كيف تبدو كيانات منطقة جنوب آسيا بعد أكثر من 7 عقود على الاستقلال؟

بدايات واعدة... ونتائج متفاوتة

لقاء إعداد اللمسات الأخيرة لتقسيم الهند عام 1947 في نيودلهي: يبدو (من الشمال إلى اليمين) الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والحاكم العام البريطاني اللورد لويس ماونتباتن وأول رؤساء باكستان محمد علي جنّه (غيتي)
لقاء إعداد اللمسات الأخيرة لتقسيم الهند عام 1947 في نيودلهي: يبدو (من الشمال إلى اليمين) الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والحاكم العام البريطاني اللورد لويس ماونتباتن وأول رؤساء باكستان محمد علي جنّه (غيتي)
TT

كيف تبدو كيانات منطقة جنوب آسيا بعد أكثر من 7 عقود على الاستقلال؟

لقاء إعداد اللمسات الأخيرة لتقسيم الهند عام 1947 في نيودلهي: يبدو (من الشمال إلى اليمين) الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والحاكم العام البريطاني اللورد لويس ماونتباتن وأول رؤساء باكستان محمد علي جنّه (غيتي)
لقاء إعداد اللمسات الأخيرة لتقسيم الهند عام 1947 في نيودلهي: يبدو (من الشمال إلى اليمين) الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والحاكم العام البريطاني اللورد لويس ماونتباتن وأول رؤساء باكستان محمد علي جنّه (غيتي)

لقاء إعداد اللمسات الأخيرة لتقسيم الهند عام 1947 في نيودلهي: يبدو (من الشمال إلى اليمين) الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والحاكم العام البريطاني اللورد لويس ماونتباتن وأول رؤساء باكستان محمد علي جنّه (غيتي)

احتفلت الهند وباكستان يومي 14 و15 أغسطس (آب) المنقضي، على التوالي، بالذكرى السادسة والسبعين لاستقلالهما عن بريطانيا، إذ بدأت رحلة البلدين في طريق الاستقلال عام 1947. وجدير بالذكر أن جُل منطقة جنوب آسيا عاش في ظل الاستعمار البريطاني لنحو 200 سنة، ولكن في غضون 6 أشهر بين أغسطس (آب) 1947 وفبراير (شباط) 1948، كانت أربع من دول جنوب آسيا قد نالت استقلالها بالفعل عن بريطانيا. أيضاً ما يستحق الإشارة أنه عندما انسحب البريطانيون من شبه القارة الهندية لم يتركوا خلفهم دولة واحدة، بل دولتين شابتين؛ الأولى هي باكستان التي كانت تتشكل من جزأين الغرب والشرق لمسلمي شبه القارة الهندية، ودولة أكبر ذات غالبية هندوسية هي الهند التي اختارت في حينه أن تكون ديمقراطية علمانية.

غير أن عام 1971 شهد انفصال شرق باكستان وولادة بنغلاديش فيه، أما الدولتان الأخريان اللتان حصلتا على الاستقلال فهما ميانمار (بورما) في يناير (كانون الثاني) 1948، وسريلانكا (سيلان) في فبراير من العام نفسه. وفي خضم عملية التقسيم الدموية للهند، ذكر المؤرخ ويليام دالريمبل أن أكثر من 15 مليون شخص شُرّدوا، وقُتل أكثر من مليون آخرين في أعمال عنف طائفية مميتة.مع أكثر من 75 سنة في ظل وجودها المستقل، شهدت الهند وباكستان وبنغلاديش وميانمار وسريلانكا من موجات الصعود والهبوط، وكان أداؤها متبايناً على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تطوّرت هذه الدول بطرق مختلفة، على أثر بنائها هويات متمايزة. وكمثال، في حين ازدهرت الديمقراطية العلمانية في الهند لفترة طويلة، يحكمها، اليوم، التيار القومي الهندوسي عبر صناديق الاقتراع، بينما تناوب على باكستان أنظمة مدنية وعسكرية منذ الاستقلال، وعاشت تحت الحكم العسكري لمدة 33 سنة. من جهتها، حكم ميانمار مجلس عسكري منذ 51 سنة، مع فترة قصيرة من الديمقراطية الخاضعة لقيود. وأما سريلانكا فظلّت خاضعة إلى حد كبير لحكم قادة مدنيين منتخَبين، وكان لها نصيبها من الانقلابات العسكرية عام 1966، إلا أن المحاولة باءت بالفشل. ومع ذلك يلعب الجيش - الذي يهيمن عليه البوذيون - دوماً دوراً مهماً في الساحة السياسية بالبلاد. وهنا نشير إلى قول المؤرخة الباكستانية عائشة جلال «اللحظة الحاسمة التي لا تشكل بداية ولا نهاية، وهي لحظة التقسيم، لا تزال تؤثر على الكيفية التي تنظر بها شعوب ودول جنوب آسيا في مرحلة ما بعد الاستعمار، إلى ماضيها وحاضرها ومستقبلها».

الهند... الماضي والحاضر

إنديرا غاندي (غيتي)

عند الاستقلال، بلغ عدد سكان الهند 340 مليون نسمة، وكان معدل معرفة القراءة والكتابة ضئيلاً على نحو مثير للقلق، وقُدّر بـ12 في المائة. لكن خلال العقود السبعة الماضية، ارتفع عدد السكان إلى ما يقرب من 1.4 مليار نسمة، وكذلك ارتفع معدل معرفة القراءة والكتابة إلى 77 في المائة. وبعدما كان الناتج المحلي الإجمالي، عام 1947، 30 مليار دولار فقط، فإنه يبلغ، اليوم، 3.76 تريليون دولار، وتمثل الهند، اليوم، خامس أكبر اقتصاد في العالم.

أيضاً في خانة الإيجابيات، كان متوسط العمر المتوقع في الهند 30 سنة، عندما رحل البريطانيون، لكنه الآن 70 سنة، وكانت أمراض الفقر وسوء التغذية متفشية. وعاش 80 في المائة من السكان في براثن الفقر. أما النمو التكنولوجي والصناعي فكان معدوماً، ما دفع كثرة من المؤرخين لتوقع أن الهند لن تبقى على قيد الحياة. ومع ذلك كانت الأسس الديمقراطية في الهند مستقرة منذ العام الأول. وبحلول نهاية الخمسينيات، خضعت الهند لحكم رئيس وزراء واحد هو جواهر لال نهرو. وفي يناير 1950، أصبحت الهند جمهورية، وأصبح الدستور دين الدولة الذي يوفر المساواة للجميع.

وتبعاً للكاتب الصحافي سليل تريباثي، فإن «أحد الإنجازات الكبرى التي حققتها الهند، والتي فاجأت العالم، أنها ظلت منذ استقلالها من عام 1947 إلى عام 2023، دولة ديمقراطية تتمسك بروحها الليبرالية العلمانية». كذلك ظلت دولة موحّدة، على الرغم من تنوعها الكبير، إذ تضم 22 لغة وطنية، ومناطق وديانات وأعراقاً متعددة، بخلاف بلدان أخرى كالاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وإثيوبيا وباكستان.

وعند إمعان النظر في تاريخ الهند، يبدو أن الستينات والثمانينات من القرن الماضي كانا أصعب عقدين في تاريخ البلاد، وذلك مع اشتعال ثلاث حروب، خسرت الهند إحداها أمام الصين عام 1962، وانتصرت في أخريين عامي 1965 و1971 أمام باكستان. غير أن الحروب جلبت الجفاف، وأجبرت الهند على طلب مساعدات غذائية من الولايات المتحدة. ومن ثم، بعدما تعلمت الدرس، انطلقت على الفور في «الثورة الخضراء»، التي بموجبها تحوّلت الزراعة في الهند إلى نظام صناعي حديث، وأصبحت البلاد مكتفية ذاتياً في إنتاج الغذاء. وأعقب ذلك «الثورة البيضاء» التي شهدت اعتماد الأساليب الحديثة والعلمية لتعزيز إنتاج الحليب. واليوم، تحتل الهند المرتبة الثانية بين أكبر منتجي الحبوب الغذائية، وهي أكبر منتج للحليب عالمياً.

أيضاً، بفضل الحكومات المستقرة على مر السنين، والتركيز على النمو الاقتصادي، تخلّصت الهند من ثقل ماضيها الاستعماري لتبرز بصفتها قوة عظمى على الساحة العالمية. وجاء التقدم الدراماتيكي مع التغييرات التاريخية في التسعينات التي أطاحت بعقود من السيطرة الاشتراكية على الاقتصاد، وحفّزت نمواً لافتاً. وبالفعل، نجح الملايين من الانتقال من الفقر إلى طبقة متوسطة متنامية وطَموح، مع تنامي القطاعات التي تتطلب مهارات عالية. وتحوّلت البلاد إلى مصدر رئيس لسلع مثل البرمجيات واللقاحات.

مع هذا، ينتقد الصحافي الكبير سي. راجا موهان، تحوّل الهند من كيان يؤمن بالتنوّع إلى كيان يقوم على استبداد الغالبية. ويوضح ذلك بالقول: «لقد غيّرت السنوات التسع من حكم حزب بهاراتيا جاناتا، روح الحكم في الهند... وما تعنيه (فكرة الهند)، اليوم. الروح العلمانية الليبرالية في الهند تتوارى عن الأنظار على نحو متزايد، وبدلاً من أن يكون مجتمعها مجتمعاً تعددياً في كل شيء، ويحتفل بتنوعه، أضحى كياناً يقوم على استبداد الغالبية، يخشى أقلياته ويحرص على إخضاعها. إن حكومة (ناريندرا) مودي تعمل على تحويل الهند إلى دولة هندوسية أكثر حزماً وقومية، وحيث توجد أقليات... ينتظر منها أن تكون خاضعة وممتنة».

أيضاً، لا بد من الإشارة إلى أن الديمقراطية لم تحُل دون العنف السياسي والتوتر الإثني، وحتى الأحكام العرفية (حالة الطوارئ)، إذ دُشّن استقلال الهند باغتيال زعيمها الأبرز المهاتما غاندي (1948)، كذلك اغتيل رئيسا حكومتين هما إنديرا غاندي (1984)، وابنها راجيف غاندي (1991)، الأولى على أثر أزمة تتصل بأقلية السيخ، والثاني بسبب الأقلية التاميلية.

سجل أداء باكستان

عرض عسكري للجيش الباكستاني (أ.ف.ب)

فيما يتعلق بباكستان، كانت السنوات الـ76 الماضية مفعمة بالتحديات والمكافآت والإنجازات واللحظات المثيرة. واليوم، تحتفل البلاد بالذكرى السادسة والسبعين لاستقلالها في بيئة تشوبها توترات سياسية وهشاشة اقتصادية، ذلك أن باكستان تواجه راهناً تحديات متعددة ومترابطة ظلت، على مر عقود، يغذي ويعزز بعضها البعض في دورة متواصلة. ومنذ عام 1947، تناوب على حكم باكستان أنظمة مدنية وعسكرية، ديمقراطية واستبدادية، وعانت من الاغتيالات والانقلابات، ناهيك عن انفصال شرقها ذي الغالبية البنغالية عن غربها ذي الغالبية البنجابية. ثم إنه عندما نالت باكستان استقلالها من الحكم الاستعماري البريطاني، كان عدد السكان 33 مليون نسمة. أما اليوم فيبلغ نحو 225 مليون نسمة، حتى بعد انفصال بنغلاديش.

وربما لا يعرف كثيرون أن باكستان، إبان العقود القليلة الأولى من استقلالها، كانت «النمر الاقتصادي» في آسيا، وكانت متقدمة بفارق كبير عن الهند، ونموذجاً يُحتذى به لعدد من الدول المتقدمة، اليوم. وخلال ستينات القرن الماضي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في باكستان أعلى من نظيره في الهند، إذ تسارعت وتيرة النمو في باكستان إلى نحو 6 في المائة، خلال الفترة بين عام 1961 والسبعينات. وبجانب ذلك، حصلت باكستان على دعم بمليارات الدولارات من المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تبرعات من دول الشرق الأوسط الغنية، إلا أن وتيرة النمو فيها توقفت بعد الانفصال الذي ولَّد دولة بنغلاديش. وراهناً ترزح باكستان تحت وطأة ظروف سياسية دفعتها إلى حافة أسوأ أزمة اقتصادية على الإطلاق، كما أنها استنفدت احتياطياتها من النقد الأجنبي.

من جهة أخرى، لا يزال الجيش يحتل مكانة مهمة في باكستان. وهنا يقول الكاتب الباكستاني أمير جمال: «بعد أكثر من سبعة عقود، السلطة الحقيقية في باكستان لا تقع بأيدي مكتب رئيس الوزراء والبرلمان، بل في أيدي العسكريين والأصوليين الدينيين». ويعرب جمال عن اعتقاده بأن باكستان تمر، اليوم، بواحدة من أسوأ الأزمات السياسية والدستورية والاقتصادية في تاريخها. ويشرح: «عملياً، أصبح البرلمان قليل الأهمية، وانقسمت النخبة السياسية على نفسها، في حين يواجه النظام القضائي انهياراً، وتظل آلاف القضايا معلَّقة في المحاكم. وتشمل التحديات الأخرى الأزمة الهيكلية للاقتصاد، وتآكل القدرة المؤسسية للدولة، واستمرار العجز التعليمي، والنمو السكاني غير المنضبط، والتغييرات المناخية. لا ننسى التحديات الأمنية كذلك في ظل الاضطراب في أفغانستان على الحدود الغربية، والعداء مع الهند؛ الجارة الشرقية للبلاد».

وفي الحصيلة، كتبت الدبلوماسية الباكستانية السابقة مليحة لودهي: «المسألة ليست في افتقار باكستان للإنجازات، بل على العكس، إذ كانت الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك الطاقة النووية بين 57 دولة تمتلك أسلحة نووية، وكان لها دور فعال في تأسيس اللجنة الأولمبية الدولية. إلا أن اللحظة الراهنة تستدعي التأمل والتفكير في المستقبل... فمن ناحية نجت باكستان من كثير من العواصف والأزمات في الماضي، ولم تكن مرونتها موضع شك على الإطلاق، ما مكّنها من التغلب على مشاكلها في ذلك الوقت، إلا أن التحديات الحالية تختلف جوهرياً، إنها النتيجة التراكمية لعقود من سوء الإدارة وإهدار الفرص. وما عاد ممكناً، اليوم، تجاهل هذه المشاكل وتنحيتها جانباً، بل يجب معالجة كل هذه الأمور في وقت واحد، إذا أرادت باكستان المُضي قدماً والشروع في طريق الاستقرارين الاقتصادي والسياسي، والازدهار لشعبها».

سريلانكا... من الازدهار إلى «الدولة الفاشلة»

من مزارع الشاي في سريلانكا

خلافاً لبلدان أخرى في جنوب آسيا، حيث كان الطريق إلى الاستقلال مليئاً بالعنف، جاء استقلال سريلانكا (سيلان سابقاً) عن البريطانيين سلمياً، من دون إراقة دماء في غضون أشهر قليلة بعد ولادة الهند وباكستان الحديثتين في 4 فبراير (شباط) 1948. وظلت البلاد «دومينيوناً» تابعة للإمبراطورية البريطانية حتى عام 1972، وبعد ذلك حصلت على وضع الجمهورية. ثم جعل دستور عام 1978 رئيس الدولة الرئيس التنفيذي الفعلي.

ورثت حكومة البلاد الأولى اقتصاداً مزدهراً، مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة، يعتمد بشكل رئيسي على مزارع الشاي. إلا أن حالة السلام الاجتماعي والسياسي لم تطُل بعد ذلك، عندما واجهت الدولة أول تمرد للتاميل عام 1972 من قِبل جبهة نمور تحرير تاميل إيلام. وهنا يشرح جاياديفا أويانجودا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبو: «لقد أمضت البلاد منذ استقلالها جزءاً كبيراً من تاريخها في حرب مع نفسها، بما في ذلك التمرد الانفصالي للتاميل الذي استمر لعقود وأسفر عن مقتل ما يصل إلى 100.000 شخص، وهذا بجانب موجتي تمرد شيوعيتين مميتتين». ويضيف: «وبحلول عام 2019، انتهت الحرب الأهلية، لكن سريلانكا المستقلة فشلت في لحم المجتمعات العِرقية والدينية المتنوعة لتشكيل دولة تعددية موحدة. والواضح أن الأحزاب السياسية الرئيسية والأُسر الخمس التي أدارت البلاد منذ الاستقلال تتحمل مسؤولية الفشل، علاوة على مسؤوليتها عن انعدام الأمن الاقتصادي والفساد والهدر وسوء الإدارة الذي ساد على نحو متزايد في سريلانكا المستقلة».

وبالفعل، بعد 75 سنة من الاستقلال، لا تزال سريلانكا تعاني حالة صراع دائم وأزمة اقتصادية غير مسبوقة ضربت البلاد بشدة منذ عقود. ولقد أعلنت الحكومة السريلانكية عام 2022 إفلاسها ـ وهذا وضع نادر جداً لأية دولة في العالم - والاقتصاد في حالة يُرثى لها. وتكافح الزراعة الفلاحية والصناعات الصغيرة والمتوسطة من أجل البقاء، بينما أغلق بعضها أبوابها بالفعل. أما قطاع السياحة ففي أدنى مستوياته على الإطلاق. وتعمل الصناعات الكبيرة على خفض عدد الموظفين. وعام 2022، بعد أشهر من الكارثة الاقتصادية، خرج السريلانكيون إلى الشوارع، واحتجّوا على قادة البلاد (آنذاك) بسبب سوء إدارتهم، وأدت التظاهرات التي عمّت البلاد في النهاية إلى الإطاحة بغوتابايا راجاباكسا الذي قدَّم استقالته في المنفى.

ختاماً، رغم تمتع سريلانكا بمؤشرات اجتماعية تُحسَد عليها وقت الاستقلال عام 1948، فهي، اليوم، تُعدّ «دولة فاشلة»، إذ قالت الرئيسة السابقة تشاندريكا باندارانايكه كوماراتونغا، أخيراً، في محاضرة لها: «إن 75 سنة فترة طويلة لتحقق الأمة تقدماً كبيراً. وحتى بعد 450 سنة من التدمير على أيدي الحكام الاستعماريين، كانت سريلانكا عند الاستقلال تمتلك بعض أفضل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية... أما اليوم، بعد 75 سنة، فغدت سريلانكا دولة فاشلة». وفي محاولة لتحديد «الأسباب الجذرية» لهذا الفشل، قالت الرئيسة السابقة (التي خلفت في الزعامة والديها سولومون وسيريمافو باندارانايكه) إنه بينما تعمل البلاد بوصفها اقتصاداً حديثاً وناشئاً مالياً، «صار الفساد المنتشر على كل المستويات إنجيل السياسة السريلانكية... وتسرَّب إلى الركائز الأساسية للحكم الديمقراطي، بما في ذلك القضاء والشرطة والخدمة العامة».

بداية ديمقراطية انتهت لمصلحة الجنرالات

معاناة الروهينغا في ميانمار (غيتي)

حصلت ميانمار، المعروفة سابقاً باسم بورما، على استقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني يوم 4 يناير (كانون الثاني) 1948، بعد معركة طويلة قادها الجنرال أونغ سان، والد أونغ سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل. بدأت البلاد مسيرتها ديمقراطية برلمانية، مثل معظم جيرانها المستقلّين حديثاً في شبه القارة الهندية. لكن مع ذلك، انتهت إلى الديمقراطية التمثيلية عام 1962 عندما استولى الانقلاب العسكري على السلطة وحكموا لمدة 26 سنة.

أوضح شيخار غوبتا، رئيس تحرير صحيفة «برينت»، أن ميانمار عانت، طوال عقود من استقلالها، من الحكم العسكري والحرب الأهلية وسوء الإدارة والفقر على نطاق واسع. كذلك قمع الجيش كل أطياف المعارضة تقريباً، واتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مما أثار إدانات دولية واسعة وعقوبات. والمثير للاهتمام بشأن ميانمار أنها تشبه، إلى حد كبير، باكستان من حيث تاريخها السياسي منذ الحرب العالمية الثانية. فمثل باكستان، شهدت ميانمار فترة من الديمقراطية من عام 1948 إلى عام 1962. وبعدها بدأ الجيش ممارسة الحكم عام 1962، وامتد ذلك حتى عام 2011 عندما أُجريت أول انتخابات نزيهة، وفاز حزب أونغ سان سو تشي بالانتخابات. وأردف غوبتا: «الجيش قبِل نوعاً ما بالديمقراطية بسبب الضغوط العالمية».

في عام 2015، فازت أونغ سان سو تشي بالانتخابات مرة أخرى بغالبية أكبر. ومع ذلك، رغم نتائج الانتخابات والدستور الجديد، فإن ميانمار لم ترْقَ حتى لـ«نصف ديمقراطية». وهنا علّق غوبتا قائلاً إن القوات المسلَّحة مُنحت، بموجب الدستور، موقعاً في السياسة الوطنية. وشمل ذلك ضمان 25 في المائة من مقاعد البرلمان الوطني، البالغ عددها 644 مقعداً. أما الرئيسة أونغ سان سو تشي فقد أبعدت عن منصبها بسبب نص دستوري وضعه الجيش (ربما كان موجهاً خصوصاً إليها؛ كونها متزوجة من الباحث البريطاني ألكسندر أريس) ينص على أن أي شخص يتزوج أجنبياً لا يحق له تولي الرئاسة. وفي فبراير 2021، بعد تعرض الحزب الوكيل للجيش، حزب «اتحاد التضامن والتنمية» لنكسة كبرى، نفّذ الجيش انقلاباً جديداً، واعتقل الرئيسة واتهمها بالفساد وجرائم أخرى، وحُكم عليها بالسجن لأكثر من 30 سنة. كما صدرت قرارات بوضع برلمانيين من حزبها «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» وأحزاب أخرى، وكثير من الناشطين، قيد الإقامة الجبرية.

في هذا الصدد، قال البروفيسور أميت أتشايارا، مؤلف كتاب «الأمة المأساوية بورما - كيف ولماذا فشلت الديمقراطية»، شارحاً: «أحبطت الطريق إلى الديمقراطية والتنمية مراراً وتكراراً من قِبل الجيش المفترس والمجتمع الدولي اللامبالي. وأدى الانقلاب إلى اضطرابات اقتصادية، الأمر الذي محا المكاسب المتواضعة التي تحققت في الحد من الفقر على مدى العقد الماضي. وانكمش الاقتصاد بنحو 20 في المائة عام 2021. واليوم، يواجه الملايين الجوع، كما فرّ عشرات الآلاف إلى أجزاء أخرى من ميانمار أو عبر الحدود. وبسبب الانقلاب، تحولت ميانمار إلى دولة فاشلة». أما الناشط الحقوقي كياو وين الميانماري فقال «إن استقلال ميانمار يشبه جسداً بلا روح». وبعد مرور 75 سنة على استقلال ميانمار، لا تزال الأقليات «تناضل من أجل حرياتها... إنه جسد نتمتع فيه بالحرية اسماً، لكن ليست لدينا أي حريات ذات معنى حقيقي. لقد واجه مسلمو الروهينجيا التطهير العِرقي، ولم يحصلوا حتى على أي من حقوق المواطنة».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.