الأدب العربي إنساني وإن لم يوجد على الرفوف اللندنية!

خلل في عملية الترجمة ذاتها وما يسبقها ويصاحبها من إشكالات

أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
TT

الأدب العربي إنساني وإن لم يوجد على الرفوف اللندنية!

أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته

يبدي الزميل فاضل السلطاني - محرر الثقافة والكتب - في «الشرق الأوسط»، في مقالته «لا تستغربوا أن الأمم الأخرى لا تقرأنا» مزيجاً من استغراب واندهاش واستياء من عدم توفر الكتاب العربي المترجم في مكتبات العاصمة البريطانية (لندن). فعلى الرغم من تكرار ذكر الكثير من الأدباء العرب لترجمات أعمالهم إلى اللغات الأوروبية في سيرهم الذاتية على حد قوله، إلاّ أنه يُصدم بحقيقة عدم وجودها على رفوف المكتبات. ويتساءل: أين تمضي كل هذه الترجمات لجيش هائل من الكتّاب العرب؟... أين هذه الترجمات؟ ويخلص في تشخيصه لأسباب الظاهرة إلى أن خلو رفوف المكتبات من الكتب الأدبية العربية المترجمة مرده إلى «أننا لم نكتب أدباً إنسانياً بعد ممكن أن يصل إلى الإنسان في كل مكان غرباً وشرقاً، وفي كل زمان، ما عدا استثناءات قليلة في تاريخ طويل جداً...».

بصراحة لا أستطيع الاتفاق مع الزميل السلطاني في تجريده الأدب العربي من «إنسانيته»، وأقول جازماَ وبثقة إنني لست الوحيد الذي يخالفه الرأي، فالأدب العربي إنساني مثل كل آداب الأمم والشعوب الأخرى. أما عدم رواج المترجم منه في الثقافات الأخرى فتلك ظاهرة تكتنفها ظروف وملابسات خاصة ولها أسباب، ليس من المنطقي، ولا من العدل، اختزالها في سبب واحد، وتحميل الأدب العربي المسؤولية عن ذلك.

أعتقد أن أحد أسباب «كساد» الكتاب العربي المترجم في أسواق الكتب الأجنبية، إذا صح التعبير، هو الخلل في عملية الترجمة ذاتها وما يسبقها ويصاحبها من ظروف وإشكاليات. طبيعي أن لا ينتهي ما يبدأ بخلل نهايةً إيجابيةً، كما يحدث لبعض، إن لم يكن الكثير من مبادرات الترجمة الفردية، التي يتوهم أصحابها الوصول إلى العالمية، بمجرد نقل إبداعاتهم إلى لغات أجنبية، خصوصاً الإنجليزية أو الفرنسية.

كتاب لا يحقق انتشاراً في وطن مُؤَلِفِّه، تكون فرص رواجه ومقروئيته في أوطان الآخرين ضئيلة للغاية إن لم تكن معدومة

 فغالباً ما تبدأ تلك المشروعات الفردية ببحث الكاتب عمن يترجم كتابه، ثم تسليم الترجمة بعد إنجازها إلى ناشر - عادة ما يكون صغيراً أو مغموراً - لا يهمه سوى أن يتحمل المؤلف تكلفة النشر، وينتهي الأمر عند هذا الحد. فلا المؤلف، ولا المترجم، ولا الناشر تشغلهم مسألة ما بعد الترجمة وما بعد الطبع، وهي مسألة لا تقل أهمية عن الترجمة نفسها. فمن الطبيعي ألاّ تصل الكتب المترجمة إلى رفوف المكتبات في البلدان الأوروبية وغير الأوروبية، بالإضافة إلى أنه لا يرد لها ذكر في الصحافة الثقافية الأجنبية بسبب أن المؤلف لم يعر اهتماماً لانتشار ورواج كتابه المترجم، ولم يكن ذلك ضمن الاتفاقية بينه والناشر. فما لم يهتم به صاحب الكتاب لن يكترث به الناشر، الذي يتسلم تكلفة الطباعة مقدماً.

إلى جانب الرغبة في الوصول إلى العالمية بدون الأخذ بالإجراءات التي من شأنها تسهيل وصول الكتب المترجمة إلى قرائها في الثقافات الأجنبية، يتعثر معظم تلك الكتب، أو كلها، في الطريق إلى الطيات المستهدفة بسبب أنها لم تحقق، في موطنها الأصلي، مقروئية وشهرة واسعة تجذبان القراء الأجانب إليها. فكتاب لا يحقق انتشاراً في وطن مُؤَلِفِّه، تكون فرص رواجه ومقروئيته في أوطان الآخرين ضئيلة للغاية إن لم تكن معدومة؛ لذلك لا يرى السلطاني أو غيره كتباً من هذا النوع على الرفوف، سواء في لندن أو في غيرها من المدن، لأنها مشروعات ترجمة عبثية، لا تتجاوز أهميتها كونها خبراً في ملحق ثقافي أو تغريدة (تويترية) لحصد «اللايكات» من الأصدقاء، إنها ترجمات تولد لتموت، أو لـتسقط «في الطريق إلى نوافذ قرطبة» ونوافذ مدن غيرها.

لا أستبعد أن المصير نفسه ستواجهه حتى تلك الترجمات التي تنجز ضمن مشروع ثقافي وطني إن لم تؤخذ مسألة ما بعد الترجمة في عين الاعتبار والاهتمام. فوزارة الثقافة، في أي بلد، لا تملك عصا سحرية تؤمئ بها على ما تترجمه من كتب فتنتشر وتصبح مقروءة، وعلى نطاق واسع، في البلدان الأخرى. إن إهمال مسألة الترويج والتوزيع قمين بتحويل مشروعات الترجمة الوطنية إلى قنوات هدر للثروة.

والجوائز الأدبية عامل آخر يسهم بدرجة كبيرة في رواج الكتاب المترجم، وعدمها مانع أو مبطئ لرواجه وانتشاره. الجوائز تضفي على العمل الإبداعي قيمة إضافية، وترمز إلى اعتراف بأفضليته على أعمال أخرى؛ رغم حقيقة أن الجائزة، أي جائزة، تمثل رأي واختيار لجنة التحكيم، وبالتالي فإن أفضلية العمل الفائز نسبية. وعندما يستند مشروع الترجمة والنشر على اتفاقيات مع دور نشر مرموقة، أو بتعاون مع مؤسسات ثقافية يحدد واجبات وحقوق الأطراف، ستكون فرص انتشار وقراءة العمل المترجم عظيمة.

وتُحددُ مصيَر ترجمات الأعمال الأدبية العربية أيضاً، الميولُ القرائية عند الآخرين. فهنالك شعوب لا تهتم، بشكل عام، بالآداب الأجنبية المترجمة إلى لغاتها. ولعل الأميركان في طليعة تلك الشعوب. الأميركيون لا يقرأون الآداب الأجنبية - هذا ما يقوله الأميركيون عن أنفسهم - ما لم تكن الأعمال الأجنبية المترجمة فائزة بجوائز، أو لكونها للمشاهير من الأدباء.

 

لا أعتقد أن لهذا الموقف علاقة بالاستعلاء والتعالي على الآخر وإنتاجه الأدبي، إنما للشعور بالاستغناء والاكتفاء، لأن آداب العالم كلها في أمريكا إلى حد ما، وليس في هذا القول أي مبالغة. فلكون المجتمع الأمريكي مركب ديموغرافي فسيفسائي من أعراق وإثنيات متعددة تمتد جذورها وأصولها إلى جميع أنحاء العالم تقريباً، فإن الثقافة الأمريكية كآنية سلطة كبيرة من ثقافات متعددة، والأدب الأمريكي بِمجمله مركب من آداب لا مجال لحصرها وذكرها هنا. ربما لهذا السبب لا يلتفت الأميركيون لما هو أجنبي ما لم يأتِ إليهم تسبقه شهرته أو خبر فوزه بجائزة.

فبعد فوز الروائي عبد الرزاق قرنح بجائزة نوبل، على سبيل المثال، أفاق الأميركيون على حقيقة عدم توفر كتبه. تقول ألكسندرا آلتر: «أصيب العديد من القراء الذين كانوا حريصين على تذوق أعمال قرنح بالإحباط. كان الجمهور هناك فجأة، لكن نسخ كتبه لم تكن متوفرة» (ذا نيويورك تايمز، 27/10/2021). ويكتب جون ماهر في «بَبْلِشَرْز ويكلي»: «غالباً ما تكون مبيعات الأدب الأجنبي في أميركا صغيرة بالنسبة للجميع باستثناء الكتب الأكثر شهرة، وأعمال قرنح ليست استثناء» 7/10/2021. فما بيع من روايته «Desertion, 2005» قبل فوزه بجائزة نوبل، مثلاً، أقل من 2000 نسخة. أما أكبر رقم مبيعات فكان 5763 نسخة من روايته «Paradise» منذ صدورها في 1994. إنه صغير للغاية إذا ما قورن، مثلاً، بمبيعات الرواية الأولى «Cutting for Stone, 2009» للروائي الأميركي الهندي المولود في أديس أبابا - إثيوبيا أبراهام فِرغِيس، إذ بِيْع منها أكثر من 1.5 مليون نسخة داخل الولايات المتحدة وحدها. وربما تحقق روايته الثانية «The Covenant of Water»، التي صدرت في الثاني من مايو (أيار) 2023، رقم مبيعات مليوني أيضاً. ذكرت فِرغِيس لأن سيرته تشبه سيرة قرنح، فكلاهما هاجرا من أفريقيا إلى الغرب: قرنح إلى بريطانيا وفرغيس إلى أميركا.

 


لا أتوقع أن روايات قرنح، حتى بعده فوزه بنوبل، ستحقق في الولايات المتحدة رقم مبيعات مليوني مثل رواية فِرغِيس، ما لم تهب أوبرا وينفري، مثلاً، لترويج بعض رواياته أو كلها، كما تفعل حالياً مع رواية فِرغِيس الجديدة، وكما فعلت لأربع من روايات توني موريسون فزادت مبيعات تلك الروايات الأربع بسبب ما يعرف بــ «تأثير أوبرا/Oprah’s effect» على مبيعات جميع رواياتها بعد هبة الإقبال على شرائها في أعقاب فوزها بجائزة نوبل. ربما يكفي ذكر أن رواية «العيون الأشد زرقة» باعت 800 ألف نسخة بعد إعلان أوبرا مناقشتها في «نادي أوبرا للكتاب».

ولا يختلف الإنجليز كثيراً عن الأميركان في عدم الاهتمام بالآداب الأجنبية، فالقارئ الإنجليزي، حسب المترجم الإنجليزي توني كالدربانك، لا يقرأ الكثير من الأدب المترجم، على النقيض من القارئ الألماني والفرنسي بانفتاحهما على الآداب الأجنبية.

لكن إذا كان القارئ الانجليزي لا يقرأ الأدب الأجنبي، فمن يقرأ إذن الآداب التي يجدها الزميل السلطاني في المكتبات اللندنية: اللاتيني، والصيني، والهندي، والتركي...إلخ؟ إلى أي حد ينطبق كلام كالدرنباك على الواقع؟ هل نحن إزاء قارئ إنجليزي واحد أم قراء عدة؟ وأخيراً، لماذا يغيب الأدب العربي المترجم؟ ربما لأسباب كثيرة ومعقدة، لكن ليس من بينها أن العرب لم يكتبوا «أدباً إنسانياً بعد»!

--------------------------------------

**ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.