«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي
TT

«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي

في عام 802 ميلاديّة، تجمّع سكان مدينة آخن (في ألمانيا الحاليّة) لمشاهدة واحدة من العجائب التي لم يروها في حياتهم قط. الفيل. كان «أبو العباس» كما سماه المؤرخون ضمن مجموعة من الهدايا الثمينة والغريبة التي أمر الخليفة العبّاسي هارون الرّشيد بإرسالها إلى بلاط الإمبراطور شارلمان، ملك الفرنجة، في لحظة بارزة شديدة الرّمزية من تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.

«أبو أوروبا» شارلمان قلب الأسد، الذي يحتل مكانة شبه أسطوريّة في التاريخ الأوروبيّ، كان قد وحّد مع نهاية القرن الثامن الميلادي معظم الأجزاء الغربيّة من القارة القديمة (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، وذلك لأوّل مرّة منذ انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة، وعزز مكانة سلالته (الكارولنجيّة) كمدافعين عن المسيحيّة ضد الإسلام بعد أن كان جدّه شارل مارتل قد أوقف جحافل عبد الرّحمن الغافقي عند أبواب باريس في معركة (بلاط الشهداء - تور بواتييه) عام 732، ليقتصر وجود الإسلام حينها على جنوبي القارة: الأندلس، وأجزاء من إيطاليا، وجزر البحر المتوسط.

سام أوتيويل سولسبي، الأستاذ في جامعة أوسلو والمتخصص في تاريخ أواخر العصور القديمة وأوائل العصور الوسطى، ينطلق من لحظة الفيل «أبو العبّاس» تلك ليقدّم قراءة دقيقة شاملة حول علاقات دولة شارلمان بالعالم الإسلامي في «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان»* كتابه الجديد الصادر عن مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، مستنداً إلى قائمة طويلة من المصادر، عربيّة وغربيّة، التقطت جوانب مختلفة لتلك العلاقات التي لم تقتصر حكماً على الدولة العباسيّة في بغداد، بل امتدت كذلك إلى أمراء الدّولة الأموية في الأندلس، وممالك شمال أفريقيا مثل الأدارسة والأغالبة، وأمراء مدن إيطاليا المسلمين، وأيضاً مجموعة متنوعة من أمراء البحر الذين جابت سفنهم منطقة غربي البحر المتوسط.

إن قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تبدو إنجازاً طال انتظاره لكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي وذهبت دائماً تجاه وضع شارلمان في مكان التناقض الصريح بين عالمي الغرب المسيحي الأبيض، والشرق المسلم الأسمر. ولعل السرّ يكمن في نجاحه في قراءة تسلسلات علاقة شارلمان بمعاصريه المسلمين (والرشيد كان أشهرهم عند الجمهور الأوروبي بحكم ذكره في حكايات «ألف ليلة وليلة») من خلال مقاربتها بالتوازي بين المصادر العربيّة والغربيّة معاً دون الانكفاء على أي منها، كديدن مفكري وسياسيي اليمين الأوروبي المتطرف.

لقد كانت مواقف دولة الفرنجة في عهد الكارولنجيين من الممالك الإسلاميّة أكثر من أن تصنّف تحت ألوان المعارضات الثنائيّة البسيطة، بل اختلطت –لا سيّما أيّام شارلمان بشكل خاص- في مزيج معقّد متشابك من الصراعات العسكريّة والتبادلات الدبلوماسيّة، وهو أمر منطقي بطبيعة الحال بحكم أن أحفاد مارتل واجهوا في النهاية عالماً إسلامياً متعدد الأقطاب، وسلالات ودولاً متنافسة. فالعباسيون مثلاً ناصبوا الدّولة الأموية التي بقيت في الأندلس العداء، فيما كانت دولة الخلافة في قرطبة خطراً مباشراً على الفرنجة أقلّه لقربها الجغرافيّ، ومن ناحية أخرى فإن الكارولنجيين كانوا في نزاع مع البيزنطيين أعداء الخلافة العباسيّة، فأتاح وجود أعداء مشتركين بين بغداد وآخن مساحة عريضة لفتح الأبواب أمام تحالفات وتبادلات دبلوماسيّة بين الجانبين، عابرة للدين والثقافة، وأقرب إلى منطق السياسة ولغة المصالح.

ويجادل سولسبي بأن تلك العلاقات الدبلوماسيّة بين الرشيد وشارلمان كان لها، إلى جانب قيمتها السياسيّة والاستراتيجيّة المحضة، دور في تعظيم مكانة كل منهما محليّاً في نظر أتباعه، ويشير إلى أنّ ملك الفرنجة احتفظ للفيل باسم «أبو العبّاس» كجزء من صورته كزعيم عالمي له علاقات وديّة بأقاليم بعيدة وغريبة عبر البحار، وهو ما يُعتقد أنّ الرشيد بنى عليه بدوره بينما كان يستعرض الهدايا الثمينة التي بعث بها شارلمان على أعطياته. وهناك نصوص تذكر أن الرشيد كان يتقصد أن يرى السفراء وقت إقامتهم لديه مظاهر الهيبة والنوادر والغرائب لينقلوا مشاهداتهم إلى الإمبراطور وجمهوره.

ومع ذلك، فإن علاقات دول الفرنجة بدول الإسلام المختلفة لم تكن إما حرباً أو دبلوماسية على نسق واحد كل الوقت، فالاتصال الدبلوماسي بالأمويين في الأندلس الذين كانوا تهديداً وجودياً دائماً -ومتبادلاً- بدا ضرورياً أحياناً لتجنب النزاع والحفاظ على استقرار الحدود الطويلة ودائمة التغيّر بسبب تحولات ولاء أمراء المناطق الشمالية من الأندلس، أي أقرب ما يكون إلى مزاج حرب باردة مثَّلت لكلتا القوتين فرصاً ومخاطر سعى الدبلوماسيون إلى إدارتها، بينما كانت الدبلوماسيّة مع العباسيين في المقابل خياراً ومكسباً دعائياً بشكل كبير. لكنّ ذلك، وفق المؤلف دائماً، لا يعني عدم وجود تداخل بين نوعي الدبلوماسية في المراحل المختلفة، لا سيّما في الفترات التي كان فيها شارلمان أضعف من أن يحارب أمراء قرطبة المتمرسين بالقتال.

يتتبع الكتاب حركة السفراء والمبعوثين والرسل بين الفرنجة ودول الإسلام عبر جبال البرانس والبحر الأبيض المتوسط وما خلفهما، ويقرأ الدوافع السياسيّة والاستراتيجية المعقدة التي تكمن وراءها. ولا شكّ في أن الفصل الذي يغطي السفارات مع بغداد يبدو ثرياً بالأمثلة –والترداد في النصوص العربية والغربيّة، والهدايا المتبادلة أيضاً– مقارنةً بالفصول التي تغطي العلاقات بالأمويين، التي بدت جافة بالمقارنة.

ويذكر سولسبي أن أولى السفارات إلى بغداد أُوفدت في عام 798 للميلاد عندما استقبل هارون الرشيد في بلاطه مبعوثَين إفرنجيين اثنين من طرف شارلمان يرافقهما مترجم يهودي يُدعى إسحاق، لإجراء مباحثات سياسيّة وديّة شملت ترتيبات مشتركة بشأن رعاية مصالح العباسيين فيما يأخذه شارلمان من بلاد الأندلس، وأن يدعم الفرنجة القائمين بالدّعوة العباسية هناك ضد الأمويين، على أن ييسر الرشيد في المقابل لحجاج بيت المقدس من المسيحيين الكاثوليكيين، ويُعْفِيهم من القيود والتكاليف التي وُضعت حينذاك على أهْل الذمة. وحسب المصادر الغربيّة فإن إمبراطور الفرنجة أرسل مع سفرائه حينها خيولاً إسبانية، وكلاب صيد مميزة، وعباءة جرمانية فاخرة. وردّ الرشيد التحيّة بأجمل منها، فحمّل سفراءه إلى بلاط شارلمان في عام 802 ميلادية جملة من النفائس شملت بوقاً من العاج -محفوظ إلى الآن في متحف مدينة آج- وسيفاً مذهّباً، وصينية من الذهب محلّاة بقطع من البلّور مختلف الألوان عليها صورة لكسرى الأول -محفوظة اليوم في دير «سنتدفيس»- وإبريقاً من الذهب -محفوظ في دير «كنتون فللس»- وثماني شوكات من تاج يقول مسيحيو القدس إنهم ألبسوه رأس المسيح، عليه السلام، عند صلبه، وأردية من الحرير، وشمعدانات فاخرة من النحاس المزخرف، وسلالاً من العطور والمراهم النادرة، وطقم شطرنج مصنوعاً من العاج -ما زال موجوداً إلى اليوم في دير «سنتدفيس»- وخيمة ضخمة ذات ستائر متعددة الألوان، وساعة ميكانيكية –تعمل بالماء- إضافةً إلى الفيل الهندي الشهير «أبو العبّاس». ويبدو أن تلك الهدايا أثارت دهشة واسعة في أوروبا الغربيّة، وتركت بشكل غير مباشر تأثيراً على الفكر والفنون في أوروبا عصر الكارولنجيين. وقد خلّد الفنان الألماني يوليوس كوكرت سفارة الـ798 في لوحة شهيرة رسمها عام 1864 وتحمل عنوان «هارون الرَّشيد يستقبل وفد شارلمان».

وهناك في المصادر ذكرٌ لمبعوثين من طرف الرشيد زاروا شارلمان بينما كان في شبه الجزيرة الإيطاليّة عام 801، لكن لم تتوفر معلومات دقيقة عن طبيعة المباحثات التي أُجريت حينها.

وعلى الرّغم من تعدد السفارات بينهما، فإن الرشيد وشارلمان لم يلتقيا قط، ربما لأن شارلمان لم يكن يشكّل أي خطر فعليّ على خلافة العباسيين فأهمله لمصلحة قضايا أكثر إلحاحاً، لكنّ التواصل بينهما استمر ودياً، أقلّه من النّاحية الثقافيّة.

إن كتاب «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان» يمثل رصيداً فكرياً مهماً في مواجهة تشنّج الإسلاموفوبيا ودعوات القطيعة –المتبادلة- بين الشرق والغرب التي يروّج لها المتطرفون من الجانبين، ونموذجاً تاريخياً موثقاً لنقض حتميّة الصراع الدائم بين الشرق والغرب لمصلحة تعايش ممكن دون سعار إلغاء الآخر.

الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان.

* The Emperor and the Elephant: Christians and Muslims in the Age of Charlemagne Sam Ottewill - Soulsby, Princeton University Press, 2023.

المؤلف: سام أوتيويل سولسبي.

الناشر: مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، 2023.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً