موجات الحرّ تزداد وتعزز الحاجة لعمل مناخي عاجل

كوكب الأرض يغلي

سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
TT

موجات الحرّ تزداد وتعزز الحاجة لعمل مناخي عاجل

سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)

تُتابع درجات الحرارة في صيف 2023 تحطيم الأرقام القياسية التي لم يشهدها كوكب الأرض منذ آلاف السنين. وتعاني بلدان كثيرة في نصف الكرة الشمالي موجات حرّ غير مسبوقة أودت بحياة كثيرين، وعززت الحاجة لاتخاذ مبادرات للعمل المناخي محلياً وعالمياً، ليس بتخفيف الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري فقط، بل باعتماد تغييرات عاجلة أيضاً للتكيُّف مع الأوضاع المتغيّرة التي أصبحت واقعاً، ولم تعد حدثاً طارئاً.

صيف حارّ يحطّم الأرقام القياسية

شهد يوليو (تموز) الماضي موجات حرّ شديدة في عدة أجزاء من نصف الكرة الشمالي، بما في ذلك جنوب غربي الولايات المتحدة والمكسيك وجنوب أوروبا والصين. وتجاوزت درجات الحرارة 50 درجة مئوية في وادي الموت بالولايات المتحدة وكذلك في شمال غربي الصين.

وفي أوروبا، تم تسجيل أكثر الأيام سخونة على الإطلاق في كتالونيا، وجرى تحطيم أعلى السجلات لدرجة الحرارة اليومية في أجزاء أخرى من إسبانيا. وفي الولايات المتحدة، سجّلت أجزاء من نيفادا وكولورادو ونيو مكسيكو أعلى مستويات الحرارة على الإطلاق. وفي أكثر من مكان في العالم العربي تجاوزت درجات الحرارة عتبة 40 درجة مئوية، وتخطّت 50 درجة مئوية في العراق والكويت.

وخلصت خدمة كوبرنيكوس لتغيُّر المناخ، التابعة للاتحاد الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تقرير نُشر قبل أيام، إلى أن درجات الحرارة في يوليو (تموز) الماضي كانت شديدة بالفعل لدرجة أنه «من المؤكد تقريباً» أن هذا الشهر سيحطم الأرقام القياسية «بهامش كبير».

وتعود البيانات المستخدمة لتتبع سجلات الحرارة إلى عام 1940، لكن كثيراً من العلماء يقولون إنه من شبه المؤكد أن درجات الحرارة هذه هي الأكثر دفئاً التي شهدها الكوكب منذ 120 ألف عام، بالنظر إلى ما نعرفه من آلاف السنين من البيانات المناخية المستخرجة من حلقات الأشجار والشعاب المرجانية ورواسب أعماق البحار.

وتعدّ موجات الحرّ من بين أكثر الأخطار الطبيعية فتكاً، حيث يموت آلاف الأشخاص لأسباب مرتبطة بالحرارة كل سنة. ومع ذلك، تتطلب الإحاطة الكاملة بتأثيرات موجات الحرّ مرور أسابيع وأشهر على حصولها. وقبل أيام، صدرت تقديرات أعداد الوفيات نتيجة موجة الحرّ التي اجتاحت أوروبا خلال صيف العام الماضي، وقد بلغت 61672 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة في أوروبا وحدها. وقبل انتهاء صيف هذه السنة، جرى تأكيد كثير من الوفيات في الولايات المتحدة والمكسيك وإسبانيا وإيطاليا واليونان وقبرص والجزائر والصين.

ويُعتبر تغيُّر المناخ إلى حدٍ بعيد المحرك الرئيسي للحرارة الخانقة هذا الصيف، ولكن توجد عوامل أخرى تساهم في رفع درجات الحرارة إلى مستويات متطرفة. أول هذه العوامل هو التغيُّر في كمية الطاقة المشعّة من الشمس التي ترتفع وتنخفض بشكل طفيف كل 11 عاماً. وتؤدي هذه الدورة في أعلى ذروة لها إلى زيادة تدفئة الأرض بنحو 0.05 درجة مئوية، ومن المتوقع أن تصل الشمس ذروتها المقبلة سنة 2025.

والعامل الثاني هو ثوران البراكين تحت المائية، ولا سيما بركان تونغا في جنوب المحيط الهادئ الذي أدى ثورانه في عام 2022 إلى تبخر كمية كبيرة من مياه البحر. ويمكن لبخار الماء، الذي يُعتبر من غازات الدفيئة القصيرة العمر، أن يرفع درجات الحرارة العالمية بأكثر من 0.03 درجة مئوية على مدى عدة سنوات.

أما العامل الثالث فهو ظاهرة «النينيو»، التي ترتبط بتقلُّبات درجات الحرارة السطحية في الجزء الاستوائي من المحيط الهادئ، وتصحبها تغيُّرات في دوران الغلاف الجوي فوق المنطقة. وعادة ما تحدث ظاهرة «النينيو» بشكل طبيعي، لكنها تؤثر بقوة على أنماط الطقس والمناخ في أنحاء كثيرة من العالم. وحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وصلت درجات حرارة سطح البحر في العالم إلى مستوى قياسي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ما يعني أن نمط طقس «النينيو» الاحتراري قد بدأ للتو. ورفعت ظاهرة «النينيو» القوية في 2016 درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.14 درجة مئوية.

مبادرات لمواجهة موجات الحرّ

يبقى تغيُّر المناخ هو اللاعب المسيطر في ارتفاع درجة حرارة الكوكب. فخلال الأعوام التي تلت بدء النهضة الصناعية، قام البشر بتسخين الأرض بمقدار 1.2 درجة مئوية. ويقول علماء إن تغيُّر المناخ زاد صيف هذه السنة من احتمالية موجة الحرّ في الصين بمقدار 50 مرة، بينما زاد احتمال حدوث موجات حرارية متزامنة في أوروبا وأميركا الشمالية بما لا يقل عن 1000 مرة. وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة للتصريح بأن «عصر الغليان العالمي قد حان».

ويمكن أن تكون السنوات القليلة المقبلة قاسية للغاية. فإذا تطورت ظاهرة «النينيو» أكثر خلال العام المقبل، جنباً إلى جنب مع الحد الأقصى من الطاقة الشمسية وتأثيرات ثوران بركان تونغا، فمن المحتمل أن ترتفع درجات حرارة الأرض إلى مستويات غير مسبوقة. ومن المحتمل أن يعني هذا مزيداً من الموجات الحارّة، وحرائق الغابات، والفيضانات المفاجئة، وغيرها من الظواهر الجويّة المتطرفة.

وفي مواجهة ذلك، يتبنى كثير من الحكومات حول العالم خطط تدخُّل للتعامل مع موجات الحرّ. وتضم خطط العمل المتعلقة بالحرارة عدداً من التقييمات والإجراءات على مستويات مختلفة للاستجابة للمخاطر المرتبطة بالحرارة وتقليلها. وتشمل عملية تخطيط العمل الحراري مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة من مختلف القطاعات لزيادة التنسيق والتعاون في مراحل التحضير والاستجابة والتعافي من إدارة الكوارث الحرارية.

وعلاوة على ذلك، تميل المدن التي لديها تخطيط حضري للحرارة الشديدة إلى أن تكون أكثر برودة وأقل تأثراً بظاهرة جزر الحرارة الحضرية، التي تنشأ نتيجة هيمنة السطوح القاتمة الممتصة للحرارة وتقارب الأبنية التي تمنع الحركة الحرة للهواء داخل المدن. وهي تدعم تنفيذ خطط العمل المتعلقة بالحرارة في ضوء زيادة فرص موجات الحرّ مدفوعة بالاتجاهات المتداخلة لتغيُّر المناخ، وشيخوخة السكّان، والتحضُّر.

تعاني بلدان كثيرة في نصف الكرة الشمالي موجات حرّ غير مسبوقة

ويتمثّل تحدي ازدهار المدن على كوكب شديد الحرارة في قدرتها على النمو بطريقة حرة وذكية، وعلى نحو عمودي يتفادى الزحف العمراني نحو الضواحي. وفي هذه المدن يجري استبدال السيارات بالدراجات ووسائل النقل العام. وتكون مبانيها الجديدة فعّالة ومبنية من مواد مستدامة، وآمنة للناس أثناء موجات الحرّ الشديدة المتزايدة. وهذا يعني مزيداً من المساحات الخضراء، والأشجار، والمسطّحات المائية، وكثير من الظل، إلى جانب تصميم حضري أكثر ذكاءً من الناحية الحرارية. ويُعتبر تصميم مدينة «ذا لاين» في منطقة نيوم السعودية الجديدة نموذجاً متقدماً في هذا الاتجاه.

وفي كثير من المدن، يتم تنفيذ مشروعات لإعادة البناء الحضري من خلال مبادرات متنوعة. ففي مدينة نيويورك، زرع العمال والمتطوعون أكثر من مليون شجرة لإضافة الظل وتنقية الهواء. وفي إشبيلية في إسبانيا، يستخدم مخططو المدن تقنية الممرات المائية القديمة تحت الأرض لتوفير التبريد للمدينة من دون الاعتماد على تكييف الهواء كهربائياً. وفي فريتاون، سيراليون، يقوم المسؤولون بإنشاء حدائق حضرية، وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة، وإقامة مظلات زجاجية فوق الأسواق الخارجية. وفي لوس أنجليس، تقوم فرق الأشغال العامة بطلاء الشوارع باللون الأبيض لزيادة الانعكاسية. وفي الهند، انطلقت تجربة الأسطح الخضراء، التي تمتص الحرارة وتخلق مساحات لزراعة الخضار والفاكهة.

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت تنبؤات الطقس والمناخ موثوقة للغاية، مستفيدة من كميات هائلة من بيانات الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض، وقوة الحوسبة الفائقة للتنبؤ بتدفق وتفاعلات الحرارة والماء بين المكوّنات المعقدة للمحيطات والأرض والغلاف الجوي. وتُظهِر نمذجة المناخ أنه مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة ستصبح أحداث الطقس أكثر تطرفاً.

وتتوقع دراسة صدرت عام 2020 أن ترتفع درجة الحرارة العظمى في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال القرن الحالي بين 4 و7 درجات مئوية. ومن المتوقع أن تشهد المنطقة موجات حرّ مديدة، حيث سيتعرض أغلب بلدان المنطقة إلى أجواء حارّة يصل مجموع أيامها إلى أكثر من 180 يوماً في السنة.

وفيما تزداد احتمالية أن تتجاوز درجة حرارة الكوكب 1.5 درجة مئوية فوق حرارة ما قبل العصر الصناعي بحلول سنة 2028، فإن بدء تحولات مناخية لا عودة عنها سيصبح قائماً، وستترك أثرها الخطير على البشرية. ومع تداخل كثير من العوامل التي تدفع حرارة الكوكب إلى الغليان، فإن الجهود لكبح تغيُّر المناخ على المستوى العالمي، والتكيُّف مع درجات الحرارة المرتفعة على المستوى المحلي، تصبح مصيريةً أكثر من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يوميات الشرق ما خُلق للدفء صار حارساً للبرودة (رويترز)

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يُجري باحثون تجربة غير مألوفة في جبال الألب، لاختبار ما إذا كان صوف الأغنام، قادراً على الإسهام في حماية الجليد...

العالم رجل يستظل بشجرة وارفة في إحدى الحدائق العامة في سيدني (أ.ب)

‌سيدني تشهد موجة حر تثير تخوُّفاً من اندلاع حرائق غابات

شهدت مدينة سيدني الأسترالية موجة من الحر الربيعي الشديد ​اليوم السبت، الأمر الذي رفع خطر حرائق الغابات.

«الشرق الأوسط» (سيدني )
يوميات الشرق رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

تُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا نحو 33 دولة سجّلت هذا العام أكثر شهر يوليو حرارة لها منذ بدء تسجيل البيانات (أ.ف.ب)

للعام الثاني على التوالي... بريطانيا تسجل الصيف الأكثر حراً

شهدت بريطانيا الصيف الأشد حرارة في تاريخها للعام الثاني على التوالي، بحسب ما أعلنت هيئة الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يستريح تايتشي كونيشي أحد موظفي شركة «كونوي» في صندوق تبريد مخصص للعمال يُعرف أيضاً باسم «الثلاجة البشرية» في مستودع الشركة وهي شركة متخصصة في بيع البراغي ومعدات المسح بالجملة خلال يوم حار في هيغاشي أوساكا بمحافظة أوساكا (أ.ف.ب)

ثلاجة للبشر... ابتكار ينعش عمّال اليابان في مواجهة القيظ (صور)

إقبال على ثلاجات تنفث هواء بارداً منعشاً في اليابان، في مواجهة الحرارة الشديدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟


ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الإدارة الأميركية، الجمعة، أنها تعتزم إنهاء الحماية الممنوحة للذئاب كأحد الأنواع المهددة بالانقراض، مما أثار غضباً واسعاً لدى المنظمات البيئية.

وفي مرسوم يهدف إلى مساعدة مربي المواشي للحدّ من خسائرها، طلب الرئيس دونالد ترمب من وزير داخليته دوغ بورغوم أن يحدّد في غضون 90 يوماً ما إذا كانت الذئاب الرمادية والذئاب المكسيكية تستوفي المعايير التي «تتيح رفع الحماية عنها، أو إعادة تصنيفها بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض».

وإذا استوفت الذئاب المعايير، فبإمكان بورغوم البدء في شطبها من القائمة، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى تشجيع الولايات على تخفيف القيود المفروضة على صيد الذئاب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طريقه إلى مروحية «مارين وان» للانتقال إلى نادي الغولف الذي يملكه في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة تضم ما لا يقل عن 250 ألف ذئب قبل وصول المستوطنين الأوروبيين الذين تسببوا في انخفاض أعدادها بشكل كبير مع توسعهم غرباً.

وتضم الولايات المتحدة القارية حالياً نحو 7600 ذئب رمادي، بحسب منظمة «وولف كونسرفيشن سنتر»، بينما قُدّر عدد الذئاب المكسيكية بنحو 317 ذئباً في نهاية عام 2025، بحسب المنظمة المكلفة بمراقبة أعدادها.

وقررت إدارة ترمب إلغاء قرار حماية الذئب الرمادي الذي صدر في سبعينات القرن الفائت بعد أن كاد ينقرض في الولايات المتحدة. وقد أعاد قاضٍ فدرالي العمل بالقرار في العام 2022.

ورأى بن غرويل، من منظمة «سييرا كلوب» المدافعة عن البيئة، أن هذا القرار محاولة لتهدئة مخاوف مربي المواشي الغاضبين من قرار الحكومة رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً عن لحوم الأبقار المستوردة.

وأضاف: «إن تحويل حماية الذئاب إلى قضية تُدار سياسياً بذريعة الحد من الأضرار لن يُساهم في خفض أسعار المواد الغذائية، أو مساعدة الأسر التي تُعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة».

وكانت إدارة ترمب قد أضعفت في يوليو (تموز) حماية موائل الأنواع المُهددة بالانقراض، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».