«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي
TT

«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي

في عام 802 ميلاديّة، تجمّع سكان مدينة آخن (في ألمانيا الحاليّة) لمشاهدة واحدة من العجائب التي لم يروها في حياتهم قط. الفيل. كان «أبو العباس» كما سماه المؤرخون ضمن مجموعة من الهدايا الثمينة والغريبة التي أمر الخليفة العبّاسي هارون الرّشيد بإرسالها إلى بلاط الإمبراطور شارلمان، ملك الفرنجة، في لحظة بارزة شديدة الرّمزية من تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.

«أبو أوروبا» شارلمان قلب الأسد، الذي يحتل مكانة شبه أسطوريّة في التاريخ الأوروبيّ، كان قد وحّد مع نهاية القرن الثامن الميلادي معظم الأجزاء الغربيّة من القارة القديمة (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، وذلك لأوّل مرّة منذ انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة، وعزز مكانة سلالته (الكارولنجيّة) كمدافعين عن المسيحيّة ضد الإسلام بعد أن كان جدّه شارل مارتل قد أوقف جحافل عبد الرّحمن الغافقي عند أبواب باريس في معركة (بلاط الشهداء - تور بواتييه) عام 732، ليقتصر وجود الإسلام حينها على جنوبي القارة: الأندلس، وأجزاء من إيطاليا، وجزر البحر المتوسط.

سام أوتيويل سولسبي، الأستاذ في جامعة أوسلو والمتخصص في تاريخ أواخر العصور القديمة وأوائل العصور الوسطى، ينطلق من لحظة الفيل «أبو العبّاس» تلك ليقدّم قراءة دقيقة شاملة حول علاقات دولة شارلمان بالعالم الإسلامي في «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان»* كتابه الجديد الصادر عن مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، مستنداً إلى قائمة طويلة من المصادر، عربيّة وغربيّة، التقطت جوانب مختلفة لتلك العلاقات التي لم تقتصر حكماً على الدولة العباسيّة في بغداد، بل امتدت كذلك إلى أمراء الدّولة الأموية في الأندلس، وممالك شمال أفريقيا مثل الأدارسة والأغالبة، وأمراء مدن إيطاليا المسلمين، وأيضاً مجموعة متنوعة من أمراء البحر الذين جابت سفنهم منطقة غربي البحر المتوسط.

إن قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تبدو إنجازاً طال انتظاره لكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي وذهبت دائماً تجاه وضع شارلمان في مكان التناقض الصريح بين عالمي الغرب المسيحي الأبيض، والشرق المسلم الأسمر. ولعل السرّ يكمن في نجاحه في قراءة تسلسلات علاقة شارلمان بمعاصريه المسلمين (والرشيد كان أشهرهم عند الجمهور الأوروبي بحكم ذكره في حكايات «ألف ليلة وليلة») من خلال مقاربتها بالتوازي بين المصادر العربيّة والغربيّة معاً دون الانكفاء على أي منها، كديدن مفكري وسياسيي اليمين الأوروبي المتطرف.

لقد كانت مواقف دولة الفرنجة في عهد الكارولنجيين من الممالك الإسلاميّة أكثر من أن تصنّف تحت ألوان المعارضات الثنائيّة البسيطة، بل اختلطت –لا سيّما أيّام شارلمان بشكل خاص- في مزيج معقّد متشابك من الصراعات العسكريّة والتبادلات الدبلوماسيّة، وهو أمر منطقي بطبيعة الحال بحكم أن أحفاد مارتل واجهوا في النهاية عالماً إسلامياً متعدد الأقطاب، وسلالات ودولاً متنافسة. فالعباسيون مثلاً ناصبوا الدّولة الأموية التي بقيت في الأندلس العداء، فيما كانت دولة الخلافة في قرطبة خطراً مباشراً على الفرنجة أقلّه لقربها الجغرافيّ، ومن ناحية أخرى فإن الكارولنجيين كانوا في نزاع مع البيزنطيين أعداء الخلافة العباسيّة، فأتاح وجود أعداء مشتركين بين بغداد وآخن مساحة عريضة لفتح الأبواب أمام تحالفات وتبادلات دبلوماسيّة بين الجانبين، عابرة للدين والثقافة، وأقرب إلى منطق السياسة ولغة المصالح.

ويجادل سولسبي بأن تلك العلاقات الدبلوماسيّة بين الرشيد وشارلمان كان لها، إلى جانب قيمتها السياسيّة والاستراتيجيّة المحضة، دور في تعظيم مكانة كل منهما محليّاً في نظر أتباعه، ويشير إلى أنّ ملك الفرنجة احتفظ للفيل باسم «أبو العبّاس» كجزء من صورته كزعيم عالمي له علاقات وديّة بأقاليم بعيدة وغريبة عبر البحار، وهو ما يُعتقد أنّ الرشيد بنى عليه بدوره بينما كان يستعرض الهدايا الثمينة التي بعث بها شارلمان على أعطياته. وهناك نصوص تذكر أن الرشيد كان يتقصد أن يرى السفراء وقت إقامتهم لديه مظاهر الهيبة والنوادر والغرائب لينقلوا مشاهداتهم إلى الإمبراطور وجمهوره.

ومع ذلك، فإن علاقات دول الفرنجة بدول الإسلام المختلفة لم تكن إما حرباً أو دبلوماسية على نسق واحد كل الوقت، فالاتصال الدبلوماسي بالأمويين في الأندلس الذين كانوا تهديداً وجودياً دائماً -ومتبادلاً- بدا ضرورياً أحياناً لتجنب النزاع والحفاظ على استقرار الحدود الطويلة ودائمة التغيّر بسبب تحولات ولاء أمراء المناطق الشمالية من الأندلس، أي أقرب ما يكون إلى مزاج حرب باردة مثَّلت لكلتا القوتين فرصاً ومخاطر سعى الدبلوماسيون إلى إدارتها، بينما كانت الدبلوماسيّة مع العباسيين في المقابل خياراً ومكسباً دعائياً بشكل كبير. لكنّ ذلك، وفق المؤلف دائماً، لا يعني عدم وجود تداخل بين نوعي الدبلوماسية في المراحل المختلفة، لا سيّما في الفترات التي كان فيها شارلمان أضعف من أن يحارب أمراء قرطبة المتمرسين بالقتال.

يتتبع الكتاب حركة السفراء والمبعوثين والرسل بين الفرنجة ودول الإسلام عبر جبال البرانس والبحر الأبيض المتوسط وما خلفهما، ويقرأ الدوافع السياسيّة والاستراتيجية المعقدة التي تكمن وراءها. ولا شكّ في أن الفصل الذي يغطي السفارات مع بغداد يبدو ثرياً بالأمثلة –والترداد في النصوص العربية والغربيّة، والهدايا المتبادلة أيضاً– مقارنةً بالفصول التي تغطي العلاقات بالأمويين، التي بدت جافة بالمقارنة.

ويذكر سولسبي أن أولى السفارات إلى بغداد أُوفدت في عام 798 للميلاد عندما استقبل هارون الرشيد في بلاطه مبعوثَين إفرنجيين اثنين من طرف شارلمان يرافقهما مترجم يهودي يُدعى إسحاق، لإجراء مباحثات سياسيّة وديّة شملت ترتيبات مشتركة بشأن رعاية مصالح العباسيين فيما يأخذه شارلمان من بلاد الأندلس، وأن يدعم الفرنجة القائمين بالدّعوة العباسية هناك ضد الأمويين، على أن ييسر الرشيد في المقابل لحجاج بيت المقدس من المسيحيين الكاثوليكيين، ويُعْفِيهم من القيود والتكاليف التي وُضعت حينذاك على أهْل الذمة. وحسب المصادر الغربيّة فإن إمبراطور الفرنجة أرسل مع سفرائه حينها خيولاً إسبانية، وكلاب صيد مميزة، وعباءة جرمانية فاخرة. وردّ الرشيد التحيّة بأجمل منها، فحمّل سفراءه إلى بلاط شارلمان في عام 802 ميلادية جملة من النفائس شملت بوقاً من العاج -محفوظ إلى الآن في متحف مدينة آج- وسيفاً مذهّباً، وصينية من الذهب محلّاة بقطع من البلّور مختلف الألوان عليها صورة لكسرى الأول -محفوظة اليوم في دير «سنتدفيس»- وإبريقاً من الذهب -محفوظ في دير «كنتون فللس»- وثماني شوكات من تاج يقول مسيحيو القدس إنهم ألبسوه رأس المسيح، عليه السلام، عند صلبه، وأردية من الحرير، وشمعدانات فاخرة من النحاس المزخرف، وسلالاً من العطور والمراهم النادرة، وطقم شطرنج مصنوعاً من العاج -ما زال موجوداً إلى اليوم في دير «سنتدفيس»- وخيمة ضخمة ذات ستائر متعددة الألوان، وساعة ميكانيكية –تعمل بالماء- إضافةً إلى الفيل الهندي الشهير «أبو العبّاس». ويبدو أن تلك الهدايا أثارت دهشة واسعة في أوروبا الغربيّة، وتركت بشكل غير مباشر تأثيراً على الفكر والفنون في أوروبا عصر الكارولنجيين. وقد خلّد الفنان الألماني يوليوس كوكرت سفارة الـ798 في لوحة شهيرة رسمها عام 1864 وتحمل عنوان «هارون الرَّشيد يستقبل وفد شارلمان».

وهناك في المصادر ذكرٌ لمبعوثين من طرف الرشيد زاروا شارلمان بينما كان في شبه الجزيرة الإيطاليّة عام 801، لكن لم تتوفر معلومات دقيقة عن طبيعة المباحثات التي أُجريت حينها.

وعلى الرّغم من تعدد السفارات بينهما، فإن الرشيد وشارلمان لم يلتقيا قط، ربما لأن شارلمان لم يكن يشكّل أي خطر فعليّ على خلافة العباسيين فأهمله لمصلحة قضايا أكثر إلحاحاً، لكنّ التواصل بينهما استمر ودياً، أقلّه من النّاحية الثقافيّة.

إن كتاب «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان» يمثل رصيداً فكرياً مهماً في مواجهة تشنّج الإسلاموفوبيا ودعوات القطيعة –المتبادلة- بين الشرق والغرب التي يروّج لها المتطرفون من الجانبين، ونموذجاً تاريخياً موثقاً لنقض حتميّة الصراع الدائم بين الشرق والغرب لمصلحة تعايش ممكن دون سعار إلغاء الآخر.

الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان.

* The Emperor and the Elephant: Christians and Muslims in the Age of Charlemagne Sam Ottewill - Soulsby, Princeton University Press, 2023.

المؤلف: سام أوتيويل سولسبي.

الناشر: مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، 2023.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.