الأوراق النقدية اليمنية التالفة... معضلة أخرى من صنيع الحوثيين

مليارات الريالات مهترئة والسكان يبتكرون حلولاً مؤقتة

 أوراق نقدية يمنية مهترئة من فئة 100 ريال (فيسبوك)
أوراق نقدية يمنية مهترئة من فئة 100 ريال (فيسبوك)
TT

الأوراق النقدية اليمنية التالفة... معضلة أخرى من صنيع الحوثيين

 أوراق نقدية يمنية مهترئة من فئة 100 ريال (فيسبوك)
أوراق نقدية يمنية مهترئة من فئة 100 ريال (فيسبوك)

استطاع عصام بعد عناء مضنٍ جمع 50 ألف ريال يمني (تعادل 92 دولاراً)، وهو المبلغ المطلوب منه إيجاراً للمنزل الذي يقطنه في حي جنوب العاصمة اليمنية صنعاء، ليفاجأ بوجود معضلة أخرى تمثلت برفض مالك المنزل قبول المبلغ من فئة 100 ريال؛ كون معظم أوراقه تالفة وغير قابلة للتداول.

يتحدث عصام الذي يعمل سائق أجرة في صنعاء عن فشل محاولاته بإقناع مالك المنزل قبول المبلغ الذي جمعه بصعوبة في ظل ركود سوق العمل وندرة من يستقلون سيارات الأجرة، حيث اشترط المالك فئة 1000 ريال، وأن تكون غير تالفة.

وفي ظل استمرار غياب أي حلول من قبل سلطة الانقلاب الحوثي لحل مشكلة تهالك العملة، تستمر معاناة اليمنيين في التصاعد، حيث يلجأ كثير منهم إلى البحث عن حلول ولو مؤقتة لتخطي المشكلات التي ترافق تداول الأوراق النقدية التالفة.

وتمنع الميليشيات الحوثية تداول الطبعات الجديدة من العملة التي أصدرها البنك المركزي اليمني في عدن، حيث فرضت نظاماً مصرفياً ونقدياً موازياً مكتفية بالطبعات القديمة في مناطق سيطرتها، كما أنها لا تستطيع طباعة أوراق نقدية لجهة أنها سلطة انقلابية غير معترف بها دولياً.

صعوبة في البيع والشراء

مثل عصام يعاني آلاف اليمنيين من صعوبات أثناء استخدام الأوراق النقدية في عمليات البيع والشراء، إذ برزت المشكلة إلى السطح بعد طرح جماعة الانقلاب الحوثي المليارات من تلك الفئات النقدية المهترئة للتداول بها، عقب عجزها عن طباعة أوراق جديدة.

يعاني اليمنيون من شح السيولة وتلف الأوراق النقدية في مناطق سيطرة الحوثيين (إكس)

ويقدر اقتصاديون يمنيون في صنعاء حجم الأوراق النقدية التالفة من الريال اليمني والمنتشرة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بأكثر من 80 في المائة من إجمالي العملة الوطنية المتداولة، بعد أن كانت قبل 7 سنوات تقدر بنحو 65 في المائة.

ويتهم مصرفيون في صنعاء جماعة الحوثي بأنها ضخت على مراحل أوراقاً نقدية تالفة على شكل مرتبات بعضها سبق سحبه نهائياً، وأخرى أُتلفت من قبل المركزي اليمني بعد استبدالها من مواطنين خلال سنوات ما قبل الانقلاب والحرب.

ويشاهد المتجول في المراكز والأسواق التجارية في صنعاء انتشار كميات ضخمة للعملة المحلية من فئات 50 ريالاً، و100 ريال، و200 ريال، و250 ريالاً، و500 ريال، بعد أن أصبحت تالفة وتحمل بعضها توقيعات لمحافظين تعاقبوا على المركزي اليمني في فترة سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

نصف راتب ممزق

ويقول الموظفون الحكوميون في صنعاء ومدن أخرى إن الجماعة حين تقوم بصرف نصف راتب كل عدة أشهر، من فئة 100 ريال وأحياناً من فئة 250 ريالاً، من العملة التالفة، ويؤكدون أن ذلك يقحمهم في خلافات مع الناس لحظة تداولهم لها.

ويكشف موظف بدائرة حكومية في صنعاء عن قيامه بعملية فحص أثناء تسلمه نصف الراتب المقدر بـ40 ألف ريال (يعادل 75 دولاراً) ليكتشف أن 25 في المائة من تلك الأوراق ممزقة ويرفض الكثير قبولها.

ويضطر موظفون إلى توثيق نصف الراتب الذي يتسلمونه من وقت لآخر من جماعة الانقلاب الحوثي وتداول صورة الأوراق المهترئة على منصات التواصل، ويؤكدون أن الكثير من الأوراق مرممة بلواصق بلاستيكية وأخرى مجمعة من فئات متعددة.

وبمقابل التدهور المستمر للريال اليمني مقابل العملات الخارجية تندرج الأوراق النقدية التالفة ضمن قائمة المعاناة اليومية التي يكابدها السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يواجهون بشكل يومي كثيراً من المشكلات، خصوصاً عند تسيير تعاملاتهم التجارية.

أوراق نقدية يمنية مهترئة من فئة 100 ريال (فيسبوك)

وسبق أن أصدر جهاز أمن الميليشيات الحوثية تعميمات بمناطق سيطرتهم تحض على تقديم بلاغات ضد الرافضين التعامل مع الأوراق النقدية التالفة، وتوعد بفرض غرامات مضاعفة بحق المتخلفين.

وتحدثت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» عن تسجيل مناطق متفرقة بصنعاء وضواحيها المئات من حوادث النزاع والعراك بالأيدي بين مواطنين على خلفية القبول أو الرفض للعملات.

حلول مؤقتة

ويلجأ عثمان وهو مالك محل تجاري بصنعاء، لابتكار حيل مؤقتة لحل مشكلة تلف الأوراق النقدية، الأولى تتمثل بطباعة كارت صغير بمثابة سند إيصال يسلمه للزبون حال الشراء وتبقي بعض المال، بينما الأخرى تمثلت بشراء مجموعة حلوى متنوعة، وفي حال تبقى للزبون مبلغ بين 50 و250 ريالاً يعطيه البائع بعضاً منها عوضاً عن الأوراق التالفة.

ويفيد عثمان بأنه كان في السابق لا يكاد يمر عليه يوم من دون الدخول بمشادات كلامية أو عراك مع بعض زبائنه جراء التلف الحاصل في الأوراق النقدية بجميع فئاتها.

ويؤكد صاحب متجر في صنعاء أنه تعرض للاعتقال ودفع الغرامة من قبل الحوثيين؛ لأنه رفض من أحد عناصرهم قبول ورقة من فئة 100 ريال تالفة لم يتبق منها سوى أقل من النصف، وقال إنه بعد الواقعة كلف اثنين من أولاده القيام بمهمة تلصيق الأوراق النقدية التي تصلهم ممزقة من الزبائن، بصورة يومية.

وكانت إحصائيات سابقة للبنك المركزي في صنعاء بينت أن حجم التالف في العملة اليمنية بلغ خلال عام 2013 18 ملياراً و171 مليوناً و432 ريالاً يمنياً، مقارنة بـ11 ملياراً و215 مليوناً و12 ألفاً و500 ريال في 2012.


مقالات ذات صلة

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

العالم العربي السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

تسببت الأمطار الموسمية في تضرر نحو 200 ألف يمني، وسط نزوح وخسائر واسعة، بينما يفاقم تراجع التمويل الإنساني ضعف قدرة البلاد على مواجهة الأمراض المعدية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

قالت هيئة بحرية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

بدعم سعودي، يمضي اليمن في إعادة هيكلة الجيش والأمن عبر تغييرات قيادية وتحديث التدريب واللوجستيات، ضمن مساعٍ لتوحيد القرار العسكري، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

يشهد جنوب اليمن تطورات أمنية متفرقة تمثلت أخيراً بتفكيك خلية مرتبطة بعملية اغتيال بعدن بالتزامن مع وقوع هجوم يشتبه بأنه إرهابي في أبين أدى إلى مقتل جندي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

تتكرر المأساة الموسمية في مدينة تعز المحاصرة، بجرف السيول للأطفال في ظل اختلالات مزمنة في البنية التحتية وتعثر مشاريع الحماية وتفشي الإهمال وغياب المساءلة

وضاح الجليل (عدن)

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.