ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

تمسُّك مناصريه بتأييده رغم الاتهامات الجنائية قد يخدم منافسه الديمقراطي

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
TT

ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)

يستبعد العديد من المحللين ومراقبي المناظرات الرئاسية ونتائجها، أن تؤدي المناظرة الأولى التي أجريت بين المتنافسين الجمهوريين، قبل أيام، إلى تغييرات درامية في حلبة السباق الرئاسي، سواءً لدى الجمهوريين أو عند الديمقراطيين. دونالد ترمب، الذي «قاطع» المناظرة، كان الحاضر الأبرز، رغم محاولات منافسيه الموازنة بين انتقادهم له، ومهاجمة بعضهم البعض، وانتقاد إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن. فالمناظرة بالنسبة لهم وفرت أكبر جمهور لمواكبة السباق حتى الآن، وعدت الفرصة الأولى، ليس فقط للتأثير على الناخبين، بل جعل السباق الرئاسي منافسة حقيقية.

يبدو أن رهان كثيرين على حدوث اختراق في جدار الدعم الذي يحظى به الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لدى قاعدة مناصريه الجمهوريين، قد فشل. وهذا، بينما يواصل ترمب الحفاظ على تقدمه بعيداً من منافسيه في استطلاعات التفضيل لدى الناخبين الجمهوريين، رغم تعرّضه لـ91 تهمة جنائية متنوعة.

هذا الواقع دفع نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق، وأحد المرشحين الجمهوريين السابقين، إلى وصف هذه اللحظة قائلاً: «ترمب كان لا يزال قادراً على تبديد جهود منافسيه، حتى من دون أن يبذل جهداً كبيراً للتنفس».

آن كولتر

ترمب يجهض استفادة خصومه

وبالفعل، سرعان ما وضع ترمب بصمته على «اللحظة»، بعدما ظهر في مقابلة مسجلة على الإنترنت، مع المضيف السابق في محطة «فوكس نيوز» (راعية المناظرة الرئاسية نفسها) تاكر كارلسون، وقام «بتسليم نفسه» أمام الكاميرات لسلطات مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا التي تتهمه بالتدخل في انتخابات الولاية، ما أدى عملياً إلى قطع الطريق على أي استفادة إعلامية محتملة لمنافسيه من المناظرة.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن الاتهامات الجنائية التي تلاحق ترمب، وتبعاتها المتوقعة على السباق، تستحوذان على معظم النقاش الذي يبحث في الاختلافات القائمة بين المرشحين الجمهوريين، يرى آخرون أن القضايا الجوهرية التي تقسم الحزب الجمهوري، وتعكس الانزياح الحاصل في آيديولوجيته منذ أكثر من عقد، هي الغائب الأكبر عن تلك المناقشات.

غير أن التركيز على الاتهامات الجنائية، وسعي منافسي ترمب لبناء حيثية تقنع الناخبين الجمهوريين والأميركيين عموماً بضرورة البحث عن بديل له، لم ينجح في إخفاء انقسام الجمهوريين، الذين هدّد بعض مرشحيهم بخفة واضحة بالحرب الأهلية، بينما الخلاف يدور تقريباً على كل شيء.

هنا يقول العديد من الديمقراطيين، وكذلك بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، من «حراس» القيم الجمهورية، إن الدافع وراء تحذيرات الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما للرئيس جو بايدن - في حال أصر على مواصلة ترشحه بسبب سنه - من «عناصر القوة السياسية» التي يتمتع بها ترمب، يعود إلى نجاح «الخطاب الشعبوي» لترمب في الصمود بوجه كل القضايا المرفوعة ضده. وهذا خطاب يتغذى من جمهور أميركي مأزوم، في مواجهة القضايا الجدية التي تواجه الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء.

خلافات «جمهورية»... على كل شيءالجمهوريون، راهناً، يختلفون فيما بينهم ومع الديمقراطيين، على قضايا عدة منها: الأمن على الحدود، والتضخم، و«تنظيف سياسات» واشنطن من الفساد، والحروب الثقافية، إلى الموقف من الصين، والحرب الأوكرانية. غير أن قضيتين تقسمان الجمهوريين أكثر من أي قضية أخرى هما: الإجهاض ودعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.

كارل روف

حيال القضية الأولى، من نافلة القول إن الديمقراطيين عزّزوا انتصاراتهم الانتخابية منذ إلغاء المحكمة العليا هذا الحق، في حين يناضل الجمهوريون من أجل التوحّد حول موقف مركزي. أما بالنسبة لحرب أوكرانيا، فإنها كشفت عن صدع كبير بين «صقور» السياسة الخارجية والجناح «الانعزالي» المناهض للتدخل.

ومع أن غالبية المرشحين الجمهوريين، باستثناء فيفيك رامسوامي، الذي أعلن بشكل واضح رفضه لمواصلة دعم أوكرانيا - متناغماً مع موقف ترمب - وضبابية موقف حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، يتبنى ترمب في القضيتين موقفاً «مختلطاً» عده البعض سياسة مدروسة للنيل من صدقية «النظام السياسي الأميركي والقيَم الأميركية» التي كانت تعد فريدة من نوعها ونموذجاً يقتدى به.

واليوم مع سعي ترمب للعودة إلى البيت الأبيض، نراه يواصل الترويج لمزاعمه التي لم تثبتها المحاكم عن سرقة انتخابات 2020. ويدافع عن مرتكبي الهجوم العنيف الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، واعداً بأنه سيعفو عنهم باستثناء اثنين قال إنهما «خرجا عن السيطرة». ثم إنه يرفض الالتزام بنتائج انتخابات 2024، كما فعل في عامي 2016 و2020، متهماً الديمقراطيين بفعل الشيء نفسه في مناسبات عدة!

في المقابل، تفاوتت مواقف منافسيه من هذه القضايا خلال المناظرة الأولى، مظهرة كيف يكافح الجمهوريون من أجل الإجابة بوضوح على «الافتراضات الأساسية للديمقراطية».

ورغم إشادة غالبية المرشحين المتناظرين بالدور الدستوري الذي أداه مايك بنس، نائب ترمب، في تثبيت انتخاب بايدن عام 2021، فإنهم أعلنوا باستثناء كريس كريستي وآزا هتشينسون، عن جاهزيتهم لتأييد ترمب إذا ما ظفر بترشيح الحزب، حتى ولو أدين بالجرائم المتّهم بها.

صحيفة «واشنطن بوست»، كانت وجهت، في تحقيق لها، 3 أسئلة لـ15 مرشحاً رئاسياً عمّا إذا كانوا يعترفون بفوز الرئيس جو بايدن بانتخابات 2020؟ وهل سيعترفون بفوز الناجح في انتخابات 2024؟ وهل يفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين بمهاجمة مبنى الكابيتول «رمز الديمقراطية الأميركية»؟

قدم كثيرون منهم ردوداً مشوشة، أو غيّروا مواقفهم أو تهرّبوا من الإجابة عن الأسئلة المباشرة. فقد قال 3 مرشحين جمهوريين إنهم لا يعترفون بفوز بايدن بشكل شرعي في انتخابات 2020، مع أن معظم المرشحين يفعلون ذلك، حتى مع استمرار البعض في تقديم ادعاءات لا أساس لها حول مشاكل التصويت.

هذا ما كرّره، مثلاً، حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، صاحب المركز الثاني في استطلاعات التفضيل، الذي - ورغم تغيير لهجته في مواجهة ترمب، قائلاً إنه خسر «بالطبع» تلك الانتخابات - انتقد أيضاً «إدارة» الانتخابات، بقوله: «لم تجر بالطريقة التي أعتقد أننا نريدها». من جهة أخرى، التزم 9 فقط مسبقاً بقبول نتائج انتخابات 2024، وقال 6 مرشحين جمهوريين إنهم «سيفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين باقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021».

رسالة ترمب؟

هيئة التحرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» - الداعمة لسياسات الحزب الجمهوري - كتبت في مقالة لها: «واضح أن ترمب يعتقد أن ترشيحه قد حسم. وإذا حكمنا من خلال استطلاعات الرأي الحالية، فإن لديه سبباً للاعتقاد بذلك. لكن ما الرسالة التي يرسلها حول الولاء الذي يعتقد أن ناخبي الحزب الجمهوري مدينون له به؟ هذا يعني أن الحزب القديم الكبير سيرشح، للمرة الثالثة، رجلاً اتهم رسمياً أربع مرات في 91 تهمة جناية».

وأضافت المقالة: «كثيراً ما يقول الناخبون الجمهوريون إنهم يحبون ترمب لأنه مقاتل. ولكن من أجل مَن يقاتل؟ أَمِن أجلهم أم من أجل نفسه؟ وإذا كان ناخبو الحزب الجمهوري يريدون تحدّي الديمقراطيين بسبب ملاحقاتهم القضائية «الحزبية»، فإنهم يفعلون بالضبط ما يريده الديمقراطيون ووسائل الإعلام!... (أي) ترشيح الرجل الذي أظهر خلال الانتخابات الوطنية الثلاثة الأخيرة أنه أعظم آلة جذب لناخبي الحزب الديمقراطي منذ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت. وفي حين لا يزال هناك 5 أشهر قبل الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا والانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامبشاير، ربما كان افتراض ترمب خاطئاً».

تقدّم مريح... ولكن

حتى الآن، لا تزال استطلاعات الرأي الوطنية تمنح ترمب تقدّماً مريحاً على منافسيه. غير أن تحديد الترشيحات لا يأتي من تلك الاستطلاعات، بل من خلال المؤتمرات الحزبية والانتخابات التمهيدية في الولايات، حيث تمارس الولايات المبكرة التصويت بسبب قوانينها الخاصة، نفوذاً غير متناسب، وتأثيراً نفسياً ضاغطاً على باقي الولايات.

رغم هذا، يرى الاستراتيجي الجمهوري كارل روف، أن «غالبية الجمهوريين في الولايات المبكرة التصويت لا يؤيدون ترمب». ويشير إلى استطلاع أجري يوم 17 أغسطس (آب) في ولاية أيوا، أظهر أن ترمب هو الخيار الأول من بين 42 في المائة، من المشاركين في التجمع الحزبي للحزب الجمهوري في الولاية. وهو تقدم كبير، لكنه لا يزال أقل بنحو 14 نقطة عن مكانته الوطنية. وأظهر استطلاع آخر في المدة نفسها، أن ترمب حصل على تأييد 33 في المائة، بينما حصل على المستوى الوطني على 57 في المائة. وفي كلا الاستطلاعين لا يعتبر غالبية الجمهوريين في أيوا أن الرئيس السابق هو المفضل لديهم. أما في لاية نيو هامبشير، فحصل ترمب على نسبة 34 في المائة، أي أقل بنحو 22 نقطة من مكانته الوطنية، وأعلن 66 في المائة أنهم مترددون في اختياره. ومع أن معارضي الرئيس السابق ما زالوا ضعفاء يجب أن تثير الفجوة بين مكانته الوطنية وهذه الأرقام المبكرة قلق مديري حملته.

هنا يلفت روف إلى أنه «من المهم أيضاً ملاحظة عدد المستقلين والجمهوريين المنفتحين على فكرة أن ترمب ارتكب جرماً»؛ إذ أظهر استطلاع لوكالة «أسوشييتد برس/ نورك» في 16 أغسطس، أن 45 في المائة من المستقلين يرون أنه فعل شيئاً غير قانوني بالوثائق السرية، و41 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني في جورجيا فيما يتعلق بانتخابات 2020، و33 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني يتعلق بهجوم 6 يناير على الكابيتول.

ولذا، يحذّر روف من أنه «حتى لو كان الناخبون مترددين حقاً، فمن غير المرجح أن تؤدي المحاكمات إلى تحسين رأيهم به. بل من المحتمل أن ينمو عدد المستقلين والجمهوريين المتشككين بينما يمضي ترمب أيامه في المحكمة بدلاً من الحملات الانتخابية، وهذا الأمر يجب أن يقلق أي جمهوري يريد فوز الحزب في انتخابات 2024».

ثم يضيف روف أن الرئيس السابق: «لا يستطيع تحمل خسارة أي ناخب من الحزب الجمهوري أو من المستقلين العام المقبل. وهو رغم حصوله عام 2020 على تأييد 94 في المائة من الجمهوريين و41 في المائة من المستقلين، فإنه تخلف في نهاية المطاف في التصويت الشعبي عن بايدن بفارق أكثر من 7 ملايين صوت. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أنه قد يخسر أكثر من 6 في المائة من الجمهوريين في عام 2024، وسيكون أداؤه أسوأ بكثير مع المستقلين».

وينهي روف قائلاً: «إذا كان هو المرشح، ظل الجمهوريون والمستقلون مشتتين فإنه سيغرق، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي لا يحتاج إلى أن يكون كذلك».

الجمهوريون على المحكمن ناحية أخرى، يرى استراتيجيون جمهوريون أن مواقف ترمب تضع مصير الحزب الجمهوري على المحك. فهو لا يقدم للحزب سوى خيار الانشقاق، في الوقت الذي لا يملك فيه إجابات سياسية وآيديولوجية عن القضايا الخلافية والإشكالية. ومع إحجام كبار المانحين الجمهوريين عن دعمه، يبدو أن الخلاف معه يتجاوز الموقف من الاتهامات الجنائية واحتمال إدانته.

ستيوارت ستيفنز، المستشار السياسي الجمهوري السابق، يقول: «بينما ينظر المانحون الجمهوريون إلى نموذج يحتذى للنجاح الجمهوري كحاكم ولاية كبيرة، كما حصل مع فوز الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الابن والمرشح ميت رومني، الذين قدموا خطاباً سياسياً يعكس قيَم الولايات المتحدة ومصالحها في مواجهة منافسيها الأقوياء، لا يوجد في القائمة الراهنة مثل هؤلاء». ويضيف ستيفنز: «ترمب هو ما يريد الحزب الجمهوري أن يكون عليه. إنه مرشح التظلّم الأبيض في حزب، أكثر من 80 في المائة من أعضائه هم من البيض، واحتضن دور الضحية». ويستطرد: «كريس كريستي وآزا هتشينسون هما البديلان، لكن لا توجد سوق رابحة لرسالة مناهضة لترمب». بالمقابل، يصف ستيفنز المرشح رون ديسانتيس بأنه «رجل صغير غاضب لا يستطيع توضيح سبب رغبته في أن يصبح رئيساً... دخل في معركة مع شركة (السعادة) ديزني وخسر... وأنشأ قوة شرطة خاصة بتكلفة تزيد على مليون دولار لملاحقة تزوير الناخبين في ولايته، التي ادعى بالمناسبة أنها كانت انتخابات مثالية، ليسفر ذلك عن اعتقال 20 شخصاً، أدين منهم شخص واحد فقط».

أما الكاتبة الجمهورية اليمينية آن كولتر، فترى أن ترمب «بالكاد يستطيع التكلم باللغة الإنجليزية، والسبب الوحيد الذي أدى إلى صعوده في عام 2016 هو قضايا الهجرة والجدار، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وحظر السفر (الذي فرض قيوداً على السفر من العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة). اليوم ديسانتيس هو الذي يرفع تلك القضايا هذه المرة، لكن دون الاهتمام التام بتنفيذ تلك الوعود».

وبالفعل، حاول ديسانتيس التركيز على هذه القضايا في المناظرة، يوم الأربعاء، لكنه بدا فاقداً للبوصلة، لا سيما بعدما صدمه إحجام منافسيه عن مهاجمته كما كان يتوقع، باعتبار أنه الأوفر حظاً بعد ترمب في تفضيلات الناخبين، فتراجعت أرقامه أكثر فأكثر بعد انتهاء المناظرة.

ترمب ... يواصل حملته

قصور عند الجمهوريين في فهم السياسة الخارجية

> في حين كشفت مناظرة المرشحين الرئاسيين الجمهوريين عن انقسامهم في كيفية قراءة وفهم دور الولايات المتحدة وموقعها في السياسات الخارجية، تساءل البعض عن هذا التخبط، وعمّا إذا كان مناسباً في المواجهة التي تخوضها مع منافسيها الأقوياء. وفي هذا السياق ساقوا أمثلة محاولات المنافسين الكبار فرض تغييرات في توازن القوى مع الولايات المتحدة ولو بالقوة، كما فعلت به روسيا من خلال غزوها لأوكرانيا، وتهديدات الصين ضد تايوان.

ويرى هؤلاء أن الرد على هذه التحديات لا يكون عبر التراجع عن التحالفات وممارسة سياسة الانعزال، كما روّج لذلك على الأقل المرشح فيفيك رامسوامي خلال المناظرة، «لحماية أمن الحدود التي يجتاحها المهاجرون».

هنا يقول جون ألترمان، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إنّ «التحالفات والشراكات وتعزيز مركزيتها في سياساتنا، كما يفعل الرئيس بايدن، وهو محق في ذلك، يمكن أن يعزز إيمان البلدان الأخرى بتوجّهات الولايات المتحدة».

ويشدّد ألترمان على أنّ «التحدّي يكمن في أنّ جميع شركائنا يتذكّرون الإدارة السابقة، وينظرون إلى أرقام الاستطلاعات، ولا ثقة لديهم إطلاقاً حيال ما سيكون الوضع عليه في الولايات المتحدة في غضون سنتين أو 5 سنوات أو 10 سنوات». غنيٌّ عن التذكير أن الرئيس السابق دونالد ترمب كان قد شكك دائماً في أهمية التحالفات، مشدداً على أن دولاً مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، لا تدفع ما يكفي مقابل وجود القوات الأميركية على أراضيها. كذلك سخر بشكل متكرّر من التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو) المرتبطة بالدفاع المتبادل بين الحلفاء.

وفيما بات من الشائع الاستماع إلى آراء بعض الجمهوريين الذين يفضلون هزيمة بلادهم أمام روسيا، في موقف سريالي شعبوي غير مسبوق، قال كل من نيكي هايلي وكريس كريستي ومرشحين آخرين خلال المناظرة الجمهورية، إن التصريحات التي أشادت بـ«عبقرية» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واعتبار البعض غزوه لأوكرانيا، قضية إقليمية، أدت إلى تراجع الدعم للمساعدات العسكرية لكييف، وأظهرت في الوقت نفسه، قلة تقدير هؤلاء الجمهوريين وفهمهم للسياسات الاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

الولايات المتحدة​ لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

قال الجيش ​الأميركي إنه قصف سفينة في شرق المحيط الهادي، مما أسفر ‌عن مقتل ‌ثلاثة ​رجال، ‌في ⁠أحدث واقعة ​من هذا ⁠النوع خلال الأشهر القليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب مستقبِلاً الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية)

 ترمب: الأوضاع في سوريا تتجه نحو الأفضل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الجمعة، إن الأوضاع في سوريا تتجه نحو الأفضل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد بإجراءات «أكثر صرامة» بشأن الرسوم الجمركية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​في ‌إفادة، أنه ​سيوقع على أمر بفرض رسوم جمركية عالمية تبلغ 10 ‌في المائة ​بموجب المادة ‌122 ‌من قانون التجارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

إدارة ترمب تقترح لائحة قد تعلق تصاريح العمل لطالبي اللجوء

أعلنت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لائحة مقترحة قد يكون من شأنها تعليق تصاريح العمل لطالبي اللجوء «لعدة أعوام».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.