مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
TT

مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)

إن سن البلوغ مليء بالأمور التي يتم فعلها للمرة الأولى، مثل أول وظيفة، وأول قبلة. وسوف يضيف كثير من الذين بلغوا في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان إلى تلك القائمة أول مرة يدخنون فيها الأرجيلة. وتُعد ديربورن، التي تقع على أطراف وسط مدينة ديترويت، سكناً لإحدى أكبر الجاليات الأميركية ذوات الأصول العربية في الولايات الأميركية المتحدة، حيث يذكر نحو 50 في المائة من السكان أنهم يتحدرون من أصول عربية، بحسب الإحصاء السكاني الأميركي. تنتشر في شوارع المنطقة متاجر شرق أوسطية، حيث يمكنك العثور على أكواب الأرجيلة المحمولة. كذلك هناك المتحف العربي الأميركي الوطني، الذي يبيع جوارب عليها رسوم للأرجيلة، والمركز الإسلامي في أميركا، الذي يُعدّ واحداً من أقدم وأكبر المساجد في الدولة.

كذلك هناك قائمة طويلة من مقاهي الأرجيلة التي يقضي فيها السكان المحليون ساعات يدخنون بأريحية التبغ بنهكات مختلفة عبر أنابيب الأرجيلة وهم يتحدثون، أو يشاهدون مباريات كرة القدم، أو يستمتعون بعروض حية للموسيقى العربية. تقول مريم أكاشي ساني، إيرانية - عراقية تبلغ من العمر 25 عاماً: «يبدو مكان مثل مقهى الأرجيلة ذا أهمية خاصة» خصوصاً بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم. وتوضح قائلة: «إنه شيء عليك صنعه لنفسك عندما تكون نازحاً مهجراً، وقد لا تتمكن أبداً من العودة إلى الوطن لأنك لم تعد تعرف حقاً ما هو معنى الوطن».

يحمل مقهى الأرجيلة ذكريات جوهرية بالنسبة إلى كثير من الشباب في ديربورن، مثل أعياد ميلاد وحفلات تخرج وأوقات بكى فيها المرء بسبب حبيب لم يبادله الحب أو ربما أوقات تباهى فيها المرء بمهاراته في التدخين أمام أصدقائه. وأضافت مريم قائلة: «يبدو الأمر مثل طقس عبور عندما تبدأ في تدخين الأرجيلة».

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة (نيويورك تايمز)

محمد فيراك باكستاني يبلغ من العمر 28 عاماً، التحق بما يصفه بأنه مدرسة «جميع من فيها عرب»، وأشار إلى أن تكوين صداقات مع عرب، والانغماس في طقس تدخين الأرجيلة، كان أمراً حتمياً. وأضاف قائلاً: «لطالما مثَّلت الثقافة».

لا تقدم كثير من تلك المقاهي المشروبات الكحولية، ويتم اعتبارها بديلاً للحانات التي يمتنع زبائن عن ارتيادها لأسباب دينية. وقالت مريم إن بعضاً من تلك المقاهي راقية وتحمل طاقة «الملهى الحلال»، لكن تحمل أكثرها سمات مشتركة، مثل شاشات التلفزيون المعلقة على الجدران، والمقاعد الجلدية، وصوراً لرموز إسلامية. ربما يجد المرء في ليلة نهاية الأسبوع مجموعة صاخبة مكونة من 20 شخصاً يجلسون على طاولة واحدة، ورجلين أكبر سناً منخرطين في محادثة خافتة جادة على الطاولة المجاورة. وقال محمد: «الذهاب إلى المقهى بالنسبة إلى أكثر الناس في ديربورن من الأمور التي يتم التطلع إليها».

ويُقال إن أصول الأرجيلة، التي تُعرف أيضاً باسم الشيشة أو النارجيلة، ترجع إلى الهند أو فارس. وقد انتشرت في هذا الزمن بشكل خاص في الشرق الأوسط، لكن بدأت المزيد من مقاهي الأرجيلة تظهر وتنتشر أيضاً في مدن مثل باريس وطوكيو ونيويورك. لذا ليس من المستغرب أن تنتشر مثل تلك المقاهي في مدينة ديربورن حيث «يشعر المرء بأنه في جزء ممتد للعالم العربي»، على حد قول فرح القاسمي التي التقطت صوراً فوتوغرافية لهذا الموضوع.

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية، رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة.

قالت ماري رزق حنا، أستاذة مساعدة في كلية التمريض بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «هناك معتقَد شعبي سائد بأن تدخين الأرجيلة بديل أقل خطورة من أشكال التدخين الأخرى». وتبحث ماري في آثار تناول منتجات التبغ على الأوعية الدموية. وتوضح ماري أنه في الواقع المواد الكيميائية الموجودة في دخان الأرجيلة تشبه تلك الموجودة في دخان السجائر.

يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً» وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم (نيويورك تايمز)

كذلك أشارت ماري إلى أن كثيراً من مقاهي الأرجيلة في الولايات المتحدة الأميركية تقع في نطاق ثلاثة أميال من حرم الكليات وهو ما قد يكون من الأسباب التي ساعدت في انتشارها بين الشباب. كذلك أوضحت الأبحاث أن منتجات التبغ ذات النكهات مثل الأرجيلة تسهل عملية الانتقال إلى مرحلة الشباب، لا سيما بين المستخدمين اليافعين. وبدأت مريم، مثل كثير من الشباب في ديربورن، تدخين الأرجيلة خلال المرحلة الثانوية، ورغم الرسائل الصحية العامة التي كانت تنهال عليها خلال مرحلة الطفولة، تقول إنها لم تكن قلقة بشكل كبير من المخاطر الصحية للتبغ. مع ذلك تشعر بالذنب والعار والخوف لأن والدتها اعتادت إخبارها بأن التدخين «حرام» و«عيب» بالنسبة للنساء. وتقول مريم إنه لو كانت والدتها قد حذرتها من المخاطر الصحية «لكنا قد أصغينا إليها على الأرجح».

مع ذلك، شعرت مريم بشعور قوي بالتحرر والانتماء لجماعة، حيث تتذكر أنها في الثالثة عشرة من العمر كانت تدخّن الأرجيلة سراً من زجاجات مياه مع ابن عمها. وأوضحت قائلة: «إنها السن التي تريد أن يكون لديك فيها أسرار، وتريد أن تتمرد قليلاً». وكان هناك مقهى خاص وحجيرة خاصة «شهدت فعاليات ومناسبات كبرى مهمة» خاصة بمريم، وقالت إن كل ذكرياتها خلال مرحلة المراهقة كانت متمركزة في تلك المساحة.

عندما كانت مريم تتجه نحو مرحلة المراهقة كانت السن القانونية للتدخين 18 عاماً، وتم رفع السن المسموح فيها بالتدخين خلال العام الماضي لتصبح 21 عاماً لتكون متوافقة مع أحدث تشريع فيدرالي. وفي الوقت الذي لا يتم السماح فيه للمراهقين اليوم بتدخين الأرجيلة في السن التي قامت فيه مريم بذلك، تعتقد أنهم سوف يجدون طريقة للتدخين. وأضافت قائلة: «يخرق الأطفال القواعد، هكذا تسير الأمور. كلنا كنا صغاراً، وجربناها للمرة الأولى. ربما يكون من الأفضل القيام بذلك في أجواء مقهى آمنة».

ويعد تدخين الأرجيلة نشاطاً جماعياً بطبيعته، وبشكل أصيل، حيث يضع كل شخص الأنبوب في فمه لبضع دقائق قبل أن يمرره إلى الشخص الجالس إلى جواره. ويعد ذلك التفاعل الاجتماعي جزءاً رئيسياً من ثقافة الشرق الأوسط كما أوضحت مروة العمري البالغة من العمر 23 عاماً وصديقة عراقية - لبنانية لمريم. عملت مروة مرشدةً سياحيةً في المتحف العربي الأميركي الوطني، وقالت إنه كثيراً ما كان يتم التطرق إلى تقليد تدخين الأرجيلة في المناقشات الخاصة بكرم الضيافة الذي يتمتع به العرب وقيمة الجماعة المشتركة. وقالت مروة: «لقد تم تعليمنا في مرحلة مبكرة من العمر ألا نأكل وحدنا، بل وسط مجموعة، وألا نشرب الشاي وحدنا، بل وسط مجموعة أيضاً. إن المرء يدخن الأرجيلة في جماعة، هكذا نشأنا وترعرعنا».

انتقلت عبير بيضون، البالغة من العمر 35 عاماً، من وندسور بولاية أونتاريو إلى ديربورن وهي في السابعة عشرة من العمر، وقضت جزءاً كبيراً من سنوات مراهقتها وبدايات العشرينات في تلك المقاهي. وتعتقد مثل مروة أن تلك الأماكن مهمة لنسيج الجماعة والمجتمع. وأوضحت قائلة: «لأن مدينتنا مبنية حول وسائل النقل الآلية، لا توجد أماكن خروج مفتوحة كثيرة يمكن التنزه فيها والالتقاء بالناس». يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً»، وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم.

تعزز مقاهي الأرجيلة في ديربورن التواصل، ليس فقط بين الجيران والشباب وكبار السن، بل أيضاً مع الجالية العربية الأكبر. ويأتي أصدقاء الطفولة لعبير حتى هذه اللحظة من كندا لزيارتها والالتقاء في أحد مقاهي ديربورن. تقول عبير اللبنانية: «يشعر الجميع بأنهم بين رفاقهم من العرب. أشعر أنني وسط جماعتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بريطانيا تسن قانوناً يمنع فئات عمرية من التدخين مدى الحياة 

صحتك سجائر (رويترز)

بريطانيا تسن قانوناً يمنع فئات عمرية من التدخين مدى الحياة 

ستصبح خطط ‌بريطانيا لمنع الأجيال القادمة من شراء السجائر قانوناً ساري المفعول هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن )
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
صحتك يسبب الاكتئاب إرهاقاً وقلة دافع للرعاية الذاتية (أرشيفية - رويترز)

كيف تؤثر الصحة النفسية على مرضى السكري؟

تؤثر الصحة النفسية بشكل مباشر ومتبادل على مرضى السكري، حيث تسبب الضغوط النفسية، مثل القلق والاكتئاب، ارتفاع مستويات سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)

دراسة تربط بين السجائر الإلكترونية والإصابة بسرطان الرئة والفم

خلص باحثون أستراليون في مراجعة جديدة للأدلة إلى أن السجائر الإلكترونية قد تسبب سرطان الرئة والفم.

صحتك علبة سجائر (أرشيفية - رويترز)

انخفاض قياسي في تدخين السجائر بين البالغين

أظهرت دراسة جديدة أن نسبة البالغين الذين يدخنون السجائر في الولايات المتحدة انخفضت إلى أدنى مستوى يُسجَّل على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.