موجات الحرّ تزداد وتعزز الحاجة لعمل مناخي عاجل

كوكب الأرض يغلي

سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
TT

موجات الحرّ تزداد وتعزز الحاجة لعمل مناخي عاجل

سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)
سيدة تونسية تسير في احدى الغابات التي التهمت الحرائق نتيجة ارتفاع الحرارة في شمال غربي تونس قرب الحدود مع الجزائر ( ا ف ب)

تُتابع درجات الحرارة في صيف 2023 تحطيم الأرقام القياسية التي لم يشهدها كوكب الأرض منذ آلاف السنين. وتعاني بلدان كثيرة في نصف الكرة الشمالي موجات حرّ غير مسبوقة أودت بحياة كثيرين، وعززت الحاجة لاتخاذ مبادرات للعمل المناخي محلياً وعالمياً، ليس بتخفيف الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري فقط، بل باعتماد تغييرات عاجلة أيضاً للتكيُّف مع الأوضاع المتغيّرة التي أصبحت واقعاً، ولم تعد حدثاً طارئاً.

صيف حارّ يحطّم الأرقام القياسية

شهد يوليو (تموز) الماضي موجات حرّ شديدة في عدة أجزاء من نصف الكرة الشمالي، بما في ذلك جنوب غربي الولايات المتحدة والمكسيك وجنوب أوروبا والصين. وتجاوزت درجات الحرارة 50 درجة مئوية في وادي الموت بالولايات المتحدة وكذلك في شمال غربي الصين.

وفي أوروبا، تم تسجيل أكثر الأيام سخونة على الإطلاق في كتالونيا، وجرى تحطيم أعلى السجلات لدرجة الحرارة اليومية في أجزاء أخرى من إسبانيا. وفي الولايات المتحدة، سجّلت أجزاء من نيفادا وكولورادو ونيو مكسيكو أعلى مستويات الحرارة على الإطلاق. وفي أكثر من مكان في العالم العربي تجاوزت درجات الحرارة عتبة 40 درجة مئوية، وتخطّت 50 درجة مئوية في العراق والكويت.

وخلصت خدمة كوبرنيكوس لتغيُّر المناخ، التابعة للاتحاد الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تقرير نُشر قبل أيام، إلى أن درجات الحرارة في يوليو (تموز) الماضي كانت شديدة بالفعل لدرجة أنه «من المؤكد تقريباً» أن هذا الشهر سيحطم الأرقام القياسية «بهامش كبير».

وتعود البيانات المستخدمة لتتبع سجلات الحرارة إلى عام 1940، لكن كثيراً من العلماء يقولون إنه من شبه المؤكد أن درجات الحرارة هذه هي الأكثر دفئاً التي شهدها الكوكب منذ 120 ألف عام، بالنظر إلى ما نعرفه من آلاف السنين من البيانات المناخية المستخرجة من حلقات الأشجار والشعاب المرجانية ورواسب أعماق البحار.

وتعدّ موجات الحرّ من بين أكثر الأخطار الطبيعية فتكاً، حيث يموت آلاف الأشخاص لأسباب مرتبطة بالحرارة كل سنة. ومع ذلك، تتطلب الإحاطة الكاملة بتأثيرات موجات الحرّ مرور أسابيع وأشهر على حصولها. وقبل أيام، صدرت تقديرات أعداد الوفيات نتيجة موجة الحرّ التي اجتاحت أوروبا خلال صيف العام الماضي، وقد بلغت 61672 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة في أوروبا وحدها. وقبل انتهاء صيف هذه السنة، جرى تأكيد كثير من الوفيات في الولايات المتحدة والمكسيك وإسبانيا وإيطاليا واليونان وقبرص والجزائر والصين.

ويُعتبر تغيُّر المناخ إلى حدٍ بعيد المحرك الرئيسي للحرارة الخانقة هذا الصيف، ولكن توجد عوامل أخرى تساهم في رفع درجات الحرارة إلى مستويات متطرفة. أول هذه العوامل هو التغيُّر في كمية الطاقة المشعّة من الشمس التي ترتفع وتنخفض بشكل طفيف كل 11 عاماً. وتؤدي هذه الدورة في أعلى ذروة لها إلى زيادة تدفئة الأرض بنحو 0.05 درجة مئوية، ومن المتوقع أن تصل الشمس ذروتها المقبلة سنة 2025.

والعامل الثاني هو ثوران البراكين تحت المائية، ولا سيما بركان تونغا في جنوب المحيط الهادئ الذي أدى ثورانه في عام 2022 إلى تبخر كمية كبيرة من مياه البحر. ويمكن لبخار الماء، الذي يُعتبر من غازات الدفيئة القصيرة العمر، أن يرفع درجات الحرارة العالمية بأكثر من 0.03 درجة مئوية على مدى عدة سنوات.

أما العامل الثالث فهو ظاهرة «النينيو»، التي ترتبط بتقلُّبات درجات الحرارة السطحية في الجزء الاستوائي من المحيط الهادئ، وتصحبها تغيُّرات في دوران الغلاف الجوي فوق المنطقة. وعادة ما تحدث ظاهرة «النينيو» بشكل طبيعي، لكنها تؤثر بقوة على أنماط الطقس والمناخ في أنحاء كثيرة من العالم. وحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وصلت درجات حرارة سطح البحر في العالم إلى مستوى قياسي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ما يعني أن نمط طقس «النينيو» الاحتراري قد بدأ للتو. ورفعت ظاهرة «النينيو» القوية في 2016 درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.14 درجة مئوية.

مبادرات لمواجهة موجات الحرّ

يبقى تغيُّر المناخ هو اللاعب المسيطر في ارتفاع درجة حرارة الكوكب. فخلال الأعوام التي تلت بدء النهضة الصناعية، قام البشر بتسخين الأرض بمقدار 1.2 درجة مئوية. ويقول علماء إن تغيُّر المناخ زاد صيف هذه السنة من احتمالية موجة الحرّ في الصين بمقدار 50 مرة، بينما زاد احتمال حدوث موجات حرارية متزامنة في أوروبا وأميركا الشمالية بما لا يقل عن 1000 مرة. وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة للتصريح بأن «عصر الغليان العالمي قد حان».

ويمكن أن تكون السنوات القليلة المقبلة قاسية للغاية. فإذا تطورت ظاهرة «النينيو» أكثر خلال العام المقبل، جنباً إلى جنب مع الحد الأقصى من الطاقة الشمسية وتأثيرات ثوران بركان تونغا، فمن المحتمل أن ترتفع درجات حرارة الأرض إلى مستويات غير مسبوقة. ومن المحتمل أن يعني هذا مزيداً من الموجات الحارّة، وحرائق الغابات، والفيضانات المفاجئة، وغيرها من الظواهر الجويّة المتطرفة.

وفي مواجهة ذلك، يتبنى كثير من الحكومات حول العالم خطط تدخُّل للتعامل مع موجات الحرّ. وتضم خطط العمل المتعلقة بالحرارة عدداً من التقييمات والإجراءات على مستويات مختلفة للاستجابة للمخاطر المرتبطة بالحرارة وتقليلها. وتشمل عملية تخطيط العمل الحراري مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة من مختلف القطاعات لزيادة التنسيق والتعاون في مراحل التحضير والاستجابة والتعافي من إدارة الكوارث الحرارية.

وعلاوة على ذلك، تميل المدن التي لديها تخطيط حضري للحرارة الشديدة إلى أن تكون أكثر برودة وأقل تأثراً بظاهرة جزر الحرارة الحضرية، التي تنشأ نتيجة هيمنة السطوح القاتمة الممتصة للحرارة وتقارب الأبنية التي تمنع الحركة الحرة للهواء داخل المدن. وهي تدعم تنفيذ خطط العمل المتعلقة بالحرارة في ضوء زيادة فرص موجات الحرّ مدفوعة بالاتجاهات المتداخلة لتغيُّر المناخ، وشيخوخة السكّان، والتحضُّر.

تعاني بلدان كثيرة في نصف الكرة الشمالي موجات حرّ غير مسبوقة

ويتمثّل تحدي ازدهار المدن على كوكب شديد الحرارة في قدرتها على النمو بطريقة حرة وذكية، وعلى نحو عمودي يتفادى الزحف العمراني نحو الضواحي. وفي هذه المدن يجري استبدال السيارات بالدراجات ووسائل النقل العام. وتكون مبانيها الجديدة فعّالة ومبنية من مواد مستدامة، وآمنة للناس أثناء موجات الحرّ الشديدة المتزايدة. وهذا يعني مزيداً من المساحات الخضراء، والأشجار، والمسطّحات المائية، وكثير من الظل، إلى جانب تصميم حضري أكثر ذكاءً من الناحية الحرارية. ويُعتبر تصميم مدينة «ذا لاين» في منطقة نيوم السعودية الجديدة نموذجاً متقدماً في هذا الاتجاه.

وفي كثير من المدن، يتم تنفيذ مشروعات لإعادة البناء الحضري من خلال مبادرات متنوعة. ففي مدينة نيويورك، زرع العمال والمتطوعون أكثر من مليون شجرة لإضافة الظل وتنقية الهواء. وفي إشبيلية في إسبانيا، يستخدم مخططو المدن تقنية الممرات المائية القديمة تحت الأرض لتوفير التبريد للمدينة من دون الاعتماد على تكييف الهواء كهربائياً. وفي فريتاون، سيراليون، يقوم المسؤولون بإنشاء حدائق حضرية، وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة، وإقامة مظلات زجاجية فوق الأسواق الخارجية. وفي لوس أنجليس، تقوم فرق الأشغال العامة بطلاء الشوارع باللون الأبيض لزيادة الانعكاسية. وفي الهند، انطلقت تجربة الأسطح الخضراء، التي تمتص الحرارة وتخلق مساحات لزراعة الخضار والفاكهة.

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت تنبؤات الطقس والمناخ موثوقة للغاية، مستفيدة من كميات هائلة من بيانات الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض، وقوة الحوسبة الفائقة للتنبؤ بتدفق وتفاعلات الحرارة والماء بين المكوّنات المعقدة للمحيطات والأرض والغلاف الجوي. وتُظهِر نمذجة المناخ أنه مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة ستصبح أحداث الطقس أكثر تطرفاً.

وتتوقع دراسة صدرت عام 2020 أن ترتفع درجة الحرارة العظمى في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال القرن الحالي بين 4 و7 درجات مئوية. ومن المتوقع أن تشهد المنطقة موجات حرّ مديدة، حيث سيتعرض أغلب بلدان المنطقة إلى أجواء حارّة يصل مجموع أيامها إلى أكثر من 180 يوماً في السنة.

وفيما تزداد احتمالية أن تتجاوز درجة حرارة الكوكب 1.5 درجة مئوية فوق حرارة ما قبل العصر الصناعي بحلول سنة 2028، فإن بدء تحولات مناخية لا عودة عنها سيصبح قائماً، وستترك أثرها الخطير على البشرية. ومع تداخل كثير من العوامل التي تدفع حرارة الكوكب إلى الغليان، فإن الجهود لكبح تغيُّر المناخ على المستوى العالمي، والتكيُّف مع درجات الحرارة المرتفعة على المستوى المحلي، تصبح مصيريةً أكثر من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

حرائق غابات تمتد من بريطانيا إلى ضفتي المتوسط

أوروبا منازل دمرها حريق في بلدة ستوربريدج في منطقة ويست ميدلاند بانجلترا أمس ( إ.ب.أ)

حرائق غابات تمتد من بريطانيا إلى ضفتي المتوسط

تكافح فرق الإطفاء في بريطانيا وعلى ضفتي المتوسط حرائق غابات، وتواجه صعوبات في مواجهة المخاطر المتزايدة في أكثر أيام العام حرارة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق غابات في فرنسا (رويترز) p-circle

أوروبا تكافح حرائق الغابات مع ارتفاع قياسي بدرجات الحرارة

قال مسؤولو الإطفاء، الجمعة، إن حرائق الغابات في إنجلترا وويلز بلغت مستويات غير مسبوقة، محذرين من أن فرق الإنقاذ تجد صعوبات في مواجهة المخاطر المتزايدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بيئة موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)

موجات الحر تزيد من شعور الكبار بالألم المزمن

كشفت الدراسة أن التعرُّض المُطوَّل للحرارة الشديدة يرتبط بزيادة الألم المزمن لدى كبار السن، خصوصاً بين الفئات الأكثر فقراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق عمال يقومون بحصاد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز) p-circle

حين يصبح الليل وقت الحصاد... مزارعو أوروبا في مواجهة الحر

لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية عابرة بالنسبة إلى المزارعين، بل تحوّلت إلى عامل يفرض إعادة تنظيم يوم العمل الزراعي وتغيير أساليب الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.


إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.