أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

أولوياته اقتصادية مالية ولم ينخرط في المعارك السياسية

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد
TT

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

أحمد الحشاني... رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد

فاجأ الرئيس التونسي قيس سعيّد التونسيين المصطافين والسياسيين، الذين دخلوا موسم الإجازات الصيفية والعطلة البرلمانية السنوية، بالإعلان عن تعيين أحمد الحشاني، المسؤول السابق في البنك المركزي التونسي، رئيساً جديداً للحكومة خلفاً لنجلاء بودن التي كان قد اختارها لتولي هذا المنصب قبل سنتين. وبذا يكون الحشاني خامس رئيس حكومة منذ انتخابات 2019، إلا أن الاختيار وقع هذه المرة على شخصية قانونية اقتصادية مصرفية لم تنخرط في المعارك السياسية التي شهدتها البلاد منذ يناير (كانون الثاني) 2011، إذ تعاقب على قصر الحكومة بالقصبة كل من رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد حتى أواخر فبراير (شباط) 2020، وخلفه وزير المالية الأسبق إلياس الفخفاخ حتى صيف العام ذاته، ثم وزير الداخلية الأسبق هشام المشيشي من سبتمبر (أيلول) 2020 حتى 25 يوليو (تموز) 2021 تاريخ القرارات الرئاسية التي اتخذها سعيّد، وبينها حل البرلمان وتغيير الحكومة واعتماد خريطة سياسية جديدة. وكانت نجلاء بودن رئيسة الحكومة الرابعة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد كرم، الرئيس السابق لعدد من المصارف (البنوك) وللجمعية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية، إنه عرف أحمد الحشاني، زميله السابق في الإدارة العامة للبنك المركزي، منذ توظيفه منذ أكثر من 35 سنة.

ووصف شخصية رئيس الحكومة الجديد بـ«الهادئة»، وأردف أنه «خبير كبير» في القوانين، وأيضاً في المعاملات مع كل المؤسسات البنكية والمالية والاقتصادية التونسية والدولية، لا سيما تلك التي تحتاج إلى بحث ملفاتها مع القسم القانوني في البنك المركزي والحصول على موافقته.

أسرة تونسية - فرنسية

ولد أحمد بن صالح الحشاني عام 1957 لأم فرنسية من إقليم البريتاني (أقصى شمال غربي فرنسا) وأب تونسي عسكري كان من بين الضباط الشبان الذين تخرّجوا في فرنسا وبنوا المؤسسة العسكرية التونسية. وكان كثيرون من هؤلاء - مثل والده – قد تزوّجوا بأوروبيات قبل العودة إلى تونس على غرار الزعيم الحبيب بورقيبة وثلة من المقربين منه.

كان الطفل أحمد الحشاني في الخامسة من عمره عندما أوقفت في ديسمبر (كانون الأول) 1962 قوات الأمن التونسية والده الرائد صالح الحشاني، قائد الوحدات العسكرية في محافظة قفصة الجنوبية على الحدود الجزائرية - التونسية، وذلك بتهمة المشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة 1962 ضد الرئيس الحبيب بورقيبة، التي نظمها ضباط عسكريون وأمنيون ومسؤولون في الدولة والإدارة بقيادة الأزهر الشرايطي، مدير عام الأمن الرئاسي والزعيم السابق للمجموعات المسلحة التي قاومت الاستعمار الفرنسي. وبالمناسبة، كانت الزوجة الثانية للشرايطي بدورها أوروبية من أصل سويسري.

وهنا نذكر أن الأب العسكري لرئيس الحكومة الجديد كان قد بدأ مسيرته ضابطاً برتبة ملازم في جيش آخر ملوك تونس، محمد الأمين باي، ثم انضم إلى الجيش الجمهوري إثر إلغاء الملكية في 25 يوليو (تموز) 1957. ومن ثم رقّي لاحقاً إلى رتبة «رائد».

مصادرة أملاك العائلة

وكان أحمد في السادسة من عمره عندما جرت محاكمة والده وحكم عليه بالإعدام. وحقاً نفذ الحكم فيه مع غالبية المتهمين العسكريين والمدنيين، في حين أحيل رفاقهم الذين حوكموا بالسجن والأشغال الشاقة إلى السجون.

هذا، وكشف المحامي والحقوقي اليساري عبد الرؤوف العيادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أن شقيقة لأحمد الحشأني وشقيقه - وهو ضابط في الجيش الفرنسي - نظما تحركات بعد أحداث 2011 في تونس من أجل «التعريف بالمظالم التي تعرّضت لها الأسرة بعد إعدام الوالد، من بينها مصادرة أملاكها والتشهير بها».

كذلك شارك الشقيق والشقيقة مع الحقوقيين والمعارضين السابقين في اعتصامات ومظاهرات من أجل معرفة مكان دفن ذويهم بعد إعدامهم، وإعادة الاعتبار لهم ولعائلاتهم. وبالفعل، استجابت السلطات في عام 2013، وحصل الأهل على رفات ذويهم، ومُكنوا بالتالي من إعادة دفنهم في مقابر عادية، بينما أحيلت الملفات الباقية إلى المحاكم المختصة في «قضايا العدالة الانتقالية».

ولكن، من جهة أخرى، لم يعرف عن أحمد الحشاني نفسه أنه شارك لا في التحركات ولا في جلسات المحاكم التي كانت تنظر منذ عشر سنوات في القضايا التي رفعتها عائلات ضحايا المحاكمات السياسية ما بين 1955 و2011. وأيضا، لم يعرف عنه انحياز واضح لأي تيار سياسي، بما في ذلك التيار «القومي العروبي»، الذي قيل إن غالبية المشاركين في المحاولة الانقلابية لعام 1962 كانوا ينتمون إليه أو يتعاطفون معه.

حملات إعلامية

عرف عن رئيس الوزراء الجديد تفرّغه للدراسة في المدارس العمومية ثم في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة تونس، التي تخرج فيها عام 1983، خلال الفترة ذاتها تقريباً التي درس فيها في الكلية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ثم شقيقه المحامي والأكاديمي نوفل سعيّد ونخبة من زملائه لاحقاً، في الدولة وفي البنك المركزي، بينهم الجامعي والخبير الاقتصادي فتحي زهير النوري، عضو مجلس إدارة البنك المركزي سابقاً.

وبعد التخرّج، لم ينخرط أحمد الحشاني مباشرة في الحياة السياسية والحزبية بل تفرّغ لوظيفته في البنك المركزي، ثم في أنشطة اجتماعية ثقافية اقتصادية ضمن جمعية قدماء البنك ومتقاعدي المؤسسة.

بيد أن مصادر في حزب «نداء تونس»، الذي أسّسه وتزعّمه الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي، أوردت أن الحشاني انخرط في الحزب الذي فاز في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية: «لكنه كان في الصف الثاني، ولم يتحمل أي مسؤولية في هيئاتها الوطنية».

شخصية هادئة

في أي حال، شخصية أحمد الحشاني، الطفل والشاب ثم الكهل، قد تكون تأثرت بالظروف التي نشأ فيها وعائلته، ولا سيما، عندما كان بورقيبة ومساعدوه يشنون حملات إعلامية قادها بورقيبة نفسه، واتهم فيها «جهات خارجية» - بينها الجزائر بزعامة الرئيس أحمد بن بلا - بدعم «المعارضين» و«المتآمرين» ضده، ممن عدهم من «اليوسفيين» (مناصرو غريمه الزعيم التونسي صالح بن يوسف) و«القوميين العرب».

ما يستحق الإشارة، أن بورقيبة كان حينذاك في «أزمة مزدوجة»...

الوجه الأول، مع فرنسا بقيادة الجنرال شارل ديغول، بسبب «المذبحة» التي ارتكبها الجيش الفرنسي في مدينة بنزرت (بشمال تونس) في يوليو 1961، عند قمع مظاهرة شعبية ضخمة تطالبه بالجلاء العسكري الكامل، والتململ داخل ثكنات الجيش التونسي.

والوجه الثاني، توتر علاقاته مع مَن تبقى من معارضيه الموالين للزعيم الثاني للحزب الدستوري والحركة الوطنية الوزير صالح بن يوسف - الذي اغتاله مناصرون لبورقيبة في ألمانيا صيف 1961 - بسبب تزعمه تمرّداً منذ 1955. وفي حينه، تحالف بن يوسف مع «القوميين العروبيين» والتيار القومي العربي المصري بزعامة جمال عبد الناصر والجناح القومي العربي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية بزعامة بن بلا.

الأولوية للملفات الاقتصادية

في هذا السياق العام يبرز رئيس الحكومة الجديد في موقع «الشخصية التأليفية» التي اختارها الرئيس سعيّد وفريقه عشية الانتخابات العامة للغرفة الثانية للبرلمان المقرّرة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين. إذ إنه شخصية تبعث برسائل «طمأنة» عديدة لأبناء الجهات المُهمّشة والداخلية والضواحي الفقيرة للمدن في مرحلة استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وتجاوز نسب الفقر والبطالة - بصفة رسمية – حد الـ20 في المائة.

وفي الوقت عينه، يبدو أن قصر قرطاج (مقر الرئاسة) أراد أن يستفيد من علاقات الحشاني وفريقه الآتي من داخل البنك المركزي والبنوك التونسية، وذلك للمضي في تنفيذ سياسته التي تعتمد أكثر على «التداين من السوق الداخلية»، وترفض «الإذعان لإملاءات» صندوق النقد الدولي والمؤسسات الأوروبية والعالمية، لا سيما فيما يتعلق برفع الدعم وإغلاق المؤسسات العمومية المفلسة، أو بيعها للقطاع الخاص بما في ذلك شركات النقل العمومية التي تقدر ديونها بنحو 3 مليارات دولار.

«النخبة الجديدة»

في الواقع، تتوفر في الحشاني: «الإنسان» و«الخبير القانوني والاقتصادي والإداري» مزايا «المسؤول المثالي» بالنسبة للرئيس سعيّد وفريقه منذ انتخابات 2019. بل بالأخص منذ منعرج 25 يوليو (تموز) 2021 مع تركّز جل السلطات في قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية). فرئيس الحكومة الجديد يشبه عددا من الشخصيات التي سبق أن اعتمد عليها سعيّد ومنحها ثقته، لأنها كانت أساساً «إدارية ومحايدة» ولا تحوم حولها «شبهات مالية وسياسية وحزبية»، فضلاً عن كونها لا يمكن أن تكون عرضة للانتقادات من قبل شخصيات عمومية أو وسائل الإعلام التي قد تطعن في ماضيها.

لذلك فإن معظم الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم سعيد في حكومات ما بعد 2019، ثم ما بعد 25 يوليو 2021، يشبهون أحمد الحشاني من حيث سيَرهم الذاتية القصيرة؛ إذ يشترط ألا تثير هذه السيَر الذاتية «شبهات» أو «حملات إعلامية» قد يوظّفها بعض المعارضين ضد الرئيس. ومن هؤلاء، أولئك الذين قد يشككون في حرص سعيّد على نظافة اليدين والشفافية والنزاهة سواءً بالنسبة له أو لكل كبار المسؤولين في الدولة.

أبرز مقاييس الاختيار «من خارج المنظومات»

وفعلاً، تذكّر شخصية الحشاني بشخصيات عديدة سبق لقصر قرطاج أن قرّبها أو أمر بتعيينها على رأس مؤسسات سيادية في الدولة، لأن الشرط الرئيسي الذي توافر فيها هو «الولاء للوطن ولرئيس الدولة» والاستعداد لتنفيذ «المشروع السياسي لرئيس الجمهورية والتوجهات التي يرسمها للحكومة»، كما أورد زياد كريشان، رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية والمعلق السياسي لإذاعة «موزاييك» الخاصة.

إذ جاء تعيين الحشاني بعد مسار انطلق منذ 2019، بادر فيه سعيّد إلى تعيين شخصيات «من خارج كل منظومات الحكم والمعارضة السابقة». ومعلوم، أن الرئيس التونسي يعد كل تلك «المنظومات التي تحكّمت بالدولة» إبان عهدي بورقيبة (1955 - 1987) وبن علي (1987 - 2011) ثم بعد ذلك، كانت فاشلة وتحوم حولها شبهات «الفساد والتبعية للخارج». ولهذا اختار رئيس الحكومة الجديد مثلما اختار من قبل عدداً من المسؤولين السابقين من خارج «النخب المزيفة» والمتورطة بـ«الانقلاب على نضالات الشباب» المهمش الذي ثار من أجل الشغل والخبز والكرامة في المناطق الفقيرة في 2008 و2010 ومطلع 2011.

وعلى سبيل المثال، عندما عين إلياس الفخفاخ رئيساً للحكومة مطلع 2020 كان في طليعة أسباب التعيين اتفاقه معه على ضرورة «إقصاء الفاسدين» ورفض «المصالحة المغشوشة» مع حزب «قلب تونس» وزعيمه نبيل القروي، ومع رموز المنظومات التي حكمت تونس في عهد زين العابدين بن علي.

وفي السياق ذاته وللاعتبارات ذاتها، قرّب سعيّد إليه هشام المشيشي، الموظف السابق في الهيئة العليا لمكافحة الفساد، فعينه وزيراً للداخلية ثم رئيساً للحكومة في سبتمبر (أيلول) 2020 قبل أن يبعده في يوليو 2021. ووفق تلك المقاييس - أي عبر استبعاد «مَن تحملوا مسؤوليات عليا في الحقبات السابقة» وقع الاختيار على نجلاء بودن وفريقها وعدد من كبار المسؤولين.

في هذا الإطار، يجدر التذكير بأن سعيّد أعلن بوضوح منذ 2013 - أي قبل وصوله إلى الحكم بسنوات -، ثم بعد انتخابه رئيساً، أنه يريد إبعاد «النخب القديمة» بمختلف ألوانها وآيديولوجياتها وأحزابها. ومن جهة ثانية، أكد أنه يراهن على «نخبة جديدة غير متورطة في غلطات السياسيين ورجال الأعمال الفاسدين» وقادة الأحزاب الذين هيمنوا على أوضاع تونس خلال السنوات السبعين الماضية عموماً، وخصوصاً بعد 2011 أي في «عشرية الخراب». وهذه التسمية يطلقها سعيّد على كل «النخب» السياسية و«اللوبيات» القريبة منها و«المافيات» و«الكارتيلات» الاقتصادية والمالية خلال مرحلة ما بعد ثورة 2011.

ولقد سبق لسعيّد أن خاطب الشباب والأوساط الشعبية متكلماً عن كل السياسيين والمثقفين الذين ينتمون إلى «عقود الخراب» منذ الخمسينات إلى اليوم. إذ قال: «فليرحلوا... فليرحلوا جميعاً»... في إشارة إلى الأحزاب التي فازت في انتخابات 2011 وحكمت البلاد حتى 2013. وكذلك إلى «جبهات المعارضة» التي تشكلت لإسقاطها بزعامة الباجي قائد السبسي وقيادات حزب «نداء تونس» و«التحالف من أجل تونس» والأطراف السياسية والنقابية التي تنتسب إلى عهدي بورقيبة وبن علي.

استبعادات بالجملة

وبعد إسقاط البرلمان والحكومة الائتلافية التي كانت تشارك فيها قيادات من أحزاب العقد الماضي، استبعد سعيّد جلّ «النخب السابقة»، بما في ذلك النخب «الحداثية» التي كان يتزعمها يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الأسبق وزعيم حزب «تحيا تونس»، أو محسن مرزوق الوزير السابق وزعيم حزب «مشروع تونس»، وإلياس الفخفاخ زعيم حزب «التكتل الديمقراطي»، والأحزاب الاجتماعية الديمقراطية بزعامة عصام الشابي وخليل الزاوية وغازي الشواشي وحمة الهمامي.

أيضاً، بعد منعرج يوليو 2021، استبعد الرئيس حتى النخب والشخصيات البرلمانية والنقابية والسياسية التي كانت تعد نفسها «مقربة جداً» من قصر قرطاج، ومنها نور الدين الطبوبي وقيادات «الاتحاد العام التونسي للشغل» ومحمد عبو وغازي الشواشي وزهير المغزاوي وهيكل المكي وبقية قيادات الكتلة القومية العربية واليسارية في البرلمان السابق.المعركة المقبلةهذا، وفي حين تحفظت المعارضة وقيادات من «جبهة الخلاص الوطني»، بزعامة أحمد نجيب الشابي، على صيغة هذا التعديل الحكومي الجديد، صرّح المحامي والناشط السياسي عماد بن حليمة بأنه يتوقع أن تفسّر «الأجندات الانتخابية القادمة» الاختيار الذي وقع على «شخصية من دون ماض سياسي» مثل أحمد الحشاني وتسليمه رئاسة الحكومة الجديدة. ويعتقد بن حليمة أن رئيس الحكومة الجديد جاء من قطاع البنوك وعالم المال والأعمال والقانون في سياق «استعدادات الرئيس سعيّد وفريقه لانتخابات الغرفة الثانية للبرلمان المقررة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة والانتخابات الرئاسية المقرّرة في الربع الأخير من العام المقبل».

رئيس حكومة ما بعد «الخريطة السياسية»وحسب المواقع الاجتماعية التابعة للشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قصر قرطاج فإن الرئيس سعيّد يعد نفسه نجح في إنجاز «الخريطة السياسية»، وسيبدأ مع رئيس الحكومة الجديد معاركه الاقتصادية مع «مافيات التحايل والاحتكار والفساد». وهذا، بعدما عاد إلى توجيه نيرانه إليها خلال موكب تنصيب رئيس الحكومة الجديد، عندما حملها مسؤولية نقص المواد الغذائية والأساسية من الأسواق، بما في ذلك الخبز والعجين ومشتقاته.

ختاماً، في كل الحالات، يبدو أن مستقبل أحمد الحشاني السياسي رهين بضعة عوامل؛ من بينها أنه سيُسمح له بلعب دور رئيس حكومة اقتصادية سياسية بصلاحيات واسعة... كيلا يظل مجرد «وزير أول» و«منسق عمل الفريق الحكومي» على غرار نجلاء بودن.


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يشدد على ضرورة مواجهة غلاء الأسعار

شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)

الرئيس التونسي يشدد على ضرورة مواجهة غلاء الأسعار

أكّد رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، خلال استقباله رئيسة الحكومة، ضرورة إعداد النّصوص الترتيبية للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)

تونس: إيداع قاضٍ معزول السجن بسبب تدوينات منتقدة للرئيس سعيّد

يأتي توقيف القاضي هشام خالد بعد يومين فقط من إيداع النائب في البرلمان أحمد السعيداني السجن لنشره أيضاً تدوينات ساخرة ضد الرئيس قيس سعيّد...

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من جلسة سابقة للبرلمان التونسي (رويترز)

إيداع برلماني السجن بسبب تدوينات ساخرة ضد الرئيس التونسي

أودعت السلطات القضائية التونسية النائب في البرلمان التونسي، أحمد السعيداني، السجن بعد إيقافه أول من أمس الأربعاء، والتحقيق معه بتهمة «الإساءة للغير».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا النائب السعيداني اتهم الرئيس قيس سعيد بالسعي لاحتكار كل القرارات (رويترز)

مطالب داخل البرلمان التونسي بالإفراج عن نائب لانتقاده الرئيس

طالبت كتلة الخط السيادي في برلمان تونس، اليوم (الخميس)، بالإفراج الفوري عن النائب المنتمي لها أحمد السعيداني، الذي اعتُقل مساء أمس الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)

محكمة تونسية تؤيد وتشدد أحكاماً بالسجن على معارضين ومسؤولين سابقين

وُجِّهت إلى المتهمين تهم تعلّقت بـ«تكوين تنظيم له علاقة بالجرائم الإرهابية، وتكوين وفاق بقصد الاعتداء على الأملاك والأشخاص والتآمر على أمن الدولة الداخلي».

«الشرق الأوسط» (تونس)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.