بويز: قطيعة مع نظامَي القذافي وصدام بسبب رسالة هجاء وعملية اغتيال

وزير الخارجية اللبناني الأسبق فتح لـ«الشرق الأوسط» دفاتر عهدين رئاسيين (الخامسة والأخيرة)

TT

بويز: قطيعة مع نظامَي القذافي وصدام بسبب رسالة هجاء وعملية اغتيال


من اليمين فارس بويز، رفيق الحريري، فاروق الشرع، الياس الهراوي، عبدالحليم خدام وغازي كنعان خلال لقاء في قصر بعبدا (غيتي)
من اليمين فارس بويز، رفيق الحريري، فاروق الشرع، الياس الهراوي، عبدالحليم خدام وغازي كنعان خلال لقاء في قصر بعبدا (غيتي)

حين بدأ عهد الرئيس إلياس الهراوي كانت الدولة اللبنانية مقطّعة الأوصال ومتصدعة المؤسسات. وعلى رغم ذلك رفض وزير الخارجية آنذاك فارس بويز استضعاف لبنان والتعامل معه وكأنه شبه دولة. رمم مبنى وزارة الخارجية وقدراً من المهنية التي كانت فيها يوم كانت في عهدة وزير لامع هو فؤاد بطرس لا يخفي بويز إعجابه به. رفض بويز لغة الإملاءات والتخوين في مخاطبة لبنان، ورفض تكريسه ساحة لتصفية الحسابات. وما ساعد بويز على لعب هذا الدور علاقته المباشرة مع الرئيس حافظ الأسد الذي أدار الحوار ذات يوم محاولاً استكشاف بصمات نائبه عبد الحليم خدام على موقف صعب اتخذه رفيق الحريري. ولفتني في كلام بويز ما سمعه من رائد التحوّل الصيني دينغ هسياو بينغ عن الخروج من العقائد الجامدة مع تفادي الانهيار. نقل بويز هذا الكلام إلى الأسد وأعرب عن اعتقاده أنه ترك أثراً في نفسه.

فارس بویز متحدثاً إلى "الشرق الاوسط"

سألت بويزعن الحادث الدبلوماسي الذي أدى إلى قطع العلاقات مع ليبيا فتحدث عنه.

في يوم من الأيام، يأتيني بكل بساطة السفير الليبي على أساس أنه يحمل رسالة من العقيد معمر القذافي. كانت الرسالة عبارة عن كتاب كرتون لونه أخضر ومطعّم بالذهب أو بالحبر الذهبي ووزنه نحو 10 كيلوغرامات أو حتى 12 كيلوغراماً. أعطاني الكتاب وكأنه معاهدة دولية مصيرية، ففتحته وقرأت سطراً منه يتحدث عن «مؤامرة اليهود والنصارى على الأمة العربية...». قرأت هذه الكلمات وأغلقت الكتاب ورميته في أحضان السفير، قائلاً: قل للعقيد القذافي إن هذا الكتاب غير مقبول على الإطلاق. قل له: نحن من العرب الأصليين. ونصارى لبنان أعادوا النهضة العربية بعد 450 سنة من التتريك ومن اختفاء هذه اللغة. حفظوا اللغة العربية في أديرتهم وعبر مطابعها ورهبانها. قل للعقيد القذافي: إن هؤلاء هم الذين خلقوا الفكر السياسي العربي. حزب البعث العربي هو من تأسيس ميشال عفلق. الحزب الشيوعي العربي الأول من تأسيس فرج الله الحلو. والحزب السوري القومي هو من تأسيس أنطون سعادة. قلت له: اعتبر نفسك يا سعادة السفير غير مرغوب فيك ما لم أحصل على كتاب اعتذار فوراً؛ ولأن الأمر مستبعد اعتبر نفسك شخصاً غير مرغوب فيه. إنني أعطيكم، لكم ولطاقم السفارة الليبية، 48 ساعة كي تغادروا لبنان. وبالفعل، غادر لبنان وذهبت إلى مجلس الوزراء. صلاحية إخراج السفير من لبنان هي صلاحية وزير الخارجية، أما صلاحية قطع العلاقات فهي تحتاج إلى قرار مجلس وزراء. طلبت من مجلس الوزراء قطع العلاقات الدبلوماسية، وهذا ما حصل.

القواعد والأصول

لم يكن الأمر موقفاً طائفياً، بل محاولة للتذكير بالقواعد والأصول. مرّت الأيام، وكلما كنت أذهب إلى مؤتمر في الخارج كان يأتيني السفير اللبناني ليقول لي إن السفير الليبي اتصل به وإن وزير خارجية ليبيا يريد اللقاء بي. وكنت أقول له: لن ألتقي به إلا إذا كان مزوّداً بكتاب اعتذار، على أن يطلعك على هذا الكتاب وتقرأه لي على الهاتف لأطمئن حول مضمونه قبل أن أستقبله. حصل الأمر مرات عدّة، وكان في لبنان ضغوطات عليّ. العقل التجاري اللبناني. فلبنان يُصدّر تفاحاً إلى ليبيا. وأنا ابن منطقة يُزرَع فيها تفاح. لكنني كنت أجيب بأن كرامتنا الوطنية أهم من التفاح حتى ولو اضطررنا إلى إتلافه... بقي الأمر على الأقل سنتين حتى جاء يوم من الأيام، أعتقد في القاهرة، حين أتاني السفير اللبناني ليقول إن وزير الخارجية الليبي اتصل به وإنه يريد لقائي وأبلغه مضمون الكتاب وأخذ يقرأه عليّ. وكان الكتاب مقبولاً، ثم أعدنا هذه العلاقة.

العقيد القذافي إلى جانب قادة عرب (الرئيس حسني مبارك والرئيس الشاذلي بن جديد والملك الحسن الثاني) خلال تدشين خزان لمياه النهر الصناعي العظيم في سلوق جنوب مدينة بنغازي عام 1991 (غيتي)

التقيت العقيد القذافي حين قرر تدشين مشروع النهر العظيم. أتى القذافي بمياه عبر آبار إرتوازية كلفت ثروات، من أقصى عمق البلاد، من منطقة صحراوية فيها كميات من المياه الجوفية، لكنها ليست خصبة وقابلة للزراعة. تم جرّ المياه عبر محطات ضخ مكلفة جداً. كلّف المشروع حينذاك نحو 8 مليارات دولار، سنة 1991. قرر الزعيم الليبي تدشينه في بنغازي ودعا عدداً من الزعماء العرب والأجانب. تقرر في مجلس الوزراء إرسال وفد إلى طرابلس برئاسة رئيس الحكومة عمر كرامي وعضوية وزير الخارجية وخمسة وزراء آخرين. عندئذ رفض أي من الوزراء الشيعة الذهاب في هذا الوفد بسبب قضية اختفاء الإمام موسى الصدر خلال زيارة قام بها إلى ليبيا. اعتذر محسن دلول وعبد الله الأمين عن عدم الذهاب، فذهب الوفد من دون الشيعة. ذهبنا سُنّة وموارنة ودروزاً. وأتذكر أن رئيس الجمهورية عندما قرر طرح موضوع تشكيل الوفد على مجلس الوزراء، عرض على وليد جنبلاط أن يكون ضمنه، فرد جنبلاط وهو الذي لا يخشى شيئاً: «لا، لا، لا، العقيد القذفي يعرف رقم حسابنا وصار له زمن لم يقم بواجباته، وعندما يقوم بواجباته نرى. أنا لا أذهب يا فخامة الرئيس». قالها بوضوح. ذهبنا، وعندما حطت الطائرة كان المشهد شبيهاً بفيلم لم أشهد مثيلاً له في حياتي. حطت الطائرة وجاءنا موكب من سيارات الكاديلاك باللون الأخضر يعتليها مسلحون برشاشات ولباس مدني. لم نفهم لماذا تسلقوا السيارات، ثم عرفنا أنهم يستخدمون هذه الرشاشات لفتح الطريق وتأمينها. كنا نسير وهم يطلقون النار... مشهد فظيع، حتى الذين عاشوا في بيروت إبان الحرب لم يشهدوا مثله، إلى أن وصلنا إلى فندق متواضع. وطبعاً لا وجود لبروتوكل ولا لتنظيم، ولم نعرف أين هي غرفنا. قام أحد مرافقي بنزع اسم أحد الأشخاص عن غرفة وقال لي لا يوجد ترتيب للغرف فلندخل. وإذ بالرئيس عمر كرامي يفتش عن غرفته، فقلت له لا توجد غرف محجوزة، فدع مرافقك يفعل كما فعل مرافقي. وفعلاً نزع اسم أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي ودخل الرئيس كرامي إلى الغرفة. ثم أخذنا الموكب وذهبنا إلى مكان الاحتفال، وإذ أرى وزيراً ليبياً يتشابك بالأيدي مع شخص آخر أمسكه بربطة عنقه. طلب الرئيس عمر كرامي أن نتجاهل المشهد، إلا أن الوزير عندما رآني رحّب بي: أهلاً معالي الوزير الصديق. كأن لا شيء يحصل!

هرج ومرج

ذهبنا وجلسنا على منصة تُشرِف على نوع من ساحة، أو حوض، وكان يفترض عندما يضغط القذافي على مفتاح معيّن أن تتدفق المياه وأن تسقط في هذا الحوض. وفيما نحن جالسون، وكل الضيوف العرب والأفارقة موجودون، وكل معه مرافقوه، ولم نكن نرى شيئاً، بدأ القذافي بالصياح لإزاحة هؤلاء المرافقين، فلم يكترث أحد. فقام وبيده عصا وبدأ بضرب كل من كان يقف أمامنا من مرافقين وبينهم ضباط كبار وأحدهم عقيد أفريقي ربما لم يكن يعرف القذافي، فقبض على يده، فتدخلت فرقة من حرس القائد الليبي وساد هرج ومرج وقفز المرافقون كل لحماية رئيسه، خصوصاً ملك المغرب الذي كان معه ما يشبه الجيش، إلى أن هدأت الأمور... وقف القذافي على المنبر ليطلق خطاباً قال فيه «إننا نفتتح اليوم النهر العظيم... لقد أتينا بالمياه عن بعد 1200 كيلومتر (في عمق الصحراء) وهذا إنجاز عظيم».

طبعاً، علمياً هذا إنجاز عاطل جداً ومكلف جداً. وبعد أن ألقى خطابه، صاح قائلاً: «طز طز بأميركا». للحقيقة لم أستوعب الموضوع، وظننت أن في اللغة الليبية كلمة «طز» يختلف معناها عما نعرفه في لغتنا. سألت شخصاً بقربي ماذا يعني، فقال لي «طز طز» هي نفسها. ثم ضغط على المفتاح وتدفقت المياه. أتت المخابرات الليبية بنحو ثلاثة آلاف شخص، ذهبوا إلى هذا الحوض يمشون في المياه ويهتفون «طز طز بأميركا... يعيش يعيش القذافي».

عدنا إلى الفندق لترتيب أمورنا للمغادرة، وكنت قد أقنعت الرئيس كرامي بأنه من غير الوارد أن نبيت في هذا الفندق، ولا بد أن نذهب حيث تنتظرنا الطائرة. فجأة سمعنا دوي رصاص من رشاشات أوتوماتيكية وجاء مرافقي ليقول لي: حرّاس ملك المغرب يحتجزون المصعد من أجله، ووصل القذافي فاشتبك حرسه مع حرس ملك المغرب من أجل المصعد. في الحقيقة غادرنا بنغازي بالطريقة ذاتها التي وصلنا بها: وسط إطلاق النار. كان شيئاً يشبه أفلام رعاة البقر (الكاوبوي) الأميركية.

قضية الصدر

خلال الفترة التي قضيتها في الخارجية لم تصلنا أي إشارة تتعلق باختفاء الإمام الصدر، سوى أخبار غير موثقة وغير مثبتة. طبعاً الصيغة التي وصلتنا وهي غير مؤكدة تفيد بأنه أثناء الحرب كان العقيد القذافي قد دعا الإمام موسى الصدر على أساس أن يدخل الشيعة في لبنان في الحرب ضد المسيحيين حينذاك، لكن الإمام موسى الصدر استعمل المال (الذي قدمته ليبيا من أجل هذه الغاية) لأسباب اجتماعية وخيرية. بنى به مدارس ومستشفيات... ويبدو أن جهات فلسطينية ولبنانية اشتكت إلى القذافي عندما سألهم: كيف لم تنتصروا على هؤلاء النصارى؟ فأجابوه بأن هناك خللاً في صفوفنا وأن الشيعة لا يحاربون. استدعى القذافي الإمام الصدر وقال له: ماذا تفعل بكل هذه المساعدات، فأعطاه (الصدر) لائحة بالمؤسسات الاجتماعية وغيرها (التي ذهبت إليها الأموال). وهنا يقال إن عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات، دخل واختطف الإمام الصدر، ويقال إنهم غيّبوه في مكان ما في الصحراء. وفيما بعد أرسلوا وفداً إلى روما مع شيخ يرتدي عمامة ليثبتوا أن الصدر دخل إيطاليا بعد ليبيا.

سنة 2004 أو 2005، وبعد استقالتي من وزارة الخارجية، كلّفني الرئيس نبيه بري أن أكون عضواً في لجنة الإمام الصدر، فسألته: ما هي مهمة هذه اللجنة؟ فقال لي: متابعة قضية الإمام موسى الصدر. بقينا في هذه اللجنة، وكنا نحضر اجتماعاتها برئاسة الشيخ عبد الأمير قبلان إلى أن أتتنا في يوم من الأيام معلومات من شقيقة الإمام موسى الصدر، رباب، ومن غيرها، بأن هناك معلومات تفيد بوجود الإمام في المكان الفلاني. ولكن طبعاً كلها كانت معلومات غير مثبتة. وفي أحد الأيام، قالوا لي بصفتك وزير خارجية سابقاً نريدك أن تذهب على رأس وفد من هذه اللجنة إلى الأمم المتحدة لتجتمع بأمينها العام خافيير بيريز دوكويار وتطلب منه تفويضاً باسم الأمم المتحدة للجنة تذهب إلى ليبيا للتحقيق في مصير الإمام موسى الصدر. لكن حصلت أمور حالت دون ذهابنا.

صدام حسين واغتيال طالب السهيل

وهناك قصة معبّرة حصلت مع نظام صدام حسين. في يوم من الأيام كان في لبنان زعيم عراقي عشائري كبير اسمه طالب السهيل، وكان معارضاً لنظام صدام ومقيماً في منطقة الروشة ببيروت. أتاه ثلاثة أشخاص وقرعوا الباب. ربما كان هذا الرجل من دون حراسة، ففتح لهم الباب. أطلقوا عليه النار وقتلوه ثم هربوا. طاردتهم الشرطة حتى وصلوا إلى السفارة العراقية، فلجأوا إليها، ولم تتمكن الشرطة من دخولها بسبب الحصانة الدبلوماسية. استدعيت السفير رأساً، وقلت له: عليك أن تسلّمنا الأشخاص الثلاثة الذين ارتكبوا هذه الجريمة وإلا سأعتبرك شخصاً غير مرغوب فيه، وعليك أن تغادر مع طاقم السفارة. فقال لي: هؤلاء دبلوماسيون. قلت له: نريد أن نتأكد منهم، وعليك أن تسملنا إياهم. كنت متاكداً أنه لن يسلمهم، وأنهم رجال مخابرات مرسلون من بغداد. قال لي: معالي الوزير هذا مستحيل. فقلت له: اعتبر نفسك شخصاً غير مرغوب فيه. فسألني: كيف أستطيع المغادرة وثمة خطر يحيق بي؟ فربما يتعرض موكب السفارة لاعتداء. قلت له: سأمرّ عليك وآخذك بموكبي الخاص بسيارتي وأنا معك وأقلك إلى المطار لتغادر، بعد يومين. احجز طائرة وانتظرني عند التاسعة صباحاً على أبواب السفارة وسأمرّ لأقلك أنت وكل طاقم السفارة. سيأتي بموكب من 10 سيارات، وموكب أمني خاص، ليس من الشرطة ولا من الجيش. وإذ في اليوم التالي، يتم الاتصال بي من مطار بيروت عند الثامنة صباحاً، وكان مدعي عام التمييز القاضي منيف عويدات. قال لي: معالي الوزير، لقد ألقي القبض على كامل أفراد طاقم السفارة العراقية وهم يحاولون الفرار. قلت له: لا. أبلغوني فوراً بأسماء هؤلاء لنرى من هم دبلوماسيون ومن هم غير دبلوماسيين. أبلغت وزارة الخارجية بالأسماء واكتشفنا أن المطلوبين الثلاثة ليسوا دبلوماسيين. فقلت لهم: أطلقوا فوراً سراح السفير وكل الدبلوماسيين واحتفظوا بالمطلوبين الثلاثة، وهذا ما حصل. أحيل المطلوبون على القضاء وصدرت أحكام بحقهم وتوفي أحدهم في السجن بمرض السرطان.

كتاب اعتذار

وعلى غرار ما حصل مع ليبيا، كنت في كل مؤتمر أذهب إليه أتلقى اتصالاً من وزير خارجية العراق ليقول لي إنه يريد أن يراني، وكنت أقول له: لا أستطيع إلا بموجب كتاب اعتذار. كنت أعرف أن صدام لن يعتذر عن الموضوع (اغتيال السهيل). في يوم من الأيام، اتصل بي سفيرنا في الأردن وكنا هناك للمشاركة في مؤتمر، وقال لي: لقد جاءني السفير العراقي وقال لي إن وزير خارجيتهم يريد مقابلتك. قال لي السفير: أعطاني صورة عن كتاب من صدام حسين وقرأه لي. وبالفعل وجدت أن مضمون الكتاب مقبول.

لم يستخدم عبارة الاعتذار، ولكن اعتبر أن ما حصل خطأ ويتحمل مسؤوليته من قام به ولا علاقة للدولة العراقية بذلك. وبالفعل عادت العلاقات بعد ذلك.

اتصل بي عام 2005، السفير الليبي وقال لي إن العقيد القذافي يقوم بجولة يزور فيها القاهرة ودمشق، وهو يرغب في لقائك في دمشق ومستعد أن يرسل لك طائرته الخاصة لتنقلك إليها، وهو معجب بك. ربما كان القذافي يريد التعرف على الرجل الذي تجرأ وقطع العلاقات مع بلاده. فقلت له: لو كان آتياً إلى بيروت لا مشكلة بلقائه، لكنني غير قادر على الذهاب إلى دمشق. لم أذهب، وطبعاً كنت قلقاً منه، ربما يفعل بي ما فعله بموسى الصدر.

الرئيس العراقي صدام حسين دعا بويز إلى رحلة صيد لكنه خشي أن يتم «صيده» خلالها (غيتي)

وكذلك الأمر مع العراق. فبعد سنوات من ذلك (عملية الاغتيال)، وكنت وقتها لم أعد وزيراً ولا نائباً، جاءني السفير العراقي ليقول إن صدام حسين علم بأنني صيّاد وأن على الفرات كثافة صيد للبط البري، وإن الرئيس يدعوني للقيام بزيارة رسمية إلى بغداد، ومنها إلى رحلة صيد للبط والوز البري. ابتسمت وقلت له: يا سعادة السفير، لديّ علل كثيرة في الحياة ولكن ليس لديّ علة نقصان التفكير. بالأمس قتل صهره (حسين كامل)، أيريد أن يأخذني إلى هناك. معروف أن رحلات الصيد أسهل طريقة لقتل شخص، فيقال قتل خطأ. مرافقك يطلق النار عليك ويقال بالخطأ. أيضاً تجاهلنا دعوة صدام.

ياسر عرفات والعلاقة المعقدة مع الأسد

اجتمعت مع ياسر عرفات مرة في الأردن. كنا في مؤتمر، وعلى مدخل الفندق الذي نزلنا فيه وصل عرفات. قبل هذا التاريخ عندما كنت ألتقي عرفات في المؤتمرات كان حذراً في العلاقة معي، ربما كان يعتبر أن فارس بويز لا يزال حاقداً بسبب الحرب في لبنان. كانت العلاقة حذرة. لائقة ولكن حذرة. وإذ يومها، التقينا على مدخل الفندق، وإذ بعرفات يهجم علينا. قبّلني كما قبّل مرافقي. لم يكن يعرف من هو. قبّل الجميع. أذكر أن صورة أُخذت لهذه اللحظة، وأعطيت الصورة للمرافق، وهو من بلدة مارونية مقاتلة أثناء الحرب اسمها حراجل في كسروان. أخذ المرافق هذه الصورة وهو كئيب وقال لي: صورة جميلة ولكن لا نجرؤ على وضعها في البيت بحراجل؟ فمن جهة، الصورة لرئيس دولة يعانقه، ولكن من جهة ثانية هذا الرئيس هو أبو عمار وبالتالي لا يستطيع أن يفاخر بهذه الصورة في بلدته.

قال عرفات: يا معالي الوزير، أنت رجل شريف، وأنا أريد زيارتك. فقلت: أهلاً وسهلاً. صعد معي إلى الجناح وجلسنا وكأن شيئاً لم يكن. راح يكلمني عن مواضيع المؤتمر والوضع العربي - الإسرائيلي. تحدثنا قريباً من ساعة؛ وهو ما أثار فضول الصحافيين والمخابرات الأردنية.

كانت علاقة عرفات مع سوريا معقدة وكان هناك نوع من الكراهية حياله. في سوريا إذا كره الرئيس حافظ الأسد شخصاً فيعني أن كل النظام يكرهه. كانت لديهم صورة ما عن عرفات. يتهمونه بأنه غير صادق، وأنه لن يوفّر فرصة لتسوية مسلوقة. فرصة لتسوية سياسية غير مقبولة. كان هناك من ينعته بـ«الدجال». أضف إلى ذلك، على ما أظن، اعتقادهم أن عرفات يلعب على وتيرة الورقة المذهبية. وهذا يضاف إلى أسباب أخرى. أعتقد أن ذلك يعود إلى زمن طويل؛ إذ روي لي أنه عندما ذهب كمال جنبلاط إلى دمشق واجتمع بحافظ الأسد ليطالبه بدعم الحركة الوطنية في مواجهة الميليشيات المسيحية، من ضمن الأسباب التي قالها حافظ الأسد: «تريد أن أدعمكم، وهل تعتقد يا أستاذ كمال بأنك أنت ستسيطر على الوضع أم أنك تريد تسليم لبنان إلى ياسر عرفات (...) نحن نعتبر مساعدتكم تعني مساعدة ياسر عرفات وهذا أمر غير وارد».

مشاعر الأسد

سألته عن مشاعر الأسد تجاه سياسيين لبنانيين فحكى.

أمر غريب. كان (الأسد) يحب أطباع الرئيس الهراوي. أعتقد أن الرئيس الأسد كان أحياناً يحب الأطباع التي تختلف عن أطباعه، كان يحب عفوية إلياس الهراوي، وكان يحب عدم وجود خلفية مخفية لديه. عندما كان يتحدث معه، لم تكن عنده (الهراوي) خلفيات، وهذا كان يطمئن الأسد. وانطلاقاً من هنا، كل ما كان يقوله إلياس الهراوي كان مقبولاً طالما لا توجد خلفيات. وكذلك كان يحب الأطباع المازحة لدى إلياس الهراوي؛ إذ كانت لديه قدرة على حل أكبر مشكلة بنكتة معينة، وأن يرطّب الأجواء بشكل جذري. في يوم من الأيام، نفذت المقاومة عملية في الجنوب وردّت إسرائيل باستهداف منشآت كهربائية وغير ذلك، وإذ بالرئيس الحريري (سنة 1993) يطلب من رئيس الجمهورية انعقاد المجلس الأعلى للدفاع. والحقيقة، المجلس الأعلى للدفاع، دستورياً، لا سلطة له. هو مجلس يواكب تنفيذ قرارات مجلس الوزراء العسكرية والأمنية. ويضم المجلس رئيسَي الجمهورية والحكومة ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية والمال وقائد الجيش. يومها تغيّب قائد الجيش العماد إميل لحود كالعادة، فقد كان يتهرب من الإحراجات.

اجتمعنا، وإذ برفيق الحريري، وهو رئيس حكومة معيّن حديثاً، يأتي بحماسة كبيرة ليقول: نحن لا نقبل بما يحصل. لا نقبل بأن هؤلاء «الزعران» يجروننا إلى دمار البلاد. علينا أن نتخذ فوراً قراراً بإرسال الجيش إلى الجنوب والسيطرة على الوضع والانتشار هناك.

من اليمين فارس بويز، رفيق الحريري، فاروق الشرع، الياس الهراوي، عبدالحليم خدام وغازي كنعان خلال لقاء في قصر بعبدا (غيتي)

يومها كان الجيش معاداً بناؤه وكلنا يعلم أن لحود هو رجل سوريا وأن قراراً كهذا لا بد من أن يُبحث مع سوريا. لكن يبدو أن رئيس الجمهورية ووزيرَي الدفاع والداخلية اعتقدوا بأن رفيق الحريري نسّق الأمر مع السوريين، فلم يعترض أحد. أنا، من الزاوية القانونية، قلت له: يا دولة الرئيس، من حيث الشكل، مجلس الدفاع الأعلى لا سلطة له ولا صلاحية لديه لاتخاذ مثل هذا القرار. يجب عليك أولاً أن تجمع مجلس الوزراء لاتخاذ قرار كهذا. مجلس الدفاع الأعلى يراقب تنفيذ قرارات مجلس الوزراء ولا يتخذ قرارات. ثانياً، من حيث المضمون، أعتقد أن هذا أمر كبير. وإذا كنا نريد اتخاذ قرار ينفذه الجيش، فلا بد من أن ننسق هذا الأمر مع السوريين. ثالثاً، هذا قرار استراتيجي كبير، هذا قرار بإنهاء المقاومة فيما لا تزال الأراضي اللبنانية محتلة. لذلك؛ أنا أعترض على هذا القرار شكلاً ومضموناً بالطريقة التي يُتخذ بها. وبالفعل، ما إن انتهى الاجتماع حتى اشتعلت بيروت بالإذاعات والتلفزيونات، حيث انطلقت حملة كبيرة ضد الحكومة ومجلس الدفاع الأعلى إلى درجة أن رفيق الحريري اضطر إلى جمع مجلس الوزراء بعد الظهر واتخاذ قرار معاكس لإبطال قرار مجلس الدفاع الأعلى. طبعاً، تم هذا تحت الضغط الشعبي وضغط حلفاء سوريا. كما أنني اعترضت، وقلت له: هذه بهدلة لمجلس الوزراء. اعتبر أن هذا القرار كأنه لم يكن ولا مبرر لمجلس الوزراء. أصلاً القرار (من مجلس الدفاع) غير قانوني فاعتبره كأنه لم يكن، وانتهى. لكنه (الحريري) لم يقبل.

قفازات الأسد

بعد يومين، دُعينا إلى قمة في دمشق، فذهب إلياس الهراوي ورفيق الحريري ونبيه بري. بعد مرور نصف ساعة على بداية القمة؛ إذ دائماً نصف الساعة الأول من القمة يتركز على اكتشاف ماذا يريد حافظ الأسد، ظهر لنا واضحاً أن الرئيس السوري يحاول أن يكشف موقف عبد الحليم خدام الحقيقي وما إذا كان هو وراء قرار مجلس الدفاع الأعلى (اللبناني). توقّع أن يُقال إن رفيق الحريري نسّق مع خدام. ولكن كرامتنا الوطنية تمنعنا أن نشكو رفيق الحريري. فدار الحديث بشكل مبهم. تكلّم رئيس الجمهورية نصف ساعة دون أن يقول شيئاً. تكلّم الرئيس نبيه بري نصف ساعة دون أن يقول شيئاً. تكلّم رفيق الحريري نصف ساعة، وتكلمت أنا نصف ساعة دون أن أقول شيئاً. مرت ساعتان، وإذ عاد السؤال يتكرر. الأسد دائماً يلبس قفازات. كان خدام حاضراً ولونه أصفر.

جولة ثانية، ساعتان، ولم يقل أحد شيئاً. وإذ أصبحت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر، رُفعت الجلسة. وبينما كان الرئيس الأسد يصطحبنا إلى الباب، ذهب الرئيس الهراوي إلى الحمام. وفي اللحظة التي خرج فيها كان الحريري يقول للرئيس الأسد: هل تعلم سيادة الرئيس منذ متى علاقتي بنائب الرئيس عبد الحليم خدام؟ قال له: منذ متى؟ فأجابه: منذ 20 سنة، ونتكلم بعضنا مع بعض نحو 15 مرة في النهار، ولو كنت في الصين أو في اليابان... أبقى على اتصال يومي معه. في هذه اللحظة وصل الرئيس الهراوي الذي لا ترحم النكتة لديه - وهو بطبعه إذا سمع أن شخصين يتواصلان يظن أنهما يتآمران ضده - وقال له: 15 مرة في النهار، ومن 20 سنة؟ ولماذا أدخلتمونا بالزجاج إذن؟ ماذا تقولون على التلفون؟ فقال حافظ الأسد: والله يا فخامة الرئيس لو قلت لنا ذلك منذ بداية الجلسة كنا أبقيناكم على الغداء، لكن الآن أصبحت الساعة 4. يقصد ليتك قلتها من البداية لما كنا أضعنا كل هذا الوقت. بنكتة كان الرئيس الهراوي يتعامل مع المواقف. كانت علاقة حافظ الأسد مع الحريري علاقة حذرة (أصلاً)، وجاء موضوع الأموال لخدام وحكمت الشهابي ليزيدها حذراً.

أما الرئيس نبيه بري فقد كان موثوقاً به في سوريا في عهد حافظ الأسد. خاض بري مواجهة تشبه الحرب مع «حزب الله»، ولعبت حركة «أمل» دوراً فيما سُمي «حرب المخيمات». كان واضحاً أنهم (أي السوريين) يعتبرون الرئيس بري رجلاً موثوقاً.

قمة كلينتون - الأسد

ذات يوم حصلت قمة في جنيف بين الرئيسين بيل كلينتون وحافظ الأسد، وعُلم عن هذه القمة أن كلينتون حمل إلى الأسد مشروع سلام. المشروع سُمي «مشروع إيهود بارك»؛ لأن وقتها إيهود باراك هو الذي صممه، وكان مشروعاً يعيد إلى سوريا نحو 99 في المائة من أراضيها المحتلة في الجولان، باستثناء مساحة نحو 30 متراً هي شريط بطول كيلومتر على بحيرة طبريا، يحتفظ بها الإسرائيلي، أي أن السوري لن يستطيع أن يُدخل قوى بحرية أو ما شابه ذلك (إلى البحيرة). وإذ بحافظ الأسد يرفض حينذاك هذه المسألة. اندهش العالم من هذا الأمر. لم يستطع أن يفهم أن دولة تخسر في الحرب هذا الحجم من الأراضي وترفض في السلم أن تسترد 99.5 في المائة من حقوقها. الحقيقة، كان لدي نوع من حدس سياسي وقراءة سياسية أخرى للموضوع غير الظاهر لسبب رفض الرئيس الأسد (المشروع المعروض عليه). وعندما عاد إلى دمشق، اتصل بي من القصر الرئاسي في دمشق جبران كورية، وقال لي إن الرئيس الأسد يريد أن يلتقيك. فذهبت. كانت هناك أصول (للزيارة). أنا لم أكن أذهب إلى سوريا إلا بشكل رسمي، حيث يستقبلني وزير الخارجية على الحدود. استقبلني فاروق الشرع، لكنني استغربت أنه لم يحضر الاجتماع (مع الأسد). راودني شعور بأن هناك أمراً دقيقاً جداً لا يريد الرئيس الأسد أن يُطلع عليه أحداً. ذهبت إلى الرئيس الأسد، وإذ يقول لي، وهو لم يكن يحبذ طرح السؤال بالمباشر وكان يغلّفه: ما رأي الناس بموقفي في قمة جنيف؟ قلت له: رأي الناس يا سيادة الرئيس؟ قال لي: نعم، رأي الناس. قلت له: الحقيقة يا سيادة الرئيس الناس غير قادرة أن تستوعب كيف لدولة خسرت أراضيها في الحرب وتأتيها في السلم عودة أراضيها بنسبة 99.5 في المائة، وهي ترفض هذا الطرح. إذا كان هذا سؤالك. فقال لي: حسناً، وهل هذا رأيك؟ فقلت له: لا، يا سيادة الرئيس. أنت لم تطلب رأيي بل سألتني ماذا يقول الناس. فابتسم. أرغمته أن يقول لي: أنت ما رأيك؟ فقلت له: أنا رأيي، أولاً أن الرئيس حافظ الأسد لا يحبذ أن يغادر هذه الدنيا وأن يسجّل عليه التاريخ أنه هو الذي اعترف بالكيان الصهيوني، فهو يتمنى أن يغادر هذه الدنيا ويقال عنه إنه رفض هذا الواقع حتى الرمق الأخير. ثانياً، أنا أعتبر أن الرئيس الأسد مدرك لتكوين سوريا الحساس والدقيق والذي يجعله يتفادى أن يعرّض نفسه للمزايدات الداخلية وغيرها ويفقد هذا الغطاء العروبي الذي يتمسك به دائماً. وثالثاً، أنا أعتقد أن الرئيس الأسد خشي ألا يتمكن من سيأتي بعده من حمل هذا الثقل الذي تشكله العلاقات مع إسرائيل. إذا كان حافظ الأسد بصفته زعيم جبهة الصمود والتصدي قادراً على حمله، فليس أكيداً أن من سيأتي بعده سيكون قادراً على حمل هذه المسؤولية. مسؤولية السلام مع إسرائيل. ولكل هذه الاعتبارات، أنا اعتبرتها اعتباراتك. فابتسم وقال: لندع هذا الموضوع بيننا. لكن في الحقيقة، لم نخطئ منذ اللحظة الأولى التي التقيتك بها. كأنه يقول ما أخطأت في التقدير، كأنه يقول أنك فهمت عليّ، ولكن دون أن يقرّ بذلك صراحة.

دينغ هسياو بينغ

سألت الوزير بويز عن لقائه بدينغ هسياو بينغ الذي وضع المدماك الأول للنهضة الصينية، فروى.

بويز خلال اجتماع مع رئيس مجلس وزراء الصين الشعبية لي بينغ في بكين (أرشيف فارس بويز)

تأثرت كثيراً بما قاله لي في إحدى زياراتي للصين في بداية التسعينات. أُدهشت بطريقة خروج الصين من الماركسية - اللينينية - الستالينية، ونمو الاقتصاد الصيني. وفي الحقيقة طرحت عليه هذا السؤال: «كيف تعملون لتخرجوا من الماركسيّة»؟ فقال: «نحن أدركنا بأنّ الماركسية عقيدة اقتصادية لم تعد ممكنة، وهي سقطت. وأدركنا بأنّ اللينينية عقيدة سياسية ديكتاتورية (عقيدة الحزب الواحد) تجاوزها الزمن. وأدركنا بأنّ الستالينية عقيدة أمنية بوليسية تجاوزها الزمن أيضاً. ولكن لا يمكننا أن نخرج من العقائد الثلاث من دون أن ينهار البلد وتعمّ الفوضى. وقد رأينا أمامنا مثال روسيا التي أخرجها غورباتشوف من هذه العقائد الثلاث معاً، فانهارت روسيا بأكملها. لذا؛ قرّرنا أن نخرج تدريجياً من هذه العقائد بدءاً من الماركسية، لنفسح المجال أمام النهضة الاقتصادية وأمام تطوّر الناس، ومن ثم سيلحق بذلك تدريجياً التوجه نحو المزيد من الحريات والديمقراطية».

عدت بهذا الرّأي إلى الرئيس حافظ الأسد في أحد لقاءاتي معه. كنت أخبره عن زيارتي للصين وقلت له: «والله يا سيادة الرئيس، يبدو أنّ الصينيين أكثر فهماً بالسياسة من أصدقائكم الروس. فبدل الخروج من هذه العقائد الثلاث في وقت واحد وتنهار الصين وتعمّ الفوضى، شرحوا لي أنّهم يخرجون تدريجياً بالموضوع الاقتصادي. أعتقد بأنّ سوريا أيضاً قد يكون وضعها شبيهاً بالصين، بمعنى أنّه إذا بدأت بالنهضة الاقتصاديّة والحريّة الاقتصادية وتدريجياً تذهب في اتجاه الخروج من هذه الحالات».

أعتقد بأنّ هذا الأمر أثّر كثيراً بالرئيس الأسد، رغم أنّه كان بعيداً جداً عن إعطاء الأولوية للموضوع الاقتصادي، ولكنه أثّر به كفكرة. وهذا ما جعله يطلب منّي مساعدة سوريا في الانضمام إلى اتّفاق الشراكة الأوروبية - المتوسّطيّة على اعتبار أنّ هذه الشراكة ستفتح عنوان التطوّر الاقتصادي، وتساعد سوريا على النموّ والتطوّر دون أن تجعلها تدخل بشكل أكيد في الفوضى.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

في لبنان... غضب متزايد من «حزب الله» بسبب جرّ البلاد إلى حرب جديدة

المشرق العربي دخان يتصاعد من إحدى البنايات عقب غارة إسرائيلية على بيروت (أ.ب) p-circle

في لبنان... غضب متزايد من «حزب الله» بسبب جرّ البلاد إلى حرب جديدة

في حي عائشة بكار السكني المكتظ في بيروت، والذي تعرض لغارة إسرائيلية، يمتزج الحزن بغضب متنامٍ منذ بدء الحرب وسط شريحة واسعة من اللبنانيين إزاء «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (رويترز)

رئيس الحكومة اللبنانية: لا تراجع عن قرار إنهاء مغامرة الإسناد الجديدة

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام «ألا تراجع عن موقفنا باستعادة قرار الحرب والسلم وإنهاء مغامرة الإسناد الجديدة التي لم نجن منها سوى المزيد من الضحايا».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

حرب إنذارات بين «حزب الله» وإسرائيل وسط ضبابية العملية البرية

دشّن «حزب الله» والجيش الإسرائيلي مرحلة جديدة من المعركة العسكرية في جنوب لبنان، تمثلت في تصعيد صاروخي لافت...

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي على واجهة بيروت البحرية في الرملة البيضاء (د.ب.أ)

إسرائيل تعمق التوتر بين النازحين اللبنانيين والمجتمعات المضيفة

توسّعت رقعة الغارات الإسرائيلية داخل لبنان لتطول مناطق سكنية في بيروت وجبل لبنان، كانت تُعد حتى وقت استهدافها ملاذاً نسبياً للنازحين.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل محاطاً بضباط وعسكريين خلال تقديم العزاء بمقتل كاهن بقذيفة إسرائيلية في جنوب لبنان (مديرية التوجيه)

الحكومة اللبنانية تنفي شائعات تمرد ضباط في الجيش على قراراتها

نفت الحكومة اللبنانية وقيادة الجيش صحة بيان منسوب إلى «الضباط الوطنيين» يرفضون فيه تنفيذ قرارات مجلس الوزراء حول تطبيق حصرية السلاح.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل فلسطينيين اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

مقتل فلسطينيين اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينيين اثنين، الخميس، قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط هجوماً حاولا تنفيذه.

وأورد الجيش الإسرائيلي في بيان: «حاول إرهابيان تنفيذ هجوم مشترك بالدهس وإطلاق النار على جنود الجيش الإسرائيلي».

وأضاف: «رد الجنود بإطلاق النار وتمكنوا من تحييد الإرهابيين. ولم تقع إصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي».

من جهتها، قالت وزارة الصحة الفلسطينية إن الشابين اللذين يبلغان 24 و25 عاماً، قُتلا بنيران إسرائيلية.

تصاعد العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بشكل حاد منذ الحرب في غزة التي بدأت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستمر العنف رغم وقف إطلاق النار في القطاع الفلسطيني.

وبحسب إحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» المستندة إلى أرقام وزارة الصحة الفلسطينية، قتلت القوات الإسرائيلية أو المستوطنون في الضفة الغربية منذ بدء حرب غزة ما لا يقل عن 1045 فلسطينياً، عدد منهم مسلحون.

ووفق الأرقام الإسرائيلية الرسمية، قُتل ما لا يقل عن 45 إسرائيلياً بين جنود ومدنيين، في هجمات نفذها فلسطينيون أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية.


في لبنان... غضب متزايد من «حزب الله» بسبب جرّ البلاد إلى حرب جديدة

دخان يتصاعد من إحدى البنايات عقب غارة إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
دخان يتصاعد من إحدى البنايات عقب غارة إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
TT

في لبنان... غضب متزايد من «حزب الله» بسبب جرّ البلاد إلى حرب جديدة

دخان يتصاعد من إحدى البنايات عقب غارة إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
دخان يتصاعد من إحدى البنايات عقب غارة إسرائيلية على بيروت (أ.ب)

في حي عائشة بكار السكني المكتظ في بيروت، والذي تعرض، الأربعاء، لغارة إسرائيلية، يمتزج الحزن بغضب متنامٍ منذ بدء الحرب وسط شريحة واسعة من اللبنانيين إزاء «حزب الله» الذي جرّ البلاد إلى حرب جديدة.

في حانوتها الصغير لبيع الخضراوات على بعد أمتار من المبنى المستهدف، تقول رندة حرب بغضب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يسلّم (حزب الله) سلاحه إلى الدولة، وأن يكون السلاح بيد القوى الشرعية. ونقطة على السطر».

أحدثت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت شقة في المبنى أضراراً في المباني المجاورة. في الجهة المقابلة لمحل الخضار، تقول امرأة بحجاب وعباءة سوداء في حين تنهمر الدموع من عينيها، رافضة الكشف عن اسمها: «نحن لا نريد سوى أن نعيش في سلام».

بعد أن التزم «حزب الله» على مدى أكثر من سنة عدم الردّ على الضربات الإسرائيلية التي لم تتوقف على لبنان منذ بدء العمل باتفاق وقف إطلاق النار بينه وبين إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أطلق ليل الثاني من مارس (آذار) دفعة من الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل، ردّاً على قتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في هجوم أميركي - إسرائيلي في طهران.

ويعتبر لبنانيون أرهقتهم الحروب المتكررة والأزمة الاقتصادية المتمادية، أن هذه الحرب ليست حربهم.

وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل 634 شخصاً وجرح 1500 آخرين منذ 13 يوماً، علاوة على نزوح أكثر من 800 ألف، بحسب حصيلة حديثة للحكومة اللبنانية.

مَن المستهدف؟

فور إجلاء المصابين، انطلقت الشائعات في الحي المكتظ بالسكان والنازحين حول هوية الأشخاص المستهدفين في الشقة. ويقول عامل في متجر قريب إنه عنصر في «حزب الله»، في حين يفيد محمد الذي يعمل في الكهرباء ويمتلك متجراً للمواد الغذائية: «يقولون إنه من حركة (حماس)» الفلسطينية، مؤكداً أنه «يقطن بالمبنى منذ ثلاثة أسابيع».

سكان لبنانيون يشاهدون دخاناً يتصاعد من بناية قريبة تعرضت لقصف إسرائيلي وسط بيروت (أ.ب)

ويرى محمد أن هوية المستهدف لا تهم، المهم أن «وجود (حزب الله) و(حماس) تسبّب في أكبر خطر علينا». ويتابع: «هم نزحوا لأنهم مستهدفون. إن كانوا يريدون الاستشهاد فليبقوا في مكانهم. ليستشهدوا وحدهم».

وتقول عزيزة أحمد التي تحمل طفلاً على ذراعيها، إنها استضافت خلال حرب 2024 ثماني عائلات نازحة في بيتها، لكنها هذه المرة قلقة من تدفّق النازحين من الضاحية الجنوبية لبيروت التي تستهدفها إسرائيل بغارات أسفرت عن دمار كبير.

وتروي أن أنصاراً لـ«حزب الله» قد «أطلقوا النار على ابني في اتجاه القدمين»؛ لأنه انتقد رفعهم علم الحزب في الشارع، مضيفة: «بعد ذلك، قررت عدم استضافة أحد من خارج طائفتي».

في منطقة مار مخايل ذات الأغلبية المسيحية، ينتقد طوني صعب الذي يمتلك بقالة في الشارع الذي يعج عادة بمرتادي المطاعم، الحرب التي «أثّرت على حياتنا ومستقبلنا». ويقول صعب البالغ 68 عاماً: «(حزب الله) يأخذ قرارات دون التفكير في بلده أو في مؤيديه». ويضيف أن «حزب الله» «يخوض معارك عبثية... إن ضربت صاروخاً يردّون عليك بمائة (...) الحرب غير متناسقة».

«مَن يريد الانتحار؟»

لوقت طويل، حظي «حزب الله» بشعبية واسعة في لبنان والعالم العربي، بصفته القوة المسلحة التي تواجه إسرائيل. في حرب عام 2006 التي استمرّت 33 يوماً، فتح اللبنانيون أبواب منازلهم للنازحين من الجنوب. لكنه خسر شعبيته تدريجياً على وقع النزاع في سوريا، حيث قاتل إلى جانب قوات بشار الأسد، وبسبب تحكمه، مدعوماً من طهران ودمشق خلال عهد الحكم السابق، بمفاصل الحياة السياسية اللبنانية.

اللافت منذ بدء الحرب الحالية أن أصواتاً داخل الطائفة الشيعية التي يدين معظم أفرادها بالولاء له، بدأت تتصاعد منتقدة «حزب الله». وتضجّ مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات وتعليقات بين هؤلاء، رافضة الحرب وأداء الحزب الشيعي.

وتؤكد غادة، وهي لبنانية سنية تبلغ 55 عاماً: «نحن لم نكن أبداً نكرههم أو نكره السيد (الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله)، فهو الذي أوقف إسرائيل وصدّها». ولكن الآن، تقول غادة، «الوضع تغير».

وترى غادة أن الحزب بدأ يفقد شعبيته «حتى بين الشيعة. الناس تعبوا».

وتقول لينا حمدان، وهي محامية تنتمي لعائلة شيعية، إنه «لا أحد يريد هذه الحرب»، متسائلة: «من يريد الانتحار؟ فهم (الشيعة) يكونون أول الضحايا».

وترى حمدان، المعارضة لـ«حزب الله»، أن الحرب الحالية ستكون «نقطة تحوّل» بخصوص مستقبل الحزب السياسي والعسكري.

وتتساءل هيام البالغة 53 عاماً، والتي تعيش حالياً في مدرسة تحوّلت إلى مأوى للنازحين في بيروت: «ما الهدف وراء هذه الحرب؟ لا شيء يبدو منطقياً».

وعادة كان يقدّم «حزب الله» الذي له شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية والمستشفيات والمدارس، مساعدات للنازحين. ولكن هذه المرة، تقول هيام، «تُركنا لنعتمد على أنفسنا».


رئيس الحكومة اللبنانية: لا تراجع عن قرار إنهاء مغامرة الإسناد الجديدة

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (رويترز)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: لا تراجع عن قرار إنهاء مغامرة الإسناد الجديدة

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (رويترز)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام «ألا تراجع عن موقفنا باستعادة قرار الحرب والسلم وإنهاء مغامرة الإسناد الجديدة التي لم نجن منها سوى المزيد من الضحايا والدمار والتهجير»؛ في إشارة إلى انخراط «حزب الله» في معركة إسناد إيران، مؤكداً أنه «لا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال أن يعود لبنان ساحة سائبة لحروب الآخرين».

وجاء تصريح سلام في كلمة وجهها إلى اللبنانيين مساء الخميس، بالتزامن مع تهديدات إسرائيلية لقصف مبانٍ في قلب بيروت، وإحداها على مسافة قريبة من السراي الحكومي في وسط العاصمة اللبنانية.

وقال سلام: «أخاطبكم اليوم، وبيروت تتعرض للقصف كما تتعرض ضاحيتها، وجنوبنا وبقاعنا. أكثر من عشرة أيام مرت على اندلاع هذه الحرب التي حذّرنا طويلاً من جر لبنان إليها... وسعينا بكل الوسائل لتجنّبها. هي حرب لم نردها، بل على العكس نعمل ليلاً ونهاراً من أجل وقفها».

وتابع: «لا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال أن يعود لبنان ساحة سائبة لحروب الآخرين، وفي سبيل ذلك أطلق رئيس الجمهورية (جوزيف عون) مبادرته بشأن التفاوض بهدف انتشال لبنان من عمق المحنة التي أوقع فيها».

وأكد سلام أن اللبنانيين جميعاً «يتطلعون لأن يؤدي جيشنا دوره كاملاً في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها»، مجدداً نفيه للأخبار المختلقة حول ترويج بيان مزعوم لمجموعة تطلق على اسمها «الضباط الوطنيين».

وتوجه إلى «مئات الآلاف من أهلنا في الجنوب والبقاع والضاحية الذين اضطروا إلى ترك منازلهم وأرضهم، بحثاً عن الأمان»، بقوله: «كل لبنان بيتكم والدولة إلى جانبكم».

وأعلن: «إننا عملنا خلال الأيام الماضية على تأمين مراكز الإيواء في جميع المناطق وتجهيزها، لكننا ندرك تماماً أن ما يمكن أن نقدمه، مهما بلغ، لا يعوّض عن منازلكم ولا عن الأرض العزيزة التي اضطررتم إلى الابتعاد عنها».

وأكد: «إننا نعمل على مدار الساعة من أجل وقف هذه الحرب، وتمكينكم من العودة إلى بيوتكم في أسرع وقت ممكن، عودة آمنة كريمة».

وتوجه إلى عموم اللبنانيين بالقول: «أحترم وأتفهم القلق الذي يراود الكثيرين منكم أيضاً حول مستقبل البلاد. فأنتم كذلك تدفعون، ولو بشكل غير مباشر، ثمن حرب لم تختاروها. إني أدرك هواجسكم، وأؤكد لكم ألا تراجع عن موقفنا باستعادة قرار الحرب والسلم، وإنهاء مغامرة الإسناد الجديدة التي لم نجن منها سوى مزيد من الضحايا والدمار والتهجير».