رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية: إثيوبيا تعمل على كسب الوقت في ملف سد النهضة

السفير محمد العرابي (وسط) خلال استقبال سفير فيتنام في القاهرة (المجلس المصري للشؤون الخارجية - منصة إكس)
السفير محمد العرابي (وسط) خلال استقبال سفير فيتنام في القاهرة (المجلس المصري للشؤون الخارجية - منصة إكس)
TT

رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية: إثيوبيا تعمل على كسب الوقت في ملف سد النهضة

السفير محمد العرابي (وسط) خلال استقبال سفير فيتنام في القاهرة (المجلس المصري للشؤون الخارجية - منصة إكس)
السفير محمد العرابي (وسط) خلال استقبال سفير فيتنام في القاهرة (المجلس المصري للشؤون الخارجية - منصة إكس)

قال السفير محمد العرابي، رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، إن إثيوبيا تعمل على كسب الوقت في ملف سد النهضة، وإن مصر تتحرك في هذا الملف بناء على المصلحة الوطنية والمصلحة الأفريقية.

وقال العرابي، في مقابلة مع وكالة أنباء العالم العربي (AWP): «نحن نعد مسألة السد أمراً وجودياً يتعلق بوجود دولة»، مضيفاً أن إثيوبيا بإصرارها على موقفها «تخسر من سياستها». وتوقع عدم توصل الطرفين إلى اتفاق خلال الشهور القليلة المقبلة.

وأضاف رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، وهو هيئة غير رسمية: «رغم تصميم إثيوبيا على سياسة كسب الوقت، تتحرك مصر في هذا الملف بناءً على أمرين: المصلحة الوطنية، وكون إثيوبيا دولة أفريقية لا يمكن الدخول معها في نزاع، إلا إذا كان سياسياً قانونياً».

وكانت إثيوبيا قد بدأت تشييد سد النهضة عام 2011، في مشروع يتكلف مليارات الدولارات وتعدّه مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه النيل، بينما يخشى السودان من الأضرار البيئية والاقتصادية الناجمة عنه.

وتوقفت مفاوضات بين الدول الثلاث برعاية الاتحاد الأفريقي في أبريل (نيسان) 2021، بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق، مما دعا مصر للجوء لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بالضغط على إثيوبيا.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال لقاء جمعهما على هامش قمة دول جوار السودان في القاهرة الشهر الماضي، الشروع في بدء المفاوضات من جديد مع تحديد مهلة 4 شهور للوصول إلى اتفاق.

وقال العرابي، وهو وزير خارجية سابق، في حديثه مع وكالة أنباء العالم العربي: «مصر مصممة على عدم خسارة حقوقها في مياه النيل عبر الطرق السياسية والقانونية، ونحن حتى الآن ناجحون في هذا الأمر، خصوصاً أن هناك رأياً عاماً دولياً مؤيداً لمطالبنا ضد التحركات الإثيوبية».

وأكد: «من يتوهم أنه قادر على الضغط على مصر عبر تهديد وجودها فهو واهم، ونقول له إن مصر قادرة على إدارة أمورها والخروج من أزماتها».

العلاقات مع إيران

وخلال المقابلة، قال العرابي إن مصر لا تحتاج إلى وساطة لعودة علاقاتها مع إيران، مشيراً إلى أن الاتصالات مع طهران موجودة، لكن ليس بالضرورة أن يتم الإعلان عنها.

وأضاف: «الموضوع أبسط من أن يتم تعقيده. عودة العلاقات الكاملة مع طهران ستأتي، لكن مصر لها محدداتها ولا يُضغط عليها من أجل تغييرها».

واستطرد قائلاً: «العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران موجودة وقائمة ولم تنقطع، لكن محددات عودة العلاقات الكاملة بينهما لها طبيعة خاصة. إيران دولة فاعلة في الإقليم، وأحياناً تكون فاعلة بضرر، وعودة العلاقات ترتبط بملفات أخرى مثل اليمن وسوريا ولبنان».

وشهدت العلاقات بين مصر وإيران توتراً بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وانقطعت العلاقات رسمياً بعد توقيع مصر اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن احتفظ البلدان ببعثة رعاية مصالح.

وقال العرابي: «مصر تأخذ في اعتبارها الأمن القومي العربي لعودة العلاقات مع طهران، ومن الصعب تحديد الإطار الزمني لعودة العلاقات، لكن من الممكن حدوث انفراجة في أي من القضايا السابقة تدفع الأمور إلى الأمام».

تركيا

وعن خطى المصالحة مع تركيا، قال إن مصر «تتحرك طبقاً لمحددات خاصة بها مبنية على الأمن القومي المصري. والعلاقات الاقتصادية والتجارية تسير بشكل جيد».

وكانت مصر وتركيا قد أعلنتا في يوليو (تموز) الماضي، رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفراء بعد 10 سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية في أعقاب الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في 2013.

وتسارعت وتيرة تطبيع العلاقات بين البلدين بعد مصافحة بين الرئيسين المصري والتركي في العاصمة القطرية الدوحة، في أثناء حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

لكن هذه الوتيرة عادت للتباطؤ مرة أخرى، وخَفُت الحديث عن زيارة للرئيس المصري إلى تركيا، التي كانت وسائل إعلام تركية قد تحدثت عنها وذكرت أنها مقررة في 27 يوليو (تموز) الماضي.

وقال العرابي: «الملفات المتشابكة الكبيرة بين البلدين تحتاج لبعض الوقت، ولا يمكن الحديث عن قمة بين الرئيسين دون تسوية أغلبية هذه الملفات».

وفيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية والدولية وتأثيرها على دور مصر الفاعل، رأى العرابي أن «دور أي دولة يرتبط بالمحيط الذي تعيش فيه والظروف العالمية... دورك مرتبط بالواقع السياسي في أي منطقة تريد القيام فيها بدور».

ومضى قائلاً: «الدور المصري في هذا التوقيت هو رفع علم السلام والتنمية والاستقرار، وتقوم السياسة الخارجية لمصر في محيطها الإقليمي وعلاقاتها الدولية على 3 ركائز؛ السلام والاستقرار والتنمية».

وأقر العرابي بأن الأزمة الاقتصادية كان لها تأثير على الدور المصري، لكنه شدد على أن الاستقرار السياسي والأمني هما المفتاح الرئيسي للقيام بدور في المحيطين الإقليمي والدولي.

وتابع: «الدور ينبع من الداخل. استقرار مصر هو المفتاح الرئيسي لدورها ويمنحها القوة ليكون لها دور إقليمياً وعالمياً».

وأردف: «في النهاية ما زالت مصر تتمتع باستقلاليتها، حتى الآن مصر ترفض الدخول في لعبة إقامة قواعد عسكرية على أراضيها من أجل مساعدات مالية».

وأكد أن «مصر تسير في سياستها الخارجية بسياسة أخلاقية... في عالم تحكمه المصالح».

وعن طلب مصر الانضمام إلى تكتل «بريكس»، الذي تحدث عنه السفير الروسي بالقاهرة جورجي بوريسنكو في يونيو (حزيران) الماضي، قال العرابي: «تملك مصر حظوظاً كبيرة للانضمام، خصوصاً أن هناك شهية مزدادة من دول كبرى في التجمع لضم أعضاء جدد».

وأضاف: «أعتقد أن مصر لها أولوية بسبب تأثيرها السياسي وموقعها الإقليمي، حيث تملك من المقومات الاقتصادية التي تستطيع من خلالها أن تواكب دول المجموعة».

ومن المقرر أن يعقد التكتل اجتماع قمة في جنوب أفريقيا غداً (الثلاثاء) ولمدة 3 أيام.

السودان

وحول الأزمة في السودان، يرى العرابي أنه «للمرة الأولى في التاريخ؛ يصل السودان إلى هذه النقطة الحرجة. نحن أمام وضع جديد تماماً، وللأسف الأفق لا يحمل أي بوادر إيجابية للحل».

ويكمل: «هناك أطراف إقليمية ودولية تتدخل في أزمة السودان، وهو ما زاد من تعقيدها. هذه الأطراف تريد إبقاء المعادلة على ما هي عليه الآن دون تغيير، في حين أنه يجب أن تتغير معادلة القوة الموجودة على الأرض لوقف الحرب».

وقال إنه يمكن العمل على تقليل الأضرار في المرحلة المقبلة، لكن تبقى الأولوية بالنسبة لمصر وقف الحرب.

وعن انعكاسات طول أمد الحرب على مصر، قال: «ستكون هناك تأثيرات أمنية وسياسية واقتصادية للوضع في السودان على مصر، خصوصاً في ظل دخول مئات الآلاف من اللاجئين؛ تأثيرات على ملف سد النهضة، بخلاف احتمال انتشار الجماعات الإرهابية».

وأضاف: «نحن على مسافة واحدة من الطرفين، لكن في النهاية لا بد أن يكون هناك طرف سيتحمل المسؤولية».

واندلع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل (نيسان)، وتشهد العاصمة الخرطوم معارك يومية على نحو ينذر بحرب أهلية طويلة الأمد، خصوصاً مع اندلاع صراع آخر بدوافع عرقية في إقليم دارفور غرب البلاد.

واستضافت مصر الشهر الماضي، مؤتمراً للدول المجاورة للسودان، لبحث سبل إنهاء الأزمة ووضع آليات بمشاركة دول الجوار لتسوية الأزمة سلمياً بالتنسيق مع المسارات الإقليمية والدولية الأخرى.


مقالات ذات صلة

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

تحليل إخباري رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

أثارت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك مقابل مرونة من أديس أبابا بشأن «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح «سد النهضة» في سبتمبر الماضي (حسابه على إكس)

«سد النهضة»: مصير غامض للوساطة الأميركية وسط تشدد مصري - إثيوبي

رغم مرور نحو شهر على عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التباين لا يزال واضحاً في مواقف البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.