التلفزيونات اللبنانية تدعم صناعة المسلسلات المحلية لمكافحة التركية

حرب باردة بين «إم تي في» و«إل بي سي» التي حصدت المرتبة الـ 59 في لائحة المائة الأكثر مشاهدة

بطلا مسلسل «وأشرقت الشمس»
بطلا مسلسل «وأشرقت الشمس»
TT

التلفزيونات اللبنانية تدعم صناعة المسلسلات المحلية لمكافحة التركية

بطلا مسلسل «وأشرقت الشمس»
بطلا مسلسل «وأشرقت الشمس»

«ما تنسى تلاقيني الساعة سبعة» هذه العبارة كانت بمثابة العنوان العريض للحملة الإعلانية الترويجية للمسلسلات اللبنانية على شاشة «إم تي في»، فقد اعتمدت المحطة المذكورة هذا التوقيت بالذات (السابعة مساء) ليشكّل صمام الأمان لأعمال الدراما المحلية؛ إذ كان سبق وخصص ليكون النافذة اليومية التي تطلّ منها المسلسلات التركية على شاشتها. فمختلف محطات التلفزة في لبنان عمدت منذ أكثر من سنتين إلى عرض الدراما المدبلجة، ولا سيما التركية منها، في هذا الوقت، لاعتباره موعد الذروة في الفرجة، بسبب اجتماع أفراد العائلة الواحدة، وهو ما يشكّل بداية السهرة.
هذه الحملة الترويجية التي أرادتها «إم تي في» وسيلة لإيصال رسالة مباشرة إلى باقي محطات التلفزة المحلية من ناحية، ولكسر قاعدة «ذهبية» متبعة من ناحية ثانية، استهلتها بعرض يومي لمسلسل لبناني بعنوان «اخترب الحي». يحكي المسلسل قصص حي شعبي تنقلب أوضاعه مع دخول أحد الأشخاص على حياة سكّانه، وهو من كتابة كارين رزق الله وإخراج جيسيكا طحطوح.
يشهد المسلسل نسبة إقبال لا يُستهان بها من قبل الشباب اللبناني، الذي وجد فيه فترة استراحة خفيفة يتمتّع بها، تفصل ما بين دوامه الجامعي أو المدرسي وساعات الدراسة المنزلية. قريبا تستعد «إم تي في» لإطلاق حملة ترويجية أخرى في هذا الخصوص بعنوان «عالسبعة حضار لبناني»، ليصبح هذا التوقيت بمثابة ماركة مسجلة باسمها.
مدير البرامج في «إم تي في» كريستيان الجميل يعلّق على هذه المبادرة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هي خطوة جريئة وفريدة من نوعها؛ إذ لم يسبق أن اتبعها أحد التلفزيونات اللبنانية قبلنا، كما أن عملية إنتاج مسلسل مشابه تتطلّب تكلفة عالية ووقتا للتحضير والتصوير لا يمكن أن يتحملهما إلا أربابها». ويضيف: «لقد أخذنا على عاتقنا هذه المهمة التي نعتبرها نجحت بامتياز كون نسبة المشاهدة ما بين الحلقة الأولى والرابعة عشرة تضاعفت، وننتظر زيادة هذه النسبة في الأيام القليلة المقبلة، لا سيما أن المسلسل يتألف من 180 حلقة».
وبسؤاله ما إذا كانت هذه الخطوة بمثابة مقدّمة للاستغناء عن المسلسلات التركية في المستقبل؟ يردّ: «نقولها بكل صراحة: نعم. هذا هو هدفنا، وأعتقد أن باقي التلفزيونات ستتبع طريقتنا في المستقبل، ولكننا سنكون المؤسسين لها»، ويختم بالقول: «هدفنا الأول والأخير هو تشجيع صناعة الدراما اللبنانية، وعرضها الساعة السابعة مساء، كان بمثابة مغامرة أقدمنا عليها، لأننا نثق بإنتاجاتنا».
لم تتأثر قناة «إل بي سي آي» المستهدفة الأساسية من هذا التغيير، فحسب القيمين عليها، فإن التوقيت الذي تتبعه في شبكة برامجها، ولا سيما المسلسلات منها ما زال يحصد أهم مراتب نسب المشاهدة. وأكبر دليل هو أرقام الإحصاءات التي تشير إلى ذلك بوضوح.
فحسب إحصاء لائحة البرامج المائة الأكثر مشاهدة «100 most watched episodes» الصادرة عن شركة «ستات ايبسوس»، فقد شكّلت حصة الدراما اللبنانية النسبة الأكبر من مراتب اللائحة التي تتضمن أكثر ما شاهده اللبنانيون عام 2013 على الشاشات الصغيرة.
وحققت حلقات الدراما اللبنانية التي عرضتها «إل بي سي آي» المرتبة 59 من أصل المائة.
فمسلسل «وأشرقت الشمس» حصد وحده 26 مرتبة في اللائحة، كما حققت إحدى حلقاته المرتبة الأولى فيها. بينما دخل مسلسل «لعبة الموت» هذه السباق بـ15 حلقة. وتكرّ السبحة لتشمل مسلسلات «عندما يبكي التراب» و«آميليا» و«عيلة عا فرد ميلة» بحيث حصد الأول ثماني حلقات، والثاني سبعا منها، والثالث ثلاث حلقات من اللائحة المذكورة.
أما فيما يخص المسلسلات التركية، فلم تشأ المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي آي) إجراء أي تغيير في توقيتها، وأبقت على عرضها مرتين في اليوم الواحد. فحاليا يتابع اللبنانيون مسلسلي «ياسمين» في السابعة مساء (طيلة أيام الأسبوع ما عدا السبت والأحد) و«على مر الزمان» في الـ11 من كل ليلة. وتقول مديرة البرامج في «إل بي سي» جوسلين بلال لـ«الشرق الأوسط»: «نوعية العمل هي التي تفرض نفسها على التوقيت الذي نتبعه، فمستوى العمل يبقى المحفز الأول لذلك»، وتتابع: «لقد كنا أول من أعطى الدراما اللبنانية حقّها، فعرضناها لأكثر من مرة في الأسبوع الواحد، وهو أمر لم يكن سائدا قبلنا. فعادة ما كان اللبنانيون يتابعون هذه المسلسلات بشكل متقطّع، بحيث تفصل بين كل حلقة وأخرى أسبوع بأكمله. هذا الأسلوب الجديد الذي اعتمدته المؤسسة اللبنانية للإرسال منذ نحو عامين ساهم في جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، مما دفع بباقي محطات التلفزيونات اللبنانية أن تتبعه بدورها».
هذا الصراع التلفزيوني على جذب أكبر شريحة من المشاهدين تركّز بشكل أولي على المسلسلات المحلية. ولوحظ في الآونة الأخيرة دفع مبالغ طائلة مقابل الحصول على حقوق عرض مسلسل ما على الشاشة الصغيرة. ولعلّ مسلسل «وأشرقت الشمس»، الذي فازت به «إل بي سي»، بعد أن دفعت، كما تردد، مبلغ «33 ألف دولار» مقابل الحلقة الواحدة منه هو أكبر دليل على الحرب الباردة الدائرة بين القنوات المحلية، ولا سيما بين «إم تي في» و«إل بي سي». وحسب ما دار في الكواليس، فإن المسؤولين عن هذا الموضوع في المحطة الأولى يعدّون أنهم لعبوا دورا أساسيا في رفع هذه الكلفة إلى هذا الحد، بعد عمل ما يشبه المزاد العلني للفوز به، وأنه عندما وصل السعر إلى هذا المستوى تركوه لـ«إل بي سي» لتتخبط بتكلفته العالية. إلا أن «حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر» كما يقول المثل اللبناني، لأن المسلسل حقق أعلى نسبة مشاهدة بين المسلسلات اللبنانية التي عُرضت في ذلك الموسم.
«إم تي في» التي بدأت في موسم الشتاء بعرض مسلسل تركي «القبضاي» في السابعة مساء، واستبدال به فيما بعد آخر لبنانيا «اخترب الحي»، كانت قد استبقته بمسلسل «حبيب ميرا»، الذي يعرض مرتين أسبوعيا في الثامنة والنصف مساء. ويقول كريستيان الجميل في هذا الصدد: «كل ما في الأمر أننا كنا نحضّر لمسلسل (اخترب الحي) فعرضنا (القبضاي) مؤقتا إلى حين جاهزية الأول، فكما تعلمون إنتاج مسلسل ما وتصويره والتحضير له يتطلب وقتا طويلا، وعندما صار في متناول يدينا بدأنا في عرضه».
هذه الخطوة المفاجئة التي استحدثتها «إم تي في» أخيرا هي نتيجة منافسة ساخنة تحدث بينها وبين «إل بي سي» بشكل واضح منذ عودة الأولى إلى الساحة التلفزيونية. فقد توقفت «إم تي في» عن العمل قسريا عام 2002، وعادت عام 2009.
قد تكون صناعة الدراما اللبنانية هي المستفيد الأول من هذه المنافسة العلنية بين المحطتين الأقوى حاليا، إضافة إلى أنها تضع الـ«إم تي في» في مقدمة التلفزيونات الراعية لها من ناحية ثانية.
استبدال الأعمال اللبنانية بالتركية قد يكون ضربة موفّقة لـ«إم تي في»، إلا أن مضمون الثانية وإيقاع الأحداث الدائرة فيها يشبهان إلى حد كبير الأسلوب المتبع في الدراما التركية الركيكة، الأمر الذي أثار حفيظة المشاهدين الذين أبدوا أفضلية للإنتاجات التركية، لأنها تبقى أكثر تشويقا حسب قولهم. أما مدير البرامج في الـ«إم تي في»، فيدافع قائلا: «يا ليتنا نصل إلى مستوى الانتشار الذي حققته الأعمال التركية، وإذا كنا نشبّه فيها اليوم، فهو أمر نعتز به بالطبع».
في إمكاننا أن نعد كل ذلك حربا باردة أو منافسة شرسة تجري بين القنوات المحلية اللبنانية، تحت عنوان «لعيون المشاهد»، إلا أنها في النهاية تصب في مصلحة الأعمال الدرامية اللبنانية. وعلى الرغم من أن المشاهد لا يستسيغ كثيرا متابعة المسلسلات الطويلة الأمد على طريقة المسلسلات المكسيكية أو تلك التي تذكرنا بـ«دالاس» و«داينستي»، إلا أنه لن يتوانى عن تشجيعها بين الحين والآخر حبا بنجومها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».