سعيد سرحان: أرفض أدواراً يقدّمها جميع الممثلين

يتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن صناعته فرصاً من «اللافرص»

الممثل اللبناني سعيد سرحان يُفعّل أدوات الكتابة في صناعة شخصياته (حسابه الشخصي)
الممثل اللبناني سعيد سرحان يُفعّل أدوات الكتابة في صناعة شخصياته (حسابه الشخصي)
TT

سعيد سرحان: أرفض أدواراً يقدّمها جميع الممثلين

الممثل اللبناني سعيد سرحان يُفعّل أدوات الكتابة في صناعة شخصياته (حسابه الشخصي)
الممثل اللبناني سعيد سرحان يُفعّل أدوات الكتابة في صناعة شخصياته (حسابه الشخصي)

يجمع مسلسل «الغريب» (شاهد)، سعيد سرحان للمرة الثانية مع بسام كوسا في البطولة وصوفي بطرس في الإخراج، بعد اللقاء في فيلم «محبس». بطرس الآتية من إخراج الفيديو كليب، تقدّم أولى تجاربها الدرامية. يصفها سرحان بـ«الصديقة»، وينوّه بجوّ التفاهم في العمل. يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن دوره في المسلسل، بشخصية «خليل» حمّال الأوجه، غير المستقرّ على حال.

سعيد سرحان يبحث عن أدوار خارج المألوف (حسابه الشخصي)

يُرجئ الموافقة على دور حتى التأكد من ليونة الكاتب والمخرج لجهة إضافة لمسته على أبعاده. يسمّي الإضافة «باك ستوري»، وهي البُعد الثاني أو الثالث للشخصية. شيء أقرب إلى «إعادة الكتابة مع احترام الخطوط»، فيُجنّب الدور التسطيح والطبقة الواحدة. يتحدّث عن «خليل»: «أحد قبضايات حيّ شعبي، نفوذه ممتدّ ممَن يستثمرون في أشخاص من صنفه لاعتبارات عدّة. أضفتُ إليه خلفية تُبرر نزوعه إلى العنف. يهرع للمساعدة، لكنه سريع الغضب. تتشابك الأحداث، فيكون ملجأ شخصية بسام كوسا، تزامناً مع قصة حب تضبط إيقاعه. تظهر الشخصية بأكثر من منحى».

بالنسبة إليه، وَصْل «خليل» بماضيه، يمنحه حقيقة أخرى: «لذا نراه بكامل رقّته مع والدته، على عكس حالاته المتناقضة في غير وضعية». يحلو له الإجابة عن سؤال يتعلّق باللمسة: «أستبعد شخصيات لا تُشعرني بجديد أقدّمه. بكثير من التواضع أقول، أرفض أدواراً يؤدّيها جميع الممثلين. أملك أدوات كتابة، فأسعى إلى ربط الدور بخلفية تُبرر منطقه. الشرّ ليس مجانياً، ولا الغضب. ثمة ما يحرّكنا جميعاً، علينا التوقف عنده».

بسام كوسا وسعيد سرحان... لقاء يتجدد للمرة الثانية (صور سرحان)

تدخُّله في الكتابة، لا يعني تجاوزه الكاتب لفرض رؤيته. يوضح: «آخذ المَشاهد كما هي، وقد أضيف جملاً تحمل قوة التأثير. أريد الجمهور أن يقول (آه، مهلاً! لهذه الشخصية قصة علينا انتظارها). أبحث عن أدوار من لحم ودم، يتأكد مَن يشاهدها أنها حقيقية. في شخصية (رضوان) مثلاً، بمسلسل (وأخيراً) الرمضاني، تعمّدتُ تفعيل الغموض والتلاعب ببحّة الصوت. أحمِّل شخصياتي علاقتي بأدوات الكتابة، فأنقلها من بُعد إلى آخر».

تثق شركة «الصبّاح أخوان» بفنان له مكانته فيها، بالأدوار وداخل ورش الكتابة. لا يخفي سعيد سرحان خيبة السعي الذي لا يثمر المرجوّ منه. هو حين يقول، «حتى وإن أُسندت إليّ شخصية من 30 صفحة، فسأحمّلها بُعداً يرفع قيمة العمل»، فلأنه يقدّر حجم ما يملك. مع ذلك، تُطعّم غصّة الحديث بوَقْع المرارة. فسرحان لم يُعطَ بعد دور بطولة مطلقة. ورغم قدرته على خلق ندّ للبطل يُفعّل المنافسة ويُشعل الحماسة، يظلّ ثانياً في المراتب. يتفادى الملامة من منطلق أنه يتفهّم ضرورات التسويق وبورصة الأسماء القادرة على تعجيل بيع مسلسل. رغم الأمر الواقع، لن يكفّ عن محاولة إحداث الفارق، حتى يتبوأ المكانة المُنتَظرة ويبلغ الوصول إلى حيث يستحق.

سعيد سرحان ينقّب في طبقات الشخصية فينقذها من السطحية (حسابه الشخصي)

امتلاك الأدوات، برأيه، «موهبة فطرية لا تُدرَّس». ممثلون يبرعون في تلبُّس الشخصية، إنما ينقصهم حسّ اللمسة. لولاها، لما ظهر «رضوان» كما شاهدناه في رمضان الفائت، غريب الأطوار، مُبطّناً، يتكئ على خفايا وأسئلة. لذا يقول بثقة: «أستطيع النهوض بممثل ضعيف، كما يستطيع ممثل قوي أن يرفعني. هكذا يولد إيقاع المشهد. الكيمياء بين الأبطال تُجمِّل العمل».

ولكن، هل يدقّق في الأسماء المُشارِكة؟ إلى أي حد يعنيه مَن هو الندّ، أو البطل المضاد، أو البطل الذي سيكون يده اليمنى، كما لتيم حسن في «الهيبة»؟ وإن تمهّلنا أمام «الغريب»، أي حلاوة يضيفها بسام كوسا إلى اللعبة؟ يبدأ من هنا: «هو الأهم بالنسبة إليّ، بين أبناء جيله والأجيال الأخرى. يتلوّن بذهول. يملك قدرة ابتكار أنفاس الشخصية. هذا الممثل هو قدوتي في كيفية البناء والتركيب. لكنني لا أتعقّب الأسماء في المسلسلات. أعلم أنّ اعتبارات إنتاجية تتدخّل غالباً في اختيارها، لذلك أقدّم الدور من منطلقي وما سأضيفه إلى السياق».

رغم تسميته المنتج صادق الصبّاح «الأب الروحي»، وإشارته إلى تفهّم قواعد السوق، يعلن سعيد سرحان أنّ الظلم يلحق به: «لم أُعطَ فرصة لقيادة عمل، إلا أنني في كل دور كنتُ رأس حربة، فشققتُ أفقاً نحو أبعاد أخرى. أثبتُ الفرصة باللافرص. لم أسلّم لشخصية من خط واحد، تُنفّر المُشاهد لخوائها. أُدخلها في قالب يسبق سَكْبها».

يكترث للشكل ويتعمّد أن يُقال: «هذا (صولد) في (باب الجحيم) وليس سعيداً! هذا (علي) في (الهيبة) وليس سعيداً...». ومع بدء عرض (الغريب)، يصبح «خليلاً»، متنازلاً عن سعيد كامل التنازل. فمظهر الشخصية مُستمدّ من بيئتها، يُحدّده بعد دراسة: «لكل شخص هوية منطلقها غالباً خلفيته الاجتماعية. أهتم بالإكسسوار والصوت ولغة الجسد، وأيضاً بكل جرح علَّم أو حتى وشم. للندوب والوشوم حكايات».

«حرّكنا الشغف، ولم نفكر بالشهرة. اليوم، الشهرة هدف أول. وهي متاحة وسريعة، لكنّ صنّاعها فارغون من الإرث، لا يشكّلون قدوة. أحلامنا كابوس في هذا البلد، وكل ما نفعله هو محاولة إيجاد ضوء في الظلمة المتمادية».  

الممثل اللبناني سعيد سرحان

لا يخشى ما ترتّبه جماهيرية شخصية ووسْع مداها، على الخطوة المقبلة وشعبيتها المُحتَملة. برأيه، الممثل الحقيقي هو الجاهز للتجديد وإثبات الإمكانات بأي قالب وُضع. يؤلمه أنّ المواهب في لبنان لا تلقى مَن يتبنّاها: «لو أنني في بلد آخر، لحققتُ المزيد المزيد!». يتحدّث عن غياب النقابات، والحاجة إلى العيش، هو الذي ابتلعت المصارف ودائعه، فتحوّل من منتج سينمائي إلى ممثل يطارد الدور الجيّد ويصارع لنيل ما تستحقه الموهبة، قبل الشهرة.

تخلّى عن هندسة الميكانيك وأذعن لنداء الشغف. كان في السادسة حين تقدّم جاراه، آنذاك، الممثلان فادي أبي سمرا ومحمد عقيل، لإجراء امتحان دخول إلى الجامعة. تشارُك المبنى جعله يكثّف زياراته لرؤيتهما يتمرّنان ويتحدّثان عن المسرح. ولا ينسى يوم اصطحباه لمشاهدة عرض إيمائي لفائق حميصي، أستاذه لاحقاً. يتذكّر، ليقول: «حرّكنا الشغف، ولم نفكر بالشهرة. اليوم، الشهرة هدف أول. وهي متاحة وسريعة، لكنّ صنّاعها فارغون من الإرث، لا يشكّلون قدوة. أحلامنا كابوس في هذا البلد، وكل ما نفعله هو محاولة إيجاد ضوء في الظلمة المتمادية».  


مقالات ذات صلة

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

يوميات الشرق محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
كريم محمود عبد العزيز في شخصية «المتر سمير» (إم بي سي مصر)

«المحامين» المصرية تصطدم مجدداً بالدراما بسبب «المتر سمير»

اتهمت نقابة المحامين المصرية مسلسل «المتر سمير» بالإساءة لمهنة المحاماة وأقامت دعوى قضائية لوقف عرض المسلسل الرمضاني والمطالبة بتعويض.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ليلى طاهر في لقطة من مسلسل «عائلة الأستاذ شلش» (يوتيوب)

الفنانة ليلى طاهر للواجهة بعد غياب 12 عاماً عن الظهور الفني

عادت الفنانة المصرية ليلى طاهر للواجهة بعد غياب 12 عاماً عن الظهور الفني، وتصدر اسمها مؤشرات البحث على موقع «غوغل».

داليا ماهر (القاهرة )
شمال افريقيا أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

وسط حالة من الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، يُعرض مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضها «الجيش الوطني» ضد الجماعات المتشددة في بنغازي ودرنة.

علاء حموده (القاهرة)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».