي إجراء صارم للغاية».

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «دنيا الاقتصاد» الإيرانية، الخميس، أن إيران أوقفت جميع صادراتها من المواد البتروكيماوية لإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية، ومنع حدوث نقص في المواد الخام، بعد اضطراب الإنتاج جراء قصف إسرائيل مراكز للبتروكيماويات.

وصدرت التعليمات في 13 أبريل (نيسان) من قبل مسؤول كبير في الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية يشرف على أنشطة التكرير والتسويق والتوزيع، وطلب من شركات البتروكيماويات تعليق الصادرات حتى إشعار آخر.

ويهدف حظر التصدير في المقام الأول إلى تحقيق الاستقرار بالأسواق المحلية، وضمان توفير الإمدادات للصناعات في أعقاب الأضرار التي تسببت فيها الهجمات في الآونة الأخيرة.

وتم الحفاظ على الأسعار المحلية للبتروكيماويات والمنتجات ذات الصلة عند مستويات ما قبل الصراع، على الرغم من ارتفاع الأسعار العالمية، ويقول المسؤولون إن هذه الإجراءات ستظل سارية لدعم الصناعة المحلية والمستهلكين.

وهاجمت إسرائيل خلال الأسابيع القليلة الماضية مراكز إنتاج البتروكيماويات الرئيسية في منطقتي عسلوية وماهشهر، حيث استهدفت الغارات شركات مرافق توفر المواد الأولية لمصانع البتروكيماويات وعطلت الإنتاج.

وبدأ الجيش الأميركي، هذا الأسبوع، في منع حركة الشحن من وإلى الموانئ الإيرانية، في خطوة تهدف إلى خفض عائدات طهران من الصادرات وممارسة ضغوط عليها، في الوقت الذي يدرس فيه الدبلوماسيون الإيرانيون والأميركيون إجراء جولة ثانية من محادثات السلام.

ووفقاً لوكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، تصدّر إيران نحو 29 مليون طن من المنتجات البتروكيماوية سنوياً بقيمة 13 مليار دولار.


الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من الحرب التي خاضتها إسرائيل بالشراكة غير المسبوقة مع الولايات المتحدة ضد إيران، والدعم الهائل الذي تحظى به من الرئيس دونالد ترمب، تشعر الغالبية الساحقة من الإسرائيليين بالقلق وانعدام الأمان بعد الحرب التي انطلقت في 28 فبراير (شباط) الماضي مقارنة بالوضع قبلها.

وأظهرت نتائج استطلاع بحثي للرأي العام، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، الخميس، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييما إيجابياً متفاوت المستويات للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً، مقابل 35 في المائة قدموا تقييماً سلبياً، وقدم 35 في المائة تقييماً متوسطاً.

ويشير معدو الاستطلاع إلى أن «هذه النسبة تكشف أن الشعور بالأمان لدى الإسرائيليين كان قبل الحرب (سجل 38 في المائة إيجابياً، مقابل 27 في المائة سلبياً) أفضل مما هو اليوم بعد الحرب».

إسرائيليون يتظاهرون ضد الحرب في تل أبيب (أ.ف.ب)

وحتى في صفوف مؤيدي الائتلاف الحكومي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كانت نسبة المطمئنين منخفضة نسبياً؛ 53 في المائة قالوا إن تقييمهم للوضع الأمني إيجابي، مقابل 12 في المائة فقط لدى مؤيدي المعارضة، والبقية متباينة.

ورأى 47 في المائة من ناخبي المعارضة أن الوضع الأمني سيئ، مقارنة بـ16 في المائة من ناخبي الائتلاف، وتباينت مستويات التقديرات لدى البقية.

قلق متباين على الجبهات

ويمتد القلق الإسرائيلي على جميع الجبهات؛ فعلى الجبهة اللبنانية، عبّر 84 في المائة من المستطلعة آراؤهم عن قلقهم من الوضع الأمني في لبنان (منهم 45 في المائة «بدرجة كبيرة»، و39 في المائة «بدرجة كبيرة إلى حد ما»)، مقارنة بـ51 في المائة فقط في فبراير الماضي.

وأظهر الاستطلاع أن 82 في المائة عبّروا عن قلق من إيران (49 في المائة بدرجة كبيرة، و33 في المائة إلى حد ما)، بارتفاع طفيف مقارنة بشهر فبراير (78 في المائة).

وهناك قلق حتى من الضفة الغربية وغزة، إذ أعرب 66 في المائة عن قلق أمني من الضفة الغربية (32 في المائة بدرجة كبيرة و34 في المائة إلى حد ما)، وهو ما يتوافق تقريباً مع نسبة ما قبل الحرب التي بلغت 65 في المائة. كما عبّر 63 في المائة عن قلق من غزة (29 في المائة بدرجة كبيرة و34 في المائة إلى حد ما)، بارتفاع عن فبراير (58 في المائة).

وهناك قلق أيضاً من سوريا واليمن، 35 في المائة عبّروا عن قلق من سوريا (وهي نسبة مستقرة مقارنة بـ36 في المائة في فبراير الماضي)، و33 في المائة من اليمن (ارتفاع طفيف من 31 في المائة).

ما استنتاجات زيادة القلق؟

والاستنتاج الإسرائيلي من هذا القلق هو التأييد الجارف لضرورة الاستمرار في الحرب وليس وقفها. فقد أظهر الاستطلاع أن 62 في المائة يشككون في أن الحرب في لبنان ستؤدي إلى «هدوء طويل الأمد» كما يَعِدُ نتنياهو، مقابل 29 في المائة فقط يرون أنها قد تحقق ذلك. وبيّن الاستطلاع أن 69 في المائة يدعمون استمرار الحرب ضد «حزب الله» بغض النظر عن المسار الإيراني، مقابل 23 في المائة يفضلون وقفها، و8 في المائة لا يعرفون.

كما أظهر الاستطلاع أن 61 في المائة يعارضون اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، مقابل 29 في المائة يؤيدونه، و10 في المائة لا يعرفون.

عمال إنقاذ في موقع صاروخ إيراني في بيت شيمش قرب القدس مارس الماضي (أ.ب)

وقدّر 30.5 في المائة أن البرنامج النووي الإيراني تضرر بشكل كبير مقابل 61.5 في المائة يرون أنه لم يتضرر أو تضرر قليلاً. وذهب 42 في المائة إلى أن منظومة الصواريخ الباليستية تضررت بشكل كبير، مقابل 51.5 في المائة لا يصدقون ويرون أنها لم تتضرر، في تراجع من 73 في المائة في بداية الحرب.

وأظهر الاستطلاع أن 31 في المائة يقدّرون أن النظام الإيراني تضرر بشكل كبير مقابل 63 في المائة يرون أنه لم يتضرر، في تراجع من 69 في المائة في الاستطلاعات السابقة.

العلاقة مع واشنطن

وبدا من الاستطلاع أن الجمهور الإسرائيلي يعرف حدود العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؛ فقد أظهر الاستطلاع أن 57 في المائة تقريباً يشككون في قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات مستقلة عند الخلاف مع الولايات المتحدة (47 في المائة يرون القدرة محدودة، و10 في المائة تقريباً معدومة). وقال 35 في المائة فقط من المستطلعين الإسرائيليين إنهم يعتقدون بوجود قدرة على العمل باستقلالية (26.5 في المائة بدرجة كبيرة و8.5 في المائة بشكل كامل)، بالإضافة إلى 8 في المائة لا يعرفون.

ويؤكد الاستطلاع نتائج سابقة حول ثقة الجمهور الإسرائيلي بقيادته، على النحو التالي:

الثقة بالمؤسسة العسكرية حالياً

عبّر 78 في المائة من المستطلعة آراؤهم عن ثقة عالية بالجيش (منهم 42 في المائة «بدرجة كبيرة»، و36 في المائة «بدرجة كبيرة إلى حد ما»)، مقابل 20 في المائة أبدوا ثقة منخفضة، 2 في المائة لا يعرفون.

وتدل النتيجة السابقة على تراجع طفيف في هذه الثقة، من بداية الحرب، حيث كانت تبلغ النسبة 80.5 في المائة.

الثقة بالقيادة السياسية

عبّر 30 في المائة فقط عن ثقة عالية بالحكومة مقابل 69 في المائة بثقة منخفضة، في تراجع، مقارنة ببداية الحرب (34 في المائة كانوا يثقون عالياً).

وأظهر الاستطلاع أن 32 في المائة فقط عبّروا عن ثقة عالية بنتنياهو، مقابل 67 في المائة بثقة منخفضة، في تراجع تدريجي من 38 في المائة كانوا يثقون عالياً في بداية الحرب، إلى 36 في المائة في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي.


باكستان تسابق الزمن لردم الهوة بين واشنطن وطهران

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
TT

باكستان تسابق الزمن لردم الهوة بين واشنطن وطهران

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

استمرت المشاورات المكثفة لردم الهوة بين واشنطن وطهران، مع مواصلة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير لقاءاته كبار المسؤولين، في وقتٍ تحدثت فيه مصادر عن تقدم في بعض القضايا الخلافية، مقابل استمرار تباينات جوهرية حول الملف النووي، وذلك وسط تفاؤل أميركي حذِر، وضغوط اقتصادية متصاعدة، وتشدد عسكري متبادل في مضيق هرمز.

قال مصدران إيرانيان، لـ«رويترز»، إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين خفّضوا سقف طموحاتهم في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ويسعون، بدلاً ​من ذلك، إلى الاتفاق على مذكرة تفاهم مؤقتة لمنع عودة الصراع.

يأتي هذا التحول عقب محادثات غير حاسمة، عُقدت مطلع الأسبوع في إسلام آباد، إذ لا تزال الخلافات العميقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مصير مخزونات اليورانيوم المخصَّب ومدة تعليق طهران الأنشطة النووية، تُهدد التقدم المحرَز رغم تصريحات متفائلة من مسؤولين أميركيين ووسطاء باكستانيين.

وفي ثاني أيام زيارته لطهران، أجرى المشير عاصم منير محادثات مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، قبل أن يلتقي قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة» علي عبد اللهي.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن منير قدَّم تقريراً لقائد العمليات الإيرانية عن الإجراءات التي اتخذتها بلاده، في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، إضافة إلى نتائج مشاوراته في طهران، مؤكداً استمرار باكستان في هذه المساعي ودفع مسار المفاوضات.

من جهته، قال عبد اللهي، خلال لقائه مع منير، إن بدء الهجوم من جانب العدو جاء نتيجة «سوء تقدير» حيال الشعب الإيراني، ولا سيما قدرات القوات المسلَّحة الدفاعية، مُعرباً عن تقديره مواقف الحكومة والشعب في باكستان الداعمة لإيران، خلال الحربين «المفروضتين» الثانية والثالثة.

وأضاف عبد اللهي أن حضور الإيرانيين في الميدان ودعمهم القوات المسلّحة شكّلا عاملاً أساسياً، مشيراً إلى أن جميع المُعدات التي استخدمتها إيران في الحرب كانت «محلية الصنع»، ومن إنتاج الشباب الإيراني. وأكد أنه «لا أحد يشكّ اليوم» في أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة لـ«الدفاع الشامل»، إذا أقدم العدو على أي اعتداء جديد.

جاء لقاء منير وعبد اللهي بعدما ذكرت مصادر إيرانية مطّلعة أن مسار المحادثات في باكستان، الذي أشرف عليه قاليباف، أثار غضب أوساط متنفّذة في «الحرس الثوري»، خصوصاً جناح محمد باقر «ذو القدر»، أمين عام مجلس الأمن القومي، وحليفه عبد اللهي.

وكان منير قد أجرى محادثات مع قاليباف، في مقر الوزارة الخارجية، بحضور الوزير عباس عراقجي، ونائبه في الشؤون الدولية والقانونية كاظم غريب آبادي، وهو صهر «ذو القدر».

وربط قاليباف بين مسار وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، وقال، في منشور على منصة «إكس»، إن على الولايات المتحدة «الالتزام بالاتفاق»، وعَدَّ أن «إيران والمقاومة روح واحدة، في الحرب كما في وقف إطلاق النار»، وداعياً واشنطن إلى التراجع عما وصفه بخطأ «إسرائيل أولاً».

وأضاف أن تثبيت وقف إطلاق النار الشامل في لبنان سيكون، وفق تعبيره، نتيجة «صمود (حزب الله) ووحدة محور المقاومة». وفي وقت لاحق، قال، خلال اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، إن وقف إطلاق النار في لبنان «يحظى بالأهمية نفسها»، التي يحظى بها وقف إطلاق النار في إيران.

ونقل بيان عن قاليباف قوله إنه «يتابع باستمرارٍ الأوضاع في لبنان ومسار وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن هذا الملف «مهم جداً» بالنسبة لطهران. وأضاف أنه خلال مفاوضات إسلام آباد وما بعدها، تسعى إيران «بشكل جدي إلى إلزام الخصوم بوقف دائم لإطلاق النار في جميع مناطق القتال وفقاً لاتفاق الهدنة»، مضيفاً أن وقف إطلاق النار في لبنان «له أهمية وقف إطلاق النار في إيران».

في المقابل، أفادت معلومات نشرتها وكالة «تسنيم» بأن إيران لا تزال تُبدي «شكوكاً جدية» حيال حُسن نيات الولايات المتحدة بشأن الجولة المقبلة من المفاوضات، رغم ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن احتمال عقدها في عطلة نهاية الأسبوع.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وأضافت الوكالة أن طهران ترى أن «نقض العهد» الأميركي منذ بداية التفاوض واستمرار هذا النهج حتى الآن يجعلان فرص نجاح أي جولة جديدة ضعيفة. وأكدت أن إيران أبلغت الوسيط الباكستاني أن على الولايات المتحدة أولاً الالتزام بتعهداتها، وثانياً التراجع عما وصفته بـ«المطالب المفرطة» في المفاوضات.

وبينما يسعى الوسيط الباكستاني إلى عقد جولة ثانية من المحادثات، ترى طهران أن هذه الجولة «لن تكون ذات جدوى» ما لم تُستكمل المقدمات اللازمة ويُتوصل أولاً إلى إطار واضح يحكمها.

والتزمت طهران، على المستوى الرسمي، الصمت بشأن تفاصيل زيارة الوفد الباكستاني الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي. وقالت باكستان إن زيارة منير تأتي ضمن «جهود جماعية» لتعزيز السلام الإقليمي وتهدئة التوترات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إن إسلام آباد حظيت بتقدير على «مشاركتها الدبلوماسية البنّاءة» في دعم خفض التصعيد ووقف إطلاق النار والسعي إلى الاستقرار بين الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف أندرابي أن باكستان شجّعت الحوار، وسهّلت تبادل الرسائل، وساعدت في توفير مساحة لمفاوضات ذات مغزى، مثل المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه أوضح، الخميس، أن موعد جولة ثانية من المحادثات بين الجانبين لم يتحدد بعدُ، رغم استعداد الطرفين لاستئناف التفاوض.

وساطة تقليص الخلافات

وقالت باكستان إن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون أيضاً بنداً أساسياً في أي محادثات سلام مقبلة، في ظل إصرار إيران على شمول التهدئة لهذه الجبهة، بينما تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إن الحملة الإسرائيلية على «حزب الله» لا تشملها اتفاقية وقف إطلاق النار مع إيران.

جاءت التحركات الباكستانية بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات الأميركية الإيرانية في التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب.

واندلعت الحرب، في 28 فبراير (شباط) الماضي، بهجمات أميركية وإسرائيلية على إيران، ما أدى إلى رد إيراني بقصف دول الجوار وإعادة إشعال الصراع بين إسرائيل و«حزب الله». وأسفرت الحرب عن سقوط آلاف القتلى، معظمهم في إيران ولبنان، وأدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وإثارة قلق واسع لدى المستثمرين وصُناع السياسات.

وقال مسؤول إيراني كبير، لـ«رويترز»، الخميس، إن زيارة عاصم منير لطهران أسهمت في تقليص الخلافات في بعض المسائل، ما عزَّز الآمال في تمديد وقف إطلاق النار الممتد لأسبوعين واستئناف المحادثات بين طهران وواشنطن. وأضاف أن الوسيط الباكستاني أحرز تقدماً بشأن «قضايا شائكة»، لكنه أشار إلى أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي.

وقال المسؤول إن بلاده والولايات المتحدة أحرزتا «بعض التقدم» في مساعي التوصل لاتفاق ينهي الحرب، لكن بعد مرور أكثر من نصف مدة الهدنة، لا تزال هناك «خلافات كبيرة»، ولا سيما حول طموحات طهران النووية. وأضاف أن مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ومدة القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية من القضايا التي لم يجرِ التوصل إلى حل بشأنها. وقال مسؤول إيراني كبير إن الجانبين شرعا في تضييق هوة الخلافات، بما في ذلك الخلاف حول كيفية إدارة مضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره 20 في المائة من احتياجات العالم من النفط والغاز، والذي ظل مغلقاً لأسابيع أمام معظم السفن.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الأمر، أن إيران، التي تخضع لعقوبات أميركية ‌قاسية منذ سنوات، ‌ترغب في أن تتضمن مذكرة التفاهم قيام واشنطن برفع تجميد بعض الأموال الإيرانية ​مقابل ‌السماح بمرور عدد ​أكبر من السفن عبر المضيق. وقال مصدر أطلعته طهران على المفاوضات إنه من الممكن أن تسمح إيران للسفن بالإبحار عبر الجانب العماني من المضيق دون خطر التعرض لهجوم، وذلك بموجب مقترحات قدّمتها في محادثات مع واشنطن، شريطة التوصل إلى اتفاق دائم.

«عقبة رئيسية»

ونقل مصدر آخر، لـ«رويترز»، أن إيران وافقت على تخفيف اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة. لكن مسؤولاً إيرانياً رفيعاً قال إن القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي لم تُحسَم بعد، رغم المحادثات، التي جرت عبر قنوات خلفية، منذ مطلع الأسبوع، وأحرزت تقدماً في تضييق فجوات بعض المواقف.

وقال مسؤول كبير إن الخلافات تشمل الاتفاق على مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تُطالب الولايات المتحدة بتسليمه، ومدة تعليق البرامج النووية الإيرانية، ولا سيما أنشطة تخصيب اليورانيوم.

ولطالما طالبت إيران واشنطن بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، الذي تقول طهران إنها تسعى إليه لأغراض سلمية فقط، في حين تقول القوى الغربية وإسرائيل إنه يهدف إلى صنع أسلحة نووية. وقال ‌مصدر دبلوماسي غربي إن القضية النووية «لا تزال عَقبة رئيسية».

وقال المصدران الإيرانيان ‌إنه في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم لوقف الحرب، يُتوقع أن يُمنح ​الطرفان مهلة 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، وهو ‌ما يستلزم مشاركة خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وذكر المصدران الإيرانيان أن الولايات المتحدة تطالب بوقف برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، في حين تسعى إيران إلى تعليقه لفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

وأضافا أن طهران تطالب بجدول زمني لرفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة ‌والاتحاد الأوروبي. وسبق لإيران أن رفضت طلباً أميركياً بتسليم كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة أعلى بكثير من النسب المطلوبة للاستخدامات المدنية.

وأشارت مصادر إيرانية إلى وجود مؤشرات على إمكانية التوصل إلى حل وسط. وذكر أحد المصادر أنه في حين لا تبدو إيران مستعدة لنقل كامل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، فإن جزءاً منه قد يُنقَل إلى بلد ثالث.

وأضاف المصدر أن جزءاً من اليورانيوم عالي التخصيب يُستخدم لأغراض طبية، ولأغراض بحثية مرتبطة بمُفاعل طهران، الذي يعمل بكميات صغيرة نسبياً من اليورانيوم المخصب بنسبة تقارب 20 في المائة. وتُقدِّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة عندما شنّت إسرائيل والولايات المتحدة أولى هجماتهما على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو (حزيران) 2025.

ولا يزال من غير الواضح كم تبقّى من هذا المخزون. وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، في مارس (آذار) الماضي، إن ما تبقّى من هذه الكمية مُخزَّن «بشكل رئيسي» في مجمع أنفاق بأصفهان، مضيفاً أن الوكالة تعتقد بوجود ما يزيد قليلاً عن 200 كيلوغرام منه هناك. وتعتقد الوكالة أن بعضاً منه موجود في مجمع نطنز النووي ​الكبير، حيث كانت إيران تمتلك محطتين للتخصيب.

وقال مصدر دبلوماسي ​غربي ثان: «لا يزال وزن اليورانيوم عالي التخصيب البالغ 440 كيلوغراماً مصدر قلق؛ لأنه يتيح لإيران الحصول على ما نسميه كميات كافية لبناء عدد من القنابل النووية بسرعة كبيرة؛ لأن مرحلة التخصيب النهائية سريعة نسبياً».

وظلّ الملف النووي الإيراني العقدة الأساسية في محادثات مطلع الأسبوع.

وذكرت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة اقترحت تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية لمدة 20 عاماً، فيما بدا تراجعاً عن مطالبها السابقة بحظر دائم وكامل للأنشطة النووية. في المقابل، اقترحت طهران تعليقاً لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

كما تضغط واشنطن من أجل نقل أي مواد نووية مخصَّبة من إيران، بينما تطالب طهران برفع العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وقال محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، إن أي محادثات يجب أن تعترف بحقوق إيران ومصالحها وكرامتها حتى تكون مثمرة.

وأضاف، خلال تجمُّع مؤيِّد للحكومة في طهران، أنه إذا استمرت المحادثات، «كما هي الحال عادة، بالاعتماد على الخداع، وفي الحقيقة، على عدم الالتزام والتقاعس عن احترام الاتفاقات والشروط المحددة، فإنها بطبيعة الحال لا يمكن أن تنجح».

تفاؤل أميركي حذِر

عبّرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، عن تفاؤلها بإمكان التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، لكنها حذّرت، في الوقت نفسه، من تصعيد الضغوط الاقتصادية، إذا استمرت طهران في التحدي.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، في مؤتمر صحافي، الأربعاء: «نشعر بتفاؤلٍ حيال احتمالات التوصل إلى اتفاق»، ووصفت المداولات التي تتوسط فيها باكستان بأنها «مثمرة ومستمرة»، لكنها نفت تقارير تحدثت عن طلب أميركي رسمي لتمديد وقف إطلاق النار المعلَن لمدة أسبوعين، والذي اتفق عليه الجانبان في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

وأضافت ليفيت أن عقد مزيد من المحادثات المباشرة لم يتم تأكيده بعد، لكنه مرجَّح في باكستان مرة أخرى.

وفي الوقت نفسه، قال البيت الأبيض إن أي محادثات أخرى مع إيران ستجري، على الأرجح، في إسلام آباد، رغم عدم اتخاذ قرار نهائي بشأن استئناف المفاوضات.

وفي وقت سابق، قال ترمب، الأربعاء، إن الحرب التي شنّها مع إسرائيل، أواخر فبراير، شارفت على الانتهاء، رغم دخول الحصار البحري الذي أعلنه حيز التنفيذ، وبقاء حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية.

وفي مقابلةٍ قال ترمب، لشبكة «فوكس بيزنس»، إن بإمكان الولايات المتحدة «تدمير جميع جسورهم في ساعة واحدة»، و«جميع محطات توليد الطاقة الكهربائية لديهم في ساعة واحدة»، مضيفاً: «لا نريد ذلك... لذا سنرى ما سيحدث». وقال أيضاً إن إبرام اتفاقٍ مِن شأنه أن يؤدي إلى فتح مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

إجماع دولي على فتح «هرمز»

في خِضم هذا التصعيد، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي، نظيره الإيراني عباس عراقجي بأن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «مطلباً إجماعياً من المجتمع الدولي». وقال، في اتصال هاتفي، إنه ينبغي احترام سيادة إيران وأمنها وحقوقها المشروعة بصفتها دولة ساحلية على المضيق، لكن يجب، في الوقت نفسه، ضمان حرية الملاحة والسلامة عبره.

ونقل بيان حكومي صيني عن وانغ قوله إن العمل على استئناف المرور الطبيعي عبر المضيق «مطلب إجماعي من المجتمع الدولي»، مضيفاً أن الوضع الحالي وصل إلى مفترق طرق حرِج بين الحرب والسلام، وأن نافذة السلام بدأت تفتح.

على الجانب الإيراني، حذّر محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، من أن إيران ستُغرق سفناً أميركية في مضيق هرمز إذا قررت الولايات المتحدة «القيام بدور الشرطة» في هذا الممر. وقال رضائي، للتلفزيون الرسمي: «السيد ترمب يريد أن يصبح شرطي مضيق هرمز، هل هذه حقاً مهمتكم؟ هل هذه مهمة جيش قوي مثل الجيش الأميركي؟».

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وأضاف، مرتدياً بزّته العسكرية، أن «صواريخنا الأولى ستُغرق سفنكم هذه»، وأنها «قد شكلت خطراً كبيراً على الجيش الأميركي». وقال أيضاً إنه لا يؤيد إطلاقاً تمديد وقف إطلاق النار، مضيفاً أن ذلك «رأي شخصي».

في الميدان، شددت الولايات المتحدة رسائلها بشأن الحصار البحري. وقالت «البحرية» الأميركية، في رسالةٍ لا سلكية نشرتها القيادة المركزية الأميركية على وسائل التواصل الاجتماعي، إن السفن المرتبطة بإيران التي تَعبر من وإلى الموانئ الإيرانية «سيجري الصعود على متنها لاعتراضها ومصادرتها». وأضافت الرسالة: «إذا لم تمتثلوا لهذا الحصار، فسوف نستخدم القوة».

وأكد مسؤول عسكري أميركي أن الرسالة تُبث حالياً إلى جميع السفن في المنطقة. وقال الجيش الأميركي إن أكثر من 10 آلاف جندي أميركي، إلى جانب عشرات الطائرات والسفن الحربية، ينفّذون الحصار الذي أمر به ترمب، يوم الأحد. وأضافت القيادة المركزية أن 10 سفن امتثلت منذ بدء الحصار لتوجيهات القوات الأميركية بالاستدارة والعودة نحو موانئ أو مناطق ساحلية إيرانية.

وقالت القوات الأميركية إنه منذ بدء الحصار لم تشهد مرور أي سفينة متخطية القوات الأميركية، وإن سفناً عدة امتثلت للتوجيهات وعادت إلى الموانئ أو المناطق الساحلية الإيرانية.

لكن وكالة «فارس» قالت، الأربعاء، إن ناقلة نفط إيرانية عملاقة خاضعة للعقوبات الأميركية عبَرَت مضيق هرمز باتجاه ميناء معشور رغم الحصار، دون كشف مزيد من التفاصيل.

وفي المقابل، قال اللواء علي عبد اللهي، الذي يقود القيادة العسكرية المشتركة التي تشرف على الجيش الإيراني و«الحرس الثوري»، إن «القوات المسلحة الإيرانية القوية لن تسمح باستمرار أي صادرات أو واردات في الخليج العربي وبحر عمان والبحر الأحمر» إذا استمر الحصار الأميركي.

ومن غير الواضح مدى السيطرة التي تستطيع إيران فرضها على الشحن الإقليمي، لكن النصوص الواردة تشير إلى أن حلفاءها في اليمن أثبتوا قدرتهم على مهاجمة السفن في البحر الأحمر، وأن القوات الإيرانية لا تزال قادرة على مضايقة السفن في مضيق هرمز باستخدام الألغام والصواريخ والقوارب السريعة.

رواية الجيش الإيراني

قدَّم القائد العام للجيش الإيراني، اللواء عبد الرحيم حاتمي، الخميس، رواية ميدانية إيرانية مختلفة عن ميزان القوى في البحر والجو، وقال إن القوات المُعادية لا تقترب من «البحرية» الإيرانية إلى ما دون مسافة 300 كيلومتر، مؤكداً أن هذه القوة «لا تزال صامدة بقوة»، رغم ما وصفه بادعاءاتِ تدميرها.

وأضاف، خلال مراسم استقبال طاقم المدمرة «دنا»، أن إيران استقبلت «ضيفاً»؛ في إشارة إلى قائد الجيش الباكستاني، موضحاً أن طهران أبلغت الجانب الباكستاني فور دخوله الأجواء الإيرانية بعدم الحاجة إلى طائرات مرافِقة، وأن المُقاتلات الإيرانية تولّت مهمة المرافقة الجوية.

وقال إن إيران وفّرت للضيف مرافقة جوية «بعدد مضاعف»، مقارنة بالطائرات التي كان الجانب الآخر يعتزم إرسالها.

وبثّت وسائل إعلام إيرانية صوراً لمقاتِلات إيرانية، وقالت إنها استقبلت قائد الجيش الباكستاني، وكانت تُحلق في أجواء طهران، لأول مرة منذ اندلاع الحرب، وذلك بعدما سيطر سلاح الجو الأميركي ونظيره الإسرائيلي على الأجواء الإيرانية.

وفي سياق آخر، قال حاتمي إن القوات الإيرانية نصبت «كميناً» للقوات الأميركية في جنوب محافظة أصفهان، مضيفاً أن جميع العناصر الاستخباراتية كانت جاهزة لإفشال ما وصفه بتحرك العدو في تلك المنطقة.

وأضاف أن مقاتلي الجيش و«الحرس الثوري» وقوات الأمن و«الباسيج» وسكان جنوب أصفهان، «انقضّوا على العدو»، مشيراً إلى أن طائرة من طراز «سي-130» هبطت بعد أول إطلاق نار؛ في إشارة إلى عملية القوات الأميركية في 5 أبريل الحالي لاستعادة طيار مقاتِلة إف 15 التي سقطت في جنوب شرقي إيران.