صلاح الدين... القائد الذي راوغ التاريخ!

بين النص الإنجليزي والترجمة العربية الجديدة قرن وربع القرن

صلاح الدين... القائد الذي راوغ التاريخ!
TT

صلاح الدين... القائد الذي راوغ التاريخ!

صلاح الدين... القائد الذي راوغ التاريخ!

لم يزل كتاب المستشرق ستانلي لين بول «صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس» المصدر الأهم في التأريخ العسكري والدبلوماسي لفترة الحروب الصليبية، ولشخصية القائد صلاح الدين الأيوبي.

بين الأصل الإنجليزي المنشور عام 1898 والترجمة التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة مطلع هذا العام مدة قرن وربع القرن، وهذا في حد ذاته أمر غريب في وجود هذا العدد الضخم من مؤسسات الترجمة العربية. توجد ترجمة سابقة للكتاب بتوقيع فاروق سعد أبو جابر، وهي الأخرى حديثة نسبياً (عام 1998) على نفقة المترجم، مطبوعة في «مطابع الأهرام».

تكشف الترجمة الجديدة عن مترجم وباحث من الطبقة الأولى ولعاً وإتقاناً، هو علاء مصري النهر، الذي كانت رسالتا ماجستيره والدكتوراه عن حقبة الحروب الصليبية، وقد خرجت الترجمة في ضعف حجم الكتاب الأصلي، بما أضافه النهر من هوامش وتوضيحات وإضافات كلما كانت هناك حاجة إلى إضاءة ما ورد بالنص الإنجليزي اقتضاباً، عائداً إلى المصادر العربية الأصلية. كما اجترح علاء النهر لنصه لغة عربية كلاسيكية تضاهي كلاسيكية لغة لين، كما ضمَّن مقدمته ثبتاً بكل ما كُتب عن صلاح الدين تأريخاً أو تخييلاً روائيّاً في الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والروسية، المعرّب منها وغير المعرب.

الممثل السوري غسان مسعود في دور «صلاح الدين» بفيلم «مملكة السماء»

يقع السِفر الجديد في 672 صفحة من القطع الكبير، وتسبق مقدمة المترجم مقدمتان أخريان؛ إحداهما للدكتور أيمن فؤاد سيد، والثانية للدكتور أحمد سالم سالم الذي سبق أن قدَّم عن الدار نفسها عام 2014 الكتاب بالغ الشهرة «تاريخ مصر في العصور الوسطى» للمؤلف ذاته، ولم تزل طبعاته تتوالى، وهو من حفَّز النهر على ترجمة الكتاب الثاني «صلاح الدين» الذي «لم يُكتب فيه حرف واحد بشكل عشوائي، بل استند في تأليفه إلى خبرة ووعي كبيرين بأحداث وشخصيات ومصادر تلك الحقبة المفصلية؛ لا أقول في تاريخنا، بل في تاريخ العالم».

من المهد التكريتي إلى اللحد الدمشقي

يقسم لين كتابه إلى خمسة أجزاء، تحيط بحياة صلاح الدين وعصره: التمهيد، والديار المصرية، والإمبراطورية، والجهاد، وريتشارد وصلاح الدين. وكل جزء ينقسم إلى فصول عدة تغطي من ميلاده في تكريت حتى المواجهة مع الملك ريتشارد واسترداد القدس بعد تسعين عاماً من الاحتلال الصليبي، وانتهاءً بموته في دمشق.

تبدو صفحة صلاح الدين ونصر حطين (583هـ ـ 1187م) واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخنا، يعرفها قطاع واسع من المثقفين، كما ساهمت السينما في المعرفة الشعبية الواسعة بالحروب الصليبية ومحرر بيت المقدس العظيم. ويمكنننا القول إن صلاح الدين خرج من الأفلام العربية والغربية ليمشي في الشارع، تماماً مثلما ترجل «سي السيد» من ثلاثية نجيب محفوظ، فأصبح نمطاً اجتماعيّاً تعرفه أغلبية لم تقرأ الرواية!

قداسة صلاح الدين العربية الإسلامية تُختبر بين الحين والحين إذا ما اقترب منه أحدهم بالذم، والغريب أن أسطورته في الغرب أضعاف حجمها عندنا. ويكفي أن كتاب ستانلي بول لين قد صدر للمرة الأولى في «سلسلة أبطال الأمم»، التي لم تصطفِ من عظماء الإسلام سوى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ثم صلاح الدين (وفق المترجم).

يعتمد ستانلي لين بول؛ الذي كان ضليعاً في العربية، بشكل أساسي على «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين» لأبي شامة، و«وفيات الأعيان» لابن خلّكان، و«مفرج الكروب في أخبار بني أيوب» لابن واصل، كما يشيد بالقاضي بهاء الدين أبو المحاسن صاحب «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» وقد ولاه صلاح الدين القضاء وكان صديقاً ملازماً له في السنوات الخمس الأخيرة من حياته، وقد كان شاهد عيان على حصار عكا من أوله إلى آخره، ويعدّه أبعد من أن ينافق مليكه؛ بل كتب ما أراد بصدق، وإن كان هناك منْ أثر لإعجاب بقائده فهناك المرجع الضد، وهو ابن الأثير الذي لديه كل سبب سياسي للانتقاص من صلاح الدين مغتصب إرث أسياده المحليين، ونقف عنده على واحد أو اثنين من الاتهامات الخطرة. هذا الذي يجمله ستانلي لين يوضحه علاء النهر في هوامشه، فقد شكك ابن الأثير في براعة صلاح الدين العسكرية بانسحابه من أمام أسوار صور، كما انتقده لأنه كره أن يقطع الخطبة للفاطميين ليكونوا احتياطاً في مواجهة نور الدين، وللسبب ذاته انسحب من أمام حصن الشوبك بعد أن حاصره وكاد يستولي عليه، حتى لا يتعاون مع نور الدين الذي كان قد توجه لدخول بلاد الفرنجة من جهة أخرى.

موضوعية ستانلي لين

المفارقة أن توخي ستانلي لين الدقة لم يضمن تفلت صلاح الدين من التاريخ، فبقيت شخصيته جانحة نحو الأسطورة، من لحظة صعود نجم آل أيوب التي جاءت مصادفة، ففي يوم الخميس؛ ثاني عشر شهر ربيع الآخر لسنة 526هـ (1132م)، وصل إلى الضفة اليسرى من نهر دجلة القائد عماد الدين زنكي مهزوماً بعد أن قصد مع السلطان السلجوقي مسعود بن محمد بن ملك شاه حصار بغداد على خلافة المسترشد بالله. وقد أقام دزدار (والي) قلعة تكريت، معبرةً عبر عليها القائد الهارب (تحتمل أن تكون مراكب) ووفر له المأوى بالقلعة مع ما تبقى من جنوده، ولم يكن هذا الدزدار سوى أيوب المُلقَّب «نجم الدين»، وعندما عاد نجم «زنكي» للصعود لم ينس الرجل الذي آواه (أيوب المعروف بنور الدين) والذي فتح الطريق لأبنائه، وبينهم «يوسف» المُلقَّب صلاح الدين.

التوازن الذي كتب به ستانلي لين بول عن صلاح الدين ومعاركه ومفاوضاته لم يشفع له لدى قطاع عريض من الدارسين الذين جاءوا بعده، إذ عدّوه منحازاً للقائد العربي. وهو ما يرفضه دارس جديد هو ديفيد نيكول في مقدمته لطبعة 2002 الإنجليزية من كتاب لين بول. وقد تواصل معه المترجم العربي وحصل على مقدمته وألحقها بالطبعة العربية. يكتب نيكول: «لا أعتقد أن احترام لين بول وتقديره صلاح الدين ـ كما هو بادٍ في كتابه ـ قد طغت عليه المثالية أو عبادة البطل. فمن منطلق أنه كاتب سيره اعترف بأن السلطان لم يكن قديساً، عدّ صلاح الدين ـ بكل وضوح ـ رجلاً جيداً جداً وعظيماً جداً. يقدم لين بول الحاكم المسلم على أنه سياسي ماهر؛ عنيف بين الفينة والأخرى».

ويرى ديفيد نيكول أن ما يُميز لين بول عن كتاب عصره الأوروبيين هو تخففه من عنصرية عصره، بفضل حياته في المشرق العربي ومعرفته العميقة به. ومع ذلك يعدّ الكتاب «التاريخ الأصلي قبل المنقح عن حياة صلاح الدين» ومن باب الإعجاب يسجل نيكول أن لين بول اعتمد على مصادر أقل من المتاح في هذه الأيام، ومع ذلك لم يتغير ميزان الأدلة.

مقاومة التاريخ

في الفصل الختامي يرصد ستانلي لين بول حضور صلاح الدين الأسطوري في الرواية الأوروبية، متتبعاً جذور الأسطورة إلى رواية ريتشارد قلب الأسد القروسطية التي يعتقد أنها أخذت شكلها الحالي في فاتحة القرن الرابع عشر. في هذه الرواية المنظومة، نرى ريتشارد طريح الفراش أمام عكا يطلب بإلحاح لحم خنزير، وخدمه في حالة يأس من الحصول على لحم الخنزير في بلد مسلم، فيلجأ فارس داهية إلى قتل مسلم فيجد فيه ريتشارد «لحم خنزير شهيّاً». وبكرم الضيافة يجرب اللحم على أسراه المسلمين، فيدعوهم إلى مائدة رسمية، حيث يزين كل طبق برأس صديق حميم!

صلاح الدين في تلك الرواية، ينازل ريتشارد فينهزم ويولي هارباً إلى القاهرة، لكنه يجرؤ على العودة ويتحدى ريتشارد في نزال فردي. وهنا ترد باختلافات القصة عن الجواد الذي بعث به صلاح الدين إلى ريتشارد لما رآه يقاتل مترجلاً بيافا. يستدعي صلاح الدين منجمه البارع في السحر فيستحضر اثنتين من الأرواح الشريرة في شكل حصانين يمنح ريتشارد أحدهما، وبهذا يضمن أن يتجه به الحصان إلى قرينته (الفرس التي يمتطيها صلاح الدين) فيقع في الشرك في اللحظة الحاسمة، لكن ريتشارد يروض هذا السحر!

جاءت الترجمة ضعف حجم الكتاب الأصلي بما أضافه المترجم من هوامش وتوضيحات وإضافات كلما كانت هناك حاجة... عائداً إلى المصادر العربية الأصلية

وفي الروايات الفرنسية مخزون وافر من الأساطير حول صلاح الدين، ففي «حكايات منشد ريميس ـ 1876» كثير من المشهيات الإيروتيكية، حيث يضرب المنشد عرض الحائط بوقائع التاريخ ويجعل لصلاح الدين مغامرات مع إليناور دوقة آكيتاين، التي أصبحت فيما بعد زوجة هنري الثاني وأم ريتشارد الأول، لكنها في وقت القصة كانت زوجة لويس الشاب ملك فرنسا، وكان صلاح الدين صبيّاً.

في روايات القرون الوسطى تعميد مسيحي لصلاح الدين وأوقاف أوقفها لدير مسيحي، ولا يستبعد ستانلي لين بول أن يكون السير والتر سكُوت؛ صاحب رواية «الطلسم ـ 1835»، قد قرأ تلك الروايات ذات الخيال المجنح على الرغم من أنه لم يترك نفسه تماماً لها، وتتسم روايته بتحريف أقل، وإن بدا أن صاحب الطلسم لم يعرف أن صلاح الدين وريتشارد لم يلتقيا مطلقاً وجهاً لوجه رغم متانة العلاقة بينهما سواء أكانت عدائية أم دبلوماسية. مع ذلك؛ فصورة صلاح الدين مرسومة ببراعة ودقة فريدة، ولتلك الرواية يدين صلاح الدين باختصار اسمه الذي صار معتمداً في الأدبيات الغربية «Saladin»؛ اسماً ذائع الصيت لا يحتاج صاحبه إلى تعريف.

ويتعجب سكُوت من أن الشرق، الذي كان مصدراً لكثير من الحكايات الجذابة، يكاد يكون قد أهمل صلاح الدين كليّاً في أدبه الروائي، على الرغم من أن «ألف ليلة وليلة» لا تستخف بالقصص الصليبية، والشاهد على ذلك «حكاية الملك عمر بن النعمان وولديه شركان وضوء المكان». وحكاية الملك عمر النعمان، التي يشير إليها ستانلي لين بول، من أطول حكايات «الليالي»؛ تحتل «الليالي» من الرابعة والأربعين حتى الليلة السابعة بعد المائة، وتتناول حروباً بين ذلك الملك وولديه مع النصارى، ما بين القسطنطينية ودمشق وبغداد، وتتسع حركة الأبطال لتشمل الحجاز والقدس. أسباب الحروب في القصة أعمال قرصنة وخطف لبنات الملوك وليست حروب عقيدة، وإن وردت العقيدة في الخلفية، ويقول الراوي في بدايتها إنها وقعت قبل زمن عبد الملك بن مروان، بينما ترد في سياق القصة حكايات عن شخصيات من زمن تالٍ مثل أحمد بن حنبل وبشر الحافي، وهذا دأب «ألف ليلة وليلة» في مراوغة التاريخ.

إلا إن اسم صلاح الدين لا يرد ولو مرة واحدة في «الليالي»، ويعد الإهمال أكثر غرابة إذا ما عرفنا أن «الليالي» أخذت صيغتها الأخيرة في القاهرة، حيث كان منشئ القلعة دائماً بطلاً محبوباً. ويعلل ذلك بأن المسلمين معجبون بانتصارات صلاح الدين، بينما كان كرم الشخصية، وليس نجاح المسيرة، هو الذي أسر الأوروبيين. ربما نستطيع أن نضيف هنا تكهناً آخر، إلى تكهن لين بول، وهو أن سيرة السلطان انسجمت مع رواية الفروسية التي كانت جنساً أدبيّاً أوروبيّاً مسيطراً في ذلك الوقت.


مقالات ذات صلة

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».