شراء المنازل يزداد صعوبة في لبنان... والطلب يرتفع على الإيجارات

الأزمة المالية وتَوقف القروض يمنعان تملّك الشقق

شقق في بيروت تنتظر من يشتريها (الشرق الأوسط)
شقق في بيروت تنتظر من يشتريها (الشرق الأوسط)
TT

شراء المنازل يزداد صعوبة في لبنان... والطلب يرتفع على الإيجارات

شقق في بيروت تنتظر من يشتريها (الشرق الأوسط)
شقق في بيروت تنتظر من يشتريها (الشرق الأوسط)

تضاف أزمة السكن في لبنان إلى الأزمات التي تُقلق الشباب اللبناني وتَحول دون إمكانية التخطيط لمستقبله في ظل توقف القروض المدعومة التي كان يعتمد عليها ذوو الدخل المتوسط والمحدود. فمنذ عام 2019، مع بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان وارتفاع سعر صرف الدولار وتآكل قيمة الرواتب التي لحق بها توقف القروض المدعومة التي كانت تقدمها المصارف، بات شراء أي شقة مهمة مستحيلة بالنسبة إلى أكثرية اللبنانيين في وقت لم يعد فيه استئجار المنزل أمراً سهلاً بسبب زيادة الطلب على الإيجارات من جهة وعدم قدرة كثيرين على دفع المبلغ الذي يعد مرتفعاً بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود، ومن لا يزالون يقبضون رواتبهم بالليرة اللبنانية.

هذا الواقع أطاح بخطط الشباب الذين بات جميعهم يبحثون عن حلول بديلة متنازلين عن الكثير من متطلباتهم اليومية. وهو ما يتحدث عنه سامي (32 عاماً)، بحيث تبدَّل كل ما كان يخطط له مع خطيبته في عام 2019 رأساً على عقب بعد الأزمة المالية التي أطاحت بالدرجة الأولى بمشروع شراء منزل خاص بهما. إذ بعدما كانا قد دفعا الدفعة الأولى من قسط المنزل وينتظران توقيع المصرف على القرض لشراء البيت، تراجعا عن الخطوة بعدما توقفت القروض السكنية، واضطرا إلى أن ينتقلا للعيش في بيت مستأجَر. لكنّ هذا الأمر، بعدما أصبح لديهما طفل، بات يشكّل لهما قلقاً دائماً، حسبما يقول سامي لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة تكمن في أن صاحب المنزل الذي سبق أن رفع الإيجار بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار قد يعمد في أي لحظة إلى طلب إخلاء البيت، وهو ما سيدخلنا في أزمة البحث عن منزل بديل وتحمّل مشقة الانتقال».

ولا يختلف وضع أحمد (29 عاماً) كثيراً وإن كان أفضل بعض الشيء، وذلك لامتلاكه أرضاً استطاع البناء عليها بيته الخاص في بلدته الجنوبية. إذ إن أحمد الذي كان يجمع المال ويخطط لشراء منزل في بيروت حيث يعمل، عبر الحصول على قرض، حالت الأزمة المالية دون تنفيذ خطّته لأسباب عدة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «في عام 2019 كنت قد جمّعت مبلغاً من المال في المصرف، وأسعى لزيادته ليكون دفعة أولى من القرض لأشتري منزلاً، لكن ما حصل في لبنان أدى إلى خسارة جزء كبير من هذا المبلغ وتراجع قيمة راتبي بأكثر من 50 في المائة، فعدت تقريباً إلى نقطة الصفر». هذا الأمر أدى إلى تبدّلٍ جذري في خطة أحمد. فهو لم يجد أمامه إلا اللجوء إلى خيار الإقامة في الجنوب، مع كل ما يرتّب عليه هذا الأمر من مشقة التنقلات اليومية إن لجهة زحمة السير أو لجهة تكلفة المحروقات، «وهو ما سينعكس سلباً على إمكانية ارتباطي في المستقبل القريب، مع المدفوعات التي تتراكم وتتضاعف بشكل يومي».

الأزمة المالية تزيد صعوبة تملك مسكن في لبنان (الشرق الأوسط)

ومشكلة السكن هذه لا تقتصر على الشباب، إذ إن العائلات التي كانت تدير أمور حياتها بطريقة مقبولة إلى حد كبير قبل الأزمة أُصيبت أيضاً بنكسة كبيرة لا سيما مَن لديهم أولاد في المدارس والجامعات. وهو ما تتحدث عنه ليلى، المعلمة في إحدى المدارس الخاصة، وزوجها شادي، الجندي في الجيش اللبناني. وتقول ليلى لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نعيش في منزل مستأجر وندفع إيجاراً 400 دولار من راتبي وراتب زوجي (كان راتبهما معاً يبلغ نحو 2200 دولار)، لكن صاحب المنزل طلب إخلاء المنزل ما اضطرنا للبحث عن بيت آخر، لكنّ المشكلة اليوم تكمن في أن راتبي الذي لا أزال أقبضه بالليرة اللبنانية، لا تتجاوز قيمته الـ150 دولاراً، وراتب زوجي لا تتعدى قيمته أيضاً مع كل التقديمات والمساعدات التي تقدم له الـ200 دولار، بينما لا نجد بيتاً بأقل من 250 دولاراً، وذلك إضافةً إلى الأقساط المدرسية التي ترتفع بشكل جنوني وباتت أيضاً بالدولار، مما اضطرنا إلى نقل أبنائنا إلى المدرسة الرسمية علّنا نستطيع دفع بدل الإيجار».

وأزمة السكن هذه تعكسها الأرقام التي يتحدث عنها كل من أنطوان حبيب، مدير عام مصرف الإسكان الذي اعتاد تقديم قروض الإسكان المدعومة، والباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين.

ويتحدث حبيب عن قروض الإسكان ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «عدد قروض الإسكان كان الأعلى بين عامي 2017 وبداية عام 2019، حيث كانت القروض تقدَّر بالآلاف سنوياً، قبل أن تتوقف في عام 2020 مع توقف القروض بشكل نهائي نتيجة الأزمة المالية وتوقف تمويلها من الصندوق العربي».

ويشير في الوقت عينه إلى أن هناك عشرات آلاف الأشخاص الذين استطاعوا الاستفادة من الأزمة عبر تسديد كامل القرض المقدم بالليرة اللبنانية، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار والاستفادة من هذا الأمر. مع العلم أن المصرف المركزي أصدر تعميماً سمح فيه لمن لا تتجاوز مدة قرضه 7 سنوات (وهو الشرط المنصوص عليه في القرض) بتسديد القرض، وهو ما أدى إلى ارتفاع عدد الذين أنهوا قروضهم للمؤسسة العامة للإسكان والمصارف الخاصة، على خلاف «مصرف الإسكان» الذي لم يلتزم بالتعميم وفرض انتظار مرور السنوات السبع.

لكن يبدو أنّ بارقة أمل، وإن كانت محدودة، تلوح مجدداً للذين ينوون شراء منزل جديد، حسبما يلفت حبيب، مشيراً إلى أنه من المفترض أن يعود الصندوق العربي لتمويل القروض وأن تبدأ الخطوات العملية لذلك خلال فترة قصيرة على أن تشمل ما بين 5 و6 آلاف وحدة سكنية بمساحة 150 متراً مربعاً، وأن تكون موجهة لذوي الدخل المحدود والمتوسط، لكنه يقرّ بأن هذه المبالغ لا تكفي لمن يريد شراء بيت في العاصمة أو في المدن الكبرى إنما في القرى والضواحي.

ويقول الباحث محمد شمس الدين لـ«الشرق الأوسط»: «خلال سنوات ما قبل الأزمة أي بين عامي 2010 و2018 كان متوسط عدد الشقق التي يتم شراؤها 27 ألف شقة سنوياً وكان معظمها بقروض سواء من مصارف مباشرة أو المؤسسة العامة للإسكان عبر المصارف، وبالتالي كان أي لبناني من ذوي الدخل المتوسط أو المرتفع قادراً على أن يشتري منزلاً بالتقسيط بحيث إن القسط الشهري يوازي المبلغ الذي قد يدفعه للإيجار، لكنه بذلك يستطيع في غضون 10 - 20 سنة أن يمتلك المنزل».

ويضيف: «لكن وبعد توقف القروض السكنية في عام 2019 تراجعت حركة شراء الشقق بشكل كبير جداً باستثناء مَن تأتيه أموال من الخارج، لا سيما من المغتربين، بحيث بات عدد الشقق التي يتم شراؤها خلال الأزمة يتراوح سنوياً فقط بين 3 آلاف و3500 شقة».

من هنا، يلفت شمس الدين إلى أن «عدم القدرة على شراء الشقق أدى إلى ارتفاع بدل الإيجارات»، موضحاً: «في السنوات الأولى للأزمة كانت أسعار الإيجارات منخفضة لا سيما بالدولار الأميركي لكن في السنتين الأخيرتين عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، وأصبح إيجار المنزل يتراوح بين 200 و500 دولار أو أكثر، في حين أن عدداً كبيراً من اللبنانيين لا يزالون عاجزين عن دفعه». من هنا، يتحدث شمس الدين عن «مشكلة سكن خطيرة في لبنان، إذ إن المواطن اللبناني غير قادر على أن يحصل على قرض وغير قادر أيضاً على أن يستأجر لأن الإيجارات مرتفعة مقارنةً مع الرواتب والحد الأدنى للأجور مع الطلب المتزايد أيضاً على الإيجارات، وبالتالي نحن أمام معضلة سكن كبيرة جداً خصوصاً في صفوف الشباب الذين يسعون لتأمين مستقبلهم عبر شراء أو استئجار شقة».



مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.


مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».