«إعصار دانيال»: دمار واسع بدرنة ومخاوف من فقد 10 آلاف

TT

«إعصار دانيال»: دمار واسع بدرنة ومخاوف من فقد 10 آلاف

أدت السيول إلى انهيار سدود وجرف مبان وتدمير ربع مدينة درنة الواقعة في شرق ليبيا (أ.ف.ب)
أدت السيول إلى انهيار سدود وجرف مبان وتدمير ربع مدينة درنة الواقعة في شرق ليبيا (أ.ف.ب)

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، إن عدد الضحايا في مدينة درنة «كبير جدا لأن ربع المدينة بات في البحر»، مشيرا إلى أن السيول جرفت المدينة القديمة التاريخية إلى البحر.

وقال المسماري لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) اليوم (الثلاثاء) «هناك أحياء بالكامل بسكانها وبأبنيتها ذات الخمسة والستة والسبعة طوابق جُرفت باتجاه البحر في مدينة درنة».

وأضاف المسماري أن «الجيش الليبي منتشر في كل المناطق المنكوبة، وفقدنا الاتصال بعدد من الجنود والضباط الذين يقومون بعمليات البحث والإنقاذ في درنة».

وتابع «القيادة العامة للجيش الليبي وضعت كل إمكاناتها للمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ، من إدارة النقل والإدارات الطبية والوحدات القتالية... كلها تشارك في العمليات».

في درنة السيارات مقلوبة على جوانب الطرق والأشجار اقتُلعت من جذورها والمياه غمرت المنازل (رويترز)

صعوبات

وأشار المسماري إلى أن سوء الأحوال الجوية لم يسمح باستخدام طائرات الهليكوبتر بسبب الرياح العاتية وقت حدوث العاصفة، إضافة إلى طبيعة المنطقة الصعبة للغاية التي حالت دون إدخال معدات الإنقاذ والسيارات.

ومضى يقول «لكن حاليا استطعنا استخدام المروحيات بعد هدوء العاصفة، والمعدات اللازمة لعمليات البحث بدأت بالوصول إلى درنة».

وأضاف «المناطق المنكوبة تمتد على مساحة جغرافية واسعة لمسافة 257 كليومترا طولا، مع عرض يصل في بعض المناطق إلى 100 كيلو متر».

وأشار المسماري إلى أن عمليات البحث ما زالت جارية في الأودية وعند مصبات هذه الأودية عند البحر، لكنه أوضح أن هناك «صعوبة في عمليات البحث في البحر بسبب تغير لونه إلى اللون الترابي»، بفعل السيول.

وفيما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن أن من أسباب الكارثة ضعف البنية التحتية، أكد المسماري أن ذلك لم يكن السبب، بل «لأن مدينة درنة تقع في مجرى وادي درنة الذي يرتفع حوالي 400 متر عن سطح البحر، والذي حدث أن الأمطار والسيول زادت المياه في الوادي وبالتالي تشكلت موجة سيول ضخمة جدا توجهت نحو الأحياء السكنية في المدينة».

ولفت المسماري إلى وصول فرق بحث وإنقاذ وصيانة محلية من كل المناطق الليبية، من طرابلس والمنطقة الغربية والجنوبية، كما وصلت فرق من شركة الكهرباء والاتصالات إلى درنة.

انتُشلت ألف جثة على الأقل في مدينة درنة ويتوقع أن تكون حصيلة القتلى أعلى بكثير (أ.ف.ب)

خسائر

أدت السيول إلى انهيار سدود وجرف مبان وتدمير ربع مدينة درنة الواقعة في شرق ليبيا، وسط مخاوف من فقد ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص.

وانتُشلت ألف جثة على الأقل في مدينة درنة وحدها، ويتوقع مسؤولون أن تكون حصيلة القتلى أعلى بكثير بعدما عبر إعصار «دانيال» البحر المتوسط واجتاح البلاد التي تشهد انقساما وتعاني من صراع مستمر منذ أكثر من عقد.

وشاهد صحافي من «رويترز»، وهو في طريقه إلى درنة، وهي مدينة ساحلية يقطنها نحو 125 ألف نسمة، سيارات مقلوبة على جوانب الطرق وأشجارا اقتُلعت من جذورها ومنازل مهجورة تغمرها المياه.

وقال هشام أبو شكيوات، وزير الطيران المدني وعضو لجنة الطوارئ في حكومة شرق ليبيا لرويترز عبر الهاتف «عُدت من هناك، الأمر كارثي، الجثث ملقاة في كل مكان، في البحر، في الأودية، تحت المباني».

وتابع «ليس لدي عدد إجمالي للقتلى لكنi كبير كبير جدا، عدد الجثث المنتشلة في درنة تجاوز الألف، لا أبالغ عندما أقول إن 25 بالمائة من المدينة اختفى، العديد من المباني انهارت».

كذلك ضرب الإعصار مدنا أخرى في شرق البلاد، منها بنغازي ثانية كبرى المدن الليبية، وقال تامر رمضان رئيس بعثة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر إن عدد القتلى سيكون «ضخما».

وأضاف: «يمكننا أن نؤكد من مصادر معلوماتنا المستقلة أن عدد المفقودين يقترب من عشرة آلاف حتى الآن».

استمرار جهود الإنقاذ وسط السيول والفيضانات (أ.ف.ب)

وقع الخوف

في مطار طرابلس الواقع في شمال غربي ليبيا، بدأت امرأة تنتحب بصوت عال بعدما تلقت مكالمة تفيد بأن معظم أفراد عائلتها إما لقوا حتفهم أو فقدوا جراء هذه الكارثة.

وقال صهرها وليد عبد العاطي «نحن لا نتحدث عن قتيل أو قتيلين، ولكن كل أسرة فقدت نحو عشرة من أفرادها».

وقال كريم العبيدي، أحد الذين استقلوا طائرة متجهة من طرابلس إلى شرق البلاد «لم أشعر قط بالخوف الذي أشعر به الآن... فقدت الاتصال بكل عائلتي وأصدقائي وجيراني».

وأظهرت لقطات بثتها قناة المسار التلفزيونية الليبية أشخاصا يبحثون عن جثث ورجال آخرين على متن قارب مطاطي ينتشلون جثة من البحر.

وقال خليفة الطويل أحد عمال الإسعاف «ليس لدينا ما ننقذ به الناس، لا توجد معدات، نطلب المساعدة العاجلة».

ويقسِّم مدينة درنة الواقعة على ساحل البحر المتوسط ​​في شرق ليبيا نهر موسمي يتدفق من المناطق المرتفعة في اتجاه الجنوب، ونادرا ما تضرب السيول المدينة بسبب السدود الموجودة بها.

أظهر مقطع مصور نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي أجزاء متبقية من أحد السدود المنهارة على بعد 11.5 كيلومتر من المنبع في المدينة حيث يلتقي واديان نهريان وتحيط بهما الآن برك ضخمة من المياه المختلطة بالطين.

وأمكن سماع صوت في المقطع المصور يقول «كان هناك سد»، وتأكدت «رويترز» من الموقع بناء على الصور.


مقالات ذات صلة

هل يمكن أن يصل إعصار إيطاليا «المدمر» إلى الشواطئ العربية؟

يوميات الشرق عاصفة «هاري» القوية تسببت في خسائر بجنوب إيطاليا (إ.ب.أ)

هل يمكن أن يصل إعصار إيطاليا «المدمر» إلى الشواطئ العربية؟

تعيش مناطق جنوب إيطاليا، لليوم الرابع على التوالي، حالة قصوى من الشلل التام والاستنفار إثر اجتياح الإعصار «هاري» سواحل البلاد.

محمد السيد علي (القاهرة)
آسيا صورة جوية لانزلاقات التربة من جرَّاء الفيضانات في قرية باندونغ الإندونيسية يوم 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

موجة أمطار جديدة تضاعف معاناة الملايين في سريلانكا وإندونيسيا

قضى ما لا يقل عن 1800 شخص في إندونيسيا وسريلانكا وماليزيا وتايلاند وفيتنام، من جرَّاء سلسلة من العواصف الاستوائية والأمطار الموسمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا سكان محليون يسيرون بشارع غمرته المياه بعد هطول أمطار غزيرة في ويلامبيتيا على مشارف كولومبو (أ.ف.ب) p-circle

الفيضانات تواصل اجتياح كولومبو... وارتفاع حصيلة قتلى إعصار «ديتواه» إلى 159

كافحت السلطات السريلانكية ارتفاع منسوب مياه الفيضانات في أجزاء من العاصمة كولومبو، الأحد، بعد أن خلَّف إعصار قوي دماراً كبيراً، وأودى بحياة 159 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
العالم رجل يحمل مظلة يمر أمام دار الأوبرا في سيدني بأستراليا... 21 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

انقطاع الكهرباء عن الآلاف بعد اجتياح الإعصار «فينا» ولاية الإقليم الشمالي بأستراليا

انقطع التيار الكهربائي عن آلاف الأشخاص في ولاية الإقليم الشمالي بأستراليا، اليوم (الأحد)، بعد أن جلب إعصار مداري رياحاً مُدمِّرة إلى المنطقة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
آسيا موجة عملاقة تقذف مركبات كبيرة مثل ألعاب الأطفال في مدينة مياكو اليابانية بعد أن ضرب زلزال المنطقة في 11 مارس 2011 (أرشيفية - رويترز)

موجات تسونامي صغيرة في اليابان بعد زلزال بقوة 6.9 درجة

أعلنت اليابان أن موجات تسونامي صغيرة ضربت ساحلها المطل على شمال المحيط الهادي بعد زلزال في البحر بقوة 6.9 درجة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.