النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

ألمانيا بعد إيطاليا لا ترى حلاً عسكرياً وتقترح مخرجاً سياسياً لا ينص على رحيل الانقلابيين

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
TT

 النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)

من بين الدول الأربع الغربية التي لها حضور عسكري في النيجر: فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا، تجد الأولى نفسها معزولة إلى حد بعيد لجهة تمسكها بالسياسة الأكثر تشدداً إزاء المجلس العسكري الانقلابي، ووقوفها الصارم وراء المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)، وعدم ممانعتها «الحل العسكري» الذي تلوّح به الأخيرة من أجل تحرير الرئيس محمد بازوم، وإعادة الانتظام الدستوري إلى النيجر.

وتجد باريس نفسها في وضع لا تحسد عليه؛ إذ إن التطورات الجارية في مستعمرتها السابقة تعد «انتكاسة استراتيجية». وإذا اضطرتها التطورات إلى سحب قواتها من النيجر، فإن ذلك سيعني تقليص حضورها العسكري بعد أن أجبرت على الخروج في 2022 و2023 من مالي وبوركينا فاسو.

آخر «طعنة» تعرضت لها باريس جاءت (الاثنين) من ألمانيا، وتحديداً من وزيرة التنمية سيفينيا شولتسه التي استبقت جولتها في غرب أفريقيا بتصريحات تشدد فيها على ضرورة البحث عن «حل سلمي» للأزمة الحالية.

صورة أرشيفية أخرى للرئيس المخلوع محمد بازوم في أبريل 2022 (د.ب.أ)

وقالت الوزيرة الألمانية لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ»، إن «الاحتجاج على الانقلاب في النيجر يجب ألا يعني إعلان حرب». والأهم من ذلك أن سيفينيا شولتسه تقترح حلاً يقوم على الاعتراف بسلطة الأمر الواقع العسكرية، ولكن مع الحصول منها على ضمانات بخصوص إجراء انتخابات جديدة ونزيهة، والإفراج عن الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وخففت الوزيرة الألمانية من خطورة الانقلاب، عادّة إياه «انقلاباً غير عادي إلى حد ما»، مضيفة أن هناك طرقاً عديدة للتعامل مع الأمر بشكل مختلف، مثل ضمان إجراء انتخابات جديدة على نحو سليم قريباً، أو التوقف عن احتجاز الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وتسبب الانقلاب العسكري الذي وقع في النيجر قبل أسبوعين ونصف في أزمة إقليمية. وقالت شولتسه: «لم يمت أحد جراءه حتى الآن. وهذا يجعل من السهل العثور على طرق دبلوماسية، وهو أمر ممكن بالتأكيد».

مؤيدون للانقلاب في نيامي ومعهم علم روسيا (أ.ف.ب)

تكمن أهمية كلام المسؤولة الألمانية في أنها المرة الأولى التي تعلن عاصمة غربية عن استعدادها للتعايش مع الانقلابيين مقابل ضمانات. وسبق لـ«إيكواس» أن سارت على هذا النهج بمناسبة الانقلابين اللذين حدثا في مالي (2021) وبوركينا فاسو (2022). واكتفت «المجموعة الاقتصادية» بفرض عقوبات عليهما من غير التهديد بالتدخل العسكري مع الحصول على وعود بإجراء انتخابات تشريعية نزيهة وفق أجنده محددة. ولكن في الحالتين، لم يجرِ احترام الوعود، وما زال العسكر ممسكين بالسلطة في باماكو وواغادوغو. والأمر نفسه ينسحب على غينيا. والدول الثلاث شكلت ما يشبه الجبهة للوقوف إلى جانب انقلابيي نيامي في حال نفذت «إيكواس» تهديداتها العسكرية.

لا يختلف موقف روما عن موقف برلين؛ فقد استبق وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تانيان الجميع في التشديد على ضرورة الحل السلمي. وقال قبل أسبوع لصحيفة «لا ستامبا» إنه «يتعين أن نعثر على حل للأزمة... وليس مكتوباً أنه لن يعثر على حل غير عسكري». مضيفاً أنه «لا يتعين على أوروبا أن تسمح بحدوث مواجهة مسلحة، ولا يتعين أن ينظر إلينا على أننا مستعمرون جدد».

رغم أهمية الموقفين الألماني والإيطالي، فإن ما يهم باريس بالدرجة الأولى هو السياسة الأميركية. والحال أن ثمة اختلافاً في المقاربة بين باريس وواشنطن. الأولى تقول إنها «تدعم كافة مقررات (إيكواس)» بما فيها تفعيل القوة الاحتياطية لاستخدامها المحتمل ضد الانقلابيين والتلويح بالتدخل العسكري رغم عدّه «الملاذ الأخير». بينما الثانية تشدد على الحل السياسي. وأبرز تعبير عن ذلك جاء في بيان لوزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن جاء فيه إن «الولايات المتحدة تقدر إصرار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على استكشاف جميع الخيارات من أجل حلّ سلمي للأزمة».

بلينكن يصافح رئيس النيجر محمد بازوم خلال لقائهما في القصر الرئاسي في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ف.ب)

ورأى بلينكن في مناسبة أخرى أنه «ليس هناك من حل عسكري مقبول». وحتى اليوم، امتنعت الإدارة الأميركية عن عَدِّ ما حدث في نيامي «انقلاباً عسكرياً»، لأن أمراً كهذا سيلزمها بوقف مساعداتها لهذا البلد؛ حيث إنها اكتفت بتجميد بعض المساعدات المالية. كذلك، فإنها خضعت للمجلس العسكري عندما امتنع زعيم الانقلاب عبد الرحمن تياني عن مقابلة فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركي عند زيارتها إلى نيامي. كما منعت من لقاء الرئيس المخلوع محمد بازوم.

ونقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها (الاثنين) عن مصادر دبلوماسية فرنسية قولها، إن الموافقة على تعيين كاثلين فيتزجيبون، سفيرة لبلادها في نيامي في 27 يوليو (تموز) أي في اليوم التالي للانقلاب، بعد عام ونصف على فراغ موقع السفير، «يمكن عَدُّه اعترافاً شبه رسمي» بالسلطات الجديدة. وفي ما يشبه التعبير عن الخيبة من واشنطن، قالت هذه المصادر إن الطرف الأميركي «قام بعكس ما كنا نأمل أن يقوم به».

وترى هذه المصادر أن واشنطن التي كانت تطالب سابقاً بالإفراج الفوري عن الرئيس بازوم وإعادته إلى موقعه الدستوري وتراجع الانقلابيين، خفضت من سقف مطالبها، وراحت تطالب فقط بتحسين شروط اعتقاله، وإطلاق سراحه، الأمر الذي تعده باريس خطوة أولى لقبول أميركي بالأمر الواقع.

* المصالح الأميركية

يذهب التشكيك الفرنسي بالنوايا الأميركية بعيداً؛ إذ ترى المصادر المشار إليها «أن هدف واشنطن بسيط، وهو المحافظة على قواعدها العسكرية... إذا كان المقابل لذلك تخلي واشنطن عن المطالبة بالعودة إلى الشرعية الدستورية، فهي لن تتردد في الاستجابة خصوصاً أن عسكر الانقلاب، على الأرجح، لا يرون في ذلك صعوبة؛ لأنهم يعون أنه من غير المساعدة الأميركية الميدانية التي توفرها لهم قدرات المراقبة الأميركية (من خلال القاعدة الجوية التي تنطلق منها المسيرات) فإن قدرتهم على محاربة الجهاديين ستتضاءل».

وتجدر الإشارة إلى أن القوات الأميركية تستفيد من قاعدتين: جوية تقع قريباً من مدينة أغاديس (شمال البلاد) وأخرى أرضية قريبة من نيامي؛ حيث ترابط مجموعات كوماندوس أميركية.

متحدث باسم المجلس العسكري يعلن التوجه لمحاكمة بازوم بجريمة «الخيانة العظمى» (أ.ف.ب)

ويبلغ عدد الجنود الأميركيين في القاعدتين نحو 1300 رجل. ومن المهم الإشارة إلى أن الانقلابيين لم يطالبوا برحيلهم، بعكس إمهالهم القوة الفرنسية المنتشرة خصوصاً في القسم العسكري من مطار نيامي، وفي منطقة المثلث الحدودي (بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو) مدة شهر للرحيل عن النيجر، بعد نقض الاتفاقات العسكرية المبرمة بين الطرفين.

وفي الرؤية الأميركية، فإن الخروج من النيجر يعني فتح المجال لتغلغل روسي، ولوصول ميليشيا «فاغنر»، الأمر الذي لا يرغب فيه لا الأوروبيون ولا الأميركيون. يضاف إلى ما سبق، أن الخروج الغربي من النيجر، يعني هزيمة سياسية بالدرجة الأولى، ولكن أيضاً خسارة اقتصادية واستراتيجية نظراً لما يختزنه باطن الأرض من ثروات مهمة مثل اليورانيوم والنفط والمعادن النادرة... وعيون الغربيين من جهة، والصين وروسيا من جهة ثانية على هذه الثروات.

ولكل هذه الأسباب، يرجح الجانب الفرنسي أن تكون واشنطن مستعدة للاعتراف بسلطة الأمر الواقع، وتجنب حرب غير مضمونة النتائج ومن شأنها رمي دول غرب أفريقيا في أتون المواجهات وإحداث انقسامات عميقة داخل «إيكواس»، وتعبيد الطريق للمنافسين، فضلاً على إفقار منطقة تعد أصلاً من الأفقر في العالم.

الرئيس المخلوع محمد بازوم يتحدث في الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي (رويترز)

بيد أن هذه الاعتبارات لا تشكل حلاً للأزمة النيجرية التي تفاعلت مع عزم الانقلابيين، كما أعلنوا ليل الأحد ــ الاثنين، على سوق الرئيس المخلوع أمام المحاكم ومحاكمته بتهمة «الخيانة العظمى»، أي السير بعكس ما يطلبه الأفارقة وواشنطن وباريس وبقية الأسرة الدولية التي تصر على الإفراج عنه.

وتحتار الدول المعنية بالشأن النيجري، إزاء كيفية التعامل مع الانقلابيين الذين يمارسون سياسة «هبة باردة، هبة ساخنة»، ويتأرجحون بين الانفتاح والاستعداد للتفاوض، وبين التشدد والانغلاق.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.