أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين في باريس بتهم خطيرة

القضاء الفرنسي حريص على محاكمة مرتكبي جرائم الحرب أكانوا من النظام أم من خصومه

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين في باريس بتهم خطيرة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

أخيراً، ستشهد فرنسا أول محاكمة لمسؤولين أمنيين سوريين من الصف الأول لأمام المحكمة الجنائية في باريس في شهر مايو (أيار) من العام المقبل بتهم التورط بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وممارسة التعذيب والخطف.

والمسؤولون الثلاثة المعنيون بالمحاكمة، وهي الأولى من نوعها على الأراضي الفرنسية، يعدّون من كبار الجهاز الأمني للنظام السوري، وفي مقدمهم رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك، والرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية جميل حسن، ومدير فرع باب توما (دمشق) في المخابرات الجوية عبد السلام محمود. وثلاثتهم مستهدفون بمذكرات توقيف دولية. وينتظر أن تعمد محكمة أميركية في الأسابيع المقبلة إلى النظر في قضية جنائية هي أيضاً الأولى من نوعها على الأراضي الأميركية، وتعني اثنين من الثلاثة المذكورين (مملوك وحسن) بخصوص تهم مشابهة للتهم الموجهة إليهما على الأراضي الفرنسية.

اللواء علي المملوك مع الرئيس بشار الأسد (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وليس سراً، أن الماكينة القضائية بطيئة وأن الزمن القضائي يفترق جذرياً عن الزمن السياسي. والدليل على ذلك أن محاكمة الثلاثة المرتقبة في باريس الربيع المقبل تأتي بعد 11 عاماً على اختطاف وتغييب الطالب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق باتريك دباغ، البالغ وقتها من العمر عشرين عاماً ووالده مازن دباغ المولود في عام 1956، والذي كان يشغل منصب المستشار التربوي الرئيسي في المدرسة الفرنسية في دمشق، وقد قُبض على الاثنين في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013، من قِبل ضباط قالوا إنهم ينتمون إلى جهاز المخابرات الجوية السورية.

واختفى الوالد وابنه عن الأنظار منذ سوقهما إلى سجن المزة الواقع في إحدى ضواحي دمشق، والذي يظن أنه من الأسوأ لجهة التعامل مع الموقوفين، فيم حين تشير تقارير كثيرة إلى أنه كان مسرحاً لعمليات تعذيب على نطاق واسع.

ولم يُطرح اسما باترك ومازن دباغ مجدداً إلا في شهر أغسطس (آب) من عام 2018 حين أعلن النظام وفاتهما. وتفيد شهادتا الوفاة الرسمية بأن باتريك توفي أولاً في يناير (كانون الثاني) عام 2014، أي بعد عام واحد على اعتقاله، في حين والده فارق الحياة في نوفمبر من عام 2017.

اللواء جميل الحسن الثالث من اليسار (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وكان أمر إحالة الثلاثة إلى المحاكمة الذي أصدره قاضيا تحقيق في نهاية مارس (آذار)، قد تضمن اتهامات تقول: إنه «يبدو واضحاً» أن باتريك ومازن دبّاغ «تعرّضا، مثل آلاف المعتقلين الآخرين لدى المخابرات الجوية، للتعذيب الشديد الذي أدّى إلى وفاتهما».

وكثيرة الدعاوى التي أقيمت بحق شخصيات من النظام السوري عبر العالم، خصوصاً في البلدان الأوروبية التي تعمل بمبدأ «الولاية العالمية»، أي محاكمة أشخاص ارتكبوا جرائم في بلد غير البلد الذي تجري فيه المحاكمة، مثل ألمانيا وإيطاليا. أما فرنسا، فإن العمل بهذا المبدأ يؤطره القانون بحيث يتعين أن يكون صاحب الدعوى فرنسي الجنسية أو مقيماً على الأراضي الفرنسية. وفي حالة مازن وباتريك دباغ، فإن الشرط الأول توافر لهما؛ إذ إنهما كانا مزدوجي الجنسية ما سهل إقامة الدعوى.

صورة الرئيس بشار الأسد على مقر أمني في دمشق بتاريخ 14 يونيو الماضي (رويترز)

قبل الضباط الثلاثة الكبار (مملوك وحسن ومحمود)، قرر القضاء الفرنسي محاكمة إسلام علوش، واسمه الحقيقي مجدي مصطفى نعمة الذي ذاعت شهرته بسبب موقعه داخل تنظيم «جيش الإسلام» السوري المعارض الذي كان يسيطر على منطقة الغوطة القريبة من العاصمة السورية بين عامي 2013 و2018. وكان قُبض على علوش في مدينة مرسيليا التي وصلها طالباً وفي جيبه منحة أوروبية للدراسة في إطار ما يسمى برنامج «إيرسموس» وبتأشيرة طالب. لكن قُبض عليه يوم 29 يناير عام 2020. وبعد يومين فقط من توقيفه، وجه إليه القضاء الفرنسي تهم ارتكاب جرائم حرب وتعذيب والتواطؤ في حالات اختفاء قسري، وتحديداً بالمسؤولية عن اختفاء الناشطة السورية المعروفة رزان زيتونة الحائزة جائزة زاخاورف لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، أي يوم كان «جيش الإسلام» يسيطر على الغوطة الشرقية.

كذلك اختفى، في اليوم نفسه، ثلاثة آخرون هم: وائل حماده، زوج رزان زيتونه، وسميرة الخليل والمحامي ناظم الحمادي والأربعة قبض عليهم في الوقت نفسه.

وفي الربيع الماضي، اتخذ قاضيا تحقيق فرنسيان قراراً بإرساله إلى المحكمة الجنائية في باريس بتهمة «ارتكاب جرائم حرب وتغييب قسري». ويعود للمحكمة الجنائية أن تحدد موعد انطلاق المحاكمة.

وإذا كان علوش قد وقع في قبضة القضاء الفرنسي، ومحاكمته سوف تتم بحضوره، فإنه من المستبعد جداً أن يستجيب النظام السوري لمطلب تسليم الضباط الثلاثة، وبالتالي، فإن محاكمتهم سوف تتم غيابياً. وفي الوقت الذي يجهد النظام السوري لـ«تطبيع» علاقاته الخارجية، فإن المحاكمات الحاصلة وتلك المرتقبة في أوروبا والولايات المتحدة، سوف تعيد التركيز على الجرائم التي ارتكبت في سوريا، وبشكل خاص على أيدي أركان النظام.

وليس سراً، أن باريس عارضت دوماً تطبيع العلاقات بين الدول العربية والنظام السوري، عادّة أنه لا يمكن السير بها إلا إذا حصل تغيير سياسي وتوجه نحو تسوية، بما في ذلك عودة المهجرين والنازحين وإجراء الانتخابات والإفراج عن المعتقلين والقيام بإصلاح سياسي.


مقالات ذات صلة

فتح تحقيق جنائي مع كاتبة ربحت دعوى ضد ترمب

الولايات المتحدة​ أرشيفية لإي. جين كارول وهي تغادر المحكمة الفيدرالية في نيويورك بعد مثول الرئيس السابق دونالد ترمب أمامها عام 2024 في نيويورك (أ.ب)

فتح تحقيق جنائي مع كاتبة ربحت دعوى ضد ترمب

فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً جنائياً ضد الكاتبة إي. جين كارول، التي اتهمت الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه اعتدى عليها خلال التسعينات من القرن الماضي.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا (متداولة)

محكمة فرنسية تدين الباحث الإسلامي فرانسوا بورجا بتهمة «تمجيد الإرهاب»

أصدرت محكمة فرنسية حكماً يقضي بدفع الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا، المتخصص في دراسة التيارات الإسلامية، غرامة مالية قدرها خمسة آلاف يورو بتهمة «تمجيد الإرهاب»،…

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

رفع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوى ضد وزارة العدل لمنعها من نشر تسجيلات ونصوص مقابلاته الخاصة بين عامي 2016 و2017.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا شموع وزهور موضوعة في موقع الحادث الذي أودى بحياة فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وأسفر عن إصابة آخرين بجروح في هجوم طعن في مدينة فيلاخ النمساوية يوم 16 فبراير 2025 (رويترز)

النمسا تحكم على «داعشي» بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوم طعن

قضت محكمة نمساوية، الأربعاء، على لاجئ سوري كردي عمره 24 عاماً بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوماً بسكين ​أسفر عن مقتل شخص في مدينة جنوبية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (الثاني يميناً) بمحكمة الاستئناف في باريس يوم 27 مايو 2026 (رويترز)

ساركوزي: «أنا بريء» في قضية التمويل الليبي للحملة الانتخابية

جدّد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي تأكيد براءته في ختام محاكمة استئنافه المتعلقة بالتمويل الليبي غير القانوني المزعوم لحملته الانتخابية لعام 2007.

«الشرق الأوسط» (باريس)

هل ينجح الزيدي في تعميم نموذج «سرايا السلام» على بقية الفصائل؟

الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

هل ينجح الزيدي في تعميم نموذج «سرايا السلام» على بقية الفصائل؟

الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)

رغم التصريحات المتكررة التي يطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والردود المقابلة التي تطلقها بعض الفصائل المسلحة، بشأن إمكانية نزع أسلحتها وتسليمها إلى الجهات الرسمية، لا تزال الخطوات العملية التي تتوج كل ذلك غير واضحة، باستثناء مبادرة زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر.

ومع تعيين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السفير توم برّاك مبعوثاً رئاسياً إلى العراق، يتوقع مراقبون تزايد الضغوط الأميركية على بغداد للاستجابة إلى مطالبها الرئيسية المتعلقة بتفكيك الفصائل المسلحة الحليفة لإيران ومجابهة نفوذ الأخيرة.

وكان الصدر أوعز، الأسبوع الماضي، إلى جناحه العسكري «سرايا السلام» بفك ارتباطها التام بتياره والتحاقها الكامل بالدولة العراقية لتكون جزءاً من المؤسسات الأمنية الرسمية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.

ومع أن تحرك الصدر هذا يعني ضمناً أن «السرايا» لم تكن خاضعة لسلطة القائد العام خلال سنوات عملها الممتدة لنحو 12 عاماً، فإن الخطوة وُصفت بـ«المشجعة»، وعدّها كثيرون مدخلاً لنزع أسلحة بقية الفصائل، لكنها في نظر بعضهم لا تشكل خطوة قطعية لبقية الفصائل، خصوصاً المرتبطة بإيران والمحسوبة على ما بات يعرف بـ«محور المقاومة»، خلافاً للصدر وفصيله الذي نأى بنفسه عن ذلك منذ سنوات.

وقال رئيس الوزراء، السبت، إنه «عازم على إنهاء كل مظاهر السلاح خارج الدولة رغم الضغوط التي تمارَس من قبل جهات سياسية عليا».

وتحدث عن أن «عملية حصر السلاح ونزعه سوف تكون على مراحل، وبدأت الآن مع النزع الطوعي لسلاح (سرايا السلام) عبر مبادرة متكاملة من قبل السيد مقتدى الصدر، الذي شكلنا معه لجنة مشتركة لهذا الغرض وضعنا لها سقفاً زمنياً أمده أسبوع للانتهاء من هذا الملف».

حصر السلاح

كان خمسة فصائل، من ضمنها «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، و«منظمة بدر» بزعامة هادي العامري، بجانب «كتائب سيد الشهداء» و«كتائب الإمام علي» و«حركة ثار الله»، قد تحدثت عن إمكانية نزع أسلحتها، من دون أن تذكر أو تحدد كيفية ذلك. في المقابل، تتمسك «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» بالسلاح وترفض نزعه. لكن حسين الشيحاني عضو المكتب السياسي لحركة «الصادقون»، الجناح السياسي لـ«عصائب أهل الحق»، تحدث عن قيام قوى «الإطار التنسيقي» بـ«التحضير لمسودة قرار ينظم عملية حصر السلاح، ويوضح كيفية التعامل مع الوجود الأجنبي، فضلاً عن تمكين القوات الأمنية ومنظومات الدفاع الجوي».

وقال الشيحاني في تصريحات صحافية إن «ما يحصل الآن في ملف حصر السلاح يتماشى مع ما طالبنا به منذ 2017 بشكل واضح وتفصيلي وبمسمياته، فعندما نقول (الارتباط)، فهو ارتباط الألوية بـ(هيئة الحشد الشعبي)، وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة».

وأضاف أنه «منذ عام 2017 كل ما لدينا من أجنحة سياسية انفصلت انفصالاً تاماً، وتم فك الارتباط مع الأجنحة المسلحة».

وأشار إلى أن «هناك سلاحاً منذ 2017 في المخازن، وطالبنا مراراً بجرده، وكانوا يقولون لنا إنه ليس هناك شيء قانوني يُستند إليه لجرد هذا السلاح وإدخاله ضمن الذمة».

ضغوط المبعوث الأميركي

من جهته، يرى مسؤول بارز في قوى «الإطار التنسيقي» أن تعيين مبعوث خاص للعراق سيزيد الضغوط على رئيس الوزراء، ومن ورائه قوى «الإطار»، بشأن مشكلة السلاح خارج إطار الدولة.

ويؤكد المسؤول، الذي يفضّل عدم الإشارة إلى اسمه، لـ«الشرق الأوسط» أن «قوى (الإطار) مهتمة فعلياً بإيجاد مخرج لهذه المعضلة، لكن تريد أن تمر بطريقة عملية وسهلة بعيداً عن صدامات حادة بين الحكومة والفصائل».

ويتحدث المسؤول عن «سيناريوهات محتملة» للانتهاء من هذا الملف، من ضمنها «تطمين جماعات الفصائل بعدم الملاحقة وإمكانية انخراطها في الجسد الحكومي».

وفي مقابل الأنباء التي تتحدث عن عدم قبول أميركي بانخراط الفصائل في العمل الحكومي حتى مع إعلان نزع أسلحتها، يرى المسؤول أن «عملية إقصاء الفصائل من المشهد تماماً عملية غير واقعية، بالنظر للدور الميداني العسكري، وللثقل السياسي الذي تتمتع به الفصائل داخل قوى (الإطار التنسيقي) التي هي الحاضنة السياسية لرئيس الوزراء علي الزيدي».

حافز للحكومة

ويتفق المحلل والدبلوماسي السابق غازي فيصل على الدور الذي يمكن أن يلعبه المبعوث الأميركي توم برّاك في مساعدة الحكومة العراقية في مسألة نزع سلاح الفصائل. ويرى أن «نزع السلاح يستند إلى الدستور والقوانين النافذة التي تمنع تشكيل تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة».

وقال فيصل لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المؤكد أن المبعوث الرئاسي الأميركي للعراق يسهم في تقديم أي دعم تحتاجه أو تطالب به الحكومة العراقية، خصوصاً وزارتَي الدفاع والداخلية وغيرهما من المؤسسات الأمنية الحيوية في إطار الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين الموقع في عام 2008».

ويرى أن «مبادرة بعض الفصائل لنزع أسلحتها ستعطي حافزاً قوياً للحكومة لحسم هذا الأمر مع البقية. ومع الدور والرغبة الأميركية في مواجهة نفوذ إيران وفصائلها، ومع الاستجابة المتوقعة من الحكومة العراقية لذلك، فإنه من الممكن حسم هذا الملف خلال الأشهر القليلة المقبلة».


بعد إقلاع الطائرة... وزيرة التنمية الألمانية تلغي زيارتها لبيروت

 وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
TT

بعد إقلاع الطائرة... وزيرة التنمية الألمانية تلغي زيارتها لبيروت

 وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)

أُلغيت في اللحظات الأخيرة زيارة كانت وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، تنوي القيام بها إلى لبنان، وذلك لأسباب أمنية.

وجاء في بيان الإلغاء أن القرار اتُّخذ «لأسباب عسكرية، في ضوء التقييمات الجارية للتطورات المرتبطة بالتدهور الحاد والمفاجئ للوضع في بيروت»، ولفت البيان النظر إلى أن الرحلة إلى العاصمة اللبنانية تم وقفها في أثناء اقتراب الطائرة من وجهتها.

وكانت الوزيرة المنتمية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي تعتزم، خلال زيارة تستمر يومين إلى لبنان، الاطلاع ميدانياً على تداعيات الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل. وكان من المقرر أن يرافقها في الزيارة وزير التنمية الدولي النرويجي أوسموند غروفر أوكروست، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

كان برنامج الزيارة يتضمن عقد لقاءات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، المسؤولة أيضاً عن تنسيق إدارة الأزمات في البلاد، إضافةً إلى وزيرة التربية ريما كرامي. وكان من المنتظر أن تتركز المحادثات على قضايا من بينها أوضاع النازحين داخل لبنان.

وشهدت الأوضاع بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني تصعيداً حاداً خلال الفترة الأخيرة. فعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار رسمياً، لا تزال المواجهات مستمرة.

وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، اليوم (الاثنين)، تعليمات للجيش باستهداف ما وصفاها بـ«أهداف إرهابية تابعة لـ(حزب الله)» في ضواحي بيروت، وفقاً لبيان صادر عن مكتب نتنياهو.


«استخفاف» إسرائيلي باحتلال قلعة الشقيف... وأوامر بقصف بيروت

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
TT

«استخفاف» إسرائيلي باحتلال قلعة الشقيف... وأوامر بقصف بيروت

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)

في الوقت الذي رأى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، احتلال قلعة الشقيف في الجنوب اللبناني «عملاً بطولياً يغيِّر صورة الوضع في الحرب على (حزب الله) بشكل جذري»، أجمع الخبراء الأمنيون والمحللون الذين يقيمون علاقات مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أن احتلال القلعة «هو إنجاز عسكري مهم، لكنه تكتيكي مؤقت»، ولا يكفي لتحقيق تحول استراتيجي في الحرب أو حسم مستقبل «حزب الله»، في ظل استمرار ارتباط مسار المواجهة بالتطورات السياسية والإقليمية الأوسع.

لكن الحكومة والجيش الإسرائيليين، اللذين يعملان معاً على توسيع العمليات الحربية ويطلبان من الإدارة الأميركية ضوءاً أخضر لاستئناف استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتوازي مع استئناف المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، يتعرضان لانتقادات شديدة لم يسبق لها مثيل منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

فالشارع الإسرائيلي يتهمهما بالعجز عن توفير الأمن، فيما تصاعدت اليوم هذه الانتقادات، مع وصول مسيّرات «حزب الله»، إلى طبريا وعكا وبلدات الجليل الأسفل. وارتفعت المطالب بتصعيد أشدّ في الضربات على «حزب الله» مع العمل على تحقيق إنجازات سياسية في المفاوضات.

سكّان الضاحية الجنوبية لبيروت والمناطق المجاورة خرجوا سيراً وبالسيارات بعد التهديد الإسرائيلي باستئناف قصف بيروت (رويترز)

أهداف قصف الضاحية

أوعز نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى الجيش بشن هجمات على الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك فيما قالا إنه «رد على الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار من (حزب الله) والهجمات ضد بلداتنا ومواطنينا»؛ حسبما جاء في بيان مشترك لهما صباح الاثنين. وقالت صحيفة «معاريف» إن هناك ثلاثة أهداف للعمليات المنويّ تنفيذها: أولاً اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، وعدد كبير من قادة الحزب، وثانياً تدمير مقر القيادة وغرفة العمليات التي تعمل من الضاحية الجنوبية وتدمير الشقق السكنية التي يستخدمها الحزب في الضاحية لخزن الأسلحة ولإطلاق المسيَّرات باتجاه قوات الجيش التي تحتل الجنوب اللبناني والبلدات الإسرائيلية في الجليل.

وكشفت القناة 12 الإسرائيلية أن نتنياهو، عقد، مساء الأحد، اجتماعاً أمنياً مصغراً هو الثاني خلال أقل من 24 ساعة، لبحث الانتقال من العمليات البرية والسيطرة على مناطق ميدانية إلى حملة جوية أوسع قد تشمل استهداف العاصمة اللبنانية بيروت.

لكنَّ الخبراء والمحللين الإسرائيليين، وبينهم جنرالات حاليون وسابقون، يعترضون على هذا التوجه ويؤكدون أنه «وصفة أخرى للفشل».

تُظهر الصورة الملتقطة من منطقة الجليل الأعلى مركبات عسكرية إسرائيلية تسير على طريق في جنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل (أ.ف.ب)

القتل والدمار لا يزعجان نعيم قاسم

كتب البروفسور إيال زيسر، في صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، أن «إسرائيل انجرَّت إلى حرب استنزاف لا تخدم أهدافها، في حين أن الترتيبات السياسية الناشئة قد تُبقي التهديد قائماً. وهناك حاجة إلى استراتيجية جديدة تجاه لبنان و(حزب الله)».

وقال: «(حزب الله) تلقَّى ضربة قوية قاصمة، إلا أن الهجمات في الواقع كانت متقطعة وضعيفة التأثير. وتُظهر التجربة أن حرب الاستنزاف، التي ندفع فيها ثمناً باهظاً يومياً من الخسائر والإصابات وتعطيل الحياة في المجتمعات الشمالية، لا تخدم أي مصلحة إسرائيلية، وأن (حزب الله) سيُهيمن في مثل هذه الحرب ما لم نتحرّك بقوة وفاعلية ضده. وغنيٌّ عن القول إن مقتل عشرات من عناصره أو تدمير القرى الشيعية في جنوب لبنان لا يُزعج نعيم قاسم، الذي يعتقد، كما كان يعتقد السنوار في زمانه، أن الدمار الذي جلبه على نفسه يخدم التنظيم في الواقع، مُخفّفاً من حدّة الانتقادات الموجهة إليه بين أبناء الطائفة الشيعية، بل يجلب له الدعم والمجندين الجدد، بينما الجيش الإسرائيلي هو من يُريق الدماء. فإذا لم نحطم هذا الحزب، واقتصر العمل على مناورة محدودة لبضعة كيلومترات أخرى في الأراضي اللبنانية، فسوف نستمر في لعبة القط والفأر مع إرهابيي (حزب الله) الذين يهاجموننا، فمِن الأجدر بنا التفكير في الانسحاب من المنطقة الأمنية التي أنشأناها. وفي الوقت نفسه، يجب إحراز أكبر قدر ممكن من التقدم في قناة التفاوض الإسرائيلية - اللبنانية، حيث يمكننا تحقيق مكاسب تكتيكية، حتى وإن لم يكن حلاً للمشكلة، لأن الحكومة اللبنانية وإسرائيل لديهما مصلحة مشتركة في إضعاف (حزب الله)».

جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

«كابوس» قلعة الشقيف

كتب رون بن يشاي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليوم، أن قلعة شقيف تحمل ذكريات أليمة جداً لألوف الجنود الإسرائيليين. وقال: «في حينه دارت معارك طاحنة بين الجنود الإسرائيليين وجنود منظمة التحرير الفلسطينية، وأخفى الجيش نتائج المعارك، بما فيها عدد القتلى والإصابات. وبعد ذلك، وطوال 18 عاماً، واجه مقاومة عنيفة. والأمر قد يتكرر اليوم أصعب، لأنه في حينه كان يحارب إلى جانب إسرائيل جيش لحد، المؤلف من سكان الجنوب بمن فيهم الشيعة. واليوم لا توجد قوة كهذه في لبنان. وسيضطر الجيش الإسرائيلي إلى المحاربة وحده».

وعرضت القنوات التلفزيونية الثلاث (11 و12 و13)، لقاءات مع جنود سابقين تحدثوا عن القلعة بوصفها «كابوساً لا يفارقهم حتى اليوم». وقال جنرال سابق للقناة 12 إن احتلال القلعة يعد ضربة مهمة لـ«حزب الله»، إذ إنه تم بسرعة بالمقارنة مع احتلالها في زمن «فتح» ومنظمة التحرير. لكنَّ هذا لن يشكل ضربة قاصمة كما يصورها نتنياهو؛ إذ إن مراكز القوة الرئيسية التابعة لـ«حزب الله» في بيروت والبقاع لم تتعرض لضربات حاسمة، كما أن الجيش الإسرائيلي لم يتجه حتى الآن نحو السيطرة على النبطية، وسط شكوك واسعة داخل المؤسسة العسكرية بشأن إمكانية أو جدوى خطوة كهذه.

ويؤكد الإسرائيليون أن عملياتهم في عمق لبنان ما زالت خاضعة لقيود أميركية صارمة، لا سيما فيما يتعلق بعمليات سلاح الجو، بينما يتمتع الجيش بحرية أوسع في العمليات البرية ضمن نطاق قيادة المنطقة الشمالية. وترى التقديرات الإسرائيلية أن الإنجازات الميدانية الحالية قادرة على إحداث تغيير تكتيكي موضعي، لكنَّ ترجمتها إلى تحول استراتيجي أوسع ستتوقف في نهاية المطاف على ما ستسفر عنه التفاهمات بين واشنطن وبيروت وطهران. وفي هذه الأثناء يشيرون إلى أن واشنطن تسعى إلى التوصل إلى اتفاق جديد لوقف النار والتصعيد المتنامي.

Your Premium trial has ended