أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين في باريس بتهم خطيرة

القضاء الفرنسي حريص على محاكمة مرتكبي جرائم الحرب أكانوا من النظام أم من خصومه

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين في باريس بتهم خطيرة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

أخيراً، ستشهد فرنسا أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين من الصف الأول لأمام المحكمة الجنائية في باريس في شهر مايو (أيار) من العام المقبل بتهم التورط بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وممارسة التعذيب والخطف.

والمسؤولون الثلاثة المعنيون بالمحاكمة، وهي الأولى من نوعها على الأراضي الفرنسية، يعدّون من كبار الجهاز الأمني للنظام السوري، وفي مقدمهم رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك، والرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية جميل حسن، ومدير فرع باب توما (دمشق) في المخابرات الجوية عبد السلام محمود. وثلاثتهم مستهدفون بمذكرات توقيف دولية. وينتظر أن تعمد محكمة أميركية في الأسابيع المقبلة إلى النظر في قضية جنائية هي أيضاً الأولى من نوعها على الأراضي الأميركية، وتعني اثنين من الثلاثة المذكورين (مملوك وحسن) بخصوص تهم مشابهة للتهم الموجهة إليهما على الأراضي الفرنسية.

اللواء علي المملوك مع الرئيس بشار الأسد (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وليس سراً، أن الماكينة القضائية بطيئة وأن الزمن القضائي يفترق جذرياً عن الزمن السياسي. والدليل على ذلك أن محاكمة الثلاثة المرتقبة في باريس الربيع المقبل تأتي بعد 11 عاماً على اختطاف وتغييب الطالب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق باتريك دباغ، البالغ وقتها من العمر عشرين عاماً ووالده مازن دباغ المولود في عام 1956، والذي كان يشغل منصب المستشار التربوي الرئيسي في المدرسة الفرنسية في دمشق، وقد قُبض على الاثنين في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013، من قِبل ضباط قالوا إنهم ينتمون إلى جهاز المخابرات الجوية السورية.

واختفى الوالد وابنه عن الأنظار منذ سوقهما إلى سجن المزة الواقع في إحدى ضواحي دمشق، والذي يظن أنه من الأسوأ لجهة التعامل مع الموقوفين، فيم حين تشير تقارير كثيرة إلى أنه كان مسرحاً لعمليات تعذيب على نطاق واسع.

ولم يُطرح اسما باترك ومازن دباغ مجدداً إلا في شهر أغسطس (آب) من عام 2018 حين أعلن النظام وفاتهما. وتفيد شهادتا الوفاة الرسمية بأن باتريك توفي أولاً في يناير (كانون الثاني) عام 2014، أي بعد عام واحد على اعتقاله، في حين والده فارق الحياة في نوفمبر من عام 2017.

اللواء جميل الحسن الثالث من اليسار (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وكان أمر إحالة الثلاثة إلى المحاكمة الذي أصدره قاضيا تحقيق في نهاية مارس (آذار)، قد تضمن اتهامات تقول: إنه «يبدو واضحاً» أن باتريك ومازن دبّاغ «تعرّضا، مثل آلاف المعتقلين الآخرين لدى المخابرات الجوية، للتعذيب الشديد الذي أدّى إلى وفاتهما».

وكثيرة الدعاوى التي أقيمت بحق شخصيات من النظام السوري عبر العالم، خصوصاً في البلدان الأوروبية التي تعمل بمبدأ «الولاية العالمية»، أي محاكمة أشخاص ارتكبوا جرائم في بلد غير البلد الذي تجري فيه المحاكمة، مثل ألمانيا وإيطاليا. أما فرنسا، فإن العمل بهذا المبدأ يؤطره القانون بحيث يتعين أن يكون صاحب الدعوى فرنسي الجنسية أو مقيماً على الأراضي الفرنسية. وفي حالة مازن وباتريك دباغ، فإن الشرط الأول توافر لهما؛ إذ إنهما كانا مزدوجي الجنسية ما سهل إقامة الدعوى.

صورة الرئيس بشار الأسد على مقر أمني في دمشق بتاريخ 14 يونيو الماضي (رويترز)

قبل الضباط الثلاثة الكبار (مملوك وحسن ومحمود)، قرر القضاء الفرنسي محاكمة إسلام علوش، واسمه الحقيقي مجدي مصطفى نعمة الذي ذاعت شهرته بسبب موقعه داخل تنظيم «جيش الإسلام» السوري المعارض الذي كان يسيطر على منطقة الغوطة القريبة من العاصمة السورية بين عامي 2013 و2018. وكان قُبض على علوش في مدينة مرسيليا التي وصلها طالباً وفي جيبه منحة أوروبية للدراسة في إطار ما يسمى برنامج «إيرسموس» وبتأشيرة طالب. لكن قُبض عليه يوم 29 يناير عام 2020. وبعد يومين فقط من توقيفه، وجه إليه القضاء الفرنسي تهم ارتكاب جرائم حرب وتعذيب والتواطؤ في حالات اختفاء قسري، وتحديداً بالمسؤولية عن اختفاء الناشطة السورية المعروفة رزان زيتونة الحائزة جائزة زاخاورف لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، أي يوم كان «جيش الإسلام» يسيطر على الغوطة الشرقية.

كذلك اختفى، في اليوم نفسه، ثلاثة آخرون هم: وائل حماده، زوج رزان زيتونه، وسميرة الخليل والمحامي ناظم الحمادي والأربعة قبض عليهم في الوقت نفسه.

وفي الربيع الماضي، اتخذ قاضيا تحقيق فرنسيان قراراً بإرساله إلى المحكمة الجنائية في باريس بتهمة «ارتكاب جرائم حرب وتغييب قسري». ويعود للمحكمة الجنائية أن تحدد موعد انطلاق المحاكمة.

وإذا كان علوش قد وقع في قبضة القضاء الفرنسي، ومحاكمته سوف تتم بحضوره، فإنه من المستبعد جداً أن يستجيب النظام السوري لمطلب تسليم الضباط الثلاثة، وبالتالي، فإن محاكمتهم سوف تتم غيابياً. وفي الوقت الذي يجهد النظام السوري لـ«تطبيع» علاقاته الخارجية، فإن المحاكمات الحاصلة وتلك المرتقبة في أوروبا والولايات المتحدة، سوف تعيد التركيز على الجرائم التي ارتكبت في سوريا، وبشكل خاص على أيدي أركان النظام.

وليس سراً، أن باريس عارضت دوماً تطبيع العلاقات بين الدول العربية والنظام السوري، عادّة أنه لا يمكن السير بها إلا إذا حصل تغيير سياسي وتوجه نحو تسوية، بما في ذلك عودة المهجرين والنازحين وإجراء الانتخابات والإفراج عن المعتقلين والقيام بإصلاح سياسي.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ صورة تُظهر البيت الأبيض بما في ذلك الجناح الغربي وعملية بناء قاعة الاحتفالات الجديدة من مبنى مكتب أيزنهاور التنفيذي القديم في حرم البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 25 فبراير 2026 (أ.ب)

قاضٍ أميركي يردّ طلباً لمنع البيت الأبيض من بناء قاعة احتفالات ﺑ400 مليون دولار

رفض قاضٍ اتحادي في الولايات المتحدة طلباً لمنع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من بناء قاعة للاحتفالات بتكلفة 400 مليون دولار في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا وزير العدل السابق القيادي في «حركة النهضة» نور الدين البحيري (الشرق الأوسط)

تونس: سجن وزير العدل السابق نور الدين البحيري 4 سنوات

أصدرت محكمة تونسية، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، حكماً بسجن وزير العدل السابق القيادي في «حركة النهضة» نور الدين البحيري 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الولايات المتحدة​ صورة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA) في 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

إدارة ترمب تقاضي جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس بتهمة خلق بيئة معادية للسامية

قالت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنها أقامت دعوى على جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس بسبب اتهامات بوقوع تمييز غير قانوني ضد موظفين يهود وإسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا العلم التونسي فوق مبنى قصر العدل في العاصمة تونس... 13 مايو 2024 (رويترز)

عائلة المحامي التونسي أحمد صواب تعلن إطلاق سراحه

قالت عائلة ‌المحامي التونسي ‌البارز ​أحمد ‌صواب ⁠إن ​محكمة الاستئناف ⁠قررت، ⁠الاثنين، الإفراج ‌عنه.

«الشرق الأوسط» (تونس)

العراق يشكو تضرره المباشر من الحرب: نتعرض لهجمات الطرفين

تصاعد الدخان واللهب قرب «مطار أربيل الدولي» في كردستان العراق عقب تفجيرات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي بعمليات اعتراض مكثفة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب «مطار أربيل الدولي» في كردستان العراق عقب تفجيرات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي بعمليات اعتراض مكثفة (د.ب.أ)
TT

العراق يشكو تضرره المباشر من الحرب: نتعرض لهجمات الطرفين

تصاعد الدخان واللهب قرب «مطار أربيل الدولي» في كردستان العراق عقب تفجيرات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي بعمليات اعتراض مكثفة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب «مطار أربيل الدولي» في كردستان العراق عقب تفجيرات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي بعمليات اعتراض مكثفة (د.ب.أ)

يستمر التصعيد الميداني في الساحة العراقية، الذي بدأ مع بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، بما يشي بأن العراق صار في قلب العاصفة، سواء من خلال سلسلة الهجمات المتبادلة بين أطراف عدة على أراضيه، ومن خلال الأضرار الاقتصادية التي لحقت به جراء تعثر تصدير نفطه، الذي يمثل مصدر الدخل الرئيسي للبلاد.

وأشار وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، إلى هذا المعطى، قائلاً إن «العراق بات من بين الدول المتضررة بشكل مباشر من استمرار النزاع». وأوضح أن تضرر العراق ناجم عن «تعرضه لهجمات من طرفي الصراع؛ مما يجعله في موقع المتأثر لا الطرف». حيث تتعرض مواقع عسكرية وأمنية عراقية وفصائل تابعة لـ«الحشد الشعبي» إلى ضربات جوية إسرائيلية وأميركية، في مقابل استهداف إيران والفصائل الموالية لها مصالح أميركية وقواعد عسكرية في كردستان وغيره.

وزيرا الخارجية العراقي والروسي (وكالة الأنباء العراقية)

وجاءت تصريحات الوزير حسين خلال اتصال هاتفي بنظيره الروسي سيرغي لافروف، بحثا خلاله التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية. طبقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية.

ورأى الوزير العراقي أن «المؤشرات الحالية لا تعكس وجود خطوات جادة لوقف إطلاق النار»، وأشار إلى أن «توسيع رقعة المواجهات، وتكثيف الهجمات، أصبحا سمة يومية للصراع»، محذراً بأن إغلاق مضيق هرمز واستمرار العمليات العسكرية، «أديا إلى اضطراب حركة الملاحة في المنطقة».

وبيّن أن «العراق يواجه صعوبات متزايدة في تصدير نفطه، وهو وضع تشترك فيه بعض دول المنطقة، الأمر الذي ينذر بتداعيات خطيرة على أسواق الطاقة العالمية».

وحذر حسين بأن «استمرار الحرب سيؤدي إلى أزمة في سوق الطاقة وارتفاع الأسعار؛ بما ينعكس سلباً على اقتصادات المنطقة والعالم».

استهداف جديد

ميدانياً... وفي أحدث عمليات الاستهداف والقصف الجوي، أعلنت «خلية الإعلام الأمني»، الأربعاء، مقتل أحد منتسبي القوات الأمنية وإصابة اثنين آخرين. وقالت في بيان إنه «في حادث مدان ومستهجن، تعرضت قوة من (قيادة عمليات كربلاء)، أثناء تنفيذها واجب تفتيش في المنطقة الصحراوية الرابطة بين محافظتي كربلاء والنجف الأشرف فجراً، إلى قصف جوي وإطلاق نار؛ ما أدى إلى استشهاد مقاتل وإصابة اثنين آخرين من أبطال قطعاتنا الأمنية».

ومثلما جرت العادة في أحداث من هذا النوع، لم تحدد «الخلية» الجهة التي نفذت الهجوم، لكنها تحدثت عن «تشكيل لجنة تحقيقية عليا للوقوف على ملابسات هذا الحادث الأليم، واتخاذ الإجراءات القانونية بصدده».

وأضاف بيان «الخلية»: «​نشدد على أن تكرار مثل هذه الحوادث بحق قواتنا الأمنية داخل أراضينا، وأثناء تأدية واجباتها، يعدّ انتهاكاً وعملاً غير مبرر، كما أن هذا الخرق يمثل تجاوزاً مرفوضاً سيتم التعامل معه وفق القوانين والأعراف العسكرية النافذة».

وسبق أن شنت طائرات حربية، لم تُحدَّد هويتها بدقّة، غارات جوية استهدفت مواقع للفصائل و«الحشد الشعبي» في محافظتي بابل والأنبار، وأدت إلى سقوط ضحايا وجرحى بين المنتسبين.

مشيعون في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يوم 2 مارس 2026 قُتلوا بغارة جوية استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» قرب حي القائم على الحدود مع سوريا (رويترز)

واستهدفت إيران والفصائل الموالية لها «مطار أربيل» وقاعدة «حرير»، القريبة منه، بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة، وأعلنت ما تسمى «فصائل المقاومة الإسلامية» تنفيذ أكثر من 28 هجوماً ضد مواقع أميركية ومحلية داخل العراق. كما تعرض معسكر «فيكتوريا» القريب من «مطار بغداد الدولي» إلى هجمات صاروخية نفذتها الفصائل المسلحة وأحبطتها القوات الأمنية.

كردستان

وأفيد الأربعاء بسقوط مقاتل كردي إيراني في هجوم صاروخي استهدف مقراً لـ«حزب حرية كردستان» المعارض في إقليم كردستان بشمال العراق، وفق ما أفاد به مصدر في «الحزب» «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتوجد في إقليم كردستان، الذي يتمتع بحكم ذاتي، معسكرات وقواعد خلفية تديرها فصائل كردية إيرانية معارضة. واتهم المتحدث باسم «الحزب»، خليل كاني ساناني، في تصريح له، «النظام الإيراني» بإطلاق 3 صواريخ على مخيم يضم عائلات «الحزب»؛ ما أدى إلى «مقتل أحد حراس المخيم وإصابة 3 آخرين بجروح». ويقع المخيم إلى الشرق من مدينة أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان.

جانب من الأضرار التي لحقت بـ«معسكر آزادي» التابع لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» عقب هجوم إيراني عبر الحدود في قضاء أربيل (أ.ف.ب)

ويوم الثلاثاء، تعرض مخيم يضم مقاتلين أكراداً إيرانيين وأفراد عائلاتهم في كردستان لقصف بطائرة مسيرة أسفر عن إصابةٍ واحدة، وفق عضو «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» المعارض، محمّد نظيف قادر.

وتصنف إيران هذه الأحزاب الكردية منظمات «إرهابية»، وتتهمها بـ«خدمة مصالح غربية أو إسرائيلية».

وسبق لهذه الأحزاب أن خاضت معارك ضد القوات الإيرانية في مناطق ذات غالبية كردية عند الحدود العراقية - الإيرانية. لكن في السنوات الأخيرة، تراجع نشاطها المسلح مع استمرارها في شن حملات سياسية ضد الجمهورية الإسلامية. وأعلنت 5 أحزاب؛ بينها «الحزب الديمقراطي»، الشهر الماضي، عن تشكيل تحالف سياسي لإطاحة النظام الإيراني... وضمان حق الأكراد في تقرير مصيرهم.

قوات الأمن تفرق بقنابل الغاز أنصار الفصائل الموالية لإيران خلال محاولتهم الوصول إلى السفارة الأميركية في بغداد مساء الاثنين (أ.ب)

في موازاة ذلك، تستمر المظاهرات الليلية لمناصري كثير من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، على «الجسر المعلق»، غير البعيد عن السفارة الأميركية في بغداد.

ويحاول المتظاهرون الاقتراب منها «أو اقتحامها»، على ما قالت مصادر مطلعة، إلا إن قوات الأمن العراقية ووحدات مكافحة الشغب تتصدى لهم عبر مختلف الوسائل؛ بما في ذلك استخدام الرصاص الحي وخراطيم المياه والقنابل الصوتية.


عودة حركة عبور المسافرين إلى طبيعتها عبر منفذ «جديدة يابوس» مع لبنان

تنفيذ خطة استجابة إنسانية وإغاثية من الدفاع المدني السوري الأربعاء عبر معبري جوسية في حمص وجديدة يابوس بريف دمشق
تنفيذ خطة استجابة إنسانية وإغاثية من الدفاع المدني السوري الأربعاء عبر معبري جوسية في حمص وجديدة يابوس بريف دمشق
TT

عودة حركة عبور المسافرين إلى طبيعتها عبر منفذ «جديدة يابوس» مع لبنان

تنفيذ خطة استجابة إنسانية وإغاثية من الدفاع المدني السوري الأربعاء عبر معبري جوسية في حمص وجديدة يابوس بريف دمشق
تنفيذ خطة استجابة إنسانية وإغاثية من الدفاع المدني السوري الأربعاء عبر معبري جوسية في حمص وجديدة يابوس بريف دمشق

أعلن مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا مازن علوش، الأربعاء، عودة حركة عبور المسافرين إلى طبيعتها عبر منفذ «جديدة يابوس» الحدودي مع لبنان، في كلا الاتجاهين، بعد توقف مؤقت.

وأوضح علوش، في منشور على منصة «إكس»، أن التوقّف المؤقت جاء بعد ورود إنذار إلى معبر المصنع من الجانب اللبناني بضرورة الإخلاء، نتيجة احتمال تعرّض المنطقة لقصف إسرائيلي.

ويأتي ذلك في أعقاب تصعيد ميداني منذ أيام بين «حزب الله» اللبناني وإسرائيل، مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة في لبنان.

وتستمر ارتدادات التوتر في المنطقة بسبب الحرب الإيرانية ودفعها سوريين في لبنان للعودة. وفي وقت سابق من اليوم، أعلن الدفاع المدني أن فرقه تواصل تنفيذ خطة استجابة إنسانية وإغاثية لتخفيف معاناة السوريين العائدين من لبنان، عبر معبري جوسية في حمص وجديدة يابوس بريف دمشق.

وأفاد مدير منفذ جوسية الحدودي عبد الكريم حربا لوكالة «سانا»، الثلاثاء، 3 مارس (آذار) الحالي، بأن عدد العائدين عبر المنفذ خلال اليومين الماضيين تجاوز ثمانية آلاف مسافر.

وقال ممثل وكالة الأمم المتحدة للاجئين في سوريا على حسابه في «إكس»، الثلاثاء، إنه بحسب السلطات السورية، عبر نحو 11.000 شخص من لبنان إلى سوريا في 2 مارس (آذار)، وهو عدد أعلى بكثير من المعدل اليومي المعتاد، وذلك عقب الأعمال العدائية الأخيرة في لبنان. وكان معظم العابرين عائلات سورية، رغم أن بعض العائلات اللبنانية عبرت أيضاً إلى سوريا.

وتوجد فرق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا (UNHCR) عند معبري جديدة يابوس وجوسية الحدوديين، كما تم وضع تدابير طوارئ في حال ازدياد تدفق الوافدين. ويشمل ذلك إمدادات مُخزّنة مسبقاً داخل سوريا، ودعماً من خلال البرامج المنتظمة في المراكز المجتمعية إضافة إلى المساعدة في مجالي المأوى وسبل العيش.

وتدعم السلطات السورية القادمين عند الحدود، عبر نافذة مخصصة، ويمكن للعائلات الحصول على معلومات حول الأماكن التي يمكنهم طلب المساعدة فيها داخل سوريا، بما في ذلك الخدمات التي تقدمها المفوضية. وستدعم المفوضية السلطات في مساعدة السوريين واللبنانيين الذين قد يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عند وصولهم إلى سوريا.

سكان قرية قزلجو بريف القامشلي شمال شرقي سوريا متجمعون عند صاروخ إيراني سقط في قريتهم الأربعاء (إ.ب.أ)

هذا، وقد استجابت فرق الدفاع المدني السوري، الثلاثاء، لموقعي سقوط أجسام حربية في محافظتي درعا وريف دمشق، نتيجة الأحداث الإقليمية الجارية؛ إذ شهدت المنطقة سقوط بقايا حطام مسيرة على أطراف بلدة المسيفرة بريف درعا الشرقي. وسقوط بقايا حطام صاروخ في مدينة صيدنايا بريف دمشق.

وقامت الفرق فور وصولها إلى المواقع بوضع أشرطة تحذيرية، وتأمين مواقع السقوط، ريثما تصل الفرق المختصة لاستكمال الإجراءات اللازمة لإزالتها بطريقة آمنة، بما يضمن سلامة المدنيين والمنطقة المحيطة.

وادي الرقاد بريف درعا الغربي الذي شهد توغل الجيش الإسرائيلي (سانا)

في شأن أمني آخر، توغلت قوة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح الأربعاء، في منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي، وذلك في إطار الاعتداءات المتكررة التي تنفّذها في أراضي الجنوب.

وذكرت وكالة «سانا» أن القوة المؤلفة من 7 آليات عسكرية دخلت الوادي، ونصبت حاجزاً على جسر الرقاد، فيما تمركزت 6 آليات أخرى عند بوابة تل أبو الغيثار. جرى ذلك بالتزامن مع انتشار جنود إسرائيليين على الطريق الممتد من بوابة التل حتى أول طريق وادي الرقاد المقابل لبلدتي جملة وصيصون.

كما توغلت قوات الإسرائيلية في بلدة كودنة بريف القنيطرة، بقوة عسكرية مؤلفة من 20 سيارة محملة بالجنود، واعتقلت شاباً وطفلاً من البلدة المذكورة.

وتوغلت قوات الاحتلال على الطريق الواصلة بين بلدة كودنة وقرية الأصبح في ريف القنيطرة الجنوبي، الثلاثاء، وأقامت حاجزاً مؤقتاً لتفتيش المارة في المنطقة. واعتقل الاحتلال أربعة أشخاص من قريتي عين العبد والأصبح في ريف القنيطرة الجنوبي.


إسرائيل تعمّق قلق اللبنانيين بالقصف والإنذارات: لا مكان آمناً

أحد السكان يتفقد ركام مبنى «الجماعة الإسلامية» الذي دمرته إسرائيل في مدينة صيدا الثلاثاء (إ.ب.أ)
أحد السكان يتفقد ركام مبنى «الجماعة الإسلامية» الذي دمرته إسرائيل في مدينة صيدا الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تعمّق قلق اللبنانيين بالقصف والإنذارات: لا مكان آمناً

أحد السكان يتفقد ركام مبنى «الجماعة الإسلامية» الذي دمرته إسرائيل في مدينة صيدا الثلاثاء (إ.ب.أ)
أحد السكان يتفقد ركام مبنى «الجماعة الإسلامية» الذي دمرته إسرائيل في مدينة صيدا الثلاثاء (إ.ب.أ)

عمّقت إسرائيل حالة القلق المتصاعد التي يعيشها اللبنانيون، عبر موجة غير مسبوقة من الاتصالات الهاتفية التي تتضمن إنذارات بالإخلاء، بالتزامن مع توسّع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق خارج نطاق المواجهات التقليدية؛ مما عزّز لدى كثيرين شعوراً بأن فكرة «المكان الآمن» باتت موضع تساؤل.

وبعدما تعرضت مناطق عدة ليل الثلاثاء لغارات إسرائيلية من دون إنذار مسبق، توسعت الاستهدافات إلى بلدات عرمون (جنوب شرقي بيروت) والحازمية (شرق بيروت) والسعديات (ساحل جبل لبنان الجنوبي) ليلاً من دون أي تحذير مسبق، وبدأت صباحاً تتوالى الاتصالات التي تطلب من سكان أبنية أو أحياء مغادرتها فوراً؛ ما دفع بكثيرين إلى الخروج من منازلهم احترازاً، وسط غموض بشأن مصدر هذه الاتصالات وعدم وضوح مدى صدقيتها.

إخلاء قصر عدل بعبدا

ومن أبرز تداعيات هذه الظاهرة ما حدث في قصر عدل بعبدا، حيث تقرر صباح الأربعاء إخلاء المبنى بعد تلقي اتصال هاتفي يحذر من استهدافه بقصف إسرائيلي. وخلال دقائق عمّت حالة من الارتباك داخل القصر الذي يضم عشرات القضاة والموظفين والمراجعين، قبل اتخاذ قرار الإخلاء الفوري في إجراء احترازي حرصاً على سلامة الموجودين.

عسكري لبناني أمام فندق بمنطقة الحازمية شرق بيروت تعرض لاستهداف إسرائيلي فجر الأربعاء (أ.ب)

قلق وارتباك

وفي هذا السياق، قال النائب بلال عبد الله إن الاتصالات التي يتلقاها المواطنون في الساعات الأخيرة بشأن إنذارات بالإخلاء تثير حالة واسعة من القلق والارتباك بين السكان، خصوصاً في ظل غموض مصادر بعضها. وأوضح عبد الله، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الناس تتلقى اليوم اتصالات كثيفة تتحدث عن إنذارات بالإخلاء، في وقت شهدت فيه مناطق عدة أمس (الثلاثاء) قصفاً من دون أي إنذار مسبق، كما حصل بين عرمون والسعديات والحازمية».

وأضاف: «هناك إنذارات تنتشر بين الناس، ولا يمكن التحقق بسهولة من مصدرها. المواطن اليوم لا يعرف من يجيب عن سؤال بسيط: هل هذا الإنذار حقيقي أم كاذب؟ لا أحد يملك جواباً واضحاً».

وأشار إلى أن «هذا الواقع يضع السكان أمام حالة من القلق الدائم؛ مما يجعل الناس في حالة استنفار دائم من دون القدرة على تقييم صحة هذه الإنذارات». ولفت إلى أن «هذا الموضوع لا يمكن التعامل معه على أنه تحليل سياسي، بل هو مسألة أمنية بامتياز». ورأى أن المستجد هو الاستهدافات اللي تطول «الجماعة الإسلامية؛ مما يعني إدخال مناطق جديدة في دائرة الخطر».

مئات الاتصالات

ولا تبدو هذه الحوادث معزولة؛ إذ تلقت الأجهزة اللبنانية خلال الساعات الماضية مئات الاتصالات التحذيرية بالإخلاء. وطالت هذه الاتصالات مناطق مختلفة من لبنان، واستهدفت في عدد من الحالات مبانيَ يقيم فيها نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت أو من الجنوب كانوا قد انتقلوا إلى مناطق أخرى هرباً من القصف.

وجاءت الاتصالات من أرقام أجنبية، فيما حمل معظمها نصاً متشابهاً يقول: «أنتم توجدون قرب منشآت أو أبنية تابعة لـ(حزب الله). عليكم الابتعاد عن المكان الذي توجدون فيه مسافة لا تقل عن 500 متر».

عسكريان بالجيش اللبناني وشرطي أمام فندق بمنطقة الحازمية شرق بيروت تعرض لاستهداف إسرائيلي فجر الأربعاء (إ.ب.أ)

خوف في الشويفات

في الشويفات، تحول أحد هذه الاتصالات إلى حالة من الهلع داخل مبنى سكني بعدما تلقى أحد السكان اتصالاً تحذيرياً، وهو يستضيف نازحاً في منزله. وسرعان ما انتشر الخبر بين السكان، فخرج عدد من العائلات من منازلهم قبل أن يتجمعوا في باحات إحدى المدارس القريبة في انتظار اتضاح الصورة.

وتروي أم لطفل لا يتجاوز 6 سنوات ما عاشه طفلها في تلك اللحظات. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن في منزلنا ولم يصل الاتصال إلينا مباشرة، بل إلى جار يستضيف نازحاً. فجأة بدأ الناس يخرجون بسرعة من المبنى». وتضيف: «ابني استيقظ على الضجيج. عندما رأى الناس يغادرون خاف كثيراً وبدأ يسألني: لماذا يهرب الجميع؟» وتتابع: «حملته وخرجنا مع الجيران إلى ساحة مدرسة قريبة. بقي ممسكاً بيدي طيلة الوقت ولم يهدأ إلا بعد فترة».

نازحون من جنوب لبنان باتجاه بيروت... وتظهر الزحمة على مدخل مدينة صيدا الشمالي (أ.ب)

وفي البقاع، تعكس شهادة أخرى حجم القلق الذي تثيره هذه الاتصالات، خصوصاً لدى العائلات التي تعيش ظروفاً إنسانية صعبة. تقول أم لولدين مقعدين إن اتصالاً تحذيرياً ورد إلى أحد جيرانها يطلب إخلاء الحي؛ ما دفع بعدد من السكان إلى مغادرة المنطقة سريعاً خوفاً من الاستهداف. وتقول: «كلاهما مقعد ولا يستطيع الحركة. حتى لو أردت المغادرة، فلا أستطيع إخراجهما بسهولة أو نقلهما معاً». وتضيف بصوت يختلط فيه القلق بالعجز: «في تلك اللحظة فكرت فقط: إذا كان الاتصال صحيحاً، فإلى أين يمكن أن أذهب بولديّ؟».

ضغط على بيئة النزوح والمجتمعات المضيفة

تلقي هذه الظاهرة بظلالها على واقع النزوح الداخلي في لبنان. فمع انتقال آلاف العائلات من الجنوب والضاحية إلى مناطق أخرى، بدأت الإنذارات الهاتفية تطول أحياناً الأبنية أو الأحياء التي يقيم فيها نازحون؛ مما يخلق ضغطاً نفسياً إضافياً على هذه العائلات التي اعتقدت أنها غادرت مناطق الخطر.

وفي المقابل، يثير انتشار هذه الإنذارات قلقاً لدى بعض المجتمعات المضيفة، خصوصاً في المناطق التي تستقبل أعداداً من النازحين؛ إذ يخشى بعض السكان من أن تتحول الأحياء التي تستضيفهم إلى أهداف محتملة أو أن تكون عرضة لإنذارات مماثلة.