«صندوق النقد» يرحب بجهود السعودية لتصبح رائدة في إنتاج الهيدروجين الأخضر عالمياً

المملكة تسرع خطاها للتحول إلى الطاقة المتجددة

مدينة نيوم العالمية التي تشمل أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين في العالم (من موقع نيوم السعودية)
مدينة نيوم العالمية التي تشمل أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين في العالم (من موقع نيوم السعودية)
TT

«صندوق النقد» يرحب بجهود السعودية لتصبح رائدة في إنتاج الهيدروجين الأخضر عالمياً

مدينة نيوم العالمية التي تشمل أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين في العالم (من موقع نيوم السعودية)
مدينة نيوم العالمية التي تشمل أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين في العالم (من موقع نيوم السعودية)

تشهد المملكة العربية السعودية نشاطاً ملحوظاً واستثنائياً في قطاع الهيدروجين، الذي يعد وقود المستقبل، من حيث إنتاجه وتصديره، مستثمرةً في ذلك إمكاناتها الطاقوية الكبيرة، لتصدير الطاقة النظيفة للعالم، والمساهمة في تحقيق أهداف الدول الغربية في تقليل الانبعاثات الكربونية والوصول لهدف الحياد الكربوني، مما يدعم أهداف اتفاق باريس للمناخ.

فتكاد لا تخلو اتفاقية أو مذكرة تفاهم اقتصادية وقّعتها السعودية خلال الفترة الأخيرة من بند ينص على التعاون في قطاع الهيدروجين الأخضر، بالتزامن مع أزمة طاقة عالمية حاولت الرياض تقليل تداعياتها من خلال وضع سيناريوهات للتحول للطاقة النظيفة، واختيار وقود أخضر لمرحلة انتقالية قد يطول أمدها نظراً لزيادة الطلب على الطاقة بكل أنواعها.

وفي حين تعمل المملكة على تعزيز دورها في إنتاج الهيدروجين، نجحت في تسريع جهودها في مجال العمل المناخي، حيث تسعى إلى تحقيق تحويل 30 في المائة من مساحاتها البرية والبحرية إلى محميات طبيعية، وزراعة نحو 10 مليارات شجرة بحلول 2030.

كما تعكف على تطبيق نموذج الاقتصاد الدائري للكربون، بهدف تنفيذ تعهّداتها بتقليل الانبعاثات بمقدار 278 مليون طن سنوياً بحلول 2030، ورفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 50 في المائة.

وبهذه المبادرة أصبحت المملكة أكبر مجمع في العالم في مشاريع التقاط الكربون وتخزينه، بقدرة تخزين تصل إلى 9 ملايين طن سنوياً، وهي تستهدف تخزين 44 مليون طن متري بحلول 2035.

ومنذ أيام، رحَّب خبراء صندوق النقد الدولي بالخطط الجارية في المملكة لزيادة الطاقة المتجددة بقدرة إضافية تبلغ 2.1 غيغاواط بحلول عام 2024، وتحقيق وفورات من خلال البرامج التي تهدف إلى تحقيق الكفاءة، ونشر تقنيات الاقتصاد الدائري للكربون الدائري (بما في ذلك استخدام احتجاز الكربون وتخزينه)، وجعل المملكة البلد الرائد في إنتاج الهيدروجين النظيف على مستوى العالم.

كما رحّب الخبراء بخريطة الطريق التي وضعتها السلطات السعودية للوصول إلى سيناريو صافي الانبعاثات الصفرية، حيث يُظهر تحليل الخبراء قدرة الحكومة على تحقيق مستهدفاتها (التي قامت بتعديلها في عام 2021) بأقل قدر من خسائر الناتج المحلي الإجمالي.

وتيرة سريعة نحو الطاقة النظيفة

وفي وقت ليس ببعيد، برزت السعودية في قطاع الهيدروجين بقوة وتسارعت خطاها. ففي بداية مايو (أيار) الماضي، أرسلت أول شحنة أمونيا سعودية منخفضة الكربون إلى الهند، ويتم إنتاج الأمونيا من الهيدروجين، إذ أعلنت «سابك للمغذيات الزراعية»، عن إرسال أول شحنة تجارية من الأمونيا منخفضة الكربون إلى شركة المزارعين الهندية التعاونية المحدودة للأسمدة (آي إف إف سي أو).

ومن خلال هذه الشحنة البالغ حجمها 5 آلاف طن متري، التي تم شحنها من الجبيل (شرق السعودية)، تصبح شركة «سابك للمغذيات الزراعية» أول شركة تُدخل الأمونيا منخفضة الكربون إلى قطاع الأسمدة الهندي. وتكون بذلك شركة «آي إف إف سي أو»، التي تسلمت الشحنة، أول شركة هندية تستخدم الأمونيا منخفضة الكربون لإنتاج الأسمدة، بما يتماشى مع رؤية الهند الرامية إلى تحقيق صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2070.

وكانت «سابك للمغذيات الزراعية» قد تعاونت في عام 2020 مع شركة «أرامكو» السعودية ومعهد اقتصادات الطاقة باليابان (IEEJ) لإرسال شحنة من الأمونيا منخفضة الكربون إلى اليابان.

وفي عام 2022، حصلت «سابك للمغذيات الزراعية» و«أرامكو السعودية» على أول شهادة مستقلة في العالم لإنتاج الأمونيا منخفضة الكربون وإنتاج الهيدروجين النظيف من وكالة «تي يو في رينلاند»، وهي وكالة مستقلة رائدة في خدمات اختبار الأنظمة والفحص وإصدار الشهادات، تتخذ من ألمانيا مقراً لها.

وتعاونت «سابك للمغذيات الزراعية» و«أرامكو السعودية»، كذلك، لإرسال أول شحنة تجارية في العالم من الأمونيا منخفضة الكربون، الحاصلة على اعتماد مستقل، بحجم 25 ألف طن متري، إلى كوريا الجنوبية في ديسمبر (كانون الأول) 2022.

في 11 مايو الماضي، وقَّع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، مع ميكي أدريانسينس، وزيرة الشؤون الاقتصادية وسياسات المناخ الهولندية، مذكرة تفاهم بين البلدين في مجال الطاقة، بهدف الاستفادة من الطاقة النظيفة التي تصدرها المملكة وبخاصة الهيدروجين الأخضر.

وفي 16 منه، اختارت شركة «بي إم دبليو» الألمانية، السعودية مقراً لها لإطلاق تجربة السيارات الهيدروجينية في الشرق الأوسط، من نوع «آي إكس 5 هيدروجين»، بوصف المملكة منطقة استراتيجية لإنتاج الطاقة المتجددة وتلعب دوراً محورياً في هذا المجال.

وقال يورغن غولدنر، المدير العام لبرنامج الهيدروجين في «بي إم دبليو» الألمانية لـ«الشرق الأوسط» وقتها، إن اختيار السعودية يأتي بوصفها واحدة من المناطق الأساسية لعرض هذه المركبات، وكونها منطقة استراتيجية للطاقة المتجددة وتمتلك فرصاً فريدة لإنتاج هذه الأنواع من مصادر الشمس، وتتوفر فيها إمكانات كبيرة ونشاط ملحوظ في هذا الاتجاه.

وسبق إعلان الشركة الألمانية، تأكيد السعودية أن هولندا وألمانيا ستكونان محطتين رئيسيتين لصادرات الهيدروجين الأخضر من المملكة إلى أوروبا خلال الأعوام المقبلة.

وفي 5 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن بنك «ستاندرد تشارترد» إصدار أول «ضمان أخضر» في المملكة العربية السعودية لشركة «لارسن آند توبرو» (L&T)، الرائدة عالمياً في مشاريع الهندسة والتوريد والبناء.

ويتم إصدار الضمان الأخضر لتطوير مشروع الهيدروجين الأخضر في «نيوم»، حيث ستعمل «لارسن آند توبرو السعودية» على التصميم والتوريد المحلي والبناء والتشغيل للحزم الكهربائية المتجددة والشبكات، في حين ستتولى «لارسن آند توبرو م م ح» عمليات التوريد الدولي. وهما شركتان تابعتان لمجموعة «لارسن آند توبرو».

وفي 11 يونيو، أعلنت «نيوم» بناء 3 محطات داخل أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في العالم، وهو ما يُظهر الوتيرة التي تعمل بها المملكة في قطاع الهيدروجين.

جذبت هذه التحركات أنظار بريطانيا، وقالت نائبة السفير البريطاني في الرياض، آنا والترز، في 2 يوليو (تموز)، إن المملكتين تستكشفان شراكات جديدة في مجالات الهيدروجين واحتجاز الكربون وتخزينه والتقنيات النظيفة، في وقت تستثمر فيه أكثر من 6 آلاف شركة بريطانية في السوق السعودية.

يُذكر أنه من شأن مشروع الهيدروجين الأخضر في مدينة «نيوم»، أن يحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدّل ثلاثة ملايين طن سنوياً، أو ما يقارب ما تنتجه 700 ألف سيارة من الملوثات.

في 19 يوليو، تفقد الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الطاقة السعودي، أول ناقل للهيدروجين المسال في العالم، على السفينة اليابانية «Suiso Frontier»، وذلك خلال زيارته ميناء جدة الإسلامي.

وفي 20 يوليو، وقّع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة «جيرا» اليابانية، بهدف استكشاف فرص التعاون بين الطرفين لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بهدف تعزيز أوجه التعاون مع شركة «جيرا»، واستكشاف فرص التطوير لمشاريع الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

وكان صندوق الاستثمارات العامة قد وقّع قبلها على مذكرة تفاهم مع شركة «إنجي» أيضاً لتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في المملكة.

وفي 20 أغسطس (آب) الماضي، أعلنت شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» في السعودية إتمام مرحلة الإغلاق المالي لمشروع إنشاء أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العالم باستثمار إجمالي قدره 8.4 مليار دولار، وذلك بعد توقيعها مستندات مالية مع 23 مصرفاً وشركة استثمار محلية وإقليمية ودولية.

وقالت الشركة إنه يجري بناء المصنع في مدينة «أوكساجون» ضمن منطقة «نيوم» في السعودية، في الوقت الذي أبرمت كذلك اتفاقية تنفيذ أعمال الهندسة والمشتريات والبناء مع شركة «إير برودكتس»، بصفتها شركة المقاولات المسؤولة عن تنفيذ هذه الأعمال وضمان تكامل الأنظمة على مستوى المصنع بشكل عام.

ويبرز مشروع «نيوم» للهيدروجين الأخضر الذي سينتج 600 طن يومياً من الهيدروجين بحلول 2030. وهذا المشروع من الناحية التجارية يختلف تماماً عن غيره من المشروعات حول العالم، لأن إنتاج مصنع هيدروجين نيوم بيع بالكامل لمدة 30 سنة لشركة «إير برودكتس» الأميركية.

في 31 أغسطس، سجل باحث سعودي براءة اختراع عالمية في قطاع إنتاج الهيدروجين النظيف، يسهم في خفض تكلفة الإنتاج بنسبة كبيرة، مما يجعل الإنتاج في السعودية الأعلى كفاءة والأقل تكلفة عالمياً.

سُجلت براءة الاختراع للدكتور المهندس عبد الرحمن عبد العال، الذي يعمل مديراً عاماً تنفيذياً لتطوير الأعمال ورئيس تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر في شركة «أكواباور السعودية»، وخبيراً في الابتكار المفتوح في مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية.

أقل الدول في الانبعاثات لكل منتج

تعد السعودية ثاني أقل الدول في الانبعاثات عالمياً لكل وحدة منتجة في البلاد، مع انخفاض كثافة حرق الغاز، مما يساعدها على تقليل كثافة الكربون في المنبع على الرغم من ارتفاع إنتاج النفط. وفقاً لصندوق النقد الدولي.

وترى داليا سمير، خبيرة الطاقة، في تعليقها لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية تمتلك مقومات وإمكانات كبيرة تؤهلها لتلعب دوراً كبيراً في قطاع الهيدروجين الأخضر، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه العالم من أزمة طاقة بشكل عام ويسعى للتحول للطاقة النظيفة بشكل خاص.

وقالت سمير: «السعودية ستكون مصدراً مهماً للهيدروجين خصوصاً لدول آسيا، القريبة منها جغرافياً، بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية».

وتعتزم السعودية صناعة وإنتاج الهيدروجين الأخضر لتحقيق عدة أهداف، أبرزها تعظيم القاعدة الاقتصادية للبلاد وتقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».

«المبادرة الخضراء»

كانت السعودية قد كشفت في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، خلال فعاليات منتدى «مبادرة السعودية الخضراء» المنعقد في شرم الشيخ تحت إطار مبادرة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس اللجنة العليا للسعودية الخضراء، عن آخر مستجدات وأهداف مبادرة السعودية الخضراء التي أطلقها في عام 2021 بهدف وضع خريطة طريق واضحة للعمل المناخي في المملكة وتمهيد الطريق للوصول للحياد الصفري بحلول عام 2060.

ونجحت المملكة خلال العام الماضي في تسريع جهودها في مجال العمل المناخي، حيث تسعى إلى تحقيق أهداف طموحة بحلول عام 2030 تتمثل في تحويل 30 في المائة من مساحاتها البرية والبحرية إلى محميات طبيعية، وزراعة أكثر من 600 مليون شجرة بزيادة قدرها 150 مليون شجرة على الهدف المرحليّ المعلن عام 2021 لزراعة 450 مليون شجرة بحلول عام 2030.

وتعكف المملكة على تطبيق نموذج الاقتصاد الدائري للكربون بهدف تنفيذ تعهداتها بتقليل الانبعاثات بمقدار 278 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، وتماشياً مع طموحاتها لرفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 50 في المائة بحلول عام 2030.


مقالات ذات صلة

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

خلص استطلاع حديث، إلى أن الأفراد ومسؤولي الأعمال في ألمانيا وتسع دول أوروبية أخرى يرغبون في تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا التقنية الجديدة تتيح قياس كفاءة الخلايا الشمسية بكاميرا عادية (مجلة الفيزياء التطبيقية)

كاميرا عادية تقيس كفاءة ألواح الطاقة النظيفة بدقة

أظهرت دراسة ألمانية إمكانية استخدام كاميرا تجارية متاحة في الأسواق لقياس كفاءة الخلايا الشمسية بدقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

خاص الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تشهد مشاريع الطاقة المتجددة في السعودية نمواً متسارعاً يعكس تنامي الاستثمارات، وتوسع المملكة في تطوير مصادر الطاقة النظيفة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد «مركز الملك عبد الله المالي» بالرياض (الشرق الأوسط)

88 % ارتفاعاً في سعة مشروعات الطاقة المتجددة بالسعودية خلال 2025

ارتفعت سعة مشروعات الطاقة المتجددة المشغّلة في السعودية بنسبة 88 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتبلغ 12.313 ألف ميغاواط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)

«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

«أكوا» تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر» بالطاقة المتجددة ودون اتصال بالشبكة الوطنية لمدة 25 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أسواق السندات العالمية تتأهب لحقبة من الفائدة المرتفعة لفترة أطول

أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني على أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني على أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)
TT

أسواق السندات العالمية تتأهب لحقبة من الفائدة المرتفعة لفترة أطول

أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني على أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني على أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)

تتجه كبرى أسواق السندات السيادية في العالم نحو أسوأ أداء شهري لها منذ سنوات، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة الذي يؤجج التضخم، فيما يدفع ازدهار الذكاء الاصطناعي النمو الاقتصادي إلى مستويات أعلى، ما يدفع المستثمرين إلى الاستعداد لحقبة تظل فيها أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين بنحو 60 نقطة أساس في سبتمبر (أيلول)، لتتجه نحو تسجيل أكبر ارتفاع شهري لها منذ أوائل عام 2026، وفق «رويترز».

كما تتجه تكاليف الاقتراض لأجل عامين في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأستراليا، إلى تسجيل أكبر ارتفاعات شهرية لها منذ مارس (آذار)، عندما اندلعت الحرب مع إيران وأحدثت صدمة جديدة في أسواق الطاقة. وفي اليابان، استقرت عوائد السندات الحكومية قرب أعلى مستوياتها منذ عدة عقود.

وقال كينيث برو، رئيس أبحاث العملات وأسعار الفائدة للشركات لدى «سوسيتيه جنرال»: «هناك إدراك بأن أزمة الطاقة والتضخم لن يختفيا في الأمد القصير للغاية. وأسواق السندات تتكيف مع ذلك».

وبالنسبة لبعض المستثمرين، جعل ارتفاع العوائد السندات الحكومية أكثر جاذبية مجدداً، فيما لا يزال آخرون حذرين تجاه السندات طويلة الأجل بسبب المخاوف من ارتفاع مستويات الدين الحكومي.

ويحمل أكتوبر (تشرين الأول) اختبارات جديدة للأسواق، مع صدور أحدث بيانات الوظائف والتضخم في الولايات المتحدة، ومفاوضات الموازنة الفرنسية، وموازنة بريطانيا، إلى جانب توقعات بزيادة إصدارات السندات من شركات التكنولوجيا.

أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول

تكتسب أسواق السندات السيادية أهمية كبيرة لأنها تؤثر في تكلفة القروض للشركات والمستهلكين، بما في ذلك الرهون العقارية. وإذا ارتفعت تكاليف الاقتراض فيها بوتيرة سريعة للغاية، فقد يهدد ذلك الاستقرار المالي والاقتصادي، ما يجعلها محل متابعة وثيقة من الحكومات والبنوك المركزية.

وبالمقارنة مع عام 2022، الذي سجل أسوأ أداء للسندات على الإطلاق، فإن ما يثير قلق الأسواق هذه المرة لا يقتصر على سرعة ارتفاع العوائد؛ بل يشمل أيضاً المستويات المرتفعة والمتزايدة لأسعار الفائدة العالمية.

وأظهرت بيانات صدرت الأسبوع الماضي، ارتفاع سعر الفائدة على أكثر قروض الإسكان الأميركية شيوعاً، إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عامين.

كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5 في المائة للمرة الأولى منذ عام 2007، وهي تتجه لتسجيل أكبر ارتفاع شهري منذ 2022، بزيادة تقارب 50 نقطة أساس.

وقفز مؤشر «آيس بنك أوف أميركا موف»، الذي يقيس تقلبات سوق السندات، بنحو 30 في المائة خلال سبتمبر، في أكبر زيادة له منذ مارس. وقد فاجأت هذه التقلبات، التي يُتوقع استمرارها، بعض المستثمرين، بينما يرى آخرون فيها فرصة.

وقال فلوريان إيلبو، رئيس الاقتصاد الكلي ومدير محفظة الأصول المتعددة لدى «لومبارد أودييه إنفستمنت مانجرز»، إنه أصبح أكثر تفاؤلاً تجاه السندات الحكومية، مدفوعاً بارتفاع العوائد.

ويتوقع إيلبو أن تظل تكاليف الاقتراض الحكومي مرتفعة لبعض الوقت، في ظل منافسة إصدارات السندات من شركات التكنولوجيا الكبرى على السيولة اللازمة لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية «إل سي إي جي» أن قيمة إصدارات السندات من شركات الحوسبة السحابية العملاقة، المعروفة باسم «هايبرسكيلرز»، زادت بأكثر من الضعف هذا العام لتتجاوز 200 مليار دولار.

ويقول القائمون على صفقات التمويل إنهم قادرون أيضاً على تحمل تكاليف تمويل هي الأعلى منذ الأزمة المالية العالمية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «واربورغ بينكوس»، جيفري بيرلمان، خلال مؤتمر في سنغافورة الثلاثاء: «إن 5 في المائة ليست مرتفعة جداً وفقاً للمعايير التاريخية. ويمكن تنفيذ الصفقات عند عائد 5 في المائة لسندات لأجل 10 سنوات».

تحديات تلوح في الأفق

في أوروبا، من المرجح أن تبقي مفاوضات الموازنة الفرنسية وأول موازنة لوزير المالية البريطاني الجديد جون هيلي، على المشكلات المالية في الاقتصادات الكبرى تحت المجهر.

وزادت التوترات السياسية في فرنسا من حدة التحركات اللافتة في سوق السندات؛ فقد ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات بأكثر من 50 نقطة أساس هذا الشهر، في أكبر تحرك شهري منذ 2022، ما دفع الفارق بينه وبين عائد السندات الألمانية إلى أوسع مستوى له منذ 2012.

وقال أندريه شتشيبانياك، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «نومورا»: «لدينا الآن مخاطر خاصة بفرنسا، ويتساءل المستثمرون: أين الموازنة؟ وهل ستكون هناك موازنة أصلاً؟ وماذا سيحدث؟ كما أن (المرشح الرئاسي اليساري المتشدد جان لوك) ميلانشون يكتسب شعبية الآن في استطلاعات الرأي».

وفي الولايات المتحدة، ورغم أن رفع أسعار الفائدة في سبتمبر عزز مصداقية مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم، فإن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات والخطوات المقبلة لوزارة الخزانة، التي اتخذت بعض الإجراءات للحد من تكاليف الاقتراض، كانت موضع تركيز.

وقال أرون ساي، كبير استراتيجيي الأصول المتعددة لدى «بيكتت لإدارة الأصول»: «يأتي عدم اليقين بشأن السياسة إلينا من مصدرين؛ مجلس الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة، وأنا أشعر بقلق بالغ إزاء مزيج السياسات الأميركية».


«وكالة الطاقة» تلوّح ببحث الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات النفطية

مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)
مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)
TT

«وكالة الطاقة» تلوّح ببحث الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات النفطية

مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)
مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)

قالت وكالة الطاقة الدولية، الثلاثاء، إن الدول الأعضاء قد تبحث في المستقبل إمكانية الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في الأسواق، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، في ظل استمرار مراقبة تطورات أسواق الطاقة.

وقال المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، للصحافيين في دبلن، قبيل اجتماع لوزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي: «نحن نتابع الأسواق من كثب، خصوصاً أسواق المنتجات النفطية، مثل الديزل وغيره»، مضيفاً أنه «إذا كانت هناك حاجة فسوف نناقش بالطبع مع حكومات الدول الأعضاء اتخاذ الخطوات اللازمة».

وامتنع بيرول عن التعليق على مقترحات لمح إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وآخرون بشأن الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات الاستراتيجية بهدف خفض أسعار النفط.


توقف موجة بيع سندات اليورو مع تراجع العوائد عن أعلى مستوياتها

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

توقف موجة بيع سندات اليورو مع تراجع العوائد عن أعلى مستوياتها

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

توقفت موجة بيع سندات منطقة اليورو يوم الثلاثاء، مع تراجع العوائد عن أعلى مستوياتها في سنوات، لكنها ظلّت قرب مستويات مرتفعة، وسط توقعات بأن يؤدي النمو القوي وارتفاع تكاليف الطاقة إلى دفع أسعار الفائدة العالمية إلى مزيد من الارتفاع.

وتراجع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار القياسي لمنطقة اليورو، بمقدار نقطتَي أساس إلى 3.625 في المائة، بعدما صعد يوم الاثنين إلى 3.6526 في المائة، وهو أعلى مستوى له في 17 عاماً. وتتحرك عوائد السندات في الاتجاه المعاكس لأسعارها، وفق «رويترز».

وسجل العائد القياسي في منطقة اليورو أول انخفاض له في ست جلسات، في وقت لا تزال فيه أسعار النفط والغاز تمثّل المحرك الرئيسي لسوق السندات، وسط مخاوف من أن يؤدي التضخم الناجم عن ارتفاع تكاليف الطاقة إلى دفع البنك المركزي الأوروبي لمواصلة رفع أسعار الفائدة.

وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، إن البنك يرى أن تبني استجابة مدروسة ومحسوبة هو الخيار الأنسب للسيطرة على التضخم. وأضافت أن التطورات في سوق السندات، ولا سيما ارتفاع العوائد طويلة الأجل، قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

وقال الخبير الاقتصادي في بنك «دانسكي»، أولافي كاسكيساري: «نقدّر أن هذا يعني زيادة أو زيادتَين إضافيتَين في أسعار الفائدة من هذه المرحلة».

وأضاف: «يعني ذلك أيضاً أن البنك المركزي الأوروبي ليس في عجلة من أمره لرفع أسعار الفائدة مجدداً، ما يقلّل احتمالية حدوث الزيادة التالية في أكتوبر (تشرين الأول)».

وتسعّر أسواق المال حالياً أربع زيادات إضافية في أسعار الفائدة، بواقع ربع نقطة مئوية لكل زيادة، علاوة على الزيادتَين اللتَين تم إقرارهما خلال فصل الصيف.

كما تراجع عائد السندات الألمانية لأجل عامَين، الأكثر حساسية للتغيرات في توقعات أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي، بنحو نقطتَي أساس إلى 3.281 في المائة، بعدما سجل أعلى مستوى له في ثلاث سنوات خلال اليوم السابق.