مصر واليونان تؤكدان «اتساق مواقفهما» في «شرق المتوسط»

قمة السيسي وميتسوتاكيس الأولى منذ التقارب بين القاهرة وأنقرة

مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر واليونان تؤكدان «اتساق مواقفهما» في «شرق المتوسط»

مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

استضافت مدينة العلمين الجديدة (شمال غربي مصر)، قمة مصرية يونانية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وهذه القمة هي الأولى عقب فوز الأخير بالانتخابات النيابية اليونانية للمرة الثانية، كما أن القمة تأتي في أعقاب تقارب مصري تركي، وترفيع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء.

ووفق المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، أحمد فهمي، فإن المباحثات شهدت «تبادلاً للرؤى ووجهات النظر تجاه الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك»، لافتاً إلى «اتساق مواقف الدولتين في منطقة (شرق المتوسط)»، مع تأكيد أن منتدى غاز شرق المتوسط «يمثل إحدى أهم الأدوات في هذا الإطار».

وأضاف متحدث «الرئاسة المصرية»، الخميس، أن القمة ناقشت كذلك تطورات «ظاهرة (الهجرة غير المشروعة) في حوض البحر المتوسط»، حيث ثمَّن رئيس الوزراء اليوناني «ما تقوم به مصر من جهود لمواجهة هذه الظاهرة، خاصة في ضوء ما تفرضه من أعباء، بسبب استضافة ملايين اللاجئين على أرض مصر». وأشار إلى أن المباحثات تناولت كذلك عدداً من القضايا ذات الاهتمام المتبادل، وعلى رأسها «التبعات العالمية لتطورات الأزمة الروسية الأوكرانية، فضلاً عن مستجدّات الأزمات القائمة في المنطقة، خاصة ليبيا»، حيث أكد السيسي موقف مصر بـ«دعم المسار السياسي، وأهمية إجراء الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والبرلماني، وخروج كل القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستعادة ليبيا سيادتها ووحدة أراضيها واستقرارها».

الرئيس المصري خلال استقباله رئيس الوزراء اليوناني بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

وذكر متحدث «الرئاسة المصرية» أن اللقاء شهد التباحث حول سبل تعزيز آفاق التعاون الثنائي بين البلدين، حيث جرى «تأكيد الحرص المتبادل على سرعة تفعيل وتنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقَّعة بين البلدين، واستمرار دفع التعاون في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي والثقافي، إلى جانب ملف الطاقة وما يتعلق بالغاز الطبيعي والربط الكهربائي، وكذا التعاون في قطاعات التحول الأخضر».

تأتي القمة المصرية اليونانية في أعقاب تقارب بين مصر وتركيا تُوّج باستئناف البلدين، الشهر الماضي، التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء، بعد نحو 10 أعوام من القطيعة، علاوة على توجيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان دعوة إلى نظيره المصري لزيارة بلاده، وفق ما أعلنه السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شان، قبل أسابيع، وهي الزيارة التي لم تتمَّ إلى الآن، أو يعلَن رسمياً عن موعدها.

وعلى عكس العلاقات بين مصر واليونان وقبرص، التي «تشهد نمواً لافتاً، خلال السنوات العشر الأخيرة»، فإن العلاقات بين الدولتين الأوروبيتين وتركيا «تشهد توتراً متكرراً»؛ بسبب ما يوصَف بأنه «نشاط تركي غير مشروع»، للتنقيب عن الغاز في مناطق بحرية تقول أثينا ونيقوسيا إنها «خاضعة لسيادتهما».

وأكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أهمية القمة المصرية اليونانية ورمزيتها في تأكيد التعاون بين البلدين باعتباره أحد أطر التعاون الفعال في منطقة شرق المتوسط، ومن بين الركائز التي أثبتت فعاليتها في الحفاظ على أمن تلك المنطقة التي تزداد أهميتها الجيواستراتيجية في ضوء الاكتشافات الكبيرة للغاز.

ويوضح فهمي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر «دولة مسؤولة في إقليمها، وتدير علاقاتها الثنائية بنوع من (التوازن والرشد)»، ولهذا فإن أي تطوير للعلاقات المصرية التركية «لن يكون على حسابات علاقات مصر مع اليونان وقبرص»، لافتاً إلى أن تلك العلاقات باتت «جماعية وراسخة، بموجب اتفاقات دولية، فضلاً عن تحقيقها مصالح ذات أولوية للقاهرة، اتصالاً بالانفتاح المصري على الساحة الأوروبية، وتطلُّع مصر إلى مزيد من تعميق الشراكة مع دول شمال المتوسط».

وشهدت العلاقات المصرية اليونانية نمواً ملموساً، خلال السنوات الماضية، إذ قفزت قيمة التبادل التجاري بين البلدين، وفقاً لإحصاءات رسمية مصرية، بنسبة «بلغت 112.8 في المائة خلال عام2021»، وتحتل الاستثمارات اليونانية في مصر المركز الخامس بين دول «الاتحاد الأوروبي»، وسط مساعٍ معلَنة من الجانبين لزيادة حجم الاستثمارات بمقدار 5 أضعاف.

كما تُجري مصر واليونان وقبرص تدريبات عسكرية بحرية وجوية منتظمة في البحر المتوسط، تحت اسم «ميدوزا»، وهو ما يُعدّ أحد أبرز الأنشطة المشتركة للقوات المسلَّحة بالدول الثلاث.

ويعتقد الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة كارديف متروبوليتان البريطانية، المقيم في العاصمة اليونانية، أن التقارب المصري التركي «قد يحمل بعض الهواجس بالنسبة لأثينا»، مشيراً إلى أن «اليونان كانت تنظر إلى الخلاف المصري التركي على أنه (يصبّ في مصلحتها)، ولا ترى في التقارب بين القاهرة وأنقرة (إيجابية)».

وأضاف درويش، لـ«الشرق الأوسط»، أن «ثمة متغيرات كبيرة تجري في منطقة شرق المتوسط، ومن بينها الرغبة الأوروبية الأميركية المشتركة في تهدئة الأجواء بين تركيا واليونان». ويلفت، في هذا الصدد، إلى اللقاء الأخير بين الرئيس التركي، ورئيس الوزراء اليوناني، على هامش «قمة الناتو»، الشهر الماضي، إضافة إلى موجة التسويات التي تشهدها المنطقة، ومن بينها التقارب المصري التركي، وجميعها أمور «قد تكون لها انعكاسات على مستقبل بناء العلاقات بين دول المتوسط، والاستفادة من ثروات المنطقة البحرية، من خلال خفض التوتر، أو احتمال انضمام تركيا إلى (منتدى غاز شرق المتوسط)».

عودة إلى طارق فهمي، الذي يرى أن تركيا «لن تدخل (منتدى غاز شرق المتوسط) إلا بموافقة الدول الأعضاء في المنتدى، وبعد تسوية عدد من الملفات العالقة، ومن بينها الاعتراف بقبرص، وترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص ودول شرق المتوسط، وهي ملفات شائكة ومتداخلة».

وتأسس «منتدى شرق المتوسط للغاز (EMGF)» عام 2019، وتستضيف القاهرة مقره، وشاركت في تأسيسه 6 دول، بالإضافة إلى مصر، هي: إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، على أن «تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب بذلك بعد استيفاء إجراءات العضوية اللازمة، وفق إعلان القاهرة المؤسس للمنتدى.

ويثير ترسيم الحدود خلافات سياسية وقانونية بين دول شرق المتوسط، إذ سبق لتركيا أن أعلنت اعتراضها على توقيع مصر واليونان، في أغسطس (آب) 2020، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما، بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية، خلال أكثر من 15 عاماً، في حين رفضت مصر واليونان وقبرص اتفاقاً وقّعته تركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2019 مع حكومة «الوفاق الوطني» الليبية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط.


مقالات ذات صلة

محافظو مصر الجدد أمام اختبار «رضا المواطنين»

شمال افريقيا جانب من اجتماع «مجلس المحافظين» برئاسة مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

محافظو مصر الجدد أمام اختبار «رضا المواطنين»

قال المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، إن «تقييم أداء المحافظين يعتمد على استطلاعات رأي يجريها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقترح مصري بتغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة ومنحها وضعاً تشريعياً خاصاً (العاصمة الإدارية)

مقترح «ممفيس» يُنعش الحديث عن طبيعة عاصمة مصر الإدارية

أثار مشروع قانون جديد في مصر لـ«الإدارة المحلية» نقاشاً حول طبيعة «العاصمة الإدارية الجديدة»، وما إذا كانت بديلاً مستقبلياً عن عاصمة مصر التقليدية القاهرة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا دور مهم للجمعيات الخيرية المصرية في مساندة الأسر الفقيرة (مؤسسة مصر الخير)

أدوات التكافل الاجتماعي ما زالت قادرة على مساندة فقراء المصريين

تساند أشكال التكافل الاجتماعي الشعبي الفقراء في مصر على الصمود أمام التحديات المعيشية في ظل غلاء الأسعار، خصوصاً في شهر رمضان.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في مصر والأردن وفلسطين.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

يعود تشكيل «تنظيم 65» إلى عام 1965 حين اتهمت مجموعة يقودها منظر الجماعة سيد قطب بـ«إحياء تنظيم مسلح»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

العثور على جثث 7 مهاجرين غير شرعيين على شاطئ ليبي

عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
TT

العثور على جثث 7 مهاجرين غير شرعيين على شاطئ ليبي

عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)

عُثر على جثث سبعة مهاجرين غير شرعيين من دول جنوب الصحراء على شاطئ شرق العاصمة الليبية طرابلس، حسبما أفاد عامل في الهلال الأحمر الليبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأحد.

ومن بين الضحايا ثلاثة أطفال، وفق ما أضاف المصدر، مرجحاً وجود مهاجرين آخرين لم يُعثر عليهم بعد. ولم يُفصح الهلال الأحمر الليبي عن ملابسات الوفاة.

وقال المنظمة، في بيان: «قام متطوعو الهلال الأحمر الليبي - فرع الخمس بانتشال 7 جثث من على شاطئ منطقة قصر الأخيار تعود لمهاجرين ضمن محاولات الهجرة غير الشرعية».

وتقع بلدة قصر الأخيار الساحلية على بعد نحو 73 كيلومتراً شرق طرابلس.

وليبيا دولة عبور رئيسية لآلاف المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا سنوياً، فيما تُسجّل وفيات بين المهاجرين بشكل متكرر.

ولقي أكثر من 2100 مهاجر غير شرعي حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط إلى أوروبا العام الماضي، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.


«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
TT

«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)

استقبل «معبر رفح» دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى قطاع غزة، تضم نساءً وأطفالاً وكبار سن، حسبما أفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأحد.

وقالت القناة إن فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر داخل المعبر لتسهيل إجراءات العبور، بالتنسيق مع الجهات المختصة؛ مؤكدة أن «الهلال المصري» حاضر على الحدود منذ بدء الأزمة، وأن «معبر رفح لم يُغلق من الجانب المصري نهائياً، مع استمرار الجهود الإنسانية والإغاثية المصرية لدعم الأشقاء الفلسطينيين».

وتؤكد مصر دوماً ضرورة «ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية».

ومع تواصل إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من الجانب المصري، أطلق «الهلال الأحمر المصري»، الأحد، قافلة «زاد العزة الـ143» حاملة أكثر من 5.220 طن من المساعدات الإنسانية الشاملة، وذلك في إطار جهوده الإنسانية المتواصلة لدعم الفلسطينيين.

كما أشار «الهلال المصري»، الأحد، إلى استقبال وتوديع الدفعة الـ16 من الجرحى والمرضى والمصابين الوافدين والمغادرين عبر معبر رفح.

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل مرضى ومصابين فلسطينيين (هيئة الاستعلامات المصرية)

ووفق «هيئة الاستعلامات المصرية» تنتشر فرق «الهلال المصري» أمام معبر رفح من الجانب المصري، لتقديم الخدمات الإغاثية للفلسطينيين، وتشمل الدعم النفسي للأطفال، وخدمات إعادة الروابط العائلية، وتوزيع وجبات سحور وإفطار، وتوفير الملابس الثقيلة ومستلزمات العناية الشخصية، وتوزيع «حقيبة العودة» على العائدين إلى القطاع.

وسبق أن قررت مصر، في منتصف فبراير (شباط) الحالي، تقديم مليون وجبة يومياً لفلسطينيي غزة خلال شهر رمضان من خلال المطبخ التابع لـ«الهلال الأحمر المصري» في الشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء.

وقال مجلس الوزراء المصري إن ذلك يأتي في إطار حملة «هلال الخير 2026» التي أطلقها «الهلال الأحمر المصري» تأكيداً على التزام الدولة المصرية بمواصلة رسالتها الإنسانية تجاه الأشقاء الفلسطينيين، خصوصاً خلال رمضان».


«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
TT

«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

أعلنت «قوات الدعم السريع» السودانية أنها سيطرت على بلدة الطينة الحدودية مع تشاد. وكانت البلدة تحت سيطرة القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش الذي يخوض حرباً ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

ونشرت «قوات الدعم السريع» بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، تعلن فيه السيطرة على بلدة الطينة الاستراتيجية في ولاية شمال دارفور غرب السودان، إضافة إلى مقطع فيديو لبعض مقاتليها يحتفلون تحت لافتة تحمل اسم البلدة. ومنذ سيطرتها على الفاشر، نفذت «قوات الدعم السريع» عدة عمليات بالقرب من الحدود التشادية.

وكانت اشتباكات عنيفة قد دارت بين الطرفين في المنطقة منذ يوم السبت، وفي وقت لاحق، أعلنت «قوات الدعم السريع» بسط سيطرتها الكاملة على البلدة، وقالت إن قواتها تواصل «تنفيذ الخطط التأمينية لبسط الأمن وحماية المدنيين في الطينة والمناطق المجاورة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والمساهمة في استعادة الخدمات الأساسية».

حاكم دارفور

حاكم إقليم دارفور وقائد «حركة جيش تحرير السودان» مني أركو مناوي يزور مخيم نازحين بشمال السودان - 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه، أدان حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، الانتهاكات التي قامت بها «قوات الدم السريع» في البلدة، و«السلوك الإجرامي المتكرر الذي يجسد أبشع صور الانتهاكات بحق الأبرياء»، مضيفاً أن «سلوكيات (قوات الدعم السريع) تؤكد بجلاء النوايا المبيتة في تهجير بعض القبائل من إقليم دارفور وفرض واقع ديمغرافي بالقوة والسلاح».

كما وصف مناوي تصريحات قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي» في أوغندا بـ«الخطيرة»، مشيراً إلى أن حميدتي أقر بجلب مرتزقة أجانب إلى البلاد. وحذر من أن مبدأ استدعاء قوة خارجية في نزاع داخلي يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها. وأضاف أن «السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يُطفئ النار لا يُغذّيها، ويؤسس لدولة مواطنة لا دولة سلاح».

وكان قائد «الدعم السريع» أقر خلال لقائه مع عدد من السودانيين في أوغندا، قبل يومين، بمشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال إلى جانب قوّاته داخل السودان، مشيراً إلى أنهم فنيون مسؤولون عن سلاح المسيّرات.

عاصمة قبيلة الزغاوة

وتعدّ بلدة الطينة آخر جيوب القوات الموالية للجيش المعروفة بـ«القوة المشتركة»، وتقع على الحدود السودانية - التشادية مباشرة، وتنقسم إلى بلدتين باسم «الطينة السودانية» و«الطينة التشادية»، وتُعرف بأنها عاصمة قبيلة «الزغاوة» المشتركة بين البلدين.

وخلال الأشهر الماضية، استولت «قوات الدعم السريع» على بلدات أبو قمرة، وأم برو، وبير سبيل كرنوي، ولم يتبقَّ على الحدود المشتركة بين تشاد والسودان سوى بلدة الطينة.

وفي بيان ثانٍ، نفى المتحدث الرسمي باسم «قوات الدعم السريع»، الفاتح قرشي، بشكل قاطع، ما تم تداوله من مزاعم بشأن التجنيد القسري أو الاتجار بالبشر، أو استجلاب مقاتلين أجانب للقتال في صفوفها، وفق تصريحات منسوبة لجنرال متقاعد من الجيش التشادي يدعى محمد نور عبد الكريم.

وقال قرشي في بيان على منصة «تلغرام»، إن «هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة، ولا تستند إلى أي دليل موثوق»، مشيراً إلى أن قواتهم لا تلجأ إلى أساليب التجنيد القسري أو الاستعانة بالمرتزقة.

صراع طائفي وقبلي

نازحون يستقلون عربات تجرها حيوانات عقب هجمات من «الدعم السريع» على مخيم زمزم بدارفور (رويترز)

وتزايدت عمليات القصف على أساس طائفي قبلي في الصراع الدائر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشكل يحصد عشرات المدنيين، حيث يتبادل الطرفان الاتهام بـ«تعمد الاستهداف العرقي العنصري» بغرض «تهجير» القبائل المناوئة للطرف الآخر.

واتهم حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، «قوات الدعم السريع»، باستهداف السكان على أسس عرقية، معتبراً أن ما جرى في الطينة يعكس «محاولات لفرض واقع ديمغرافي بالقوة». جاء ذلك بعد ساعات من إعلان «قوات الدعم السريع» سيطرتها على بلدة الطينة، في ظل تركيبة اجتماعية معقدة وحساسية جغرافية ناتجة عن موقعها الحدودي.

وكان تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، قد اتهم الجيش بمحاولة بث الفرقة وإشعال نار العنصرية والقبلية بين أبناء الشعب السوداني من خلال «سياسة الفصل العنصري التي ينتهجها الجيش وميليشياته وكتائبه، عبر استهداف المدنيين في البوادي والحضر في إقليمي كردفان ودارفور».

وقال تحالف «تأسيس»، الذي أعلن عن تدشينه في يوليو (تموز) الماضي، في بيان صحافي، إن «العالم تحدث كثيراً عن سياسات الفصل العنصري في أماكن مختلفة، لكنه يلوذ بالصمت تجاه ما يرتكبه جيش جماعة الإخوان المسلمين في السودان من ممارسات تعد من الأسوأ على الإطلاق».

بدورها، قالت «الحركة الشعبية لتحرير السودان» شمال، المتحالفة مع «قوات الدعم السريع» إنه تم استهداف الضحايا في مدينة السنوط «بصورة إثنية»، مشيرة إلى أن مسيرة حربية تابعة للجيش شنت في 6 فبراير (شباط)، غارات جوية على مدينة شالي الفيل الواقعة بمقاطعة الكرمك، في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان.

وخلّف الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، نحو 40 ألف قتيل، وتسبب في نزوح أكثر من 12 مليون شخص (نحو 30 في المائة من السكان) داخلياً وخارجياً، ودمار هائل وانتشار المجاعة، بحسب منظمة «الصحة العالمية»، مما تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.