الأجهزة الأمنية اللبنانية تتعايش مع الأزمة المالية بفضل مساعدات الخارج

عمداء متقاعدون يضطرون للعمل في الزراعة أو سائقي سيارات أجرة

عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
TT

الأجهزة الأمنية اللبنانية تتعايش مع الأزمة المالية بفضل مساعدات الخارج

عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)

لم يعد حدثاً عابراً أن يطلب عميد سابق في الجيش اللبناني عبر الهاتف على أحد التلفزيونات المحلية عملاً كناطور مبنى أو عامل تنظيفات في إحدى البلديات بعدما لم يعد راتبه الذي قال إنه يبلغ 220 دولاراً أميركياً يكفيه لتأمين مقومات العيش الأساسية له ولأسرته.

فالعميد المتقاعد الذي كان يتقاضى شهريا نحو 6 ملايين ليرة لبنانية، أي ما كان يوازي 4 آلاف دولار أميركي وكان يعيش برفاهية، بات بعد الانهيار المالي الذي يشهده لبنان منذ عام 2019 في عوز ويضطر للعودة للعمل في سنوات متقدمة من عمره، خاصة أن قسما كبيرا من العمداء الذين أنهوا خدمتهم العسكرية حُجزت مدخراتهم في المصارف كما كل المودعين اللبنانيين، وباتوا يحصلون على مبالغ شهرية منها بالقطارة.

وإذا كان بعضهم يعمل مثلا بالتعليم الجامعي وآخرون في التجارة فإن بعضهم لجأ للزراعة ولمشاريع صغيرة. أما أولئك المتقدمون في السن فيجدون صعوبة في العودة إلى سوق العمل.

ويقول العميد المتقاعد جورج نادر لـ«الشرق الأوسط»: «صعوبات كثيرة تعترضنا كعسكريين متقاعدين. هناك ضباط يعملون في شركات متخصصة بالحماية والأمن، بعضهم في مسابح وآخرون في مهن أخرى. أنا أزرع الأرض حول بيتي وأبيع الزعتر والعنب كما أن أولادي يساعدونني في المصاريف»، متسائلا: «في أي بلد في العالم نسمع أن عميداً متقاعداً يبلغ من العمر 82 عاما يبحث عن عمل ويطلب المساعدة ليكون ناطور مبنى... مع احترامنا لكل المهن دون استثناء!».

عنصر من الجيش يتدرب على سلاحه (مديرية التوجيه)

رواتب رمزية!

حال العمداء المتقاعدين تبقى أفضل بكثير من أحوال العناصر الأدنى رتبا، سواء الذين ما زالوا يوجدون في السلك أو الذين أحيلوا إلى التقاعد. ويختصر تلاشي قيمة الرواتب حجم التحديات التي يرزح تحتها هؤلاء. فرغم الزيادات التي أقرتها الحكومة مؤخرا وبلغت نحو 3 رواتب إضافية، بقيت المعاشات أقل من ربع ما كانت عليه قبل الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

وفيما يلي رواتب العسكريين بالدولار قبل وبعد الأزمة:

جندي: 800 - 100

عميد: 4800 - 330

لواء: 6000 - 420

قائد الجيش: 6200 - 530

ويتقاضى العسكريون إلى جانب هذه الرواتب منذ مدة مساعدة مالية دولية عبارة عن 100 دولار أميركي شهريا. ويشكل مبلغ الـ100 دولار جرعة أكسجين لعناصر الجيش الذين ينتظرون قبضه بفارغ الصبر لسد بعض احتياجات عائلاتهم.

ويسعى قائد الجيش العماد جوزيف عون جاهدا مع الدول الصديقة للبنان ليكون هذا المبلغ متوافرا دائما لعسكرييه لدعم صمودهم ولعلمه بأن الرواتب ومهما ارتفعت بالليرة اللبنانية تبقى رمزية بعدما ارتفع سعر صرف الدولار من 1500 ليرة للدولار الواحد قبل عام 2019 إلى نحو 93 ألفا للدولار حالياً.

ولا يأبه قائد الجيش بكل الانتقادات التي تطوله ومعظمها بخلفيات «الانتخابات الرئاسية» لجهة قبوله مساعدات مالية خارجية والتصرف بها دون الرجوع إلى وزراء الدفاع أو الحكومة، إلى حدّ اعتبار بعض منتقدي العماد عون أنه حوّل الجيش «منظمةً غير حكومية يموّلها الخارج».

ويُعد رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل أبرز معارضي ومنتقدي عون. ولاقت تصريحات باسيل استياء عناصر وضباط الجيش الذين يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط»: «بدل أن يشدوا على يد القائد الذي يبقي المؤسسة صامدة من خلال علاقاته بدول تمدنا بالأكسجين، يواجهونه ويحاربونه، علما أنهم يعلمون تماما أن هذه الدول لا تثق بمؤسسات الدولة وبالقيمين عليها الذين سرقوا أموال الناس بسياساتهم، لذلك تحول الأموال مباشرة للجيش لثقتها بالقائد».

إجراءات استثنائية

وتشير مصادر مواكبة لما يقوم به العماد عون إلى أن «الجيش هو الجهة الوحيدة بين الأجهزة الأمنية التي تؤمن الطبابة لعناصرها وعائلاتهم بفضل المساعدات الأميركية وبعض مساعدات الدول الأخرى كما مبالغ يقدمها لبنانيون لدعم المؤسسة، بحيث لا يُجبر هؤلاء على دفع أي مبلغ قبل الدخول إلى أي مستشفى».

وتعد المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم مرور أكثر من 3 أعوام ونصف على الأزمة المالية وكل التحسينات التي طالت الرواتب والمساعدات، فإنه لا يمكن القول إن العسكر تأقلموا مع الواقع الحالي، وإن كنا على ثقة أنه رغم صعوبة الوضع فإن المؤسسة ستبقى قائمة لثقة العناصر والضباط بأن القائد يقوم بواجباته وزيادة لتحسين أوضاعهم».

وتضيف: «كل فترة يحصل العسكر على حصص غذائية مجانية كما أن هناك مواد تباع لهم بسعر مدعوم. أضف أنه تم تقليص عدد أيام الخدمة وتم تحديد مراكز خدمة العناصر تبعا لقربها من منازلهم. من دون أن ننسى خطة النقل المعتمدة بعد شراء باصات لوضعها بتصرف العسكر في القطع المتحركة. كذلك تقوم بعض الوحدات بالزراعة والاستفادة من المحصول كما أن بعضها الآخر يعمل بعدد من الصناعات، وهذا ما يحول جيشنا لجيش منتج. من دون أن نغفل عن تحويل أكثرية المراكز للطاقة الشمسية».

غض نظر

ويقول الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم زيادة الرواتب وإعطاء بدل نقل ومساعدات شهرية بالدولار لكن معاشات العسكريين وباقي عناصر الأجهزة الأمنية لا تتجاوز ربع ما كانت عليه، وهو ما دفع كثيرين لمغادرة هذه الأسلاك أو للعمل بعد الدوام وفي أيام العطل في المطاعم، تخليص المعاملات، سائقي تاكسي، وفي كثير من المهن الأخرى»، لافتا إلى أن «قيادة المؤسسة العسكرية تعلم ذلك وتغض النظر لإبقاء العسكريين في السلك»، بعلم من قيادات مؤسساتهم واعتماد سياسة غض النظر.

ويعمل ن. ح (33 عاما) وهو معاون في الجيش اللبناني في أحد المطاعم الشهيرة في بيروت في دوام مسائي منذ أكثر من عامين ونصف بعدما بات راتبه لا يتجاوز الـ7 ملايين ليرة ونصف المليون أي ما يوازي 80 دولارا أميركيا. وهو يتقاضى عن كل يوم عمل كنادل في المطعم نحو 10 دولارات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لو أنني أتكل حصرا على راتبي في الجيش لكنت مت من الجوع. أنا منهك جسديا ونفسيا لكنني أعلم أن لا خيار آخر لدي للاستمرار وتأمين حاجات أسرتي».

قوى الأمن: الوضع أصعب!

من جهته، لم يفقد ف. ع (28 عاما) وهو أحد عناصر الوحدات الخاصة في قوى الأمن الداخلي الأمل من قبول طلب تسريحه. إذ ورغم الكثير من المساعي التي بذلها، تصر قيادة قوى الأمن الداخلي على رفض طلبه والكثير من الطلبات الأخرى حرصا على المؤسسة واستمراريتها. ويقول الشاب العشريني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ فترة تعرفت على فتاة أوروبية أرغب في الارتباط بها والمغادرة للعيش معها في أوروبا لعلمي بأن لا مستقبل لنا اليوم هنا بهذا الراتب الذي نقبضه والذي لا يكفيني كشاب أعزب. فكيف الحال إذا أردت تأسيس أسرة!».

ويعمل هذا الشاب مدربا رياضيا في أيام العطل، وهي مهنة لجأ إليها كثير من العناصر الأمنيين، إضافة إلى أن الكثير منهم وبعضهم ضباط، يعملون ليلا بركن السيارات أمام المطاعم كما في أعمال صيرفة.

ولم يعد خافيا أن أوضاع العناصر الحاليين كما المتقاعدين في قوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية الأخرى أصعب من أحوال العسكريين باعتبار أن هؤلاء ما زالوا يدخلون وعائلاتهم المستشفيات مجانا بخلاف باقي العناصر الأمنيين الذين لم تعد المؤسسة تغطي إلا 5% من الفاتورة الاستشفائية.

ويقول المؤهل أول المتقاعد من قوى الأمن الداخلي جورج الحاج موسى: «عندما كنا في السلك كان الجميع يحسدنا باعتبار أننا كنا نُعد ضامنين لآخرتنا، أي لدينا تعويض محترم واستشفاء مجاني... ليتبين أن المسؤولين (جابولنا آخرتنا). سرقوا أموالنا وأفلسوا البلد». ويضيف الحاج موسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «قلبوا حياتنا رأسا على عقب فمن كان في السلك راتبه ألفي دولار أميركي أصبح اليوم 70 دولارا».

ويشير إلى «أن العناصر كما المتقاعدين والذين من المستحيل أن تغطي رواتبهم فواتير الاستشفاء الباهظة إما يلجأون لسياسيين لمساعدتهم أو يعتمدون على مغتربين من أقاربهم، أما البقية فيلازمون منازلهم ويعضون على الجرح»، مضيفا: «أنا مثلا بحاجة لعملية جراحية لكنني أؤجلها لأن الأولى بالنسبة إلي تأمين تكاليف تعليم ابني... نحن نعيش بمذلة، فقد حرمونا من كل شيء حتى الكميات المحدودة من البنزين المجاني علما أنها حق لنا بالقانون».

وكما الجيش تتلقى باقي الأجهزة الأمنية مساعدات خارجية ولكن ليس بالمقدار عينه ما يبقيها قائمة ومستمرة. ففيما تتمكن قيادة الجيش من خلال المساعدات التي تصلها من تغطية طبابة العسكريين الحاليين والمتقاعدين لا تكفي المساعدات التي تصل لباقي الأجهزة لذلك. وكما العسكريين يحصل عناصر قوى الأمن الداخلي على 100 دولار شهرياً إلى جانب رواتبهم بإطار المساعدات الأميركية للأجهزة الأمنية.



وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.